منطق المظفر – كمال الحيدري

دروس مقررة — النصوص المتاحة

100 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 99

تحميل Word

099

مواضع الإثبات والإبطال

مواضع الإثبات والإبطال نفعها عام في جميع المحمولات كما تقدم. وإثبات وإبطال الأعراض داخل في هذا الباب أيضاً؛ الأعراض التي تعرض الموضوعات، وأشهر المواضع في هذا الباب عدوها عشرين موضعاً. يقول: نحن لا نريد أن نشير إليها جميعاً ولكن نشير إلى واحد من هذه المواضع.

وما ذكرناه من أمثلة المواضع فيما سبق هي من مواضع الإثبات والإبطال، ونذكر الآن مثالاً واحداً غير تلك التي أشرنا إليها، وهو أنه إذا كان عندنا موضوع، وكان لذلك الموضوع عرض عارض يعرض عليه، وكان لذلك العارض عرض آخر صفة، فمن الواضح بأنه الذي يعرض المحمول يعرض الموضوع أيضاً وهذا واضح؛ إن العارض على المحمول عارض على موضوعه أيضاً؛ لأن المتحد مع أحد المتحدين متحد مع الآخر. يوجد هناك اتحاد بين الموضوع والمحمول، فإذا صار المحمول موضوعاً لمحمول آخر، فإن ذاك المحمول الآخر أيضاً يحمل على الموضوع الأول. فيمكن أن تثبت أو تبطل عروض شيء للموضوع بعروض ذلك الشيء لمحموله، وتبطل إما تثبت أو تبطل، وتبطل عروضه للموضوع بعدم عروضه لمحموله.

فمثلاً يقال: الجمهور عاطفي. فالجمهور موضوع، وعاطفي محمول. وهذا المحمول -وهو العاطفي- يوصف بأنه تقوى فيه طبيعة المحاكاة؛ يحكي الشيء بسرعة باعتبار أنه لا يحتكم إلى عقله وإنما يحتكم إلى عواطفه. تقوى فيه طبيعة المحاكاة، فيثبت من ذلك أن الجمهور يوصف بأنه تقوى فيه طبيعة المحاكاة.

ويقال أيضاً: السياسي نفعي. ثم إن هذا المحمول -وهو النفعي- يوصف بأنه يقدم منفعته الخاصة على المصلحة العامة. طبعا تعلمون بأنه هذه كلها قضايا مشهورة وليست قضايا يقينية؛ السياسي نفعي، أما وكل نفعي فإنه يقدم مصلحته الخاصة على العامة، من أين هذا؟ أساساً ليس الصورة تامة، من قال لكم أن كل سياسي فهو نفعي، ومن قال لكم أن الكبرى تامة؟ وهو أن النفعي يقدم مصلحته الخاصة على المصلحة العامة. ولكنه كما قلنا فيما سبق أن هذه قضايا.

ويقال أيضاً: السياسي نفعي، ثم إن هذا المحمول -وهو النفعي- يوصف بأنه يقدم منفعته الخاصة على المصلحة العامة، فيثبت أن السياسي يقدم منفعته الخاصة على المصلحة العامة.

ويقال أيضاً: الصادق عادل، ثم إن هذا المحمول -وهو العادل- لا يوصف بكونه ظالماً أي لا يعرض عليه الظلم، فيبطل بذلك كون الصادق ظالماً، ذاك للإثبات وهذا للإبطال.

ومعنى هذا الموضوع أنك تستطيع أن تستنبط من مشهورين مشهوراً ثالثاً بنحو قياس الشكل الأول.

المشهور الأول: الجمهور عاطفي.

المشهور الثاني: تقوى فيه طبيعة المحاكاة.

تستنتج أن الجمهور تقوى فيه طبيعة المحاكاة. مشهوران تشكل فيهما قياس من الشكل الأول فتحصل على هذه المثل. كيف؟ والمشهوران هما حمل المحمول على موضوعه واتصاف المحمول بصفة كالمثالين الأولين فتستنبط المشهور الثالث وهو حمل صفة المحمول على الموضوع.

أو المشهوران هما حمل المحمول على موضوعه وعدم اتصاف المحمول بصفة كالمثال الأخير وهو الصادق والعادل، فتستنبط منهما المشهور الثالث وهو إبطال اتصاف؛ وهو أن الصادق ليس بظالم.

