منطق المظفر – كمال الحيدري

دروس مقررة — النصوص المتاحة

100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 80

تحميل Word

080

الفطريات

الفطريات وهي القضايا التي قياساتها معها، أي إن العقل لا يصدق بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات، بل لا بد لها من وسط، إلا أن هذا الوسط ليس مما يذهب عن الذهن حتى يحتاج إلى طلب وفكر.

كان الكلام في القسم الأخير من اليقينيات وهي الفطريات. قلنا فيما سبق بأن الأوليات هي تلك القضايا التي لا تحتاج إلى استدلال، بل لا يمكن إقامة الدليل عليها؛ اجتماع النقيضين محال، هذا القسم الأول.

القسم الثاني من اليقينيات هي تلك القضايا التي يمكن الاستدلال عليها أولاً وتحتاج إلى الدليل ثانياً. التفتوا جيداً، ولكن هذا الدليل المركب من صغرى وأوساط وأكبار، هذا الأوسط يلازم تلك القضية، لا يفترق عنها، لا ينفك عنها. ما نتيجة ذلك؟ نتيجة ذلك أن الإنسان لكي يصدق بتلك القضايا، يعني القضايا لا يحتاج إلى فكر. ما هو الفكر؟ يتذكر الإخوة، ما هو الفكر؟ قلنا فيما سبق أن الفكر يمر بمراحل متعددة من المجهول إلى المعلوم، ثم السير في المعلوم، ثم الانتقال من المعلوم إلى المجهول. إذا يتذكر الإخوة قلنا في المرحلة الثانية من عملية الفكر نحن ماذا نفعل؟ السير في المعلوم حتى نكتشف ماذا؟ ها؟ نكتشف الحد الأوسط.

في الاستدلال هنا الحد الأوسط لا يغيب عن الذهن في الفطريات، لا يحتاج إلى بحث عنه، لا يحتاج إلى تأمل للكشف عنه؛ لأنه حاضر عند النفس الحد الأوسط. لأن عملية الاستدلال ما هي؟ عملية الاستدلال هو أنك تواجه المشكل، ثم تنتقل منه إلى المعلوم الموجود عندك، ثم تبحث في المعلوم، وقلنا البحث في المعلوم يعني الكشف عن الحد الأوسط، ثم تنتقل من المعلوم إلى المجهول مرة أخرى وهو الانتقال من المعلوم إلى المجهول للكشف عن ذلك المجهول.

في القسم الثالث من اليقينيات يعني الحسيات، المتواترات، المحسوسات ونحو ذلك، هناك أيضاً نحتاج إلى عملية استدلال، ولكن الحد الأوسط حاضر أم غائب؟ ها؟ الحد الأوسط غائب، يحتاج إلى فكر، يحتاج إلى بحث. وهذا بخلافه في القسم الثاني من اليقينيات وهي الفطريات، فإنه يحتاج إلى حد أوسط، ولكن الحد الأوسط حاضر دائماً عند العاقل.

وعلى هذا الأساس فاليقينيات تكون ماذا؟ تكون على ثلاثة أقسام:

1. القسم الأول من اليقينيات هي التي لا تحتاج إلى استدلال، بل ولا يمكن إقامة الاستدلال والدليل عليها.

2. القسم الثاني من اليقينيات هي التي تحتاج إلى استدلال، وتحتاج إلى الكشف عن الحد الأوسط، ولكن الحد الأوسط دائماً حاضر عند الذهن لا يحتاج إلى فكر وطلب كالفطريات.

3. القسم الثالث من اليقينيات هو الذي يحتاج إلى استدلال ولكن الحد الأوسط غير حاضر بل يحتاج إلى طلب وفكر.

وعلى هذا الأساس فهذه اليقينيات التي نقرأها في المنطق الأرسطي اتضح أنها ليست جميعاً في عرض واحد، بل بعضها مقدم على البعض الآخر، وأولها هي الأوليات، وأهمها هي الأوليات، والأوليات منحصرة في فرد واحد وهو اجتماع النقيضين محال. أما ما عدا ذلك من اليقينيات فهي كلها بحسب الدقيقة قضايا نظرية ولكنها تعتمد فقط على اجتماع النقيضين محال. وبعبارة ثالثة: القضايا الموجودة عندنا ما عدا اجتماع النقيضين محال فكلها قضايا تحتاج إلى استدلال، فإذا احتاجت إلى الاستدلال ماذا تكون؟ ها؟ تكون نظرية، إلا قضية اجتماع النقيضين محال فإنها لا تحتاج إلى استدلال ولا يمكن إقامة الاستدلال عليها.

أنا فقط أريد أن أبين أهمية هذا المبدأ، مبدأ عدم التناقض؛ أن الأساس العقلي والمنهج العقلي والفلسفة العقلية كلها قائمة على هذه النقطة المركزية المحورية وهي مبدأ عدم التناقض، أن اجتماع النقيضين محال، وما عدا ذلك من القضايا بعضها لا يحتاج إلا إلى واسطة واحدة لكي تصل إلى ماذا؟ إلى هذا المبدأ، وبعضها تحتاج إلى واسطتين، وبعضها تحتاج إلى ثلاث وسائط، وبعضها إلى أربع وسائط وهكذا. ومن هنا التي هي أقرب إلى الأوليات سميناها يقينيات، أما التي هي أبعد عن الأوليات سميناها ماذا؟ نظريات، وإلا في واقع الأمر فجميع القضايا نظرية إلا قضية اجتماع النقيضين محال.

