دروس مقررة — النصوص المتاحة
100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 29 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 39 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 40 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 41 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 42 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 43 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 44 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 45 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 46 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 47 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 50 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 66 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 77 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 83 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 101 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 102 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 103 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 104 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 105 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 59
059
الباب الخامس: الحجة وهيئة تأليفها أو مباحث الاستدلال
تصدير
إن أسمى هدف للمنطق وأقصى مقصد له هو مباحث الحجة، أي مباحث المعلوم التصديقي الذي يستخدم للتوصل إلى معرفة المجهول التصديقي. قلنا إن من أهم أبحاث علم المنطق هو مباحث الحجة، ولا نبالغ إذا قلنا إن أهم بحث في علم المنطق هو مبحث الحجة.
حتى فيما يرتبط بالقسم الأول من علم المنطق وهو باب المعرف، فإنه أيضاً إنما نحتاج إليه باعتبار أننا نحتاج إلى فهم مفردات القضية، لأنه بعد ذلك سيتبين بأن أهم مبحث في مباحث الحجة هو مبحث القياس، والقياس يتكون من عدة قضايا، والقضية تتكون من المفردات. ومن هنا نحن احتجنا إلى بحث المعرفات؛ إذاً، البحث عن المعرف إنما كان لفهم مفردات القضية. لذا، لماذا نفهم مفردات القضية؟ نفهم مفردات القضية لكي يمكن تكوين القضية. لماذا نحتاج إلى تكوين القضية؟
إذاً، البحث الأساسي في علم المنطق هو البحث عن الحجة، والحجة على ثلاثة أقسام: إما القياس، وإما الاستقراء، وإما التمثيل.
ما هو المراد من القياس؟ ما هو المراد من الاستقراء؟ ما هو المراد من التمثيل؟ فيما يرتبط بالتمثيل، فإنه لا يوجد فيه بحث كثير، ستأتي الإشارة إلى ذلك بعد الانتهاء من مبحث القياس ومبحث الاستقراء. إنما المهم هو البحث عن القياس والبحث عن الاستقراء والفرق ما بين القياس والاستقراء.
القياس تعريفه سيأتي بعد ذلك، ولكنه بنحو الإجمال: القياس هو ذلك الذي يؤدي أو تلك المقدمات التي تؤدي إلى نتيجة، وبعبارة واضحة: المقدمات المعلومة التي تؤدي إلى الكشف عن أمر مجهول، وهذا الذي تقدم البيان وتقدمت الإشارة إليه، أن مباحث الحجة إنما هي للكشف عن المجهول التصديقي بواسطة المعلومات التصديقية، وبينا فيما سبق ما هو المراد من التصديق وما هو المراد من التصور. في القياس وفي الاستقراء، نحن في كلا البابين في كلا الطريقين نتوصل إلى الكشف عن مجهول تصديقي بواسطة المعلومات التصديقية، ولكن الفرق المهم الموجود بينهما هو أن القياس دائماً أبداً النتيجة فيه إما أخص من المقدمات، وإما مساوية للمقدمات، وهذا بخلافه في الاستقراء، فإن النتيجة دائماً -طبعا الاستقراء الذي هو محل الكلام وهو الاستقراء الناقص، وإلا الاستقراء التام فإن النتيجة تكون مساوية للمقدمات- الاستقراء الناقص تكون النتيجة دائماً وأبداً أكبر من المقدمات.
إذاً، الفرق الأساسي بين القياس وبين الاستقراء أن القياس نتيجته دائماً إما مساوية للمقدمات وإما أصغر. مثال المساوية: تقول: الحيوان إما صامت وإما ناطق، والحصر حصر عقلي لأنه لا يخرج عن أحد هذين القسمين: إما صامت وإما ناطق، والصامت يموت والناطق يموت، فالحيوان ماذا؟ يموت. فالحيوان يموت، النتيجة مساوية أو غير مساوية؟ نعم، مساوية للمقدمات، لأن الحيوان مساو للصامت والناطق. إذاً، إما أن النتيجة مساوية للمقدمات، وإما أن النتيجة أصغر من المقدمات، كما لو قلت: زيد إنسان وكل إنسان يموت، إذاً زيد يموت، فهنا النتيجة وهي (زيد يموت) أصغر من المقدمات وهي (الإنسان يموت)، أما بخلاف قوله: الحيوان يموت، فإنه مساو لقولنا: الحيوان الصامت يموت والناطق يموت. هناك مساوية، هنا أصغر. إذاً، القياس دائماً وأبداً تكون النتيجة أصغر أو مساوية، وهذا بخلافه في الاستقراء.
هذا المثال المعروف، وهو أنك تجرب على الحديد، فترى أن هذه القطعة من الحديد تتمدد بالحرارة، تلك القطعة من الحديد تتمدد بالحرارة، والقطعة الثالثة من الحديد تتمدد بالحرارة، وألف قطعة من الحديد تتمدد بالحرارة، ومليون قطعة من الحديد تتمدد بالحرارة، ولكن النتيجة التي تأخذها ما هي؟ تقول: وكل قطع الحديد يتمدد بالحرارة. ومن الواضح أن هذه النتيجة أكبر من مقدماتها.
