منطق المظفر – كمال الحيدري

دروس مقررة — النصوص المتاحة

100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 95

تحميل Word

095

قال الثاني: تحصيل الحق واليقين في المسألة التي تعرض على الإنسان؛ فإنه بالقوة الجدلية التي تحصل له بسبب هذه الصناعات، يتمكن من تأليف المقدمات لكل من طرفي الإيجاب والسلب في المسألة.

كان الكلام في فوائد الجدل. قلنا بأن للجدل فوائد متعددة. الفائدة الأولى تقدم الكلام عنها بالأمس. الفائدة الثانية هي أنها تعطي للإنسان الذي يريد أن يتعلم شيئاً، تعطه القدرة على محاكمة ما يريد الاعتقاد به. انتم تعلمون بأنه نحن نعيش في زمن هو معترك الآراء، ليس فقط معترك الآراء في السياسة، بل معترك الآراء في العقائد، معترك الآراء في التوحيد، معترك الآراء في الإسلام؛ مختلف الآراء والنظريات موجودة.

من باب ذكر المثال: أنت تأتي إلى هذه الحوزة العلمية، تجد شخصاً يعتقد بأن الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام) هم متحدون مع الله سبحانه وتعالى -فمن باب الحمل على الصحة وإلا لو ملتفت فنحكم عليه بأحكام مختلفة، ولكن من باب الحمل على الصحة نقول بأنه غير ملتفت إلى اللوازم- يعتقد بأن المعصوم هذه درجته، طبعا مو في زماننا، في التاريخ أيضاً من هذا القبيل كثير. وفي المقابل من يعتقد أن المعصوم إنسان بشر ليس له درجة وامتياز إلا أنه معصوم في مقام التشريع وبيان الأحكام للناس، إنسان عادي. بين هذين أقوال أخر كثيرة، أقوال أخر كثيرة موجودة.

والإنسان يريد أن يعتقد، يكون اعتقاداً لنفسه. ولكل من الطرفين أو الأطراف والاقوال أدلتها، استدلالاتها، مناقشاتها، ما يقوي رأيها، ما يضعف رأيها. إذا لم يكن -إذا لم يكن طالب العلم له القدرة على محاكمة هذه الآراء- فإنه لا يستطيع الوصول إلى الحق واليقين. وملكة الجدل تعطي للإنسان القدرة على محاكمة الآراء ومعرفة الصحيح من السقيم والحق من الباطل منها، وهذه ثمرة مهمة تترتب على صناعة الجدل.

أما الإنسان الذي لا يعرف هذه الصناعة، لا يعرف شيئاً من هذه القواعد التي تذكر هنا، فأي شيء يطرق سمعه فإنه يقبله، كما ورد في الرواية أنهم يميلون مع كل ريح، وهؤلاء الذين يميلون مع كل ريح لضعف عقولهم، وإلا لو لهم ملكة قوية يستطيعون محاكمة الآراء، بيان صحيحه، تمييز صحيحها من سقيمها، لما صاروا أتباع كل ناعق، لما صاروا يميلون مع كل ريح.

فلهذا قال: تحصيل الحق واليقين في المسألة التي تعرض على الإنسان أو تعرض على الإنسان، فإنه بالقوة الجدلية التي تحصل له -قوة هنا مراد منها الملكة، يعني هذه الصناعة التي تعلمها- بالقوة الجدلية التي تحصل لهذا العارف بهذه الصناعات بسبب هذه الصناعات، فإنه بالقوة الجدلية يتمكن من تأليف المقدمات لكل من طرفي الإيجاب والسلب في المسألة، إما يثبت المسلة، إما ينفي المسألة.

تنقل قضية عن بعض الأعلام في النجف الأشرف يقول قال أو جاءه أحد العلماء إلى البيت سأله، ذاك العالم سأله: مولانا أنتم ماذا تقولون في مسألة مقدمة الواجب؟ أهي واجبة أو ليست واجبة؟ يظهر أن ذاك الذي سئل السؤال -مو الذي سأل، الذي سئل- كان يخشى السطوة العلمية للسائل، قال: شيخنا أنتم ماذا تنتخبون؟ يقول أجابه: إذن انتخبوا ما شئتم نثبت خلافه. أنتم ماذا تريدون أن تقولون؟ تقولون مقدمة الواجب واجبة، نثبت عدم الوجوب. أنتم تقولون ليست واجبة، نثبت أنها واجبة. هذه ناشئة من ماذا؟ ها؟ ناشئة من القوة ومن هذه الملكة القوية الموجودة عند العالم التي يستطيع بها أن يثبت الشيء ويثبت نقيض ذاته.

في قضية معروفة للشيخ الأنصاري (رحمه الله تعالى عليه) مع تلميذه أو تلميذيه، الذي أحدهما الميرزا الشيرازي الكبير صاحب قضية التمباك، يقال بأنه الشيخ (رحمه الله تعالى عليه) طرح مسألة، وكان في كل ليلة يثبت رأياً في تلك المسألة، ثم يأتي في اليوم الآخر ينقض ذلك الرأي بدليل آخر، ثم يثبت رأياً آخر، ثم يأتي في اليوم الثالث ينقض نفس ما بناه في الرأي في الليلة السابقة، وهكذا لثلاثين ليلة أو أربعين ليلة في مسألة واحدة. هذه القدرة العلمية مو جزاف لا تحصل عند الإنسان، وإنما تحتاج إلى مراس، إلى ملكة، إلى ممارسات قوية حتى يمكن للانسان أن يحصل على هذه الملكة.