نعم، حيث أن بعض هذه القضايا كالمحسوسات، كالمتواترات، كالمجربات ونحوها، هذه قريبة جداً من الأوليات، لأنها لا يفصلها عن الأوليات إلا وسط واحد، إلا عملية استدلال واحد؛ من هنا سميت ماذا؟ سميت يقينيات، لا بمعنى أنها لا تحتاج إلى استدلال، بل تحتاج إلى استدلال ولكنها قريبة من الأوليات بخلاف القضايا الأخرى التي هي بعيدة عن الأوليات فسميت نظريات وتحتاج إلى استدلال.

هسّة مثال، المثال الذي تعرفونه واضح وهو أن الاثنين نصف الأربعة ونحو ذلك من الأمثلة التي نقرأها لا يوجد مطلة في الفطريات الإخوة يعلمون. إنما الكلام سؤال أن الدور... أن الجزء... أن الكل أعظم من جزئه، هذه بعد من الأوليات أو ليست من الأوليات؟ ها؟ ليست من الأوليات وإنما هذه ماذا؟ من اليقينيات.

لماذا؟ نقول لأن الكل أعظم من جزئه هذا يتحمل الاستدلال. ما هو الاستدلال؟ نقول: لو لم يكن الكل أعظم من الجزء لكان الكل مساوياً للجزء. طب أنت تقول جنابك محال، لماذا أن الكل مساو للجزء معاً؟ نقول هذا الدليل. الكل ما هو؟ الكل مجموع الأجزاء، افترض أن هذا الكتاب فيه جزءان، نأخذ جزءاً منه ثم نأخذ الكل، نقول بأن الكل هو مجموع هذه الأجزاء، طب إذا قسنا جزءاً منه إلى الكل فهو إما أصغر وإما مساو، فاذا كان أصغر ثبت المطلوب، وإن كان مساوياً هذا معناه أن الجزء الآخر وجوده وعدمه ماذا؟ سواء، وجوده وعدمه سواء يعني ماذا؟ يعني اجتماع النقيضين، واجتماع النقيضين محال.

أنت جنابك تقول الدور ممتد، سؤال لماذا الدور محال؟ أليف علة لباء، باء علة لأليف. أقول محال، تقول أقول لماذا محال؟ تقول: ها إذا قلنا أليف علة، العلة متقدمة لو متأخرة؟ متقدمة، والمعلول متأخر، فإذا صار أليف معلولاً فيكون متقدم لو متأخر؟ فيكون متأخراً. إذاً أليف متقدم وماذا؟ وليس بمتقدم، متأخر وليس بمتقدم بعد، ومتقدم وليس بمتقدم جمع بين النقيضين. اجتماع الضدين محال. نفس الاستدلال وهكذا أنتم ارجعوا إلى كل المحالات ترجع تجدون مرجعها إلى ماذا؟ إلى أن اجتماع النقيضين محال، بل ذكرنا لكم فيما سبق أن ارتفاع النقيضين أيضاً مرجعه إلى أين؟ إلى اجتماع النقيضين.

إذاً لا توجد عندنا قضية أولية إلا اجتماع النقيضين محال، وما ذكره المصنف رحمة الله تعالى عليه من أن القضايا الأولية من قبيل الكل أعظم من الجزء، بعد هذا ليس من الأوليات، وإنما هذا ماذا؟ من الفطريات سمِّه، أو سمِّه أي قسم من اليقينيات، من البديهيات، وليس من الأوليات. لأن الأوليات كما قلنا هي التي لا تحتاج إلى دليل بل ولا يمكن إقامة الدليل، والكل أعظم من جزئه لا يمكن إقامة الدليل أو يمكن إقامة الدليل إذاً ليست هي الأوليات.

تبقى نقطة أخرى؛ هذا بحسب المادة، إذاً بحسب المادة إحنا كم قضية عندنا لا نحتاج فيها إلى استدلال؟ ها؟ واحد، قضية واحدة على حسب المادة. تعالوا معنا إلى أين؟ إلى الهيئة. الإخوة يتذكرون قلنا أن جميع الأشكال المنتجة لابد أن ترجع إلى ماذا؟ ها؟ إلى الشكل الأول، وإنتاجية الشكل الأول قلنا بديهية أو لا؟ وقلنا إذا لم ينتج الشكل الأول ماذا يلزم؟ ها؟ إذا لم ينتج الشكل الأول ماذا يلزم؟ يلزم التناقض. تتذكرون قلنا بأنه في الشكل الأول لابد يكون الحد الأوسط ماذا؟ مشترك، يعني إذا كان هذا ثابت لذاك والأكبر ثابت لهذا، فلابد أن يكون الأكبر ثابتاً للأصغر وإلا يلزم ماذا؟ يلزم أنه ما فرض أنه من مصاديقه ليس من مصاديقه، يعني اجتماع النقيضين.