أنت تجرب حبة الأسبرين أو هذه الحبة على الصداع فيشفى من الصداع، على الثاني فيشفى، على الثالث، على الرابع، على العاشر، على المئة، ولكنه تخرج بقانون كلي، تقول: كل من أصيب بالصداع بهذا الشكل فإنه يشفى بواسطة هذه الحبة. أفهذه النتيجة أكبر من المقدمات أو غير أكبر؟ ليست أكبر؟! من الواضح أن النتيجة أكبر من المقدمات.
من هنا طرحت مسألة مهمة في الفكر البشري، وهي أنه لماذا إذا صحت المقدمات لابد أن تكون النتيجة صحيحة وصادقة؟ لماذا إذا صدقت المقدمات لابد أن تكون النتيجة ماذا؟ صادقة؟
فيما يرتبط بالجواب على هذا السؤال في بحث القياس، الجواب كان واضحاً، وهو أنه لابد أن تؤدي هذه المقدمات إلى هذه النتيجة، لماذا؟ لأن النتيجة هي إما أصغر من المقدمات وإما مساوية للمقدمات، والمفروض صدق المقدمات، إذاً لابد أن تكون النتيجة أيضاً ماذا؟ صادقة وإلا يلزم اجتماع النقيضين.
إذاً، النتيجة الصادقة آخذها من القياس، مبناها ماذا؟ مبناها أن اجتماع النقيضين محال؛ لأنه إذا كانت المقدمات صادقة والنتيجة مساوية أو أصغر، فلا بد أن تكون النتيجة أيضاً ماذا صادقة وإلا يلزم اجتماع النقيضين؛ لأننا فرضنا أن هذه النتيجة لا تخرج عن دائرة هذه المقدمات، والمفروض أن المقدمات صادقة، فلو كانت النتيجة كاذبة لزم أن تكون صادقة لا صادقة، والجمع بين صادقة لا صادقة اجتماع للنقيضين وهو محال.
إذاً، المنطق الأرسطي لا يجد مؤونة كبيرة في الدفاع عن النتيجة التي يصل إليها عن طريق القياس، ولكن المشكلة كل المشكلة أين؟ في بحث الاستقراء، فإن النتيجة أوسع من مقدماتها، وإذا كانت المقدمات صادقة، لا يمكن الاستناد إلى قاعدة عدم اجتماع النقيضين -استحالة اجتماع النقيضين- لبيان صدق النتيجة؛ لأنه لا توجد هناك استحالة أن تكون كل المقدمات صادقة ولكن أن تكون النتيجة ماذا؟ كاذبة؛ أن تكون الموجبة الجزئية صادقة وأن تكون الموجبة الكلية ماذا؟ كاذبة، لا ملازمة بينهما. إذا كانت الموجبة الكلية كاذبة، هذا يستلزم منه أن تكون الموجبة الجزئية أيضاً كاذبة؟ لا، قد تكون الموجبة الكلية كاذبة، وهي (كل قطع الحديد تتمدد بالحرارة)، وتكون الموجبة الجزئية وهي المقدمات تكون صادقة، وهي (بعض قطع الحديد تتمدد بالحرارة). ومن هنا تجدون بأنه لا يمكن أن نستند إلى قاعدة استحالة اجتماع النقيضين لإثبات صدق النتيجة في الاستقراء. لماذا؟ باعتبار أن نتيجة الاستقراء أوسع من مقدمة الاستقراء، الدليل الاستقرائي.
فلهذا تجد أن المنطق الأرسطي قال بأن الاستقراء لا يمكن أن يعطي نتيجة يقينية، لماذا؟ لأنه لا يستند إلى قاعدة يمكن الاعتماد عليها، وإذا وجدتم في مورد أن الاستقراء أعطى نتيجة يقينية، اطمئنوا أنه يوجد هناك قياس خفي. ملتفتون للنكتة؟
إذاً، المنطق الأرسطي قال: الوصول إلى نتيجة متيقنة لا يكون إلا عن طريق ماذا؟ عن طريق القياس. وطريق القياس ما هو؟ هو السير من العام إلى الخاص أو من المساوي إلى المساوي. أما إذا كان السير من الخاص إلى العام، وهو الاستقراء، بعد لا يمكن أن يعطي نتيجة يقينية إلا إذا استبطن قياساً، وعند ذلك يفيد النتيجة اليقينية، ولكن لا لكونه استقراء، بل لكونه ماذا؟ لكونه مستبطناً للقياس.
إذاً، المنطق الأرسطي تصوره عن سير الفكر البشري دائماً يقول: إن الفكر البشري يسير من عام إلى خاص، دائماً هكذا. وعلى هذا الأساس -التفتوا جيدا- وعلى هذا الأساس نسأل هذا السؤال، وهو أنه في المنطق الأرسطي توجد معرفة لم تكن معروفة ولو بنحو الإجمال قبل ذلك، أو لا توجد؟ ها؟ لا توجد. لماذا لا توجد؟ لماذا؟ لأنه دائماً النتائج التي يصل إليها موجودة أين؟ موجودة في المقدمات؛ لأننا فرضنا أن السير من العام إلى الخاص. إذاً، تلك النتيجة دائماً بنحو الإجمال أين موجودة؟ موجودة في مقدمات ذلك الاستدلال، ذلك القياس.