وحينئذ بعد الفائدة الثالثة التي نحتاج إليها: أنتم تعلمون أنه في كل علم من العلوم هناك مجموعة من المصادرات. قرأنا المصادرات ما هي فيما سبق؟ مجموعة من المصادرات. هذه المصادرات لابد يعتقد الإنسان بها حتى يدخل ذلك العلم. يعني مثلاً عندما يأتي إلى الفلسفة، لابد يعتقد أنه للفلسفة فائدة كذا وكذا وكذا وكذا وكذا، حتى تشتاق نفسه إلى دراسة الفلسفة. ولكن هذه الأمور التي يعتقدها أنها فائدة الفلسفة، هذه مبرهنة أو غير مبرهنة؟ وبعد لم يقرأ شيئاً من البرهان والدليل العقلي حتى يعرف البرهان ما هو والدليل العقلي عليها ما هو. إذن لابد أن يعتقد بها. اعتقاده بها لا يتم إلا عن طريق المقدمات المشهورة وإلا شيء آخر لا يمكن أن يكون.

إذن الاعتقاد بالمقدمات المشهورة تسهل على الطالب أن يدخل علماً من العلوم أو يقبل تلك المصادرات. التسهيل على المتعلم المبتدئ لمعرفة المصادرات في العلم، الطالب له ذلك المتعلم، بسبب ماذا؟ بسبب المقدمات الجدلية، يعني المقدمات المشهورة؛ إذ أنه بادئ بدء قد ينكر تلك المصادرات التي تقال له، ويستوحش من تلك المصادرات لأنه لم يقوَ بعدُ على الوصول إلى البرهان عليها، لا يستطيع أن يبرهن على تلك المصادرات التي تقال له والتي لابد من الإيمان بها قبل الدخول في ذلك العلم، والمقدمات الجدلية تفيده التصديق بتلك المصادرات وتسهل عليه الاعتقاد بها، سيطمئن إلى تلك المصادرات قبل الدخول في العلم ومعرفة براهين تلك المصادرات والأدلة التي تثبت تلك المقدمات.

وهذه فائدة أيضاً مهمة. أنتم الآن جنابكم بعد أن تدخلوا بحث المنطق وعلم المنطق، وذاك عند ذاك تهتمون بالمنطق وتدرسون المنطق جيداً. أما قبل الدخول في علم المنطق أصلاً يقال لكم إن المنطق مهم، لكن ماذا تعرفون من أهمية المنطق؟ إلا فد مجموعة من الادعاءات، هذه الادعاءات نحن نستطيع أن نثبتها لكم بواسطة فد مثل، فد قضية مشهورة، فد مقدمة مشهورة، مسلمة حتى نقنعكم بالدخول إلى دراسة هذا العلم، وهذاك وهكذا في كل علم آخر.

وتنفع هذه الصناعة -هذه بعد المنافع التي يذكرها بعد ليست لها تلك الأهمية الكافية، هذه المقدمة الأمور الثلاثة التي تقدمت مهمة- وتنفع هذه الصناعة أيضاً طالب الغلبة على خصومه. وبعض الناس أنه يهمهم الغلبة على خصومهم، هسه سواء كانوا على حق أو على باطل، افترضوا بعض المحامين الذين يدافعون عن الناس في المحاكم، هؤلاء ليس لهم هم إلا ماذا؟ إلا كسب المال، وليس همه أن الذي يدافع عنه هو على حق أو على باطل، كل همه أن يغلب القضية في المحكمة، كل همه هذا. هذه الصناعة تفيده، لماذا تفيده؟ باعتبار أنها تعلمه كيف يغلب سواء كان على حق أو على باطل.

وتنفع هذه الصناعة أيضاً طالب الغلبة على خصومه؛ إذ يقوى على المحاورة والمخاصمة والمراوغة وإن كان الحق في جانب خصمه، فيستظهر على خصمه الضعيف عن مجادلته ومجاراته، لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المنازعات في الآراء السياسية والاجتماعية.

فائدة أخرى أيضاً لأولئك الذين يريدون أن يحتفظوا بمقلديهم وبأتباعهم في كل بلد، في كل زمان، في النتيجة يوجد رؤساء، ويوجد أشخاص لهم أتباع يريدون أن يحافظوا على أتباعهم بأي نحو كان، سواء كانوا على حق أو لا، هذه صناعة الجدل أيضاً مفيدة لهم. وتنفع أيضاً الرئيس للمحافظة على عقائد أتباعه عن المبتدعات. وتنفع أيضاً الذين يسمونهم في هذا العصر المحامين، الذين اتخذوا المحاماة والدفاع عن حقوق الناس مهنة لهم، فإنهم أشد ما تكون حاجتهم إلى معرفة هذه الصناعة بل إنها جزء هذه الصناعة من مهنتهم في الحقيقة؛ لأنه جدال، لأنه هذا الذي توكل عن هذا حتى يدافع عن حقه في النتيجة المتهم الآخر أيضاً له محام أيضاً يريد يدافع عن حقه، فيقف مع الجدال بين من؟ بين هذين الشخصين اللذين يدافعان عن هذا وذاك.

السائل والمجيب

من الاصطلاحات الدارجة المعروفة في صناعة الجدل أنه يوجد عندنا سائل ويوجد عندنا مجيب. ما هو المراد من السائل وما هو المراد من المجيب؟ يطلق المجيب على الذي يريد أن يحافظ على وضع معين، وقد تقدم بيان الوضع فيما سبق ما هو المراد منه، الوضع قلناه يعني ذلك الرأي المعتقد به أو الملتزم به. المجيب يطلق على من له وضع معين يريد الحفاظ عليه. السائل من هو؟ يطلق على ذاك الذي يريد أن ينقض هذا الوضع وأن يهدم هذا الوضع.