إذاً في المادة مرجعه إلى ماذا؟ إلى مبدأ عدم التناقض. في الهيئة مرجعه إلى ماذا؟ إلى مبدأ عدم التناقض، فالقياس الأرسطي أو المنطق الأرسطي يرتكز على حجر معين، على زاوية تعتبر المحور الأساسي في هذا المنطق وهو ماذا؟ مبدأ عدم التناقض. ومن هنا وجدت بأن المنطق الهيجلي أو الفلسفة الماركسية حاولت تزعزع ماذا؟ تزعزع هذا المبدأ، لأنه بانهيار هذا المبدأ ينهار كل المنهج، يعني كل المنطق ينهار، وبانهيار المنطق ينهار كل البناء الفوقي، يعني الفلسفة التي بنيت على هذا المنطق. هذا الباب إذا أمكن من لنا.

إذاً هذا المبدأ، مبدأ عدم التناقض هو أساس المنطق أولاً، وأساس الفلسفة عندنا ثانياً، لأن كل فلسفة لابد أن تقوم على أساس منهج معين ومنطق معين كما تقدم هنا في هذا الكتاب وفي نظرية المعرفة، أن الفلسفة لا يمكن أن تكون بلا منهج بلا منطق. فلهذا أنت عندما تأتي إلى منطق الاستقراء للسيد الشهيد رحمه الله تعالى عليه أيضاً تجده ينطلق من أي قاعدة؟ ينطلق من مبدأ عدم اجتماع النقيضين، مبدأ اجتماع النقيضين محال، ويقول هذه القضية من القضايا الأولية التي لا تحتاج إلى دليل ويقبلها العاقل قبولاً أولياً معقولاً أو قضية قبلية لا قضية بعدية؛ قضية قبلية يعني قبل الاستقراء العقل ماذا؟ يقبلها، بخلاف القضايا البعدية، فإن العقل متى يقبل بها؟ يقبل بها بعد الاستقراء لا قبل الاستقراء.

هذا يعتبر أساس المنهج العقلي وهو مبدأ عدم التناقض، ومن هنا الإنسان لابد أن يقف على هذا المبدأ ليعرف الحدود، الشرائط، القيود حتى يعرف أنه في أي مورد يلزم التناقض وفي أي مورد لا يلزم التناقض، وما لم يحكم أساس هذا المبدأ فانه لا يمكنه أن يؤسس منطقاً ثم يؤسس فلسفة، بل إن شاء الله تعالى سيتضح في بحث الفلسفة أن هذا المبدأ مرتبط بإثبات وجود الله سبحانه وتعالى، يعني التوحيد يبدأ من أين؟ التوحيد يبدأ من خلال هذا المبدأ، وإلا لو أنكرنا هذا المبدأ فإنه لا يمكن إثبات التوحيد أيضاً، ولا يمكن إثبات وجود الله سبحانه وتعالى.

قال: (الفطريات وهي القضايا التي قياساتها معها، أي إن العاقل لا يصدق بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات). هذا التعريف للأوليات نحن ماذا؟ قلنا بأنه تعريف غير جامع، التعريف الجامع للأوليات أنه لا يمكن الاستدلال... لا، لا تحتاج إلى الدليل، بل ولا يمكن إقامة الدليل عليها، هذا تعريف الأولي. (بل لابد لها أي للفطريات من وسط)، مراد من الوسط يعني الحد الأوسط الذي يربط الأكبر بالأصغر، (إلا أن هذا الوسط أو الحد الأوسط مما ليس مما يذهب عن الذهن حتى يحتاج إلى طلب وفكر)، بخلاف المحسوسات، بخلاف المتواترات، بخلاف المجربات، فإنه ماذا؟ قد يغيب ويحتاج إلى طلب وفكر، (فكلما أحضرت المطلوب أو أحضر المطلوب في الذهن حضر التصديق به لحضور الوسط معها، مثل حكمنا بأن الاثنين خمس العشرة، فإن هذا حكم بديهي) -التفتوا جيداً، التعبير دقيق، لم يقل: فإن هذا حكم أولي، بل هو حكم بديهي، والبديهي غير الأولي، قلنا كل أولي بديهي ولكن ليس كل بديهي فهو أولي- (فإن هذا حكم بديهي إلا أنه معلوم بوسط؛ لأن الاثنين عدد قد انقسمت العشرة إليه وإلى أربعة أقسام أخرى كل منها يساويه... يساوي الاثنين، وكل ما ينقسم عدد إليه وإلى أربعة أقسام أخرى كل منها يساويه فهو خمس ذلك العدد، وهذا الاستدلال لا يغيب عن الذهن، فالاثنان خمس العشرة، ومثل هذا القياس حاضر في الذهن لا يحتاج إلى كسب ونظر، ومثل هذا القياس يجري في كل نسبة عدد إلى آخر، غير أن هذه النسب يختلف بعضها عن بعض في سرعة مبادرة الذهن إلى المطلوب وعدمها بسبب قلة الأعداد وزيادتها، أو بسبب عادة الإنسان على التفكر فيها وعدم التفكر، فإنك ترى الفرق واضحاً في سرعة انتقال الذهن بين نسبة 2 إلى 4 وبين نسبة 13 إلى 26، مع أن النسبة واحدة وهي النصف)، بعد هذه تابعة للممارسة ولقدرة الذهن، (أو بين نسبة 3 إلى 12 وبين نسبة 17 إلى 68 مع أن النسبة واحدة هي الربع وهكذا). هذا تمام الكلام في اليقينيات.

المظنونات

بعد ذلك ننتقل إلى القسم الثاني من القضايا وهي المظنونات.