مواضع الأولى والآثر

أصل هذا الباب -يعني الباب الخامس أو من مواضع من مواضع الإثبات والإبطال- أصل هذا الباب ترجيح شيء واحد من شيئين بينهما مشاركة في بعض الوجوه؛ شيئان توجد بينهما مشاركة، ولكن يوجد لأحدهما كل ما يوجد للآخر ولا يوجد للثاني كل ما يوجد للأول.

مثلاً كما تقرؤون في أقسام التقدم والتأخر، تجدون بأنه شخص درجة علمه مئة وشخص درجة علمه خمسون، أو هذا الشخص الذي درجة علمه مئة يوجد عنده كل ما يوجد لصاحب الخمسين، وماذا؟ والزيادة؛ لأنه درجة علمه مئة وذاك درجة علمه خمسون، فصاحب المئة يوجد عنده كل ما يوجد لصاحب الخمسين، وليس العكس، ولا يوجد العكس، وهو أن صاحب الخمسين لا يوجد عنده كل ما يوجد عند صاحب المئة. يعني في باب الأعداد مثلاً، تعالوا مثلاً إلى العدد مئة والعدد خمسين، طب العدد مئة يوجد فيه كل ما يوجد في العدد الخمسين والزيادة؛ لأنه الخمسين والزيادة موجودة، أما في الخمسين يوجد فيها كل ما يوجد في المئة؟ لا، ليس كذلك. هنا نقول بأن هذا صاحب المئة... أولاً صاحب المئة، صاحب المئة آثر؛ صاحب المئة متقدم، وصاحب الخمسين ماذا؟ غير متقدم، بل هو متأخر. طبعا هذا ذكرته في الأمثلة العددية أو المادية، في الأمثلة المعنوية أيضاً كذلك، في الكرم كذلك، في الشجاعة كذلك ونحو ذلك.

قال: أصل هذا الباب ترجيح شيء واحد من شيئين بينهما مشاركة في بعض الوجوه. والألفاظ المستعملة المتداولة في التفضيل هنا في هذا الباب هي كلمة: آثر، وأولى، وأفضل، وأكثر، وأزيد، وأشد، وأشرف، وأقدم. طبعاً هذا كل في مورده ها، وإلا أزيد مثلاً في الأعداد وفي الكميات، أشد يعني في الأمور الكيفية، أشرف يعني في الأمور المعنوية، أقدم يعني في الأمور الزمانية ونحو ذلك، وما يجري مجرى وما يقابل كل واحد منها مثل: الأنقص، والأخس، والأقل، والأضعف وإلى آخره. ولكل من كلمات التفضيل هذه خصوصية يطول الكلام في شرحها كما أشرت إليه، وإنما يحتاج إلى المواضع في هذا الباب ففي الأمور التي لا يظهر فيها التفاضل لأول وهلة. يقول: نحن نحتاج إلى هذه المواضع واضح في تلك الأمور التي لا تظهر فيها المفاضلة بنحو واضح، وإلا لو عندك هنا شمعة أو عندك هنا مصباح درجة إضاءته كم؟ مئة، ودرجة إضاءة الشمس ماذا؟ ملايين، هنا من الواضح بأن درجة إضاءة الشمس أشد بمراتب من درجة إضاءة هذا المصباح بالدرجة مئة، في مثل هذه المواضع آثر أو أولى لا تأتي؛ لأنه هذه واضحة تفاضل، إنما يأتي في الموارد التي ماذا؟ في الموارد المشكوكوعة، لا نعلم أن فلان أفضل أو فلان أفضل، فلان أعلم أو فلان أعلم، وإلا في الموارد الذي أحد الطرفين أعلم العلماء والطرف الآخر جاهل، طب هنا من الواضح أن هذا مقدم على ذلك، فلهذا قال: وإنما يحتاج إلى المواضع في هذا الباب ففي الأمور التي لا يظهر فيها التفاضل لأول وهلة، وإلا فما هو ظاهر التفاضل فيه مثل أن الشمس أكثر ضوءاً من القمر يكون إيراد المواضع لإثبات هذا الفرق حشواً ولغواً لأنه من الواضحات.