هسه لماذا يسمى هذا مجيب ويسمى ذاك سائل، ما وجه التسمية؟ وجه التسمية هذا، وهو أنه الذي له رأي معين واعتقاد معين لا علاقة له بالأخرين، وإنما الذي يريد أن يهدم هذا الوضع هو الذي يبدأ ماذا؟ يبدأ عملية المناقشة وعملية الجدال وعملية التسلسل والتدرج مع ذلك الإنسان المحافظ على وضع لكي يوصله إلى درجة يسلم ذلك المجيب وذلك المحافظ على وضعه، يسلم بأنه بلي هذا الوضع الذي هو فيه والرأي الذي يعتقده باطل. ومن هنا فإن الذي يريد هدم وضع معين هو الذي يبتدر السؤال، يسأل ذلك الشخص الآخر الذي يحافظ يريد الحفاظ على وضعه، هو بيسأله، يتدرج معه في المقدمات إلى أن يصل إلى ماذا؟ إلى أن يصل إلى نتيجة يلزم المجيب، يعني يلزم صاحب الوضع، بأن هذا الرأي الذي يعتقده أو الذي يلتزم به باطل وليس بحق.

طبعا هذا في الأزمنة القديمة كانت الحالة هكذا، ولكنه في مثل زماننا ليس الأمر كذلك، نعم أحد المصاديق هذا، شخص يجلس على هذه الطاولة على الطاولة المستديرة، شخص يجلس هنا وشخص يجلس هنا ويريد أن يبدأ النقاش، من يبدأ النقاش والجدال والمحاورة والمخاصمة، من يبدأها؟ يبدأها الذي يريد أن ينقض على ذاك فيسأل ويتسلسل إلى أن يهدم وضعه ويهدم رأيه الذي يعتقد به.

أما في مثل زماننا هذا أحد المصاديق، ولكن في مثل زماننا الجدال هل ينحصر في هذا المصداق أو له مصاديق أخر؟ لا، يمكن أن يكون له مصاديق أخر، أنتم تجدون على صفحات المجلات والجرائد تبدأ المناقشات الجدلية الحادة، هذا يستند إلى أدلة، ذاك يناقشه، ذاك يستند إلى أدلة، هذا يناقشه، مع أنه لا يوجد لا سائل ولا مجيب ولا يوجد هناك التقاء بين الطرفين.

تقدم أن الجدل لا يتم إلا بين طرفين متنازعين، فالجدلي شخصان -من نقول شخصان مو بالضرورة شخص هنا شخص هنا، قد تجلس جماعة هنا وتجلس جماعة هنا، ولكن هذه تحافظ على وضع معين وهذه تريد أن تنقض وتهدم ذلك الوضع المعين- أحدهما محافظ على وضع وملتزم له، وغاية سعيه ألا يلزمه الغير ولا يفحمه ولا يبطل اعتقاده ورأيه. وثانيهما ناقض لذلك الوضع، وغاية سعيه أن يلزم المحافظ ويفحمه ويبطل رأيه واعتقاده.

والأول يسمى المجيب، أما لماذا يسمى الأول المحافظ على وضعه يسمى المجيب والناقض يسمى السائل يأتي، والأول يسمى المجيب واعتماده يكون على المشهورات في تقرير وضعه، أما أي نوع من أنواع المشهورات بيانه سيأتي بعد ذلك، واعتماده على المشهورات والقضايا المشهورة -تقدم الكلام عنها مفصلاً في مبادئ الأقيسة- أما إما المشهورات المطلقة أو المحدودة؛ لأنه إما مشهور على مستوى جميع الناس، وإما لا، مشهورة في طائفة معينة، في جماعة معينة، في بلد معين، أو المحدودة بحسب تسليم طائفة معينة.

والثاني يعني الناقض يسمى السائل، واعتماده في نقض وضع المجيب على ما يسلمه المجيب. إذن الناقض يعتمد على ماذا؟ يعتمد على المسلمات، أما المجيب يعتمد على المشهورات، والمسلمات لا يشترط أن تكون مشهورة، قد تكون مشهورة وقد لا تكون مشهورة، أصلاً مختصة بهذا المجيب فقط، هو يسلمها فقط. كما أشرنا بالأمس أنه شخص افترضوا مقلد لعالم والذي يرجع إليه في التقليد يعتقد برأي، هو يسلم بذلك الرأي وإن كان ذاك الرأي الذي يعتقده مرجعه به كان نادراً وشاذاً ومخالفا لجميع العلماء، ولكن هذا مسلم عنده أو غير مسلم عنده؟ غير مسلم عنده. إذن دائماً الناقض يعتمد ماذا؟ قد يعتمد المشهورات ولكنه يعتمد المسلمات عند المجيب، ومن خلال تلك المسلمات يتدرج معه إلى أن ينقض رأيه واعتقاده.

ولتوضيح سر التسمية بالسائل والمجيب، لماذا أن المحافظ مجيب والسائل والناقض سائل، نقول: إن الجدل إنما يتم بأمرين، سؤال وجواب. قلنا هذا في الأزمنة القديمة، كما يقيد أيضاً الشيخ ابن سينا هذا المعنى، يقول في الزمان القديم كان الأمر كذلك، أما في مثل أزماننا مثلاً فإنه ليس الأمر كذلك، بل هناك مصاديق أيضاً للجدال وللجدل ولا يكون فيها سؤال وجواب. قال وذلك لأن المقصود الأصلي من صناعة الجدل عندهم أن تتم بهذه المراحل الأربع:

المرحلة الأولى: أن يوجه من يريد نقض وضع ما، أسئلة إلى خصمه المحافظ على ذلك الوضع بطريق الاستفهام، بأن يقول: هل هذا كذا أو ليس؟ إذا كان كذا فسيكون كذا، ويتدرج بالأسئلة من البعيد عن المقصود، يعني بنحو لا يشعر المحافظ على الوضع، لا يشعر أنه يريد أن يستدرجه ماذا؟ لكي يصل به إلى نقض وضعه واعتقاده الذي يعتقد به، وإلا لو شعر المجيب، لو شعر المحافظ من أول الأمر والتفت أن السائل إنما يسأل للوصول إلى هذه النتيجة من أول الأمر، يبدا ماذا؟ لا يسلم تلك المقدمات التي يريدها السائل، يريدها الناقض.