الإخوة يتذكرون نحن ماذا قلنا في اليقينيات؟ اشترطنا كم شرط في اليقينيات؟ ثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن تكون جازمة.

الشرط الثاني: أن تكون مطابقة للواقع.

الشرط الثالث: أن يكون العلم عن طريق السبب والعلة.

أما إذا كان تقليداً فقلنا أنه ليس يقين بالمعنى المصطلح. إذاً لكي يحصل عندنا اليقين بالمعنى المصطلح في اليقينيات لابد أن نحتاج إلى أمور ثلاثة: أولاً أن يكون محتوى القضية جازماً، يعني لا يحتمل النقيض الطرف الآخر؛ ثانياً أن يكون محتوى القضية مطابقة للواقع؛ ثالثاً ماذا؟ ها؟ ألا يكون عن تقليد، يعني يكون العلم بالقضية من خلال العلة والسبب.

هنا عندما نقول ظن مرادنا ما هو؟ الظن يطلق في كلماتهم على اصطلاحين:

تارة يطلق الظن ويعبر عنه بالظن الصرف أو الظن المحض، والمراد منه يعني ما لم يكن جازماً، ترجيح أحد الطرفين من دون استحالة النقيض، الطرف الآخر مو محال، هذا الذي نتعارف عليه بالظن. في المنطق عندما نقول ظن ماذا مرادنا؟ يعني درجة 80، والطرف الآخر موجود محتمل أو غير محتمل، ولكنه مرجوح وهذا الطرف هو الراجح، وهذا يسمى عندهم بالظن المحض أو الظن الصرف، وهو المقصود في البحث عنه المظنونات. عندما نقول المظنونات مرادنا أي قسم من الظن؟ هذا الاصطلاح الأولي من الظن، يعني ما لم يكن جازماً.

وأخرى نطلق الظن على كل ما لم يكن يقينياً، يعني إذا كان جازماً ولكن كان مخالفا للواقع، ظن لو يقين بحسب الاصطلاح الثاني؟ ظن بعد يصير، أما بحسب الاصطلاح الأول شو يصير؟ يقين يصير بيصير ظن، لأن الظن هو ماذا؟ هو الطرف الراجح الذي يوجد في قباله الاحتمال المرجوح غير المانع من النقيض.

هذا الظن المحض، أما الظن الذي يقع في قبال اليقين بنحو يكون عدم اليقين، يعني النسبة بين اليقين والظن تكون نسبة الملكة وعدمها، إذا كان الظن... هذا الظن له مصاديق، واحدة من مصاديقه الظن بالمعنى الأول؛ لأنه إذا لم تكن القضية جازمة فهو ظن أو ليس بظن؟ ظن. إذا كانت القضية جازمة -التفتوا جيدا- ولكن لم تكن مطابقة للواقع بحسب هذا الاصطلاح يقين أم ظن؟ ها، ظن ولكنه ما هو؟ جهل مركب، لأنه يقين ولكنه غير مطابق للواقع.

سؤال ثالث: كان هناك جزم وكانت هناك مطابقة للواقع ولكن كان عن تقليد لا عن علم بالسبب والعلة، فهو يقين أم ظن؟ هسّة تلتفتون إلى الاصطلاح كيف يختلف؟ إذا وجدنا أن إنسان يحصل له جزم وجزمه مطابق للواقع ولكنه عن تقليد، نقول هذه عقيدتك ظنية لو يقينية؟ هذه ظنية بعد مو يقينية بحسب الاصطلاح المنطقي. إذاً لا تخلطون، شوفوا هذا الاصطلاح يختلف، إحنا هنا عندما نقول مظنونات مو مرادنا الظن الذي في قبال اليقين، مرادنا الظن المحض يعني الطرف الراجح ويقابله احتمال الطرف المرجوح، هذا مقصودنا هنا. ولكن للظن اصطلاح آخر، وأنت قد تعترض علي وتقول إنه هؤلاء المناطقة لماذا الإنسان إذا قلد شخصاً وكان له جزم وكان جزمه مطابق للواقع ولكن لم يكن الشرط الثالث موجود، يقولون هذه عقيدته ليست يقينية وإنما ظنية هذه؟ مع أنه الظن هو ماذا؟ ها؟ الظن هو الاحتمال الراجح في قبال الاحتمال المرجوح، وهذا جازم لا يوجد عنده احتمال راجح واحتمال مرجوح، لماذا العدل يسميه المناطقة أنه ظان وليس بمتيقن؟

يقول الاصطلاح يختلف، لأن اصطلاح الظن قد يطلق ويراد منه المعنى الأول وقد يطلق ويراد منه المعنى الثاني، والذي هو المقصود في بحث المظنونات هو الظن المحض يعني القضية غير جازمة.

قال: (المظنونات مأخوذة من الظن والظن في اللغة أعم من اصطلاح المنطقيين هنا)، في اللغة أعم، بس اصطلاح المنطقيين ما هو؟ الآن نبين، ولكن في اللغة أعم، (فإن المفهوم لغة من الظن لغة حسب تتبع موارد استعمال هذا المفهوم هو الاعتقاد في غائب ولكن بماذا؟ بحدس أو تخمين)، هسّة إذا فسرنا الظن همّات إذا فسرنا التخمين قلنا ما هو التخمين؟ ها؟ هو الظن، التخمين ما هو؟ هو الظن، هذا معناه أننا عرفنا الظن بالظن، ولكن الأمر سهل؛ لأن الظن أمر واضح عند العرف وعند الذهن العامي عندما تقول يظن يعني يعلم أنه يريد الاحتمال الراجح في قبال الاحتمال المرجوح، فلا يقول أحد بأن هذا تعريف دوري.

