منطق المظفر – كمال الحيدري

دروس مقررة — النصوص المتاحة

100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 73

تحميل Word

073

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

قال: «كيفيته: إذا أردنا إثبات المطلوب بإبطال نقيضه فعلينا أن نستعمل الطريقة التي سنشرحها».

تقدم الكلام عن قياس الخلف، وقلنا بأن قياس الخلف قياس مركب وليس قياساً بسيطاً، وبينا فيما سبق أننا إنما نستفيد من هذه الطريقة في القياس إذا تعسر علينا إثبات المطلوب مباشرة. نتوسل إلى ذلك عن طريق إبطال نقيض المطلوب أو إبطال لازم النقيض حتى يثبت لنا نفس المطلوب. وقد تقدم فيما سبق بيان هذه الطريقة. المصنف رحمة الله تعالى عليه في الصفحة 227 من هذا الكتاب قال:

«طريقة الخلف: إن كلا من ضروب الشكل الثالث يمكن إقامة البرهان عليه بطريقة الخلف، والخلف استدلال غير مباشر يبرهن به على كذب نقيض المطلوب حتى يثبت صدق المطلوب». ثم قال: «وهو في الأشكال خاصة...».

يؤخذ نقيض النتيجة، ونحن بينا هذه الطريقة مفصلة هناك، ومن هنا فلا نحتاج إلى الإعادة مرة أخرى لبيان الكيفية والطريقة، وإنما فقط نطبق العبارة، وإلا لا يوجد أي مطلب جديد على ما ذكرناه هناك في بيان طريقة الخلف.

قال: إذا أردنا إثبات المطلوب بإبطال نقيض المطلوب فعلينا أن نستعمل الطريقة التي سنشرحها. ولنرجع قبل كل شيء إلى الموارد التي استعملنا لها قياس الخلف فيما سبق، ولنختر منها للمثال الضرب الرابع من الشكل الثاني، وهو ما تقدم في صفحة 221. هناك قال: الضرب الرابع من الشكل الثاني هو المؤلف من سالبة جزئية وموجبة كلية، فإنه ينتج سالبة جزئية. قال: وحينئذ نفزع للبرهان عليه إلى طريقة أخرى تسمى طريقة الخلف.

فيقال: المفروض س ب ج م (يعني سالبة جزئية)، ج م م (يعني موجبة كلية). المدعى: إذن س ب ج (يعني سالبة جزئية).

البرهان: لو لم تصدق س ب ج لصدق نقيضها، يعني لو لم تصدق السالبة الجزئية لصدقت الموجبة الكلية (كل ب ج). نبطل هذا النقيض ونثبت كذب هذا النقيض، فيثبت لنا صحة المطلوب وهو السالبة الجزئية.

كذلك في المقام، قال: المفروض المقدمة الأولى (1) يعني المقدمة الأولى س ب م (سالبة جزئية). المقدمة الثانية (كل ج م) يعني موجبة كلية. المدعى: صدق النتيجة س ب ج (يعني سالبة).

تفصيل البرهان بطريقة الخلف

وخلاصة البرهان كما تقدم هناك في صفحة 227 بالخلف أن نقول: لو لم يصدق المطلوب لصدق نقيضه، لاستحالة ارتفاع النقيضين. لو لم يصدق المطلوب لصدق نقيضه، ولكن نقيضه ليس بصادق؛ لأن صدقه يستلزم خلف ما فُرض.

وهذا كما ترى قياس استثنائي يستدل على كبرى هذا القياس الاستثنائي بلزوم الخلف. ولبيان لزوم الخلف عند صدق النقيض يستدل بقياس اقتراني شرطي مؤلف من متصلة ومن حملية، وهذا ما قلناه من أن القياس الخلفي مركب من متصلة وحملية، ومن قياس استثنائي؛ فهو قياس مركب من قياسين: القياس الأول القسم الرابع من الاقتران الشرطي، والقياس الثاني القياس الاستثنائي.

قال: مؤلف من متصلة مقدمها المطلوب منفياً وتاليها نقيض المطلوب، ومن حملية مفروضة الصدق. وهذا هو القسم الرابع من أقسام الاقتران الشرطي، وهو المركب من حملية ومتصلة. وتفصيل البرهان بالخلف نتبع ما يأتي من المراحل مع التمثيل بالمثال الذي اخترناه:

1. نأخذ نقيض المطلوب، ما هو نقيض المطلوب؟ موجبة كلية؛ لأن المطلوب سالبة جزئية فنقيضها موجبة كلية (كل ب ج)، ونضمه إلى مقدمة مفروضة الصدق. نضمه إلى ماذا؟ قلنا نضمه هناك إلى كبرى القياس الأول، فنشكل قياساً مركباً من هذا المفروض نقيض المطلوب ومن كبرى القياس الأول وهي (كل ج م) التي هي المقدمة الثانية كانت في القياس الأول، فيتألف منهما قياس من الشكل الأول:

(كل ب ج) هذا هو النقيض الذي نريد أن نثبت كذبه، (كل ج م) هذه كبرى القياس الأول. قياس من الشكل الأول ينتج (كل ب م) كما هو واضح.

هسّة هذه النتيجة (كل ب م) نقيسها إلى من؟ نقيسها إلى (س ب م) طب (س ب م) سالبة جزئية، وهذه موجبة كلية، وهما متناقضان. طب أيهما صادقة؟ المفروض صدق (س ب م). فإذا أردنا أن نقول أن (كل ب م) صادقة، يلزم ما فُرض صادقاً يلزم أن يكون كاذباً، وهذا خلف. طب هذه كذب، هذه (كل ب م) من أين تنتج؟ لا يمكن أن نقول نتجت من الهيئة؛ لأن الهيئة منتجة وهي الشكل الأول. ولا يمكن أن نقول نتجت من الكبرى التي أخذناها من القياس الأول وهو (كل ج م)؛ لأنها صادقة. إذن لابد أن تكون نتجت من أين؟ من قولنا (كل ب ج) يعني ما فُرض أنه نقيض المطلوب. كذب هذه النتيجة منشؤها ما فُرِض نقيض المطلوب، إذاً (س ب م) هي الصادقة.