وكثيراً ما يقع التنازع بين الناس في تفضيل لشخص على شخص أو شيء على شيء من مأکولات وملبوسات ومسكونات ومراتب ووظائف وأخلاق وعادات وهكذا. والتنازع تارة له مصداقان، له موردان:

تاره يكون من هو الأفضل مع الاتفاق على وجه الفضيلة. يعني هذا له الفضيلة له المزية وهذا له المزية ولكن لا نعلم أن المزية المشترك فيها أو الصفة المشترك فيها موجودة فيهما على حد سواء، أو موجودة هنا بنحو أشد من هنا، أو موجودة هنا بنحو أشد من هنا، إذا أنت أصل المد فضيلة وأصل تلك القضية المشترك فيها تعتقد أنها موجودة فيهما معاً ولكنك لا تعلم أنه زيد أفضل من عامر أو عامر أفضل من زيد، كما لو فرضناه في العلم كلاهما عالم مسلم عندك ولكن لا تعلم أن زيد أعلم من عامر أو عامر أعلم من زيد. والتنازع تارة يكون من هو الأفضل مع الاتفاق على وجه الفضيلة، كان يتنازع شخصان في أن حاتم الطائي أكثر كرماً أم معن بن زائدة، مع الاتفاق بينهما على أن الكرم فضيلة، وأنه قد اتصف بها معاً أو اتصفا بها معاً، ومثل هذا النزاع إنما يتوقف على ثبوت حوادث تاريخية تكشف عن الأفضلية، وليس على هذا الفن، لا علاقة له صناعة الجدل.

إذاً المورد الآخر: وأخرى يكون النزاع في وجه الأفضلية، كان يتنازعا في أيهما أولى بأن يوصف بالكرم -أساساً هذا كريم أو ذاك كريم، مو أنه كلاهما كريم ولكنه هذا أكرم أو ذاك أكرم- مع الاتفاق على أن معنا معاً... معن بن زائدة مثلاً يجود بفضل ماله وحاتماً يجود... هذا إذا فرضنا بأنه هذه مو مبنيات وانه يمكن أن تكون معربة وحاتماً يجود بكل ما يملك، ومع الاتفاق أيضاً على أن ما جاد به معن أكثر بكثير في تقدير المال مما جاد به حاتم، لأنه لو نسبنا لأخذنا النسبة نجد أن كرم حاتم أشد، ولكن لو اخذنا العدد نجد أن كرم معن ماذا؟ أكثر، مثلاً: معن يملك مليون وحاتم يملك مئة ألف، الزائد على ما يحتاجه معن أفترض ثمانمئة ألف أو خمسمئة ألف فهو ينفق ماذا؟ خمسمئة ألف، وحاتم ينفق كل ما يملك فهو يملك ماذا؟ مئة ألف، فماذا أنفق؟ مئة ألف، أيهما أنفق أكثر؟ من الواضح أن معن أنفق أكثر. ولكن انظر إلى النسبة تجد أن حاتم أنفق أكثر لأنه أنفق الكل ومعن أنفق النزر، فهنا أيهما أولى أن يسمى كريماً؟ هذا يسمى كريم أو ذاك يسمى كريم؟ وأنهما كريمان ولكن هذا أكرم أو ذاك أكرم؟ لا، أساساً ميزان الكرم هو ما هو؟ ميزان الكرم أن يعطي الإنسان كل ما يملك هذا يسمى كريم، أو ميزان الكرم أن يكون بالقسط بالعدل وهو أن ينفق ما زاد عن حاجته، أيهما يسمى كرم والآخر يكون رذيلة أو يكون في مقابل هذه الفضيلة؟ إذا قلنا الوسط هو ميزان الكرم؛ خير الأمور أوسطها وهذه النظرية الأرسطية بأنه نحن يوجد عندنا إفراط، ويوجد عندنا تفريط، ويوجد عندنا ماذا؟ وسط. إذاً هنا الكريم هو من؟ معن له حاتم ها؟ من الواضح أن معن بن زائدة يكون هو الكريم، لماذا؟ لأنه على الجادة الوسطى لا إفراط ولا تفريط. أما إذا نظرنا إلى الصفات الأخلاقية لا بالمنظار الأرسطي، بمنظار آخر، فهنا يكون من كريم؟ يكون حاتم كريم والآخر لا يكون كريماً.