أنا من باب المثال أضرب لكم مثالاً من باب التقريب إلى الذهن: أنتم تقولون: زيد إنسان، وكل إنسان يموت. (كل إنسان يموت) هذه الكبرى شاملة لزيد إنسان أو مو شاملة لزيد إنسان؟ شاملة. إذاً، أنت قبل أن تصل إلى نتيجة وتقول: إذاً زيد يموت، أنت علمت بموت زيد أين؟ في نفس الكبرى. وإلا من أين علمت أن كل إنسان يموت؟
إذاً، الاشكال الذي وجه إلى المنطق الأرسطي هو أنه نحن لا توجد عندنا معرفة جديدة، كل هذه النتائج مستبطنة، أيش؟ مستبطنة في مقدماتها، ولكن مستبطنة في مقدماتها بنحو الإجمال، ونحن نريد ماذا من خلال الاستدلال ماذا؟ أن نجعلها مفصلة بعد أن كانت مجملات. ولكنه في منطق الاستقراء يقول لا، بأن السير يكون سيراً من أين إلى أين؟ يكون سيراً من الخاص إلى العام. إذاً، النتيجة التي نصل إليها مستبطنة في المقدمات أو غير مستبطنة في المقدمات؟ ها؟ غير مستبطنة في المقدمات، لا إجمالاً ولا تفصيلاً، وهذا هو الذي أسسه السيد الشهيد (رحمه الله تعالى عنه).
المنطق الأرسطي كان يرى أن التوالد في معلومات البشر لا يكون إلا من خلال السير من العام إلى الخاص، وذلك الخاص دائماً مستبطن ولو بنحو الإجمال أين؟ في ذلك العام. أما المنطق الاستقرائي في كتاب (الأسس المنطقية للاستقراء) يقول لا، إن الفكر البشري، التوالد، توالد المعلومات عند الإنسان ليس مختصاً بالسير من العام إلى الخاص، بل يوجد عندنا طريق آخر لتوالد المعلومات. هسه لماذا نسميه توالد؟ باعتبار أن هاتين المقدمتين في القياس تولد لنا ماذا؟ تولد نتيجة، وهي نتيجة القياس. إذاً، هناك توالد، هناك مولد وهناك متولد: المولد هي مقدمات القياس، والمتولد هي نتيجة القياس. إذاً، المنطق الأرسطي كان يرى أن توالد المعلومات يكون من العام إلى الخاص ولا طريق آخر، يعني كان يقول: هذا طريق لتوالد المعلومات فقط. تقول: استقراء، يقول: استقراء بعد لا يولد. تمثيل، يقول: لا يولد. نحن نجد أن الاستقراء في جملة من الأحيان يولد. يقول: هذا لأنه فيه ماذا؟ فيه قياس خفي، وإلا لو لم يكن فيه قياس خفي لما ولد شيئاً.
السيد الشهيد (رحمه الله تعالى عليه) في كتاب (الأسس) -هذه فقط شطب عليها من المنطق الأرسطي- قال: نعم، هذا طريق لتوالد المعلومات، وهناك طريق آخر لتوالد المعلومات، وهو السير من العام إلى الخاص. يعني السير الذي تكون النتيجة فيه أكبر من المقدمات بالاستعانة بالقياس قال: لا لا لا، نحتاج إلى القياس، لا نحتاج إلى القياس الخفي الذي يقوله المنطق الأرسطي لتتميم حجية الاستقراء.
إذاً، التفتوا إلى النكتة الأساسية هنا: السيد الشهيد لم يقل إن المنطق الأرسطي باطل، قال: ادعاء المنطق الأرسطي أن توالد المعلومات يكون عن طريق السير من العام إلى الخاص فقط، هذه فقط هي الباطلة، وهناك طريق آخر لتوالد المعلومات وهو السير من الخاص إلى العام. فأوجد طريقاً آخر، لا أنه قال: الطريقة الأولى باطله.
هذا الذي كنا نقول في أول بحث المنطق، أن المنطق الأرسطي لم يقم عندنا دليل على أنه الطريقة الوحيدة عقلاً لتوالد المعلومات البشرية. قلنا إن الحصر فيه ليس حصراً عقلياً بل هو حصر استقرائي، إن صح التعبير، يعني أرسطو اكتشف لنا هذا الطريق، وكان هناك طريق آخر لم يلتفت إليه، مع أن الذهن البشري كان يعمله أيضاً، ولكن هو تصور أن ذاك الطريق الآخر هو أيضاً مرجعه إلى القياس. السيد الشهيد قال: لا، ذاك طريق ثاني ولا يرجع إلى القياس. هذه النقطة التفتوا إليها.
المنطق ليس جعل، ليس اختيار، اختراع. المنطق اكتشاف، ودارسين الفرق بين الاختراع وبين الاكتشاف. الاكتشاف هو أن هناك شيئاً موجوداً ولكن أنت تكتشفه، من قبيل أفترضوا الجاذبية، الجاذبية أمر موجود، سواء أنت علمت به أو لم تعلم به، فإن الأرض تعمل ضمن قانون الجاذبية، أو الكوكب الكذا يعمل ضمن... هسه أنت علمت به تستطيع أن تستفيد منه، لم تعلم به لا تستطيع أن تستفيد من آثار ذاتها ومن النتائج المترتبة على فهم ذلك القانون، هذا اكتشاف لقانون موجود. أما صنع الطائرة، هذا مو اكتشاف، هذا اختراع.