ثم نقيس هذه النتيجة وهي (كل ب م) الحاصلة إلى المقدمة الأخرى وهي (س ب م) المفروضة الصدق، فنجد أنهما نقيضان، فإما أن تكذب (س ب م) والمفروض صدقها -هذا خُلف، أي خلاف ما فُرِض من صدق المقدمة الأولى- وإاما أن تكذب هذه النتيجة الحاصلة وهي (كل ب م)، وهذا هو المتعين.

لماذا كذبت؟ قال: ثم نقول حينئذ لا بد أن يكون كذب هذه النتيجة المتقدمة ناشئاً من كذب إحدى المقدمتين، وأي المقدمتين كاذبة؟ إما ما فُرض أنه نقيض المطلوب كاذبة، وإما ما فُرض أنها كبرى في القياس الأول كاذبة. لا يمكن أن يكون ما هو كبرى في القياس الأول كاذباً؛ لأن المفروض صدقها، إذن يثبت أن ما فُرِض نقيضَ المطلوب هو الكاذبة أو هو سبب الكذب.

ثم نقول حينئذ لا بد أن يكون كذب هذه النتيجة المتقدمة ناشئاً من كذب إحدى المقدمتين؛ لماذا؟ لأن شكل القياس لا خلل فيه، لأن تأليف القياس لا خلل فيه حسب الفرض، ولا يجوز كذب المقدمة المفروضة الصدق وهي الكبرى التي أخذناها من القياس الأول (يعني كل ج م)، فلا بد أن يتعين كذب المقدمة الثانية التي هي نقيض المطلوب (يعني كل ب ج)، فيثبت المطلوب. إذا كذبت الموجبة الكلية فتصدق السالبة الجزئية.

وبالأخير يوضع الاستدلال هكذا -يعني من شرطية اقتران شرطي متصلة وحملية ومن قياس استثنائي-: نقول من قياس اقتراني شرطي، ولكن مركب من حملية ومن متصلة الصغرى التي هي قولنا: لو لم يصدق (س ب ج) فكل ب ج (يعني صدق الباء جيم الموجبة الكلية، لو لم يصدق السالبة الجزئية لصدق الموجبة الكلية فكل ب ج). هذه الصورة.

الكبرى المفروض صدقها: (كل ج م) كما تقدم، وهي الكبرى المأخوذة من القياس الأول كما ذكرنا، فينتج حسبما ذكرنا في أخذ نتيجة النوع الرابع من الشرط ماذا ينتج لنا؟ لو لم يصدق (س ب ج) فكل ب م. فسنأتي إلى هذه النتيجة التي أخذناها من القياس الأول نشكل منها قياساً اقترانياً، نقول: من قياس عفى.. استثنائي، الصغرى: نتيجة القياس الأول (لو لم يصدق س ب ج فكل ب م) هذه نتيجة القياس الأول. الكبرى: ولكن (كل ب م) كاذبة لما برهنا عليه؛ لأن نقيضها وهو (س ب ج) صادق حسب الفرض، فينتج: يجب أن يكون (س ب ج) صادقاً، وهو المطلوب.

إذا وجدتم أن هذا القياس الخلفي مركب من قياس اقتراني شرطي مركب من متصلة ومن قياس استثنائي، وهو المطلوب.

قياس المساواة من القياسات المركبة

قياس المساواة من القياسات المركبة، طبعا الآن ندعي أنه مركب، وإلا لابد أن يقع بحث في أن قياس المساواة هل هو من القياسات المركبة أو من القياسات البسيطة؟ وهو محل الخلاف بين المناطقة والمنطقيين؛ حيث إن بعضهم يرى أنه قياس بسيط، وبعضهم يرى أنه قياس مركب. وحيث إن المصنف رحمة الله تعالى عليه يرى أن قياس المساواة قياس مركب فعده من القياسات المركبة، وإلا ببيان آخر يمكن جعل قياس المساواة من القياسات البسيطة لا المركبة.

قال: قياس المساواة من القياسات المشكلة. هسّة لماذا مشكلة؟ بعد ذلك سيتبين أنه هذا قياس ولكن الحد الأوسط لا يتكرر فيه. مع ذلك يكون منتجاً. كيف لا يتكرر الحد الأوسط بتمامه ومع ذلك يكون منتجاً؟ هذا هو سبب التعقيد الموجود في قياس المساواة، وإلا بالوضوح الإنسان بالوجدان بالبداهة يجد أن قياس المساواة باضافة المقدمة الخارجية منتج، ولكنه نريد أن نرتبه على أحد الأشكال الأربعة، يعني لا بد أن يرجع إلى الشكل الأول من الأشكال الأربعة، والشكل الأول لابد أن يتكرر فيه تمام الحد الأوسط، وهنا نجد في قياس المساواة أن تمام الحد الأوسط لا يتكرر.

قال: من القياسات المشكلة التي يمكن إرجاعها إلى القياس المركب هو قياس المساواة. وإنما سمي قياس المساواة لأن الأصل في هذا القياس المثال المعروف: (أليف مساوٍ لباء، وباء مساوٍ لجيم، ينتج أن أليف مساوٍ لجيم). هذا قياس من الشكل الأول، فتعالوا معنا إلى الحدود: الأصغر ما هو؟ أليف. الأوسط ما هو؟ مساوٍ لباء. الأكبر ما هو؟ مساوٍ لجيم.