قال: ومع الاتفاق أيضاً على أن ما جاد به معن أكثر بكثير في تقدير المال في كم المال مما جاد به حاتم، وحينئذ يكون النزاع في العبرة في الأفضلية بالكرم هل هو بمقدار العطاء فيكون معن أفضل من حاتم، أو بما يتحقق بالعطاء معن الإيثار فيكون حاتم أفضل؟

ويمكن أن يتمسك القائل الأول بموضع فيه -يعني بقاعدة مشهورة- وهو أن ما يفيد خيراً أكثر فهو آثر وأولى باللفظ فيكون معن أفضل. ويمكن أن يتمسك القائل الثاني بموضع آخر فيه وهو أن ما ينبعث من تضحية أكثر بالحاجة والنفس فهو آثر وأولى باللفظ فيكون حاتم أفضل. فهذان موضعان من هذا الباب يمكن أن يستدل بهما الاصطلاح.

وصايا السائل

المبحث الثالث وهو المبحث الأخير في صناعة الجدل؛ الوصايا؛ تعليمات للسائل، تعليمات للمجيب، وتعليمات للطرفين معاً فيما يرتبط بـ.

السائل: إذا تتذكرون جملة من التعليمات تقدم الكلام عنها، ولكن هنا ينظم هذه التعليمات بنحو يمكن للإنسان أن يستفيد منها بنحو أفضل. تقدم في الباب الأول من هو السائل، وقلنا إن السائل هو الذي يريد أن ينقض وضعاً معيناً، وعليه أي السائل لتحصيل غرضه وهو الحصول على اعتراف المجيب حتى ينقض وضعه بعد ذلك أي أن يتبع التعليمات الثلاثة الآتية:

أولاً: أن يحضر لديه قبل توجيه السؤال الموضع أو القاعدة أو المواضع أو القواعد التي منها يستخرج أو تستخرج المقدمة المشهورة اللازمة لاستدلاله. وإذا لم يعرف أن يسأل ولا يستطيع أن يستنبط من المواضع فمن الواضح أنه أساساً لا يستطيع أن يبدأ باستدلال لنقض على الوضع الذي عليه الطرف الآخر.

الثاني: أن يهيئ في نفسه قبل السؤال أيضاً الطريقة والحيلة التي يتوسل بها لتسليم المجيب بالمقدمة والتشنيع على منكري تلك المقدمة التي يقولها السائل، وهذا أيضاً ما أشرنا إليه فيما سبق أنه على السائل ألا يطالب المجيب بأن يعترف بالمقدمة مباشرة وأن يصرح له ماذا يريد الوصول إليه وإلا سيفر المجيب من ذلك. لما كان من اللازم عليه أن يصرح، لما كان من اللازم على السائل أن يصرح بما يضمره في نفسه من المطلوب الذي يستلزم نقض وضع الخصم، يعني المجيب، فليجعل هذا التصريح آخر مراحل أسئلته وكلامه لا في أول الأمر، وإلا سيفر المجيب بعد أن يأخذ من الخصم الاعتراف والتسليم بما يريد ويتوثق من عدم بقاء مجال عند المجيب للإنكار. هذه هي الخطوط الأولى الرئيسية التي يجب أن يتبعها السائل في مهمته.

ثم لأخذ الاعتراف طرق كثيرة ينبغي أن يتبع إحدى الوصايا الآتية لتحقيقها -يذكر هنا حاشية، هذه الحاشية التي هي المعروفة: لكل مقام مقال، يعني أنت لابد أن تنظر إلى طرفك أنه سهل المران أو أنه معاند، عالم، جاهل، مقلد، له حجة، هذه الخصوصيات كلها لابد أن ينظر إليها السائل عندما يريد أن يسأل-:

التعليمات التي يتبعها:

أولاً: أن لا يطلب من أول الأمر التسليم من الخصم بالمقدمة اللازمة لنقض وضع الخصم وإلا في مثل هذه الحالة الخصم المجيب مباشرة بأي نحو من الأنحاء يحاول ألا يستجيب وألا يعترف بتلك المقدمة، وبعبارة ثانية: ينبغي ألا يقتحم الميدان في الجدل في أول جولة بالسؤال عن نفس المقدمة المطلوبة له. والسر في ذلك أن المجيب -لماذا لا يفعل ذلك؟- قال: أن المجيب حينئذ يكون في مبدأ قوته وانتباهه، فقد ينتبه إلى مطلوب السائل فيسرع في الإنكار ويعاند الاعتراف ويعاند الإقرار بتلك المقدمات.