المنطق ليس اختراع، يعني أن أرسطو لم يخترع لنا المنطق، وإنما ماذا؟ وإنما اكتشف آليّة التفكير البشرية، قال: البشر عندما يفكرون هكذا يفكرون، ثم حاول أن يعطي قوانين هذا التفكير، وهكذا نجد أن هذه القوانين كلما ازداد الفكر البشري تطوراً وعمقاً وتكاملاً، أيضاً هذه القوانين صارت أدق. السيد الشهيد (رحمه الله تعالى عليه) أيضاً في منطق الاستقراء في منطق الاحتمالات، لا يريد أن يدعي أني اخترعت منطقاً آخر حتى تقولون بأنه كيف يمكن اختراع المنطق؟ هو يريد أن يقول: اكتشفت منطقاً آخر، اكتشفت طريقة أخرى للتفكير، البشر يسيرون عليها، ولكن لم يكونوا ملتفتين أنهم يسيرون ضمن هذه الـ... ما أدري ملتفتين للنكتة؟
إذاً، المنطق ليس هو اختراع، المنطق اكتشاف لآلية التفكير عند البشر، لكيفية تفكير البشر، والفكر البشري والانتقال من المعلومات إلى المجهولات للكشف عنها. طيب، أنت عندما تأتي إلى الفكر الغربي، واحداً من الإشكالات الأساسية التي كانت ترد على المنطق الأرسطي، كانوا يقولون بأنه نحن نصل إلى هذه النتائج لا عن طريق آليّة القياس التي يقول بها المنطق الأرسطي، وإنما نصل إلى هذه النتائج عن طريق آليّة أخرى ميكانيكية وكيفية أخرى، وهذا التي يسمونها بنظرية الاحتمال. ولكن هذه النظرية ونظرية الاحتمال لم تكن مكتشفة قوانينها بنحو دقيق في الفكر الغربي، السيد الشهيد هو الذي اكتشف قوانينها وقال إن الفكر الغربي والفكر البشري في العلوم الطبيعية يسير على أساس السير من الخاص إلى العام، من غير أن يستبطن قياساً، وهو السير من العام إلى الخااااص.
أما ما هو بعد هذا، إن شاء الله موكول إلى دراسة (الأسس المنطقية). فكفد مقدمة قيمة للأسس المنطقية تقريباً، طبعا السيد الشهيد قبل أن يدخل في نفس كتاب الأسس، في نفس كتاب الأسس وبيان نظريته، عنده فد مقدمة حدوداً في 150 صفحة، 146 صفحة، في هذه المقدمة يبين آلية التفكير الأرسطي، ثم يبين آلية التفكير الغربي، ثم يبين كيف آلية التفكير التي يعتقد بها، وأن البشر كيف يفكروا للوصول إلى هذه النتيجة. طبعا هو البشر ديجعل هذه النتيجة ديجعل هذه المقدمات وبيصل إلى نتيجة. هسه سواء أنت اكتشفت قوانينه أو لم تكتشف، ولكن يريد أن يكتشف: هذا البشر كيف يرتب هذه المقدمات للوصول إلى تلك النتيجة؟
ومن هنا تجدون بأن هذا يعد فتحاً جباراً على مستوى الفكر البشري، والإنصاف أنه فتح جبار على مستوى الفكر البشري؛ لأنه 2000 سنة أن الفكر البشري كان يتصور أنه يسير من العام إلى الخاص، وتوليد المعلومات لا يكون إلا عن هذا الطريق، ولكن السيد الشهيد (رحمه الله تعالى عليه) استطاع أن يكتشف هذه الثغرة ويقول: لا، إن الفكر البشري له آلية ثانية وكيفية ثانية للوصول إلى المجهولات التصديقية، هي من خلال المعلومات التصديقية.
واعتقاد السيد الشهيد (رحمه الله تعالى عليه) -التفتوا جيدا- اعتقاد السيد الشهيد أن كل النتائج الموجودة في العلوم الطبيعية من الطب والفيزياء وكل العلوم الطبيعية، هذه كلها مرتبطة بقانون الاستقراء، يعني آلية التفكير فيها هي السير من الخاص إلى العام، لا السير من العام إلى الخاص. بل أكثر من ذلك يترقى، يقول: الإيمان بوجود الله أيضاً كذلك. يقول: إثبات وجود الله في القرآن الكريم في رواية أهل البيت (عليهم السلام) وخصوصاً دليل النظم، إنما هو استفادة من الاستقراء، لا أنه استفادة من أين؟ من القياس. والمنطق الأرسطي إلى يومك هذا يقول: إثبات وجود الله عن أي طريق يتم؟ يتم عن طريق القياس، عن طريق السير من العام إلى الخاص. السيد الشهيد يقول: لا، إن الدليل لإثبات وجود الله سبحانه وتعالى هو السير من الخاص إلى العام.
هسه ماذا حقق بهذا المطلب؟ حقق بهذا المطلب أن الأساس المنطقي للعلوم الطبيعية والأساس المنطقي للإيمان بالله مختلفان لو شيء واحد؟ المنطق الفكر الغربي -التفتوا للمفارقة- الفكر الغربي كان يقول: الإيمان بوجود الله مبني على أساس منطق، ذاك المنطق لا يمكن أن يكون أساساً للعلوم الطبيعية؛ لأن الأساس للعلوم الطبيعية هو ماذا؟ هو الاستقراء، هو الاحتمال. والأساس للإيمان بوجود الله هو ماذا؟ هو القياس. إذاً، أساسهما مختلف أو غير مختلف؟ أساسهما مختلف؛ لأن أساس الإيمان بوجود الله هو القياس، وأساس الإيمان بالعلوم الطبيعية هو ماذا؟ هو الاستقراء. إذاً، ليس من التناقض أن ننكر وجود الله وأن نؤمن بالعلوم الطبيعية، لماذا؟ لأن الأساس المنطقي لهما مختلف.