فلهذا لابد أن يكون للسائل قدرة، يعني للناقض قدرة عجيبة على طرح أسئلة لا تلفت المجيب، لا تلفت المحافظ إلى أنه يريد استدراجه إلى وضع معين وإلى نقض رأيه واعتقاده. ويتدرج بالأسئلة من البعيد عن -مو مباشرة يسأله سؤال ويستفهمه عن المقصود الذي يريد نقضه- إلى القريب من المقصود حسبما يريد أن يتوصل به إلى مقصوده من تسليم الخصم، لأنه لابد أن يستفيد الناقد من مقدمات مسلمة عند الخصم، عند المحافظ، من دون أن يشعره، من دون أن يشعر الناقد المحافظ بأنه يريد مهاجمته، مهاجمته ونقض وضعه.

أو يشعره بذلك ولكن لا يشعره من أي ناحية يريد مهاجمته منها. التفتوا جيداً، تارة أن الإنسان أمامه عدو يعرف أنه سيبدأ الهجوم من هنا. وأخرى يعرف أن له عدو ولكن لا يعلم سيبدأ من الأمام، من الخلف، من فوق، من أسفل، لا يعلم من أين سيبدأ الهجوم. فلهذا يبقى حائراً مرتبكاً. لابد للناقض أن يجعل المحافظ متحيراً لا أنه يشعره أو يفهمه من أين سيهاجمه، وإلا سيأخذ الحيطة الكافية فلا يسلم بتلك المقدمات التي تقال له حتى لا يراوغ ويحتال في الجواب. هذا هو المرحلة الأولى.

المرحلة الثانية: أن يستل السائل من خصمه، يعني أن يستل الناقض من المحافظ من حيث يدري ولا يدري، أن يأخذ من -يست- يعني يأخذ منه، أن يأخذ منه الاعتراف والتسليم بالمقدمات التي لو اجتمعت ورتبت بنحو القياس يلزم منها نقض وضع المحافظ. أن يأخذ منه مقدمة يجعلها هنا ثم يذهب يميناً شمالاً ينسيه تلك المقدمة ثم يأخذ منه اعتراف بمقدمة ثانية ثم يأخذ منه اعتراف بمقدمة ثالثة ورابعة، وعندما اجتمعت هذه المقدمات جميعاً يجعلها في قياس بسيط أو مركب ويلقيها على من؟ على مسامع الحافظ، فيجد أنه قد ألزم وأفحم، لا يستطيع أن يقول شيئاً.

أنتم واقعاً أنا بودي الإخوة بهذه النظرة يرجعون ويقرؤون مثلاً فد دور الاحتجاجات، الاحتجاجات الموجودة للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لأئمة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، كثير منها تطبيق لهذه القواعد التي -لانه صناعة الجدل ليست ليست اكتشاف وإبداع، وإنما هي أمور يعرفها ولكنه تحتاج إلى تنبيه، تنبيه الفكر البشري أنه ماذا، ومن خلال الممارسة نكتشف قواعد جديدة يمكن الاستفادة منها- وأئمة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) تطبيقاً وعملاً بالآية المباركة: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: 125) تجد بان هذا الأمر واضح عندهم في مجادلاتهم مع الملحدين، مع الزنادقة، في مجادلاتهم مع الملل الأخرى، في مجادلاتهم مع الفرق الإسلامية التي كانت تأتي.

فلهذا تجد بأن الذين كانوا يناقشون الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام) مباشرة عندما كان واحد يسألون سؤال، واحد يقول لهم أنت زنديق، يقول: هذا ليس أدب جعفر، نفس الزنديق يقول يقول: أنا لو عند كنت عندما أذهب إلى الإمام الصادق وأقول له شيء ويقول لي شيء لا يتهمني: أنت زنديق، أنت كافر، أنت… هذا ليس أدب جعفر الصادق.

الإمام (سلام الله عليه) -خصوصاً في احتجاجات الإمام الصادق التي هي كثيرة جداً، الإمام الصادق (عليه أفضل الصلاة والسلام) عندما كان يدخل إليه الناس أو الملحدون أو الزنادقة أو غيرهم للمناقشة- كان يبدأ من أسمائهم، من أسمائهم! يسأله: ما اسمك؟ يقول: عبد الله. يقول: ما هو ذلك الرب الذي أنت عبد له؟ وهذا يستطيع أن يجيب، يقول بأنه: لم أسمِّ نفسي عبد الله، أنا أقول ما سمي، قال: سموني عبد الله. ولكن الإمام (سلام الله عليه) يعلم بأنه هذا مستواه مو بهذا المقدار الذي يستطيع، يبدأ من اسمه. مع أن الابتداء من الاسم هذا استدلال برهاني، هذا شنو علاقته؟ أبوي سماني عبد الله، أنا إيش دراني ليش سماني عبد الله؟ استدلالات من هذا القبيل كثيرة جداً، ثم يأخذ منه المقدمات، خصوصاً هذه في الاحتجاجات، في احتجاجات الطبرسي راجعوه، في احتجاجات الإمام الرضا (سلام الله عليه) وفي خصوصاً في مجلس المامون وتوحيد الصدوق، مشحون بهذا، تجد تجدون أن الإمام (سلام الله عليه) يسأل فد أسئلة عجيبة غريبة.