إذا انتهى بالسائل وإذا انتهى به أي السائل السؤال عن المطلوب فلا ينبغي أيضاً أن يوجه السؤال رأساً عن نفس المطلوب إثباته حتى ينقض وضع المجيب خشية أن يشعر الخصم فيفر من الاعتراف، بل له مندوحة عن ذلك باتباع أحد الطرق أو الحيل الآتية:

الأولى: أن يوجه السؤال عن أمر أعم من مطلوبه، فعندما يقبل ذلك الأمر العام يتسلسل معه ماذا؟ إلى الأخص إلى الخاص، فاذا اعترف بالعام ألزمه قهراً بالاعتراف بالأخص بطريقة القياس الاقتراني، كما تقدم بحثه فيما سبق أنه في القياس الاقتراني ماذا يوجد؟ يوجد سير من العام إلى الخاص، من الكلي إلى الجزئي.

الثانية: أن يوجه السؤال عن أمر أخص، فإذا اعترف به الخصم فبطريقة الاستقراء يستطيع أن يلزم خصمه بمطلوبه، وهذا ما تقدم في بحث الاستقراء أنه سير من الجزئي إلى الكلي، من الخاص إلى العام.

الثالثة: أن يوجه السؤال عن أمر يساويه يشابهه وبعد ذلك ينتقل إلى مطلوبه من باب التمثيل كما تقدم فيما سبق، فإذا اعترف المجيب بذلك فبطريقة التمثيل يتمكن من إلزامه، هذا إذا كان المجيب ممن يرى التمثيل حجة.

الرابعة: من الطرق للحيل لإثبات مطلوبه أن يعدل عن السؤال عن الشيء إلى السؤال عما يشتق من ذلك الشيء. مثلما إذا أراد أن يثبت أن الغضبان مشتاق للانتقام، فقد يقول... مثلما إذا أراد أن يثبت أن الغضبان مشتاق للانتقام فقد ينكر الخصم ذلك لو سئل عنه فيدعي مثلاً أن الأب يغضب على ولده ولا يشتاق إلى الانتقام منه، فيعدل عن السؤال عن نفس الغضب -الآن بعد لا يسأله مباشرة أن الغضبان مشتاق للانتقام، وإنما يحاول بطريقة أخرى أن يصل إلى نفس النتيجة- فيقال: أليس الغضب هو شهوة الانتقام؟ الآن بعد ليس الكلام في اسم الفاعل الغضبان، وإنما ماذا؟ الكلام في نفس الغضب، ما هو تعريف الغضب؟ يقول له: تعريف الغضب أنه من يشتهي الانتقام، فإذا اعترف به يقول له: إذاً الغاضب مشته للانتقام؛ لأن هذه الصفة موجودة في الغاضب.

الخامسة: أن يقلب السؤال بما يوهم الخصم أنه يريد الاعتراف منه بنقيض ما يريد. يعني يحاول أن يأخذ من ما يشعره أنه يريد النقيض فإذا اعترف هو يقبل ماذا؟ بنقيض المطلوب. يضرب مثالاً لهذا نادر: كما لو أراد مثلاً إثبات أن اللذة خير. أراد السائل أن يثبت أن اللذة خير، فيقول: أليست اللذة ليست خيراً؟ لا يقول له: أليست اللذة خير؟ لأنه هو سيلتفت وينكر هذه المقدمة، لا ينكرها عليه، يقول: أليست اللذة لا تعد خيراً؟ خذ الإنسان بالبداهة... المجيب بالبداهة يقول: لا، ليس الأمر كذلك، اللذة خير، والمفروض أن السائل هو مطلوبه ذلك أيضاً، فهذا السؤال قد يوهم المخاطب أنه يريد الاعتراف، يعني أن السائل يريد الاعتراف بنقيض المطلوب والمفروض أن المطلوب ما هو؟ أن اللذة خير، وهو يقول إن اللذة ليست بخير، فيبادر عادة إلى الاعتراف بالمطلوب -يعني المجيب يبادر إلى الاعتراف بالمطلوب إذا كان من طبعه العناد لما يريده السائل؛ لأنه هو دائماً في خصام مع السائل، فما الذي يقوله السائل؟ هو يقول ماذا؟ نقيضه وضده-.

ولكل من هذه الحيل الخمس مواضع، يعني قواعد، ويمكن الاستناد إليها لاستنباط المشهورات منها، قد تنفع فيها إحداها ولا تنفع الأخرى، فعلى السائل الذكي أن يختار ما يناسب المقام باعتبار أن لكل مقام مقال.