يوجد تناقض أو لا يوجد تناقض إذا أنكرنا وجود الله وآمنا بنتائج العلوم الطبيعية بناء على التفكير الأرسطي؟ يوجد تناقض أو لا يوجد تناقض؟ ها؟ لا يوجد. لماذا لا يوجد؟ لأن الأساس المنطقي مختلف، ذاك يثبت شيئاً عن طريق وهذا يثبت شيئا عن طريق آخر، فمن الممكن أن ننكر ذاك الطريق ونلتزم بنتائج هذا الطريق.
السيد الشهيد ماذا فعل؟ قال: إن الأساس المنطقي لهما واحد، فإما أن تؤمن بالله وبالعلوم الطبيعية، وإذا أنكرت وجود الله فلا بد أن تنكر نتائج العلوم الطبيعية، وحيث أنك لا تستطيع أن تنكر نتائج العلوم الطبيعية لأن حضارتك قائمة على هذه العلوم الطبيعية، إذاً لابد أن تؤمن بالله. شوفوا هذا الفتح الجبار الذي يعبر عنه في الفكر البشري، وهو جعل الأساس المنطقي للإيمان بوجود الله وبالإيمان بنتائج العلوم الطبيعية، جعلوا الأساس المنطقي ماذا؟ أساساً واحداً وسيراً واحداً ومنططاً واحداً. فإذا كان الأمر كذلك، فمن التناقض أن تؤمن بنتائج العلوم الطبيعية وتنكر وجود الله سبحانه وتعالى؛ لأنه أمثال رسل، أمثال خصوصاً ديفيد هيوم وأمثال هذه، وخصوصاً برتراند راسل، الذي يؤمن بنتائج العلوم الطبيعية ويدافع عنها بكل صارمة ولكنه ملحد، لا يؤمن بوجود الله سبحانه، يقول: لا دليل على وجود الله. هنا السيد الشهيد قال: هذا قولك فيه تناقض، أنت أما أن تنكرهما معاً واما أن تؤمن بهما معاً، أما أن تؤمن بأحدهما وأن تنكر الآخر، هذا الأساس المنطقي لا يسمح لك بذلك.
ولهذا مما يؤسف أنه احنا في حوزاتنا العلمية الآن نقرا المنطق الأرسطي -وينبغي أن نقرا المنطق الأرسطي- ولكن مما يؤسف له نقرا المنطق الأرسطي فقط، لابد أن نقرا المنطق الأرسطي ومنطق ماذا؟ ومنطق الاحتمال ومنطق الأسس، لنرى بأن الأس... لانه نحن لا نستطيع أن نقف أمام منطق العلوم الطبيعية بواسطة منطق الـ...
ومن هنا فالإنصاف أن هذا الكتاب كتاب مظلوم في حوزاتنا العلمية، كما كان صاحبه أيضاً مظلوم (رحمه الله تعالى عليه). المهم هذا الكتاب من الكتب العلمية الدقيقة. أحد المفكرين الإسلاميين يقول: نحن لم نجد في كتب الفلاسفة الإسلاميين، وفي كتب المناطقة الإسلاميين، وفي كتب كل الإسلاميين من فقهاء وغيرهم، من استطاع أن يعطي نظرية ترتبط بالفكر البشري، فقط الأستاذ الشهيد (رحمه الله تعالى) فإنه أعطى نظرية هذه ما مرتبطة بالإسلام وبالنظرية الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية، بل كل إنسان لا يحتاج إلى هذه النظرية ويحتاج إلى هذا المنطق سواء كان مسلماً أم لم يكن مسلماً، فهي نظرية مرتبطه بالفكر الإنساني، مو أنها مرتبطة بفكر إسلامي أو بفكر مسيحي أو يهودي أو مادي أو غير ذلك.
وهذا مودع في كتاب الأسس المنطقية الذي إلى الآن مما يؤسف له لا هو كتاب دارج في حوزاتنا العلمية ولا يعتنى به أيضاً. فلهذا الإخوة الذين واقعاً يريدون أن يكونوا مبلغين جيدين للإسلام، مو مبلغين للقرى والريف فقط -في مناطقنا مرة الإنسان اللي بده يصير مبلغ فقط لمناطقنا، خوف جيد هذا المقدار زاد- وأخرى يريد أن يكون مبلغاً على مستوى الجامعات في العالم، على مستوى المفكرين في العالم، على مستوى العلماء في العالم، هذا بعد لا يمكنه أن يقرا بعد منطق المظفر، بمنطق المظفر يذهب لمحاربة أولئك؛ لأنه بمجرد أن يستدل له قياس من الشكل الأول، يقول: نحن لا نقبل القياس. لابد أن يدخل إليه من ماذا؟ يدخل إليه من الطريق الذي يؤمن به، وهو نتائج العلوم الطبيعية. يسأله: أنت من أين تؤمن بنتائج العلوم الطبيعية؟ أنت تجرب حالة، حالتين، ثلاث، أربع، عشرة، من أين تعطي قانوناً عاماً؟ من أين؟ استقراؤك لا يسمح لك إلا أن الذين جربت عليهم هذا الدواء أن تقول ماذا؟ أن تقول: مفيد. لكن على أولئك الذين ما جربتهم، أما تصل إلى نتيجة كلية، هذه الكلية من أين أتيت بها؟ ضمن أي قانون وآلية استطاعت أن تعمم النتيجة الجزئية وتأخذ أو تعمم نتيجة أخذتها من مقدمات أصغر منه؟ هذه من أين؟ عندما يعطيك الآلية، أنت بنفس ذلك الاساس الآن تدخل معه ماذا؟ لإثبات وجود الله سبحانه وتعالى، تدخل معه لإثبات وجود النبي، تدخل معه لإثبات وجود القرآن، تدخل معه لإثبات وجود الأئمة ونحو ذلك من المراحل.