طب تعالوا إلى الحد الأوسط لنرى أنه تكرر أو لم يتكرر؟ أليف مساوٍ لباء، وباء -هذا باء حد أوسط- له جزء الحد الأوسط؛ لأن الحد الأوسط هو ماذا؟ مساوٍ لباء مو باء. مع أننا نحن قلنا: أليف مساوٍ لباء، ولم نقل ومساوي.. باء مساوٍ لجيم، قلنا باء مساوٍ لجيم فلم يتكرر الحد الأوسط.

قال: وإلا فهو يشتمل... وإنما سمي قياس المساواة لأن الأصل فيه المثال المعروف: (أليف مساوٍ لباء وباء مساوٍ لجيم ينتج أليف مساوٍ لجيم)، وإلا فهو قد يشتمل على المماثلة والمشابهة ونحوهما. يقول هذا القانون ليس مختصاً بالمساواة، إذا كان عندنا أليف مماثل لباء وباء مماثل لجيم فينتج أليف مماثل لجيم. أليف مشابه لباء وباء مشابه لجيم فأليف مشابه لجيم. هذا لا يختص، وإنما ذكر المساواة من باب هذا المثال، وإلا يجري في المماثلة ويجري في المشابهة أيضاً. وإلا فهو قد يشتمل قياس المساواة يشتمل على المماثلة والمشابهة ونحوهما، كقولهم: (الإنسان من نطفة) هذه بيان الجزئية، و(النطفة من العناصر) فالإنسان من العناصر. التفتوا جيداً، أيضاً لم يتكرر الحد الأوسط؛ لأنه الحد الأوسط (من نطفة)، ولكنه عندما جاء إلى الكبرى صار (نطفة) مو (من نطفة).

وكقولهم: (الجسم جزء من الإنسان، والإنسان جزء من الحيوان، فالجسم جزء من الحيوان)، أيضاً لم يتكرر الحد الأوسط.

وصدق قياس المساواة يتوقف على صدق مقدمة خارجية محذوفة، وهي: مشابه المشابه مشابه، مساوي المساوي مساوٍ، مماثل المماثلين مماثل، وهكذا.

طبعا الإخوة يلتفتون إلى هذه النكتة وهي أنه عندما نقول مساوي المساوي يعني المساوي من كل جهتين، لا إذا كان يساوي من جهة ولا يساوي من جهة فهذا لا يستلزم أن يكون مساوي المساوي مساوي. إذا كان أليف مساوي لباء من كل جهة، وباء مساوي لجيم من كل جهة، عند ذلك يمكن أن نستنتج أن مساوي المساوي مساوي، يعني نقول إن أليف مساوي لجيم عند ذاك. أما إذا كان أليف مساوي لباء في بعض الجهات، وباء مساوي لجيم في بعض الجهات، فهذا لا يستلزم أن يكون أليف مساوي لجيم؛ لأن الموجبات الجزئية كما قلنا إذا كان القياس مركباً من جزئيتين فإنه لا يكون منتجاً كما بيناه فيما سبق.

قال: وصدق قياس المساواة يتوقف على صدق مقدمة نحو مثاله، متى تكون المقدمة الخارجية كاذبة؟ قال: (الاثنين نصف الأربعة، والأربعة نصف الثمانية)، فانه لا ينتج أن الاثنين نصف الثمانية؛ لماذا؟ لأن نصف النصف ليس بنصفين.

تحليل هذا القياس: بالوجدان كما قلنا الإنسان يحس بأن هذا القياس منتج، ومع ذلك لا يتكرر الحد الأوسط، فكيف نرتب هذه الحدود هذا القياس بنحو تكون على القواعد، يعني يكون الحد الأوسط متكرراً فيه؟ وهذا القياس كما ترى على هيئة مخالفة للقياس المألوف المنتج؛ إذ لا شركة فيه في تمام الوسط وفي الحد الأوسط؛ لأن موضوع المقدمة الثانية وهو (باء) هذا جزء من محمول المقدمة الأولى وهو (مساو لباء) وليس تمام الحد الأوسط، فلا بد من تحليله وإرجاعه إلى قياس منتظم يضم تلك المقدمة الخارجية المحذوفة إلى مقدمة... يعني يضم تلك المقدمة أو يضم تلك المقدمة إلى مقدمتيه، يعني مقدمتي قياس المساواة ليصير على هيئة القياس. وفي بادئ النظر لا ينحل المشكل بمجرد ضم المقدمة الخارجية، إلا أنه كما سيتضح أنه ينحل المشكل عندما نضم المقدمة الخارجية فإننا نجد أن المشكلة قابلة للحل سأبينه.

فلا يظهر كيف يتألف قياس، يعني هذا القياس تشترك فيه المقدمات في تمام الحد الأوسط، وأنه من أي نوع من أي أنواع القياس. ولذا عُدَّ عسر الانحلال هذا قياس المساواة يعد عندهم من القياسات التي لا يمكن أن نحللها إلى الحدود المترتبة -يعني الحد الأوسط والحد الأصغر والحد...- بنحو واضح. ولذا عُدَّ عسر الانحلال إلى الحدود المترتبة في القياس المنتج لهذه النتيجة...

خذ نتيجة ذلك ماذا؟ يقول: ومن هنا وقع الخلاف في أنه هذا قياس مركب أو أنه قياس بسيط، وعده بعضهم من القياسات المفردة والبسيطة، وعده بعضهم من القياسات... إلا أن المصنف رحمة الله تعالى عليه معتقد أنه من القياسات المركبة، والأصح أن نعده من المركبات فنقول أنه مركب من قياسين.