النقطة الثالثة التي يحتاج إليها السائل: ألا يرتب المقدمات في المخاطبة ترتيباً قياسياً على وجه يلوح للخصم انسياقها إلى المطلوب، انسياق أو انسباق وكلاهما صحيح، المهم أن المقدمات لا تترتب بنحو يشعر المجيب أنه لو سلم بهذه المقدمات النتيجة ماذا يلزم منها نقض وضعه الخاص، بل ينبغي أن يشوش المقدمات ويخل بترتيب تلك المقدمات فيراوغ في الوصول إلى المطلوب على وجه لا يشعر الخصم بذلك.

الرابع: أن يتظاهر السائل في سؤاله أنه كالمستفهم الطالب للحقيقة، المقدم للإنصاف على الغلبة، يشعره بذلك وهو أنه: لست معانداً السائل، لست طالباً للغلبة وإنما أنا طالب للحق وطالب للإنصاف، بل ينبغي أن يلوح عليه -أي على السائل- الميل إلى مناقضة نفسه وموافقة خصمه حتى يخرج المجيب من حالة العناد له ومن حالة المكابرة معه من الناحية النفسية. إذا شعر المجيب أن السائل لا يريد منه أن يناقضه في كل شيء وأن يغلب في كل شيء، تلك الحالة النفسية ماذا تخف عند الإنسان للعناد والمكابرة لينخدع به الخصم المعاند فيطمئن إليه وحينئذ يسهل عليه استلال الاعتراف من المجيب من حيث يدري أو لا يدري.

خامساً: أن يأتي بالمقدمات في كثير من الأحوال على سبيل مضرب المثل أو الخبر لا على نحو الإنشاء، ويدعي في قوله ظهور ذلك، أنه ظاهر وأنه مشهور وأنه جرت العادة عليه، ليجد الخصم أن جحد تلك المقدمات أمام الجمهور مما يوجب الاستخفاف به والاستهانة له فيجبن عن إنكار تلك المقدمات، أن يخلط الكلام بأمور لا تنفع في المقصود ولا تثبت المقصود حتى يشوش الأمر على المجيب. أن يخلط الكلام بما لا ينفع في مقصوده -يعني في مقصود السائل- ليضيع على الخصم ما يريده من المقدمة المطلوبة بالخصوص، والأفضل أن يجعل الحشو حقاً مشهوراً في نفسه فإنه يضطر إلى التسليم به، وإذا سلم به أمام الجمهور قد يندفع مضطراً إلى التسليم بما هو مطلوب أيضاً انسياب مع الجمهور الذي يفقد على الأكثر قوة التمييز، وهذا ما يسمى في علم الاجتماع بالعقل الجمعي، وهو أنه الإنسان عندما يكون في جماعة في الأعم الأغلب تفقد قدرة التمييز وقدرة التفكير تكون مسلوبه عنه، مما لو كان بمفرده. الإنسان لو كان بمفرده يستطيع أن يتأمل بنحو أفضل مما لو كان في مجتمع وفي جماعة.

من الخصوم من هو مغرور بعلمه معتد بذكائه فلا يبالي أن يسلم في مبدأ الأمر بما يلقى عليه من الأسئلة، يتصور بأن التسليم بمثل هذه المقدمات في النتيجة لا تؤثر في وضعه شيء؛ لأنه مغرور بما عنده ظناً منه بأن السائل لا يمكن أن يظفر منه بتسليم ما يهدم وضع المجيب، وبأن المجيب يتمكن حينئذ من اللجاج والعناد. وهذا الأمر عادة يحصل عند وقوع المناقشة والجدال والمجادلة بين العالم وبين الجاهل، فيتصور العالم أن مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يغلبه، ولكنه في نهاية الأمر نجد أنه يكون. فمثل هذا الشخص ينبغي للسائل أن يمهد له بتكثير الأسئلة عما لا جدوى له للسائل في مقصوده، حتى إذا استنفذ غاية جهده قد يتسرب إلى المجيب الملل والضجر فيضيع عليه وجه القصد أو يخضع للتسليم.

إذا انتهى إلى مطلوبه من الاستلزام لنقض وضع الخصم المجيب فعليه أن يعبر عن ذلك الأمر الذي نقض به الوضع بأسلوب قوي الأداء لا يشعر السائل بالشك والترديد، ولا يشعر المجيب بأن السائل متردد، ولا يشعر الجمهور بأنهم مترددون، بل لابد أن يقول هذا الناقض نقض الوضع بقول جازم وبضرس قاطع ولا يلقيه على سبيل الاستفهام؛ فإن الاستفهام هناك يضعف أسلوبه فيفتح به -أي في حالة الاستفهام بهذا الطريق- فيفتح به للخصم -وهو المجيب- مجالاً لإنكار الملازمة أو إنكار المشهور فيرجع الكلام من جديد جذعاً، وقد يشق عليه -أي على السائل- أن يوجه هذه المرة مرة أسئلة نافعة في المقصود، فعند ذلك يغلب السائل على أمره.