ولهذا السيد الشهيد يقول: إن التواتر ليست حجيته قائمة على أساس القياس. المنطق الأوروبي ماذا يقول؟ ها؟ يقول: إن التواتر حجيته قائمة على ماذا؟ على أساس القياس. ما هو القياس؟ أن هؤلاء، هذا العدد من المخبرين، أخبروا بوجود القرآن أو بوجود الرسول، وكلما أخبر هذا العدد الذي يمتنع تواطؤهم على الكذب، إذاً هذه المقدمة يمتنع أو هذه النتيجة يمتنع تواطؤها أو هذا العدد يمتنع تواطؤهم على الكذب، إذاً هذه النتيجة صادقة. إذاً يعتمد على كبرى أن عدداً معيناً يمتنع تواطؤه على الكذب. فلو سألت المنطق الأرسطي: هذه الكبرى من أين تقول أنها كبرى تستند إليها؟ يقول: مقدمة عقليّة بديهية من بديهيات العقل.
السيد الشهيد ناقش هذا، ناقش المنطق الأرسطي في ادعاء أن التواتر يستند إلى قياس. طب جنابك الآن تؤمن بالرسول بواسطة ماذا؟ ها؟ التواتر. تؤمن بالرسول وبالقرآن بواسطة ماذا؟ التواتر. بوجود الأئمة؟ التواتر. طب إذا كان الأساس المنطقي ما له قد نوقش بعد، إلى قيمة هذا التواتر أو ليس له قيمة؟ إذاً أنا أسأل منك الآن: ما هو دليل... لو سألك سائل: ما هو دليلك على أن الرسول كان موجوداً؟ شنو الدليل؟ يقول: تواتر. عندك شيء آخر يعني؟ ها؟ التواتر نوقش بسبعة وجوه في كتب الأسس المنطقية للإسلام. يعني الأساس المنطقي للتواتر، أساس المنطق الأرسطي نوقش! فإذا أنت تؤمن بوجود الرسول، تؤمن بوجود القرآن، تؤمن بوجود الأئمة، ولكن عندك دليل أو لا يوجد عندك دليل؟
نفترض الآن، كما قلت احنا في أبحاث سابقة، دخل شخص من الآن من هذا الباب، قال: أنا مو معاند، ولكن قيموا لي الدليل أنه كان هناك رسول وقرآن ورسالة، قيموا لي الدليل، أنا أقبل منكم. ماذا تقول له؟ أنت عندك غير التواتر؟ عندك وما عندك غير التواتر، وما عندك غير التواتر؟ أنت تقول له: التواتر. يقول: هذا التواتر واحد من علمائكم ناقشه، قال: أولاً، ثانياً، رثالثاً، رابعاً، خامساً. بعد دليلك شنو؟ بلي، لا يصح الاعتماد عليه. السيد الشهيد يقول: لا يصح الاعتماد عليه من باب المنطق الأرسطي، نعم يصح الاعتماد عليه من باب ماذا؟ من باب منطق الاحتمال.
إذاً جنابك، إذا تريد أن تكون استدلالياً في اعتقادك، لابد أن تقرا منطق، وإلا تكون مقلداً في اعتقادك، تقول: مولانا، أبانا... ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ (الزخرف: 22). هذا مضافاً إلى أن الخصم في المقابل أيضاً أنت لا يمكنك أن تقنعه إلا عن طريق ماذا؟ عن طريق الدليل، لا عن طريق الاعتقادات الوجدانية.
أنا بيني وبين الله، أنا رايت شخصاً كان ينكر الاستقراء، دليل الاستقراء، من الفضلاء، قلت له بأنه: أنت تؤمن بوجود النبي؟ قال: نعم. قلت له: بأي دليل؟ قال: بالتواتر. قلت له: التواتر على أي أساس؟ أساس المنطق الأرسطي؟ قال: لا، لأنه السيد الشهيد ناقشه. قلت له: وأنت مناقشت الأساس المنطقي الاستقرائي. شنو بعد دليلك؟ قال: طافن... قال: ما عندي دليل، ولكنه احتمالات فقط يصل واصل أنا إلى حد الاطمئنان أنه كان شكل، وإلا فالدليل عقلي مقنع جازم... شوفوا المسألة!
ونحن في هذه الأبحاث إنما أطرحها في حوزات علمية، ولا للناس، وما نبين هذا المطلب احنا. احنا في حوزاتنا العلمية؛ لأن البحث لابد أن يكون بحثاً علمياً استدلالياً. أنت لو سألك الآن سائل: ما هو دليلك الآن؟ طلاب جامعات يسألون هذه الأسئلة: ما هي أدلتكم على أنه أساساً كانت هناك نبوة ورسالة وأئمة وقرآن؟ أصلاً الدليل على هذا ما هو؟ ما هو الاساس المنطقي لذلك؟ لابد تكون تعرف الأساس المنطقي؛ فإما استقرائي وإما قياسي، أما أن تثبته بالقياس وترد إشكالات السيد الشهيد (رحمه الله تعالى عليه)، واما إذا ما استطعت أن ترد إشكالات السيد الشهيد فلابد أن تثبته ماذا؟ عن طريق الاستقراء. وهذا يتطلب منك في الرتبة السابقة الوقوف على نظرية الأسس المنطقية.