ولكن لا نحتاج إلى هذا التعقيد الذي ذكره المصنف. تعالوا معنا ارجعوا إلى المثال، شوفوا: (أليف مساو لباء، وباء مساوي لجيم) ينتج ماذا؟ ينتج (أليف مساو لجيم). إذا تتذكرون في بعض الأبحاث السابقة قلنا: إذا أخذنا طرفي معادلة أضفنا إليها شيء متساوي تتغير أو لا تتغير طرف المعادلة؟ لا تتغير، تبقى على ما هي عليه.

الآن إحنا عندنا: أليف مساو لباء، وباء مساو لجيم. الآن نضيف إلى باء كلمة مساوي ونضيف إلى مساو لجيم كلمة مساوي، تتغير المعادلة أو لا تتغير المعادلة؟ يعني الكبرى تتغير أو تبقى على حالها؟ تبقى على حالها، يعني نضيف كلمة متساوية من كل الجهات إلى الحد الأوسط وإلى الحد الأكبر. بمجرد أن نضيف هذه الكلمة إلى الحد الأوسط وإلى الأكبر نجد أن المعادلة قابلة للحل كاملة لا يوجد فيها إشكال، ماذا تكون؟

تكون عندنا: أليف مساو لباء. طب ضيفوا كلمة: أليف مساو لباء فماذا تكون؟ ومساوي باء مساو لجيم، أو ومساوي باء مساو لمساوي جيم، إذن أليف يكون مساو لمساوي ج. ثم نركب منه قياس آخر فنأخذ النتيجة. بعد لا نحتاج إلى هذا الذي ذكره في الأول.

إذاً كل ما نحتاج إليه وهو أنه هذا الحد الأوسط نحن نحتاج إلى تكراره. كيف نكرر الحد الأوسط؟ نضيف كلمة واحدة إلى الحد الأوسط والأكبر على حد سواء، وقد تقدم فيما سبق أنه إضافة كلمة أو إضافة جزء إلى طرفي المعادلة، هذا لا يغير من المعادلة شيئاً.

والأصح أن نعده من المركبات، فنقول إنه مركب من قياسين:

القياس الأول صغراه المقدمة الأولى: (ألف مساو لباء). أما القياس الثاني أو عفواً كبرى هذا القياس الأول: (كل باء مساو لجيم)؟ نقول لا. (كل مساو لباء مساوٍ لمساوي جيم). ماذا أضفنا؟ أضفنا كلمة (المساوي) إلى الحد الأوسط وإلى الحد الأكبر على حد سواء، هذا لا يغير من الموضوع والمحمول شيئاً، من المتوسط من الحد الأوسط والأكبر شيئاً، بقرينة أنه احذفوا (مساوي مساوي) يكون كل باء مساوي لـ جيم. هسّة المصنف يكون بصدد إثبات هذه الكبرى، ولكن إثبات هذه الكبرى لا تحتاج إلى بيان أكثر مما ذكرناه، والأمر سهل.

قال: وهذه الكبرى يعني (كل مساو لباء مساو لمساوي جيم) وهذه الكبرى صادقة مأخوذة من المقدمة الثانية من قياس المساواة، يعني مأخوذة من قولنا: (وباء مساو لجيم). كيف؟ قال: لأنه بحسب هذه المقدمة الثانية يكون ما يساوي جيم عبارة ثانية عن... لماذا؟ لأننا فرضنا أن ما يساوي جيم هو باء؛ لأن قلنا: (كل باء مساو لجيم)، إذاً ما يساوي جيم هو باء، فلو قلت: (كل ما يساوي باء يساوي باء) لكانت صادقة؛ لأن هذه تكون قضية من قبيل الحمل الأولي، من قبيل كل إنسان إنسان، وهذه القضية أيضاً تكون واضحة بديهية لا إشكال فيها، فلو قلت: (كل ما يساوي باء يساوي باء) تكون قضية صادقة بديهية، ويصح أن تبدل عبارة ما يساوي جيم بحرف باء؛ لأن المفروض ما يساوي جيم هو حرف باء.

قلت: هذا التفصيل، هذا التطويل لا نحتاج إليه، إلا أن نضيف كلمة (مساوي) إلى الحد الأوسط وإلى الحد الأكبر ولا يتغير طرفا المحمول والموضوع شيئاً. تقول: نبدل عبارة (ما يساوي جيم) بحرف باء فنقول مكانها: (مساو لباء مساو لمساوي جيم)، وعليه يكون هذا القياس من الشكل الأول الحملي والأوسط فيه (مساو لباء) بالنحو البيان، فينتج: (أليف مساو لمساوي جيم).

هسّة نجي ماذا؟ نأتي إلى القياس الثاني: القياس الثاني صغراه نتيجة السابق؛ لأنه قياس مركب، إذن: (أليف مساوي لمساوي جيم). وكبراه المقدمة الخارجية التي ذكرناها: ومساوي لمساوي ماذا؟ مساوي. إذن المساوي لمساوي جيم مساوى. إذاً أليف يكون مساوي لجيم. فينتظم قياساً من الشكل الأول الحملي أيضاً، والأوسط فيه (مساوي لمساوي جيم)، فينتج (أليف مساوي لجيم) بالنحو المتقدم.

الاستقراء

بعد ذلك ينتقل إلى القسم الثاني من أقسام الحجة. إذا تتذكرون نحن قلنا أن الحجة إما سير من الخاص من العام إلى الخاص وهو القياس، وإما سير... إلا هنا انتهينا من القسم الأول وهو القياس، وهو السير من العام إلى الخاص من الكلي إلى الجزئي. بعد ذلك ينتقل إلى القسم الثاني وهو ما يكون السير فيه من الجزئي إلى الكلي وهذا لا يتم إلا في الاستقراء... لا في الاستقراء التام، وإلا في الاستقراء التام لا يوجد هناك سير من الجزئي إلى الكلي، بل من المساوي إلى المساوي.