(هو الاعتقاد في غائب بحدس أو تخمين من دون مشاهدة أو دليل أو برهان، سواء كان اعتقاداً جازماً مطابقاً للواقع ولكن غير مستند إلى علته كالاعتقاد تقليداً للغير) هذا يدخل في الظن بالمعنى اللغوي، شوفوا اعتقاد جازم مطابق للواقع ها، ولكن ماذا؟ تقليد، يعني ليس عن علم عن العلة والسبب، فهو ظن لغوي، ليس الخلط عندك، إذا قلنا أنت ظان نقول لماذا يقول هؤلاء أنت ظان؟ نقول هذا الظن هو الظن اللغوي هذا الاصطلاح الثاني.

أما اصطلاح المنطقي في الظن مراد منه ماذا؟ يعني القضية غير جازمة، الطرف الراجح وطرف مرجوح، (أو كان اعتقاداً جازماً غير مطابق للواقع، فهو أيضاً ماذا؟ ظن بحسب الاصطلاح اللغوي وهو الجهل المركب، أي ظن هو ظن، أو كان اعتقاداً غير جازم بمعنى ماذا؟ بمعنى ما يرجح فيه أحد طرفي القضية النفي أو الإثبات ولكن مع تجويز الطرف الآخر، مع احتمال الطرف الآخر، وهذا المعنى الأخير هو المراد من الظن المنطقي وهو يساوق الظن بالمعنى الأخص باصطلاح المنطقيين المقابل لليقين بالمعنى العام)؛ لأنكم تتذكرون فيما سبق كان عندنا يقين بالمعنى العام، وعندنا ماذا؟ يقين بالمعنى الأخص، والذي شرحناه من اليقين قلنا إنه يقين بالمعنى الأخص، يقين بالمعنى الأعم ما هو؟ ها؟ أن تكون القضية جازمة، وفي المظنون القضية غير جازمة. والظن المقصود به باصطلاح المناطقة هو المعنى الأخير فقط، يعني ألا تكون جازمة، في قبال اليقين بالمعنى العام، وهو ترجيح أحد طرفي القضية النفي أو الإثبات مع تجويز الطرف الآخر، وهو الظن بالمعنى الأخص، وهو الظن الذي عبرنا عنه بأنه الظن المحض.

فالمظنونات على هذا هي قضايا يصدق بها اتباعاً لغالب الظن مع تجويز نقيضه، يعني مع تجويز الطرف الآخر، كما يقال مثلاً فلان رث الثياب فهو فقير. فلان رث الثياب فهو فقير، هذا فلان رث الثياب، هذا دليل قطعي على أنه فقير؟ أو في الأعم الأغلب أن الإنسان إذا لم يكن عنده شيء يظهر على مأكله، على ملبسه، على وضعه، فأنت من خلال ملبسه قلت إنه ماذا؟ هو فقير، هذا يفيد الظن أو يفيد القاطع؟ يفيد الظن.

قال: (كما يقال مثلاً فلان يسار عدوي له علاقات جيدة مع عدوي فهو يتكلم علي يتكلم معه بعض الأشياء ولا أسمع، أو فلان لا عمل له فهو سافل، أو فلان ناقص الخلق في أحد جوارحه ففيه مركب النقص وكم نستدل بمثل هذه القضايا في حياتنا اليومية).

المشهورات

بعد ذلك ننتقل إلى القسم الثالث من القضايا وهي المشهورات، وتسمى أيضاً الذائعات.

المشهور واضح، واضح يعني الذي يعرف بين الجميع. المشهورات تنقسم إلى قسمين.

بحث المشهورات يوجد فيه بحث مهم وهو بحث الحسن والقبح، وهو أن الحسن والقبح عقليان أو أنهما من القضايا المشهورة، يعني داخلة في اليقينيات أو داخلة أين؟ في المشهورات، وهو من الأبحاث المهمة. نحن إن شاء الله تعالى أولاً نحاول أن نُقرر البحث الموجود في المتن، وإذا بقيت فرصة إن شاء الله لعلنا نتكلم فد مقدار درس أو درسين في مسألة الحسن والقبح العقلي، والنزاع القائم بين الأشاعرة، بين المعتزلة، بين الإمامية؛ ماذا يقول الأشاعرة؟ المعتزلة؟ الإمامية؟ باعتبار أن هذه المسألة كثيرة الدوران في علم الأصول، في علم الفقه، في المنطق، في الفلسفة، في الأخلاق، في موارد كثيرة. نحن نستند إلى ماذا؟ إلى حسن العدل وقبح الظلم، نريد أن نعرف أن هذه قضايا لها واقع أو ليس لها واقع؟ هل هي من اليقينيات؟ يعني من قبيل أن اجتماع النقيضين محال؟ من قبيل أن الكل أعظم من جزئه؟ من قبيل أن الدور محال بهذا المستوى تفيد اليقين أو لا؟

فلهذا أولاً سنتعرض للكتاب وما يرد وما... أيهما موجود في الكتاب، ثم بعد ذلك كما قلت نتكلم درس أو درسين، وتفصيل البحث إن شاء الله موكول إلى بحوثنا في علم التجريد في كتاب التجريد هناك، إن شاء الله سنتعرض لهذه المسألة، مسألة الحسن والقبح بنحو مفصل.