في أقسام الحجة
تصدير: إن أسمى هدف للمنطق وأقصى مقصد له هو مباحث الحجة، وما هي مباحث الحجة؟ قال: مباحث المعلوم التصديقي الذي يستخدم للتوصل إلى معرفة المجهول التصديقي. أما ما تقدم من الأبواب فكلها في الحقيقة مقدمات لهذا المقصد، حتى مباحث الحجة المعرف الذي هو الباب الأولي من أبواب المنطق؛ لأن المعرف إنما يبحث عنه ليستعان بذلك الباب على فهم مفردات القضية من الموضوع والمحمول. لماذا نريد فهم القضية؟ حتى نجعله مقدمة في مباحث الحجة ومقدمة في القياس أو الاستقراء. والحجة عندهم عبارة عما يتألف من قضايا يتجه بها -أي بتلك القضايا- إلى مطلوب يستحصل ذلك المطلوب بها -أي بتلك القضايا المعلومة-. لماذا سميت حجة؟ قالوا: إنما سميت حجة لأنه يحتج بها على الخصم لإثبات الدعوى ولإثبات المطلوب، وتسمى دليلاً؛ لأن هذه القضايا تدل على المطلوب والدعوى، وتهيئتها وتأليفها لأجل الدلالة يسمى ماذا؟ استدلالاً.
ومما يجب التنبيه عليه قبل كل شيء: أن القضايا ليست كلها يجب أن تطلب بحجة. إذا تتذكرون قلنا بأن البديهي، أن المعلومات التصورية أو التصورات النظرية لابد أن تنتهي إلى ماذا؟ إلى تصورات بديهية، وإلا لما أمكن معرفة أي تصور. كذلك المعلومات التصديقية النظريات لابد أن تنتهي إلى معلومات تصديقية أولية، صدق بها العقل من غير دليل لا يسأل عن الدليل، ولو سئل أيضاً لما استطاع أن يجيب: ما هو الدليل على أن اجتماع النقيضين محال؟ أنت أي دليل تقيمه هذا مبني على أن اجتماع النقيضين محال، لماذا؟ لأن هذا الدليل كي يعطي نتيجة صادقة لابد أن يكون نقيضها ماذا؟ كاذباً، وإلا لو لم يكن نقيضها كاذباً، هذه النتيجة الصادقة لو كان نقيضها يمكن أن يجتمع معها، إذاً النتيجة صادقة ونقيضها أيضاً صادق؛ لأن اجتماع النقيضين ليس بمحال؛ لأن المفروض أنه اجتماع النقيضين محال، وليس بمحال نريد أن نستدل على محاليته!
فإذاً في الرتبة السابقة على الاستدلال، اجتماع النقيضين ليس بمحال، هسه احنا هيئنا مقدمة أولى، مقدمة ثانية، وصلنا إلى نتيجة، هذه النتيجة صادقة لو مو صادقة؟ نعم صادقة. طب نقيضها صادق لو مو صادق؟ ها؟ ها؟ يمكن أن يصدق، لماذا؟ لأن اجتماع النقيضين ليس بمحال! نريد أن نستدل على اجتماع النقيضين محال، يعني هو المطلوب إثباته، فإذا كان هو المطلوب إثباته لا يمكن أن تستعين به لإثباته بنفسه، وإلا يلزم تقدم الشيء على نفسه وهو محال. إذاً أنت لابد أن تقبل كمصادرة عقلية، لابد أن تقبل كمطلب قبلي، وهو أن اجتماع النقيضين محال. ما هو الدليل؟ بلا دليل، أصلاً مطلب آخر أوسع من هذا، وهو أن العاقل هل يستطيع عنده قدرة على أن يدرك أو ليست له قدرة على أن يدرك؟ عنده قدرة، شنو الدليل مو له؟ تقول لي: عقلي يقول. هذا استدلال العقل على نفسه، فإذاً أنت في الرتبة السابقة لابد أن تجعل العقل مدركاً، وإلا لو لم يكن مدركاً لما أمكن الاستناد إلى العقل حتى في مسألة اجتماع النقيضين وخلاص.
هذا الذي نسميه أنه هذه قضايا تصديقية قبلية، يعني لا يسأل عن الدليل على صحتها، وإلا مولانا إذا واحد اجا قال: أنا لا أقبل العقل، احنا ما عندنا دليل نقول له: لابد تقبل العقل. أو واحد أجى قال: أنا لا أقبل العقل، إن العقل يخطئ، خلص دليل عندكم، قول لا، ما عندنا دليل، احنا نقول إن العقل يخطئ ويصيب، مو يخطئ وداب... شنو دليلنا؟ قول هم هو ما عندنا دليل أنت لا تقبل، احنا اجتماع النقيضين محال يقول: أنا ما أقبل، لا تجيبوا لي دليل، قول: أنا لا نستطيع أن نقيم دليلاً بانه هذه قضية قبلية، والقضايا القبلية والبديهيات الأولية لا تقبل الاستدلال عليها.