طبعا تلامذة أئمة أهل البيت أيضاً كذلك. تمادري ذيك القضية المعروفة بين هشام بن الحكم وعمرو بن عبيد الذي هو من علماء العامة في البصرة؟ جلس عمرو بن عبيد، هشام بن الحكم في مجلس عمرو، ثم أخذ يسأل، قال يا فلان -وجه السؤال إلى الذي هو من العلماء العامة الكبار في زمانه- سأله قال: ألك عين؟ ذاك عمرو بن عبيد قال: ما هذه، ما هذه الأسئلة؟ شنو ألك عين؟ ألك فم؟ ألك أذن؟ ألك يد؟ الم… شنو هذا؟ قال: أنت أجبني. ثم قال له ذاك، عمرو بن عبيد قال: اسأل، ولو كانت أسئلتك حمقاء اسأل. سأل ثم سأل ثم سأل إلى أن أوصله إلى مقام لابد أن يؤمن بالإمامة. فقال: أأنت هشام بن الحكم؟ عرفه لأنه هذا طريقة الاستدلال هذه طريقة هشام هذه. قال: نعم أنا هشام. فأقامه من مجلسه وأجلسه… فقام من مجلسه وأجلسه مكانه. فسأل البداية من أين؟ البداية من سؤاله هواية بسيطة إنسان، ألك عين؟ شنو؟ هذني راجعوهن أنتم في الاحتجاجات، في احتجاجات الإمام الصادق، في احتجاجات تلامذته، في احتجاجات هشام، في احتجاجات مؤمن الطاق! عجيبة احتجاجات مؤمن الطاق، مولانا مؤمن الطاق الذي يسمى عند العامة بشيطان الطاق؛ لأنه عجيب، كان الخليفة في زمانه مبذة -لعله المنصور- كان يقول: هو أشد علي من ألف سيف. ما عنده شيء إلا لسانه هو، ولكنه أشد علي من ألف سيف. والإمام (سلام الله عليه) كان قد أمره أن يجلس في مسجد الكوفة وأن يحدث الناس وأن يحاجج.

تراجعوا هذا النيل، تعلموا، تعلموا أن أئمتنا (عليهم أفضل الصلاة والسلام) كيف كانوا يربون تلامذتهم؟ طريقة التربية ما هي؟ أنت تجد بأنه ذاك الشامي عندما دخل على الإمام الصادق (سلام الله عليه) قال: لي أسأله، ثم سأله في التوحيد، في الإمامة، في الرسالة، في القرآن، في الإسلام، سأله أسئلة كثيرة. الإمام (سلام الله عليه) كلما سأل سؤال، ذلك الشامي وجهه إلى واحد من تلامذته الجالسين. سأل في الإمامة وجهه إلى هشام، سأل في التوحيد وجهه إلى هشام بن سهل. وهكذا هذا معناه أن الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام) كانوا معدين تلامذتهم بالنحو الذي كل في مورده واختصاصه الخاص لابد أن يجيب على شبهات الآخرين.

الشيخ أسد حيدر في كتابه "الإمام الصادق والمذاهب الأربعة" يقول: في زمن الإمام الصادق حدوداً فقط المذاهب الفقهية كانت 150 مذهب. مذاهب الفقهية 105، المذاهب الكلامية والملل والنحل، الإنسان يراجع دورة ملل ونحل يعرف ماذا كان يجري في زمن الإمام الصادق (سلام الله عليه).

في زماننا أقل -هسه ما أزيد أقول أكثر- في زماننا أقل من تلك الأزمنة، لا والله مو أقل، إن شاء الله بعض الإشارات ستاتي بانهم بعد ذلك، بأنه الإنسان لا يمكن أن يدافع عن هذا الدين إلا بأن يتسلح سلاحاً يمكنه أن يدافع. جنابك الآن يجيبوا لك سلاح نيوتروني، ما أدري سامعين أخيراً أسلحة نيوترونية اللي يقولون بأنه فقط تقتل البشر وما تأثر على الآلات الحربية. خو بينك وبين الله أنت عندما تجيك تاتيك هكذا أسلحة، أساساً أسلحة أنت لا ترى فيها أحد. أسلحة أنت عبر القارات تحارب. خو أنت تريد أن تحاربهم بسيف هذا المنطق يعني؟ لأنه في زمن رسول الله كانوا يحاربون بسيف، هذا المنطق سليم هذا؟ يقول بأنه: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: 21) رسول الله حارب بالإلكترونيات، بالطائرات ودبابات ومدافع، لو حارب بالسيف والدرع وإلى غير ذلك يا هو من الواضح، رسول… ولكم في رسول الله أسوة حسنة، وأنتم حاربوا بذاك! لا يقل قائل منكم هذا المعنى، هذا خلاف المنطق السليم، كل زمان أسلحته الخاصة، أدواته الخاصة، وسيأتي الكلام عن بعضها إن شاء الله في الأبحاث اللاحقة.

طبعا تجدون بأنه هذه الأبحاث كثير منها الإنسان يقدر يطالعها هو بنفسه، أنا إنما درست هذه الأبحاث لأطعمها بهالأبحاث ها بهالنكات، وإلا الكتاب يمكن مطالعته لكل واحد من الإخوة. ما هي النكات التي لابد أن تضاف في مثل عصورنا؟ ما هي الأدوات والأسلحة لابد لابد أن نتسلح بها للدفاع عن الإسلام أمام شبهات الأعداء، خصوصاً إذا كان أولئك الأعداء هم من الداخل مو من الخارج! مرة عدو ياتيك من الخارج أنت تعرف هذا عدو تقف أمامه، مرة العدو عدو داخلي، يعني عرف كل أدواتك ما هي، عرف مبانيك ما هي، وأخذ ينخر فيها نخراً، هذا أنت لابد تدافع أمامه، هم يمكنك أن تدافع أمامه كما تدافع أمام العدو الخارجي أو تحتاج سلاح جديد؟