إذن الاستقراء عندما نطلق ونعريفه بأنه سير من الجزئي إلى الكلي هذا تعريف لأي استقراء؟ تعريف للاستقراء الناقص لا لمطلق الاستقراء، وإن كان استقراء تاماً.

حتى لماذا عندما يعرفون الاستقراء يعرفونه بما ينسجم مع الاستقراء الناقص لا بما ينسجم مع كلا الاستقرائين الناقص والتام؟ لأن هناك بحثاً أنه أساساً يوجد عندنا استقراء تام أو لا يوجد عندنا استقراء تام؟ قال جملة من المناطقة إن الاستقراء التام أساساً غير ممكن الوقوع؛ لماذا؟ لأن الجزئيّات والأفراد غير متناهية. حتى لو فرضنا أن الجزئيّات متناهية في زمان، فماذا نفعل بتلك الجزئيّات في الزمان السابق وبتلك الجزئيّات التي تأتي في الزمان اللاحق؟ إذن لا يمكن أن نفترض أن هناك استقراءً تاما، الاستقراء مهما فعلناه فيبقى هو استقراءً ناقصاً، ومن هنا عندما ناتي ونعرف الاستقراء، نعرفه بنحو ينسجم مع الاستقراء الناقص لا الاستقراء التام.

قال: عرفنا الاستقراء أو عرفنا الاستقراء فيما سبق بأنه هو أن يدرس الذهن عدة جزئيات فيستنبط منها حكماً عاماً. التفتوا جيداً، هذا تعريف ماذا؟ تعريف الاستقراء لو تعريف الاستقراء الناقص ها؟ هذا تعريف الاستقراء الناقص لا تعريف الاستقراء. وإلا مو عدة جزئيات، في الاستقراء التام لا يوجد عند الجزئيات بل كل الجزئيات المرتبطة بذلك الحكم عام. كما لو درسنا عدة أنواع من الحيوان فوجدنا كل نوع منها يحرك فكه الأسفل عند المضغ، يحرك فكه الأسفل عند المضغ، فنستنبط منها قاعدة عامة وهي أن كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ، مع أننا لم نستقرئ إلا بعض الأنواع.

والاستقراء هو الأساس، التفتوا جيداً هنا المصنف رحمة الله تعالى عليه يقول أن كل قواعدنا العامة التي نستفيد منها في القياسات التي لنا قلنا في القياس ماذا نفعل نحن؟ نسير من العام إلى الخاص من الكلي إلى الجزئي، يقول: أساس هذه الكليات التي نستفيد منها في باب القياس أساسها ماذا؟ أساسها هو الاستقراء. ومن هنا لابد أن نرجع لنرى أن الاستقراء يفيد اليقين أو لا يفيد اليقين؟ إن كان الاستقراء يفيد اليقين، إذاً هذه القواعد العامة التي نستفيد منها في القياس أيضاً ستنتج لنا اليقين. أما إذا لم يكن الاستقراء مفيداً لليقين بل كان مفيداً للظن، إذاً هذه القواعد العامة التي نستند إليها للسير من العام إلى الخاص، بعد تفيد اليقين أو لا تفيد اليقين؟ لا تكون مفيدة لليقين.

إلا أن الصحيح كما سيصرح به أيضاً هو بعد ذلك بأنه ليست كل قواعدنا... نحن عندنا جملة من القواعد العامة التي هي بديهية ليست مستندة إلى الاستقراء حتى نرى أن الاستقراء يفيد اليقين أو لا يفيد اليقين، وجملة من القواعد التي هي قواعد عامة وإن كانت مستندة إلى الاستقراء ولكنها مستندة إلى استقراء يستبطن قياساً في ذاته. إذاً قوله هنا: (والاستقراء هو الأساس لجميع أحكامنا العامة وقواعدنا العامة) هذا الكلام محل تأمل، لا ليس الأمر كذلك، كما سيبين هو في الصفحات اللاحقة أنه ليست جميع قواعدنا العامة مستندة إلى الاستقراء، بل هناك عندنا الفطريات، عندنا الأوليات، عندنا المتواترات، وهذه جميعاً ليست مستندة إلى الاستقراء، حتى إذا شككنا في قدرة الاستقراء على إعطاء اليقين فيقع تشكيك أين؟ في أحكامنا الكلية وقواعدنا العامة.

نعم، بعض أحكامنا الكلية وقواعدنا العامة مستندة إلى الاستقراء الناقص، وهذا ما سيتبين في قوله: (حل الشبهة). هناك عندما يأتي ليحل الشبهة يقول لا، إن الأحكام العامة على أربعة أقسام، وبعضها مستندة إلى الاستقراء الناقص وبعضها غير مستندة إلى الاستقراء الناقص.

(والاستقراء هو الأساس لجميع أحكامنا الكلية وقواعدنا العامة) لماذا؟ قال: لأن تحصيل القاعدة العامة والحكم الكلي لا يكون إلا بعد فحص الجزئيات واستقرائها. نحن نقول: اجتماع النقيضين محال، هذه اجتماع النقيضين محال، نحن نؤمن بهذه القاعدة بعد استقراء الجزئيات؟ نحن نقول بأن الكل أكبر من الجزء، هذا نقوله بعد استقراء الجزئيات؟ من الواضح أننا لا نقول هذه القواعد بعد استقراء الجزئيات، بل هذه القواعد العقل يستند إلى بعض الجزئيات فيدرك القاعدة الكلية لأنها من البديهيات العقلية التي لا تستند إلى الاستقراء إلا في مرحلة من المراحل، كما أشرنا إلى ذلك في نظرية المعرفة.