ومما يجب التنبيه عليه قبل كل شيء: أن القضايا ليست كلها يجب أن تطلب بحجة، يعني ليست كلها نظرية لكي تثبت تحتاج إلى دليل، وإلا لما انتهينا إلى العلم بقضية أبداً، أما يلزم الدور وأما يلزم التسلسل، بل لابد من الانتهاء إلى قضايا بديهية أولية ليس من شأنها أن تكون مطلوبة لغير، بل لابد أن تكون مطلوبة لذاتها. هذا من قبيل مولانا نقول: إن كل ممكن لابد أن ينتهي إلى ماذا؟ إلى واجب. كل قضية نظرية لابد أن تنتهي إلى قضية بديهية، والا لو لم تنتهي لما وجد علم بقضية، وكذلك لو لم يكن هناك واجب لما وجد ممكن. وإنما هي المبادئ للمطالب، يعني تلك القضايا البديهية، وهي رأس المال للمتجر العلمي، تاجر العلم.
طرق الاستدلال أو أقسام الحجة
من منا لم يحصل له العلم بوجود النار عند رؤية الدخان؟ وسيأتي بعد ذلك أن هذا استدلال من المعلول على وجود العلة، يعني استدلال إني. ومن منا ومن ذا الذي لا يتوقع صوت الرعد عند مشاهدة البرق في السحاب؟ هذا الاستدلال من معلول لعلة ثالثة. ومن ذا الذي لا يستنبط أن النوم يجم القوى، وأن الحجر يبتل بوضعه في الماء؟ هذا استدلال بالمجربات وبالقضايا الاستقرائية، وأن السكين تقطع الأجسام الطرية -احنا ما عندنا الدليل القياسي يقول إن السكين تقطع الأجسام الطرية، نعم بالاستقراء بالتجربة عرفنا ذلك-. يقول أحد المفكرين الغربيين: لو جلس الإنسان ألف سنة أمام الماء وتأمل في الماء لما استطاع أن يعرف إذا دخل في الماء يغرق، ما يقدر! هسه ألف دليل وألف برهان وألف قياس يستطيع أن يثبت هذا؟ لا يستطيع أن يثبت. نعم، متى يستطيع أن يثبت؟ إذا جرب دخل هو بنفسه إلى الماء مرة أو أدخل غيره إلى الماء فوجده يغرق، أو أن النار تحرق، النار محرقة هذه قضية قبلية وقضية تجريبية، وأنت ألف سنة اجلس أمام النار وحاول أن تثبت أن النار محرقة أو غير محرقة تستطيع؟ نعم متى تستطيع؟ إذا وضعت يدك على النار وأحسست بحرارة.
وقد نحكم على شخص بأنه كريم، هذا من باب التمثيل، وقد نحكم على شخص بأنه كريم لأنه يشبه في بعض صفاته كريماً نعرفه، أو نحكم على قلم بأنه حسن لأنه يشبه قلماً جربناه. انتقال من المشابه إلى المشابه، وهكذا إلى آلاف من أمثال هذه الاستنتاجات تمر علينا كل يوم.
وفي الحقيقة أن هذه الاستنتاجات الواضحة التي لا يخلو منها ذو شعور ترجع كلها إلى أنواع الحجة المعروفة: من القياس والاستقراء والتمثيل التي نحن بصدد بيانها، ولكن على الأكثر لا يشعر المستنبط أنه سلك أحد تلك الأنواع، وهذا ما قلناه إن المنطق اكتشاف وليس باختراع. وإن كنت من علماء المنطق وقد تعجب لو قيل لك: إن 99% من الناس هم منطقيون بالفطرة من حيث لا يعلمون، بل جميع الناس منطقيون إلا إذا لم يكن عاقلاً. ولما كان الإنسان مع ذلك يقع في كثير من الخطأ في أحكامه، لأنه إما أن يشتبه في المادة وإما أن يشتبه في الصورة، من هنا احتجنا إلى عقد باب لطريقة الاستدلال ولمادة الاستدلال، أو يتعذر عليه تحصيل مطلوبه، لم يستغن عن دراسة الطرق العلمية للتفكير الصحيح والاستدلال المنتج. والطرق العلمية للاستدلال عدا طريق الاستدلال المباشر الذي تقدم بيانه فيما سبق وهو من النقيض وعكس والعكس المستوي وعكس النقيض وقاعدة النقص التي تقدم الكلام عنها التي تقدم البحث عنه فيما سبق.
والطرق العلمية للاستدلال هي ثلاثة أنواع رئيسة:
1. القياس: وهو أن يستخدم الذهن القواعد العامة المسلم بصحتها في الانتقال إلى مطلوبه، وهو العمدة في الطرق في الاستدلال في القياس في المنطق الأرسطي -طبعا هذا التعريف فيه تأمل، باعتبار أنه القواعد العامة المسلم بصحتها، هذه المسلم بصحتها من حيث المادة، والقياس مرتبط بالهيئة كما ستأتي الإشارة إلى ذلك بعد هذا المطلب-.
2. التمثيل: وهو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما.
3. الاستقراء: وهو أن يدرس الذهن عدة جزئيات فيستنبط من تلك الجزئيات حكماً عاماً.
فإذاً الأول والثالث متعاكسان: الأول يبدأ عاماً وينتهي إلى الخاص، والثاني يبدأ خاصاً وينتهي إلى العام. القسم الأول يأتي. والحمد لله رب العالمين.