نحن في أول أبحاث علم الكلام أشرنا إلى هذه النقطة. قلنا بأن الدفاع أمام المسلم، يعني أمام الفرق الإسلامية الأخرى، بنحو. أمام الأديان الأخرى بنحو آخر. أمام الملحدين بنحو ثالث. وكل واحد من هؤلاء يحتاج إلى نوع خاص من الأدوات والأسلحة والوسائل التي يدافع بها الإسلام بها الإنسان عن الإسلام. ونحن عندما دخلنا هذا السلك الشريف، دخلنا هذا المسلك الشريف وهو مسلك أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) يعني معناه جعلنا من أنفسنا جنوداً للدفاع عن حريم، وللدفاع عن حصن الإسلام. أو جندي ولكنه لا يلبس لأمة حربه! هذا جندي هو، بعض بعض الإخوة لعله يجي بذهنهم، شوفوا الآن أنا شخصياً من الداعين بأنه الذي جاء إلى هذا الخط وقرر أن يكون مصيره هنا في هذا الخط، بعد لابد أن يلبس لأمة حربه! يعني أن يتزين بهذا الزي. هيا بهذا الزي، لماذا؟ لأنه أنت تريد أن تدافع عن الإسلام وهذا الزي مو موجود عندك، ومن يعرفك أنت حامل الدفاع، حامل الراية للدفاع عن الإسلام حتى تدافع؟ هسه واحد معذور عنده مانع ذاك بحث آخر، أنا ما عندي شغل، ولكن إذا وجد الإنسان نفسه قادراً أن يكون جندياً في هذه المعركة… كيف بكم إذا تداعت عليكم أمم الأرض؟ هذا في الروايات موجود بعد، والانصاف الآن عندما الإنسان يرى العالم يجد بأنه كيف بكم إذا تداعت عليكم أمم الأرض؟ الآن تداعت علينا أمم الأرض، فلابد أنه الآن ندخل الميدان للدفاع أو لا؟ يعني ندخل نحتاج أولاً لأن نلبس لأمة الحرب أولاً، نحتاج ثانياً أن نتسلح بأسلحة تناسب هذا العصر للدفاع عن الإسلام، ونحتاج ثالثاً ونحتاج رابعاً وخامساً، كلها نحتاج إليه وإلا أنت تتصدى أن تكون جندي ولا تهيئ أي مقدمات، هذا منطق سليم هذا؟ أنت تريد أن تتصدى أصير إمام جماعة لنفرين من الناس، لابد هل قد تهيئ مقدمات إلى أن يحق لك ماذا أن تتصدى وتكون ماذا إمام؟ الآن تريد أن تتصدى للدفاع عن الإسلام، هذا الإسلام الذي فدى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) نفسه لا، هذا الإسلام الذي فدى الأئمة (عليهم أفضل الصلاة والسلام) أنفسهم لا، هذا الإسلام الذي فدى الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) نفسه عائلته أولاده لهذا، أنت تريد أن تدافع عنه ولكنه لا تتسلح بأي شيء، على أي الأحوال؟

قال: الثالث: أن يؤلف السائل قياساً جدلياً. هسه عندما تهيأت عند مجموعة المقدمات، الآن يضرب بعضها ببعض ويستنتج منها قياساً جدلياً يفحم المحافظ، أن يؤلف السائل قياساً جدلياً مما اعتترف وسلم به خصمه المجيب بعد فرض اعترافه وتسليمه ليكون هذا القياس ناقضاً لوضع المجيب. هنا يبدأ المحافظ ماذا على وضعه؟ يبدأ ماذا أن يدافع عن وضعه، عندما يريد أن يدافع عن وضعه كيف يدافع؟ يدافع بالمشهورات التي هي ماذا مقبولة عند الناس وذائعة عند الناس ومقبولة عند هذا الطالب في أيضاً حتى يدافع عن نفسه، أن يدافع المحافظ المجيب ويتخلص عن المهاجمة إن استطاع بتأليف قياس من المشهورات. لا يمكن أن يعتمد على المسلمات عند هذا؛ لأنه هو لا يريد ينقض وضع هذا الناقض، وإنما يريد أن يدافع عن نفسه، إذن لابد أن يستند إلى ماذا؟ ها؟ يستند إلى المشهورات الذائعة أمام الناس حتى يؤيده الناس، يقول: نعم، نعم صحيح هذا الكلام.

ومن هنا تتضح النكتة لماذا؟ أن الناقض يمكنه أن يستند إلى المسلمات والمشهورات معاً، أما المجيب والمحافظ لا يمكن أن يعتمد إلا على ماذا؟ على المشهورات فقط، لماذا؟ لأنه المجيب والمحافظ لا يريد أن ينقض على ذلك الآخر وضعه الخاص حتى يأتيه من المسلمات، وإنما يريد أن يدافع عن رأيه، عن معتقده، وهذا لا يمكن إلا بالاستناد إلى المشهورات. قال: بتأليف قياس من المشهورات التي لابد أن يخضع لها السائل والجمهور. وهذه الطريقة من السؤال والجواب هي الطريقة الفنية المقصودة لهم في هذه الصناعة وهي التي تظهر بها المهارة والحذق في توجيه الأسئلة والتخلص من الاعتراف أو الإلزام.

المهم هو البحث، المهم هو هذا هو أنه كيف توجه الأسئلة إلى أن تنتزع مقدم مقدمات يعترف بها المحافظ حتى تنقض عليه رأيه. ومن هذه الجهة كانت التسمية بالسائل والمجيب، لا لمجرد وقوع سؤال وجواب بأي نحو اتفق، ها. سمينا الناقد سائل وسمينا المحافظ مجيب، هذا مو جزاف؛ لأنه يوجد سؤال وجواب ويوجد سؤال وجواب، فليكن الأمر بالعكس، لماذا هذا سائل فليكن هذا مجيب؟ لا، لهذه النكات. والمقصود من صناعة الجدل إتقان، والمقصود من صناعة الجدل إتقان تأدية هذه الطريقة حسب ما تقتضيه القوانين والأصول الموضوعة في هذه الصناعة.