أن يفهم نفسية الجماعات وهذا علم النفس الاجتماعي يتبنى هذه النقطة بأنه ماذا يؤثر في نفسية المجتمع المخاطب؟ أنتم واجدين بأنه هذا موجود عادة في المجتمعات التي يوجد فيها قليل من الديمقراطية والحرية، بأنه عندما تكون هناك انتخابات تقع مناظرات بين أولئك الذين يرشحون أنفسهم لإشغال منصب معين أو للقيام بعمل معين في ذلك المكان أو ذلك البلد، هنا الذي يستطيع أن يغلب وأن يحصل على رأي الجماهير هو الذي يعرف نفسية الجماهير، هو الذي يعرف أن يتلاعب بعواطفهم، يتلاعب باحتياجاتهم، مثلاً الوضع الاقتصادي منهار جداً ومن الواضح بأنه هذا الإنسان إذا كان عارفا كاملاً بهذه النقطة سيحاول أنه في مناقشاته أن يركز ماذا؟ يركز على هذه النقطة وهذا يجذب الجماهير إليه لأنه يتكلم بمقتضى أحاسيسهم بمقتضى عواطفهم، حتى افترضوا أن هناك جهة أخرى، نقطة أخرى أهم من الوضع الاقتصادي ولكن الجمهور لم يكن ملتفت إليها، الطرف الآخر يؤكد على تلك النقطة فتجده أنه يغلب في الآخر.

فلهذا قال: أن يفهم نفسية الجماعات والجماهير من جهة أنها تنساق إلى الإغراء وتأثر ببهرجة الكلام حتى يستغل ذلك للتأثير في الجماهير. والمفروض أن الغرض الأصيل من الجدل التغلب على الخصم أمام الجمهور هذا هو الغرض الأساسي، وينبغي له أن يلاحظ أفكار الحاضرين ويجلب رضاهم بإظهار أن هدف السائل نصرتهم وجلب المنفعة لهم ليسهل عليه أن يجرهم إلى جانبه فيسلموا بما يريد التسليم به منهم، وبهذا يستطيع أن يقهر خصمه على الموافقة للجمهور في تسليم ما سلموا به؛ لأن الخصم المجيب يجد أن الجماهير كلها تريد التسليم بهذه المقدمات فلا يستطيع أن يقاوم هذا الضغط النفسي أمام الجماهير فيسلم بتلك المقدمة منساقاً إليها مضطراً إليها؛ لأن مخالفة الجمهور فيما اتفقوا عليه أمامهم، مخالفة الجمهور أمامهم يشعر الإنسان بالخجل والخيبة والضعف ونحو ذلك.

والعاشرة -وهو آخر وصايا السائل-: إذا ظهر على الخصم العجز عن جوابه وانقطع عن الكلام فلا يحسن من السائل أن يلح على المجيب أو أن يسخر منه أو يقدح فيه. تواجدين في بعض المناقشات يتضح للجالسين جميعاً بأن أحد الطرفين غلب على أمره، بس أنت لا يكفيك أنه غلب على أمره، تريد منه أن يصرح بأنه أنا لا أفهم، أنا جاهل، لا يمكن ذلك، لعله في بعض الأحيان لعله في بعض الأحيان هذه الحالة من المظلومية تكون لصالحه أساساً، الجمهور عاطفياً ينساق مع من؟ ينساق مع المظلوم ويجد أن هذا يستهزأ به يحتقر فعاطفياً ينساق مع من؟ يكون إلى جانب ذلك المغلوب وإذا به تنعكس القضية وتكون الكفة لصالح المغلوب على الغالب. فالإنسان لابد أن يؤكد على هذه النقطة وهو أنه إذا وجد أن خصمه قد غلب الآن بعد لا يضطره إلى أن يعترف صريحاً بذلك، إلى أن يصرح بأني جاهل، إلى أن يقول كل ما يريده منه السائل، لا هذا ليس بصحيح. يقول: إذا ظهر على الخصم العجز عن جوابه عن جواب السائل وانقطع عن الكلام، انقطعت الحجة، فلا يحسن من السائل أن يلح على المجيب أو أن يسخر منه أو يقدح فيه، بل لا يحسن أن يعقبه بكل كلام يظهر مغبته وعجزه، فإن ذلك قد يثير الجمهور نفسه ويسقط احترامه؛ احترام السائل الغالب عند الجمهور، فيخسر تقديرهم من حيث يريد النجاح والغلبة.