أن تحصيل القاعدة العامة والحكم الكلي لا يكون إلا بعد فحص الجزئيات واستقرائها، فإذا وجدناها متحدة في الحكم هذه الجزئيات نلخص منها القاعدة أو الحكم الكلي، فحقيقة الاستقراء هو الاستدلال بالخاص على العام -هذا يا استقراء؟ بالخاص على العام، ناقص هذا مو مطلق الاستقراء- وعكسه القياس وهو الاستدلال بالعام على الخاص؛ لأن القياس لابد أن يشتمل على مقدمة كلية، الغرض منها من تلك المقدمة الكلية تطبيق حكم تلك المقدمة الكلية العام على موضوع النتيجة.

أقسام الاستقراء

والاستقراء على قسمين: تام وناقص؛ لأنه إما أن يتصفح الاستقراء فيها حال الجزئيات بأسرها أو بعضها. والأول هو التام وهو يفيد اليقين. لماذا يفيد اليقين؟ لأن النتيجة مساوية للمقدمات، لا يوجد هناك شيء مضاف على المقدمات. وإذا تتذكرون نحن قلنا بأنه إذا كانت النتيجة أصغر أو كانت مساوية فلابد أن تكون صادقة وإلا يلزم اجتماع النقيضين. تتذكرون في أول بحث القياس قلنا بأنه إذا كانت نتيجة القياس مساوية فلابد أن تكون النتيجة يقينية وصادقة، وإلا يلزم اجتماع النقيضين لأن المفروض صدق المقدمات.

إنما المشكلة أين تنشأ؟ تنشأ فيما لو فرضنا أن النتيجة أكبر من المقدمات. هنا إذا أردنا أن نقول أن المقدمات صادقة ومع ذلك النتيجة كاذبة، يلزم اجتماع النقيضين أو لا يلزم؟ لا يلزم؛ لماذا؟ لأنه ممكن أن تكون المقدمات أو أن يكون الأخص صادقاً وأن لا يكون الأعم صادقاً ولا محذور. هذه مشكلتنا أين تنشأ؟ تنشأ في الاستقراء الناقص لا في الاستقراء التام، وإلا الاستقراء التام المقدمة تكون مساوية للنتيجة والنتيجة تكون مساوية للمقدمة، فإذا كانت المقدمات صادقة فلا بد أن تكون النتيجة أيضاً صادقة، وإلا يلزم اجتماع النقيضين.

قال: والأول وهو الاستقراء التام وهو يفيد اليقين، وقيل بأنه يرجع إلى القياس المقسم. ما هو القياس المقسم؟ يعرفه في الحاشية، تعالوا معنا في الحاشية:

قال: القياس المقسم من نوع المؤلف من المنفصلة والحملية. تتذكرون؟ وحدة من أقسام الاقتران الشرطي ما هو؟ المؤلف من المنفصلة والحملية، ولكن له أي لهذا القياس له حمليات بعدد أجزاء المنفصلة، هذا أولاً. ولا تحول فيه أي في هذا القياس المنفصلة إلى متصلة بل تبقى على حالها، بل تبقى على حالها، ويشبه أن ينحل هذا القياس إلى عدة قياسات حملية بعدد أجزاء المنفصلة.

يعني نحن إذا استقرأنا وجدنا أن الجسم إما حيوان وإما بقر... وإما جماد وإما إنسان... إما الجسم إما جماد وإما نبات وإما حيوان، ووجدنا بأن الجسم هنا يشغل حيزاً، هناك يشغل حيزاً، هناك يشغل حيزاً، نأخذ نتيجة: إذن الجسم يشغل حيزاً. هنا النتيجة التي انتهينا إليها لا تكبر على المقدمات. إذا كانت تلك المقدمات صادقة -يعني الحيوان يشغل حيزاً، النبات يشغل حيزاً، الجماد يشغل حيزاً- إذاً الجسم يشغل حيزاً، وإلا يلزم اجتماع النقيضين أو ارتفاع النقيضين.

قال: كقولنا: (كل شكل إما كروي وإما مضلع، وكل كروي متناهٍ، وكل مضلع متناهٍ، إذن كل شكل متناهٍ). هذه (كل شكل) أكبر من المقدمات؟ لا، النتيجة مساوية للمقدمات. وهذا كما قلنا إنه إن لم نقل إنه لا يقع فهو نادر الوقوع جداً أي الاستقراء التام، إنما الكلام في الاستقراء الناقص.

قال: وهو... وهو أن لا يفحص المستقرئ إلا بعض الجزئيات، كمثال الحيوان من أنه يحرك فكه الأسفل عند المضغ بحكم الاستقراء لأكثر أنواعه. وقالوا: إنه لا يفيد إلا الظن لجواز أن يكون ذلك الحكم موجوداً لتلك الأنواع، أما ما خرج عن الاستقراء فلا يوجد له ذلك الحكم. جنابك استقرأت 100 إنسان ووجدت أنهم كلهم يجوعون وقلت: (وكل إنسان يجوع)، لعله هذه المئة التي استقراتها تجوع، أما 101 لا يجوع، 102 لا يجوع، ما الدليل على أنه يجوع؟

أنت تقول: نحن وجدنا على مر التاريخ كل إنسان يموت، زيد وعمرو بكر وخالد وإلى... هذه كلها أعداد تموت، إذن كل إنسان ماذا؟ يموت. نقول: ما الدليل على ذلك؟ لعله كانت هناك عوامل أدت إلى موت أولئك، ولكنه في الزمن القادم الطب يتقدم بنحو لا يجعل أو يهيئ الأسباب لئلا يموت، لا يمكنك أن تقول إذن كل إنسان يموت.

إذن الاستقراء الناقص لا يمكن أن يفيد اليقين بل يفيد الظن. طبعا عندما نقول يقين وإن شاء الله سياتي بحثه مفصلاً في أول بحث الصناعات الخمس، مرادنا من اليقين في المنطق الأرسطي يعني ثبوت المحمول للموضوع واستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع، مو فقط ثبوت المحمول للموضوع. اليقين في المنطق الأرسطي مركب من جزمين: جزم بثبوت المحمول للموضوع، وجزم باستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع. هذا التفتوا إليه، عندما نقول لا يفيد اليقين مرادنا هذا اليقين المنطقي، اليقين الأرسطي المركب من جزمين: جزم بثبوت المحمول للموضوع، وجزم باستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع.