وتسمى الذائعات، وهي قضايا اشتهرت بين الناس وذاع التصديق بها، التصديق يعني وذاعت إيمان بها. الناس يؤمنون بمثل هذه القضايا، عندما تقول لهم العدل حسن، والشاهد على ما نقول هو أن حتى الذي لا يعمل بالعدل فإنه يحب أن ينسب إلى أنه يعمل بالعدل، وحتى الذي يظلم يحاول ماذا؟ أن يتنصل عن الظلم، فهو خير شاهد على أن العدل حسن وأن الظلم قبيح.

الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (كفى بالعلم فخراً أن ينسبه إلى نفسه الجاهل)، الجاهل لا يقبل أحد أن يقول له إنك جاهل وإنما يريد أن تنسبه إلى العلم وكفى بالعلم فخراً أن الجاهل أيضاً يريد أن يتلبس به. كفى بالعدل فخراً أن الظالم يريد أن ينسب إلى العادل، وكفى بالظلم قبحاً أن الفاسق والظالم يريد أن يتنصل منه.

فلهذا قال: (وهي قضايا اشتهرت بين الناس وذاع التصديق بها أي بتلك القضايا عند جميع العقلاء أو أكثرهم)، لا عند جميع العقلاء والإنصاف، والشاهد ما تجدونه الآن في العالم في هذه حقوق الإنسان هذه منشؤها ماذا؟ منشؤها أن هذا حسن وذاك قبيح، مع أن أفعالهم خلاف أقوالهم ولكنهم يرون أن هذا حسن وذاك قبيح، (عند جميع العقلاء أو أكثرهم أو طائفة خاصة).

وهي أي هذه الذائعات أو المشهورات على قسمين: مشهورات بالمعنى الأعم ومشهورات بالمعنى الأخص.

المشهورات بالمعنى الأعم هي تلك القضايا التي يصدق بها جميع العقلاء، ولو سألتهم لماذا لوجدت أن له منشأ واقعياً، من قبيل أن العقلاء يصدقون في ماذا؟ في أن الكل أعظم من جزء، هذا متطابق عليه بين العقلاء أو غير متطابق؟ إلا لمن هو منحرف الذهن، إلا لمن لم يتصور القضية. هذه القضية متطابق عليها بين العقلاء أو غير متطابق عليها؟ نعم متطابق، ولها واقعية أو ليست لها واقعية؟ لها واقعية. ومن هنا المشهورات بالمعنى الأعم قد تشمل ماذا؟ قد تشمل الفطريات، قد تشمل الأوليات، قد تشمل بعض البديهيات أو تشمل البديهيات أيضاً. في قبال ماذا؟

في قبال المشهورات بالمعنى الأخص التي هي محل الكلام، وهي التي تطابق عليها العقلاء ولكن ليس لها واقع وراء تطابق العقلاء عليها. يعني لو فرضنا -التفتوا جيداً- لو فرضنا أن العقلاء غير موجودين، هذه القضية موجودة أو غير موجودة بعد؟ غير موجودة بعد. أما بخلاف اجتماع النقيضين محال، بخلاف الكل أعظم من جزئه، هذه القضية أمر واقعي، سواء كان هناك من يتصور هذه القضية أو لا يتصور، اجتماع النقيضين محال، يعني أن الوجود لا يجتمع مع عدمه هذا أمر واقعي سواء وجد أحد أو لم يوجد. أما بخلافه في المشهورات بالمعنى الأخص فإن واقعيتها بماذا؟ بتطابق العقلاء عليها، يعني إذا لم يكن هناك عقلاء فهذه الواقعية أيضاً غير موجودة.

قال: (المشهورات بالمعنى الأخص نعم وهي التي تطابقت على الاعتقاد بها آراء العقلاء كافة، وإن كان الذي يدعو إلى الاعتقاد بتلك القضايا كونها أولية ضرورية في حد نفسها، ولها أي لتلك القضايا واقع وراء تطابق الآراء عليها، يعني هناك واقعية سواء تطابقوا أم لم يتطابقوا. يعني بعبارة أخرى وجد أحد أم لم يوجد فإن هذه الواقعية متحققة من قبيل الله موجود، هذه القضية الله موجود واقعيتها بوجودي أنا وأنت أو أي موجود آخر؟ لا، لا، الله موجود سواء كان هناك شخص أو موجود موجود غير الله أم لم يكن فالله متحقق في عالم الواقعية فلها الواقعية وراء تطابق الآراء عليها)، فتشمل المشهورات بالمعنى الأخص الآتية، وتشمل مثل الأوليات والفطريات التي هي من قسم اليقينيات البديهية.

وعلى هذا فقد تدخل القضية الواحدة، مثل قولهم الكل أعظم من الجزء -طبعا قلنا فيما سبق مراد هذه مو كل جزء وإنما مراد ذلك الجزء المرتبط بذلك الكل- الكل أعظم من جزئه في اليقينيات من جهة وتدخل في المشهورات من جهة أخرى، من حيث لها واقع وراء تطابق الآراء عليها تدخل في الأوليات والفطريات، ومن حيث تطابق الآراء عليها تدخل في المشهورات.