ونحن يمكننا أن نتوسع في دائرة هذه الصناعة في زماننا، لماذا؟ لأن صناعة الجدل لا تختص بأن يوجد هناك خصمان أحدهما يجلس أمام الآخر على طاولة وأحدهما يناقش الآخر، بل قد تقع المناقشات على صفحات المجلات والجرائد والكتب العلمية. ونحن يمكننا أن نتوسع في دائرة هذه الصناعة فنتعدى هذه الطريقة المتقدمة إلى طريقة غيرها، بأن نكتفي بتأليف القياس من المشهورات أو المسلمات لنقض وضع أو للمحافظة على وضع لغرض إفحام الخصوم على أي نحو يتفق هذا التأليف، سواء كان بهذه الطريقة السابقة أو بطريقة أخرى، وإن لم يكن هذا النقض وهذا الحفاظ على نحو السؤال والجواب ولم يمر على تلك المراحل الأربع بترتيبها. ولعل تعريف الجدل المتقدم الذي قدمناه لا يأبى هذه التوسعة التي أشرنا إليها، بل يمكن أن نتعدى إلى أبعد من ذلك حينئذ، فلا نخص الصناعة بالمشافهة، بل نتعدى بالصناعة إلى التحرير والمكاتبة.

وفي هذه العصور لا سيما الأخيرة منها، في عصورنا الأخيرة بعد انتشار الطباعة والصحف، أكثر ما تجري المناقشات والمجادلات بالكتابة وتبتني على المسلمات والمشهورات على غير الطريقة البرهانية من دون أن تتألف صورة سؤال وصورة سؤال وجواب، ومع ذلك نسميها قياسات جدلية أو ينبغي أن نسميها كذلك، وتشملها كثير من أصول صناعة الجدل وقواعدها، فلا ضير في دخولها في هذه الصناعة وشمول بعض قواعدها وآدابها لها لتلك المحاورات التي لا تقع لا يقع فيها سؤال وجواب.

مبادئ الجدل

مبادئ الجدل، إذا تتذكرون نحن قلنا مبادئ البرهان ما هي؟ مقدمات يقينية. مبادئ الجدل ما هي؟ هي المشهورات، هي المسلمات ونحو ذلك. ولكنه تقدم فيما سبق بأن المشهورات لها أقسام متعددة، فجميع المشهورات يمكن أن تكون تكون مقدمات مبادئ للجدل أو بعضها دون البعض الآخر؟ خلينا نقرأ هاي المقدمة لا يوجد فيها مطلب مهم.

أشرنا فيما سبق إلى أن مبادئ الجدل الأولية التي تعتمد عليها هذه الصناعات هي المشهورات والمسلمات، وقد تقدم في مبادئ الأقيسة تعريف كل منهما وبيان أقسام كل من المشهورات والمسلمات، فالإخوة يراجعون هناك. وأن المشهورات مبادئ مشتركة بالنسبة إلى السائل والمجيب، يعني المشهورات يمكن للسائل أن يستفيد منها ويمكن للمجيب أن يستند إليها، بخلاف ماذا؟ بخلاف المسلمات فإنها هي التي يستفيد منها السائل يعني الناقض، والمسلمات مختصة بالسائل.

كما أشرنا إلى أن المشهورات يجوز أن تكون حقاً واقعاً، يعني يمكن أن تكون مطابقة للواقع، ولكن استعمال الجدلي لها لا من حيث أنها مطابقة للواقع، بل من حيث أنها ماذا؟ مشهورة بين الناس. ومن هنا التفتوا إلى نكتة، حيث إنها الغرض في المقدمات الجدلية وفي صناعة الجدل، لابد أن تكون المقدمات مشهورة سواء كانت مطابقة للواقع أم لم تكن مطابقة للواقع، يأتي هذا السؤال: فلو استعمل مقدمة حق ولكن غير مشهورة، هذا صحيح أو مغالطة؟ يعد مقدمة حق استعمل المجادل مطابقة للواقع ولكنها غير مشهورة، هذه مغالطة أو غير مغالطة؟ ها، نحن قلنا التفتوا للسؤال جيداً، التفتوا لها المقدمة، أنا عندما أسال مولانا أول اطيل جواب بعدين أسال ولكنه من حيث لا تفتون للجواب فما تجيبونه، نحن قلنا بأن الجدل المقدمات التي يستند إليها المشهورات من حيث أنها مشهورة أعم من أن تكون مطابقة للواقع أم لم تكن مطابقة للواقع، تمام؟ إذاً الغرض مطابقتها للواقع أو لا يوجد مثل هذا الغرض؟ لا يوجد مثل هذا الغرض، تمام؟

إذاً المطابقة للواقع ليس مقصوداً للجدلي بأي نحو من الأنحاء، المقصود له أن تكون مشهورة مقبولة مسلمة. تمام؟ حتى لو استعمل مقدمة مطابقة للواقع ولكنها غير مشهورة، مغالطة ولا مو مغالطة؟ ما هو مغالطة، واضح لماذا؟ لماذا مغالطة؟ لأنه المجادل لابد أن يستعمل المشهور لشهرته مو لمطابقته للواقع، فلو استعمل شيئاً لا شهرة فيه، بعد مغالطة ولا مو مغالطة؟ من قبيل ما ذكرناه في بحث البرهان، لابد المقدمة البرهانية ماذا تكون؟ ها؟ تكون يقينية مطابقة للواقع، فلو استعمل لأنها مطابقة للواقع يمكنه أن يستعمل، فلو استعمل مقدمة غير مطابقة للواقع ماذا تكون؟ مغالطة. هنا أيضاً يستعمل المشهور لشهرته مو لمطابقة الواقع، فلو استعمل مقدمة لا توجد فيها شهرة، تكون ماذا؟ مغالطة، واضح صار؟