وقالوا: إنه لا يفيد إلا الظن لجواز أن يكون أحد جزئياته ليس له هذا الحكم، كما قيل إن التمساح يحرك فكه الأعلى عند المضغ لا فكه الأسفل.

شبهة مستعصية وحلها

شبهة مستعصية: إن القياس الذي هو العمدة في الأدلة على المطالب الفلسفية وهو المفيد لليقين -هذا يا يقين؟ مو ثبوت المحمول للموضوع، بل اليقين المنطقي الذي معه استحالة انفكاك المحمول عن الموضوع- وهو المفيد لليقين، لما كان يعتمد القياس على مقدمة كلية على كل حال كما تقدم في شرائط الشكل الأول (كلية إحدى المقدمتين)، فإن الأساس فيه في أسا... فإن الأساس في هذه المقدمة الكلية لا محالة هو الاستقراء.

الجواب: ليس كذلك، ليس كل قاعدة كلية هي مبنية على الاستقراء، وإلا اجتماع النقيضين محال وليس مبنياً على الاستقراء. لما قدمنا أن كل قاعدة كلية لا تحصل لنا إلا بطريق فحص جزئياتها. ولا شك أن أكثر القواعد العامة غير متناهية الأفراد، ومن هنا فإن الاستقراء التام نادر الوقوع، فلا يمكن تحصيل الاستقراء التام فيها أي في الأفراد غير المتناهية، فيلزم على ذلك أن تكون أكثر قواعدنا التي نعتمد عليها لتحصيل الأقيسة، يلزم أن تكون أكثر قواعدنا ماذا؟ ظنية ولا تفيد اليقين، وهذا معناه انهيار جميع العلوم، وخصوصاً العلوم... العلوم العقلية، فيلزم أن تكون أكثر أقيستنا ظنية وأكثر أدلتنا غير برهانية في جميع العلوم والفنون، وهذا ما لا يتوهمه أحد، لا يمكن الالتزام به.

فهل يمكن أن ندعي أن الاستقراء الناقص يفيد العلم اليقيني فنخالف جميع المناطقة الأقدمين؟ يقول: لا، لا يمكن أن نخالف جميع المناطقة الأقدمين، إلا أن السيد الصدر هنا يقول: يقول لا يمكن أن نخالف جميع المناطقة الأقدمين ونقول إن الاستقراء الناقص يمكن أن يفيد اليقين. هنا موضع الخلاف بين المنطق الأرسطي وبين المنطق الاحتمالي الذي أسسه السيد الشهيد رحمة الله تعالى عليه.

ربما تكون هذه الدعوة قريبة إلى القبول -التفتوا جيداً- بوجدانه يقول أنها قريبة هذه الدعوة، أن الاستقراء الناقص قد يفيد اليقين في بعض الأحيان، ولكن المشكلة أنه يلزم منه مخالفة جميع المناطقة الأقدمين. هسّة يبين لماذا أنها قريبة إلى القبول، يقول: إذ تجد أننا نتيقن بأمور عامة ولم يحصل لنا استقراء جميع أفرادها. هو بالوجدان يجد أن استقراء بعض الأفراد يؤدي إلى حصول اليقين، ولكن لا يعرف الآلية المنطقية لحصول ذلك، السيد الشهيد اكتشف هذه الآلية.

يعني أنت بالوجدان تجد أنك تستقرأ جملة من الحالات ويحصل لك ماذا؟ يقين بالنتيجة. وعندما أسألك كيف؟ لا تستطيع أن توجهه لي منطقياً، وإلا وجدانياً تقبل أن هذه المقدمات وإن كانت أصغر من النتيجة ولكن النتيجة يمكن أن تكون يقينية ومتيقن ومطمئن بها. السيد الشهيد اكتشف هذه الآلية، كيف أن المقدمات إذا كانت...

إذ تجد أننا نتيقن بأمور عامة ولم يحصل لنا استقراء جميع أفرادها، كحكمنا قطعاً بأن الكل أعظم من الجزء مع استحالة استقراء جميع ما هو كل وما هو جزء، وكحكمنا بأن الاثنين نصف الأربعة مع استحالة استقراء كل اثنين وكل أربعة، وكحكمنا بأن كل نار محرقة وأن كل إنسان يموت مع استحالة استقراء جميع أفراد الإنسان، والإنسان أفراد النار والإنسان... طبعا هذه الأمثلة كل واحدة مرتبطة بواحدة من أقسام اليقينيات؛ لأنه سياتي أن اليقينيات كم هي؟ ستة: الأوليات، المتواترات، الفطريات، الحدسيات، ونحو ذلك. هذه كل واحدة من... مرتبطة بواحدة من أقسام الأوليات، بواحدة من أقسام اليقينيات الست التي سياتي الكلام عنها مفصلاً في أول الجزء الثالث من المنطق بإذن الله تعالى. وهكذا ما لا يحصى من القواعد البديهية فضلاً عن النظرية.

حل الشبهة

فيما يرتبط بحل هذه الشبهة، السيد الشيخ... السيد الشيخ المظفر رحمة الله تعالى عليه يقول: الآن إذا صارت عندنا... ما شبهة؟ ما هي الشبهة؟ أن أكثر قواعدنا العامة مستندة إلى الاستقراء، وأي استقراء؟ هو الاستقراء الناقص، هذا أولاً. وأن الاستقراء الناقص لا يفيد إلا ظناً. إذاً النتيجة أن أكثر قواعدنا العامة التي نستند إليها في القياس لا تفيد إلا ظناً. شوف هذه الشبهة كيف ندفعها؟ مع أن هذا ما لا يتوهمه أحد.