أما المشهورات بالمعنى الأخص أو المشهورات الصرفة المحضة وهي أحق بصدق وصف الشهرة عليها، وهي التي نبحث عنها في القسم الثالث من القضايا وهي المشهورات؛ لأنها القضايا التي لا عمدة لها في التصديق والإيمان بها إلا الشهرة وعموم الاعتراف بها. فقط يوجد عموم الاعتراف وإلا لا واقعية لها وراء تطابق الآراء، كحسن العدل وقبح الظلم. وهذه من المسائل المختلف فيها بشدة بين المتكلمين من جهة والحكماء من جهة أخرى، بين الحكماء من جهة والأصوليين من جهة أخرى، معركة الآراء. هذه القضية، هاتان القضيتان؛ العدل حسن والظلم قبيح، هل هي من المشهورات؟ هل هي من اليقينيات؟ أين تدخل؟

بحث مفصل ومرتبط بعلم الكلام، كحسن العدل وقبح الظلم وكوجوب الذب عن الحرم واستهجان إيذاء الحيوان لا لغرض. طبعا هذه الأمثلة تدخل في كل واحدة منها في قسم من أقسام المشهورات بالمعنى الأخص، لأنه بعد ذلك سيأتي أقسام المشهورات: واجبات القبول، التأديبيات، الصلاحية، الخلقيات ومولانا القسم الرابع الانفعاليات، القسم الخامس العاديات. هذه عندما ضرب أمثلة متعددة هنا يشير في بكل مثال إلى بعض تلك الأقسام التي سيأتي الحديث عنها بعد ذلك.

قال: (فلا واقع لهذه القضايا وراء تطابق الآراء عليها، وهذا معناه أنه لو لم تكن هناك آراء، ولو لم يكن هناك عقلاء، فهل كانت توجد مثل هذه القضايا أو لا توجد بعد؟ لا توجد، بل واقعها ذلك يعني تطابق الآراء عليها، فلو خلي الإنسان وعقله المجرد وحسه ووهمه ولم تحصل له أسباب الشهرة) -هسّة أسباب الشهرة متعددة، أما واجبات القبول، أما الصلاحية، أما الانفعاليات، أما الخلقيات؛ أسباب الشهرة سيأتي بحثها بعد ذلك- يقول: لو فرضنا أن إنساناً وجد في مكان ولم يحصل له أي سبب من أسباب الشهرة الآتية، فإنه لا يحصل له حكم بهذه القضايا، يعني لا يحصل له حكم بأن العدل حسن وأن الظلم قبيح. واضح صار المطلب؟

إذا الإنسان الأول لو لم يعش واحدة من أسباب الشهرة التي سيأتي الحديث عنها، هل كان يستطيع أن يحكم بأن العدل حسن وأن الظلم قبيح أو لا يستطيع؟ يقول: لا، لا يستطيع، (فإنه لا يحصل له حكم بهذه القضايا ولا يقضي عقله أو حسه أو...).

هسّة مرتبة العقل ما هي؟ مرتبة الحس ما هي؟ مرتبة الوهم ما هي؟ عندنا مرتبة في قبال العقل والحس، لا توجد عندنا مرتبة، بعد هذه أبحاث موكول تفصيلها إن شاء الله إلى علم النفس الفلسفي، هناك لابد أن نبحث: ما هي مراتب النفس؟ المرتبة الأولى هي مرتبة الحس. المرتبة الثانية هي مرتبة الخيال. المرتبة الثالثة هي مرتبة العاقل. هذه المراتب الثلاثة متفق عليها. توجد هناك مرتبة رابعة وهي مرتبة الوهم، وهي مرتبة وقع الخلاف فيها أن النفس لها هذه المرتبة الرابعة أو ليست لها وهي الواقعة بين الخيال وبين العاقل. هذا تفصيله بعد موكول إلى محل آخر.

قال: (فإنه لا يحصل له حكم بهذه القضايا ولا يقضي عقله أو حسه أو وهمه فيها أي في هذه القضايا بشيء)، ولا ينافي ذلك... طب سؤال يقول: لا يحكم، يعني لا يمدح، يقول: لا، المدح والذم شيء، والحكم والتصديق من قبل النفس بأن هذا حسن وذاك قبيح شيء آخر. من هنا يتضح أن المصنف يريد أن يميز بين ماذا وماذا؟ بين المدح والذم من جهة، وبين الحسن والقبح من جهة أخرى، لأنه هو هنا يصرح يقول بأن العقلاء قد يمدحون شيئاً وقد يذمون شيئاً ولكن المدح والذم شيء، والتطابق وتطابق آراء العقلاء والحكم بالحسن والقبح شيء آخر. واضح صار المطلب؟ إن شاء الله إذا رجعنا مرة أخرى إلى الحديث لنكلم... لعلنا نفرق بينه، ما الفرق بين المدح والذم وبين الحسن والقبح؟