قال: كما أشرنا إلى أن المشهورات يجوز أن تكون حقاً واقعاً وللجدلي أن يستعملها في قياسه، أما استعمال الحق غير المشهور -لماذا يستعمله؟ لأنه حق مطابق للواقع- يقول: بما هو حق في هذه الصناعة عن صناعة الجدل فإنه يعد مغالطة من الجدلي. لا يقول قائل منكم كيف تكون المقدمة المطابقة للواقع مغالطة؟ نقول: انظروا إلى غرض صناعة الجدل ما هي؟ أنتم بالنسبة إلى غرض هذه الصناعة استعمال هذه المقدمة ماذا تكون؟ مغالطة. ونحن لا نريد من المغالطة -التفت جيداً- لا نريد من المغالطة ما هو خلاف واقعي دائماً، لا لا، ما هو خلاف مقتضى تلك الصناعة. فالتوسع ماذا؟ في باب المغالطة تفصيله سياتي إن شاء الله في محله، ولكنه نحن لا نريد من المغالطة المغالطة أن تستعمل مقدمة غير مطابقة للواقع، لا لا، نريد من المغالطة أن تستعمل مقدمة في غير محلها، فإذا استعملت هذه المقدمة في غير محلها المناسب لها فأنت مغالط وإن كانت تلك المقدمة مطابقة بالواقع.

قال: فإنه يعد مغالطة من الجدلي؛ لأنه في استعمال في لأنه في استعمال أية قضية لا يدعي أنها في نفس الأمر حق، لأنه -يعني الجدلي- في استعمال أية قضية لا يدعي أن تلك القضية في نفس الأمر حق، وإنما يقول أن هذا الحكم ظاهر واضح وهذا حكم المشهورة في هذه القضية، ويعترف بذلك الجميع، ويكون الحكم مقبولاً لدى كل أحد.

ثم أنا أشرنا في بحث المشهورات أن للشهرة أسباباً توجب هذه الشهرة. المشهورات قضايا واقعية مطابقة للواقع، ها؟ قد تكون وقد لا تكون. ولكن من أين تشتهر؟ تشتهر لسبب معين. إذا كانت مطابقة للواقع قد يكون واحداً من الأسباب مطابقتها للواقع، ولكن ليست المشهورات جميعاً أسبابها يعني مطابقتها للواقع، قد يكون مطابقتها للواقع سبب وقد تكون هناك أسباب أخرى تؤدي بقضية من القضايا إلى أن تكون مشهورة ومقبولة عند الناس جميعاً، أما من خلال الممارسة، أما من خلال العادة، أما من خلال الخلق، أما من خلال البيئة، أما من خلال الثقافة، أما من خلال الفلسفة التي تعطى لتلك الأمة، هذه مجموعة هذه الأسباب يمكن أن توجد توجد مشهورات في أمة من الأمم، في جماعة من الأمم.

شوفوا الآن التفتوا جيداً، الآن ناتي إلى البئر، البئر ماؤه عندما تقع فيه نجاسة يجب النزح منه أو لا يجب النزح؟ المشهور كان إلى زمان العلامة والمحقق ماذا؟ يجب النزع! ولكن هذه مشهور سببه ماذا؟ لأن هذا حكم مطابق للواقع وسببه فتوى الفقهاء. إذن هذه الشهرة سببها أين يكمن؟ في فتوى الفقهاء. تغيرت فتوى الفقهاء بعد، بقيت الشهرة لا، ذهبت.

فلو كانت الشهرة سببها مطابقتها للواقع وأنها حق، كانت تتغير. اجتماع النقيضين محال، وبعد أكثر من هي ما عندنا احنا، ولكن يأتي تأتي نظرية تدعي اجتماع النقيضين مو فقط مو محال، ممكن بل واجب، ضروري أصلاً، أصلاً حتمية التاريخ هاي، وملايين الناس ملايين الناس بل مئات الملايين من الناس بتعبيرهم سدس البشر هم يعتقدون بمثل هذه الترهات مولانا ويعتقدون بها، هي مو مشهورة ومشهورة؟ سببها ما هو؟ سبب هذه الشهرة؟ مطابقتها للواقع؟ لو سببها آراء سياسية وفكرية وفلسفية واجتماعية وطبقية وما أخذ من هذه الأمور؟ إذن للمشهورات أسبابها الخاصة بها. واضح هذه النقطة؟

لأنها ليست أموراً ذاتية حتى لا نسأل عن السبب. الذاتي كما قرأنا فيما سبق، ماذا؟ لا يعلّل. أما العرضي يعلل أو لا يعلل؟ يعلل. وهذه المشهورات أمور ذاتية لو عرضية ها؟ لم تكن فوجدت، عرضية لو ذاتية؟ عرضية، فإذا كانت عرضية يوجد فيها تعليل وبيان للسبب أو لا يوجد؟ نعم. قال: ثم إنا أشرنا في بحث المشهورات أن للشهرة أسباباً توجبها وذكرنا أقسام المشهورات حسب اختلاف أسباب الشهرة. تراجع هناك في بحث المشهورات. والسر في كون الشهرة لا تستغني عن السبب أن شهرة المشهور ليست ذاتية بل هي أمر عارض، وقاعدة هناك: وكل عرضي فهو معلل يحتاج إلى علة، وكل عارض لابد له من سبب، وليست هي يعني المشهورات كحقية الحق التي هي أمر ذاتي للحق لا تعلل به بعلة. الحق سبحانه وتعالى موجود، يعلل بعلة أو لا يعلل بعلة؟ها؟ أما أنا وأنت موجودان، نعلل بعلة أو لا نعلل بعلة؟ لأن هناك وجوده ذاتي، ولكن وجودي ماذا أنا؟ عرضي، فيعلل. فالمشهورات أيضاً من هذا القبيل، وسبب الشهرة لابد أن يكون أمراً تألفه الأذهان وتدركه العقول بسهولة، ولولا ذلك لما لكان الحكم مقبولاً عند الجمهور وشائعاً بينهم، إذا لم يكن السبب من الأمور المألوفة الواضحة التي يعرفها الجميع، قبل ما صارت تلك الشهرة شهرة.

يبقى سؤال وجواب يأتي، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع
الملف 101استماع
الملف 102استماع
الملف 103استماع
الملف 104استماع
الملف 105استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.