إذا أعيد الإشكال: أن أكثر قواعدنا العامة تستند إلى ماذا؟ سالتفت جيدا، هنا عبر (أكثر قواعدنا العامة) في أول الكتاب قال: (كل قواعدنا) في أول بحث الاستقراء قال: (والاستقراء هو الأساس لجميع أحكامنا)، أما هنا في صفحة بعدها قال: (فليلزم أن تكون أكثر قواعدنا)... هسّة ما التفتنا، إذا جميع قواعدنا هالشكل وأكثر قواعدنا هالشكل أي منهما؟

بعد ذلك، طب من هذه العبارة يتضح أكثر، من ذيك العبارة يتضح أنه يريد أن يقول: جميع القواعد. ومن هنا أنا ناقشت في تلك العبارة، قلت: لا، ليس الأمر كذلك، ليس جميع قواعدنا مبنية على الاستقراء، بل جملة من قواعدنا العامة مستندة إلى العقل، العقل يدركها ولكن بعد أن يتصور الموضوع والمحمول، وتصور الموضوع والمحمول يحتاج إلى الحس والمشاهدة. ولعل الذي أوقع الشيخ المظفر رحمة الله تعالى عليه في هذه المغالطة هو هذه النقطة، وهو أنه وجد أن تصور الموضوع والمحمول يحتاج إلى تصور الجزئيّات، فتصور أن القاعدة الكلية أيضاً محتاجة إلى الجزئيّات.

أنا شوية أقف عند هذا المطلب؛ لأنه هو احنا هذا الكتاب ما راح يخلص في هذا الدرس، فالإخوة إذا يوافقون احنا ناخذ درس ثاني بعد هذا الدرس للي ما عندهم مانع حتى إن شاء الله ننهي هذا الكتاب. بعد هذه... بعد ثلاث أربع دقائق احنا ننهي هذا الدرس، فالإخوة إذا وافقوا نبدأ درساً آخر حتى ننهي الكتاب. بس أنا أبين هذه النقطة:

شوفوا، في البديهيات -يعني اجتماع النقيضين محال- احنا عندنا مرحلتين: المرحلة الأولى أن تصدق أن اجتماع النقيضين محال، هذا تصديق، ولكن التصديق فرع ماذا؟ فرع التصور، كل تصديق مسبوق بتصور، يعني تتصور... الموضوع... تتصور المحمول، تتصور النسبة، فتحكم، وهذا ما فرقنا فيه سابقاً، قلنا: ما الفرق بين التصور والتصديق؟ قلنا: التصور بلا حكم، والتصديق... التصور... علم بلا حكم، علم مع الحكم. التفتوا جيداً، البديهيات الأولية التصور فيها نحتاج فيه إلى الجزئيّات، أما التصديق فيها فلا نحتاج إلى الجزئيات، بمجرد أن نتصور الموضوع والمحمول نصدق ماذا؟ بثبوت المحمول للموضوع واستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع.

ولعل الذي أوقع الشيخ المظفر رحمة الله تعالى عليه أنه تصور أن جميع قواعدنا العامة نحتاج فيها إلى الجزئيّات، ووجد أنه في التصور نحتاج، فتصور أننا في التصديق أيضاً نحتاج، مع أننا في التصديق نحن لا نحتاج إلى الاستقراء، نعم في تصور موضوع ومحمول القضايا التصديقية البديهية نحن نحتاج إلى التصور، أما في مقام التصديق فلا نحتاج إلى الجزئيّات وإلى استقراء الجزئيات.

حل الشبهة: فنقول في حل الشبهة: أن الاستقراء على أنحاء؛ أن يبنى على صرف المشاهدة فقط. هسّة ما الفرق بين المشاهدة وبين التجربة؟ هذا إن شاء الله موكول إلى دراسات أعمق، المهم المش... الملاحظة الخارجية، أنا ألاحظ هذا الحيوان يحرك فكه الأسفل وهذا الحيوان يحرك فكه الأسفل، هذا النوع من الحيوان يحرك فكه الأسفل، هذا النوع من الحيوان يحرك فك... فكه الأسفل، أقول: إذن كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ. استقراء ناقص، استقراء تام؟ استقراء ناقص، أولاً. نتيجة يقينية أو ظنية؟ من الواضح أنها نتيجة ظنية وليست يقينية. هسّة أنت استقرأت 10 أنواع من الحيوان؟ 20 نوع من الحيوان؟ 30 نوع من الحيوان؟ 1000 نوع من الحيوان؟ لا يمكنك أن تقول كل حيوان إذا يحرك فكه الأسفل عند المضغ، لعل هناك نوع من الحيوان يحرك فكه الأعلى عند المضغ.

أن يبنى على صرف المشاهدة فقط، ملاحظة الخارجية، فإذا شاهد بعض الجزئيّات أو أكثرها أن لها وصفاً واحداً استنبط أن هذا الوصف يثبت لجميع الجزئيات، كمثال استقراء بعض الحيوانات أنها تحرك فكها الأسفل عند المضغ. ولكن هذا الاستنباط قابل للناقض، فلا يكون الحكم فيه قطعياً. وعلى هذا النحو اقتصر نظر المنطقيين القدماء في بحثهم. يقول: قدماء المنطقيين عندما قالوا إن الاستقراء الناقص لا يفيد اليقين نظرهم إلى الاستقراء الناقص أي نوع؟ هذا النوع، وهو الذي يعتمد المشاهدة المحضة الملاحظة المحضة، أما هناك أقسام أخرى من الاستقراء يأتي الحديث عنها.

والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع
الملف 101استماع
الملف 102استماع
الملف 103استماع
الملف 104استماع
الملف 105استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.