فلهذا هنا يقول يقول: (ولا ينافي ذلك) يعني ما قلناه من أن هذه القضايا لو لم تحصل أحد أسباب الشهرة فإن الإنسان لا يحكم بالحسن والقبح، هذا لا ينافي أن الإنسان بنفسه يمدح العادل ويذم الظالم، ولكن المدح والذم شيء، والحكم بالحسن والقبح شيء آخر، ولكن هذا غير الحكم بتطابق الآراء عليها، ومحل كلامنا في المشهورات ماذا؟ في المشهورات بالمعنى الأخص هو تطابق الآراء، يعني الحكم بالحسن والحكم بالقبح، يعني التصديق بأن هذا حسن، التصديق بأن هذا قبيح. التصديق بأن هذا حسن أو هذا قبيح يستلزم ماذا؟ إن شاء الله سيأتي بحث بعد ذلك، يستلزم أنه إذا صدق الإنسان بأن هذا حسن، العقل ماذا يقول له؟ ها؟ ينبغي أن تفعل، وإذا صدق بأن هذا قبيح، العقل ماذا يقول له؟ ينبغي أن تترك، لا ينبغي أن تفعل. وهذا بخلافه في المدح والذم؛ الإنسان قد يمدح شيئاً ولكن العقل لا يقول له ماذا يجب أن تفعل، وقد يذم شيئاً ولكن العقل لا يقول له ماذا ينبغي أن تترك.

(ولا ينافي ذلك أنه بنفسه يمدح العادل ويذم الظالم، ولكن هذا غير الحكم بتطابق... وليس كذلك حال حكمه بأن الكل أعظم من الجزء كما تقدم، فانه لو خلي العقل ونفسه كان له هذا الحكم أن الكل أعظم من الجزء، وهذا معنى أنه له واقع وراء تطابق الآراء عليها. وعلى هذا فيكون الفرق بين المشهورات واليقينيات مع أن كلا منهما... مو كل أخذ كلا منها يعني كلا من المشهورات واليقينيات، هم يمكن التصحيح ولكنه لو كانت منهما لكان أفضل، مع أن كلا منهما يعني المشهورات واليقينيات تفيد تصديقاً جازماً أن المعتبر... وعلى هذا فيكون الفرق بين المشهورات واليقينيات مع أن كلتاهما تفيد الجزم ولكن الفرق ماذا؟ أن المعتبر في اليقينيات كونها مطابقة لما عليه الواقع ونفس الأمر) -هسّة هناك بحث مفصل، الإخوة الذين درسوا عندنا البداية يعلمون بأنه ما هو المراد من نفس الأمر؟ أقوال متعددة في المسألة- (مطابقة لما عليه الواقع ونفس الأمر المعبر عنه بالحق والمعبر عنه باليقين، وأما والمعتبر في المشهورات مطابقتها لتوافق الآراء عليها إِذْ لا واقع للمشهورات غير ذلك وسياتي ما يزيد هذا المعنى توضيحاً. ولذلك ليس المقابل للمشهور هو الكاذب بل المقابل للمشهور هو ماذا؟ الشنيع أو غير المشهور، أو غير المشهور هو ماذا؟ هو الذي ينكره الكافة أو ينكره الأكثر. وعلى هذا الأساس فالكاذب يقابل الصادق والصادق يقابل الكاذب، أما المشهور فلا يقابله الكاذب وإنما يقابله غير المشهور، يعني غير الذي تطابق عليه العقلاء، إما جميعهم لم يتطابقوا عليه وإما أكثرهم لم يتطابقوا عليه. ولذلك ليس المقابل للمشهور هو الكاذب، بل الذي يقابله الشنيع وهو الذي ينكره الكافة أو الأكثر، ومقابل الكاذب هو الصديق).

إذاً فتلخص لنا إلى هنا بأن المشهورات على قسمين: قسم منهما تطابق عليها العقلاء وعلى هذا الأساس فهي مشهورات ومن جهة أخرى لها واقع وراء تطابق الآراء عليها، وعلى تلك ومن تلك الحيثية تسمى ماذا؟ تسمى يقينيات. القسم الثاني من المشهورات وهو المبحوث عنه هنا هي تلك الأمور التي تطابق عليها آراء العقلاء والتي ليس لها واقع وراء تطابق آراء العقلاء عليها.

قال: (أقسام المشهورات: اعلم أن المشهورات قد تكون مطلقة، يعني وهي المشهورة عند الجميع، عند جميع العقلاء، وقد تكون محدودة، وهي المشهورة عند قوم دون قوم، عند طبقة دون طبقة، كشهرة امتناع التسلسل عند المتكلمين)، يشير إلى الخلاف الموجود بين المتكلمين وبين الفلاسفة في شرائط استحالة التسلسل. هناك شرائط ثلاثة ذكرها الحكماء لاستحالة التسلسل، وأنكر جملة من هذه الشرائط المتكلمون، فعند المتكلمين المشهور بينهم أن هذا التسلسل الفاقد لهذه الشرائط هو ماذا؟ هو مستحيل. ولكن عندما تخرج أنت من دائرة المتكلمين بعد لا تجده مستحيل، فهي مشهورة ولكن مشهورة في دائرة محددة وهي دائرة المتكلمين مثلاً.

(وتنقسم أيضاً إلى جملة أقسام بحسب اختلاف أسباب...) لماذا صارت مشتهرة؟ وهي حسب الاستقراء يمكن عد أكثرها كما يلي. والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع
الملف 101استماع
الملف 102استماع
الملف 103استماع
الملف 104استماع
الملف 105استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.