تعليمات المجيب

هذه تعليمات للسائل، أما تعليمات المجيب: طبعا في المقدمة هذه النقطة لابد أن تكون واضحة، من الواضح دائماً المهاجم مناورته أشد من المدافع؛ لأنه في النتيجة المهاجم المبادرة بيده من أين يريد الهجوم، المدافع لا يعلم، فلهذا قد يغفل قد يغلب على أمره، هذا شوفوا مرة الإنسان واقف هنا ويعلم أنه يوجد هجوم من الأمام، يوجد هجوم من الأمام هنا غلبه مثل هذا الإنسان ضعيفة جداً لا يمكن أن يغلب، ومرة أخرى واقف هنا ولكن لا يعلم أن الهجوم سياتي من الأمام، ياتي من الخلف، ياتي من فوق، ياتي من تحت، ياتي من اليمين، ياتي من اليسار، لا يعلم من أي جهة سيغلب لا يعلم ولا يعلم من ولا يعلم من أي جهة سيتعرض للهجوم من العدو، هنا بعد المحافظة والدفاع يكون جداً يحتاج إلى نباهة عالية، نباهة عالية. ومن الواضح أن السائل هو المهاجم وأن المجيب هو المدافع، حتى جملة معترضة: آخرون أو نسبة الإنسان إلى الشيطان، أي نسبة؟ نسبة من يعلم أنه من أي طرف سيكون الهجوم أو لا يعلم؟ لا يعلم. ومن هنا الدفاع يكون ماذا؟ تكون عملية الدفاع معقدة جداً؛ لأنه أنت تقول: لا تهاجم الشيطان دائماً أنت مورد لهجوم الشيطان، نعم إذا صار الإنسان ولي من أولياء الله عند ذلك يكون الشيطان هو المدافع وذاك الولي هو المهاجم، فلهذا تجدون بأنه ذاك الولي وذاك الإنسان الكامل الذي وصل إلى هذا المقام يستطيع أن يأسر الشيطان يأثره، مو أن يكون هو أسيراً للشيطان. ولهذا تجدون في الرواية أن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) قال: إن شيطاني أسلم على يدي. أسلم على يدي يعني ماذا؟ يعني مو أنه لا يوجد عندي شيطان، نعم أنا انسان ويوجد لي شياطين أيضاً، ولكنه هؤلاء لا يستطيعون أن يهاجموني. هذا الإنسان لابد أن يعرف مداخل الشيطان من أين، ولهذا أنتم تقرؤون في الآيات القرآنية أنه يقول بأنه: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ من كل طرف أنا أتيهم ولا يعرفون من أين. بل حتى يأتيك من الطرق التي تحسبها حسنة تحسبها خير تحسبها مقربة إلى الله سبحانه وتعالى.

قال: إن المجيب كما قدمنا مدافع عن مهاجمة خصمه في قباله وهو السائل، والمدافع غالباً أضعف كفاحاً من المهاجم وأقرب إلى المغلوبية، ومن هنا أسس الحربيون أو علماء المختصين بهذه الاختصاصات قالوا إن الهجوم أفضل وسيلة الدفاع، أنت إذا أردت أن تدافع عن نفسك أفضل وسيلة ماذا؟ أن تبدأ الهجوم، وإلا لو بقيت في موقعك فإنه تكون مغلوباً في الأعم الأغلب؛ لأن المبادأة والمبادرة بيد المهاجم فهو يستطيع أن ينظم هجومه بالأسئلة كيف يشاء ويترك منها ما يشاء، والمجيب على الأكثر مقهور على مماشة السائل في المحاورة. يعني السائل يحاول أن يأتي بتلك المقدمات التي يعرف مداخلها ومقدماتها وقواعدها ومواضعها وأشكالاتها ونقودها كاملاً يعرف هذا، ومن باب الصدفة أن هذا الذي رتبه المجيب ضعيف في تلك الجهة، فلهذا أنتم شايفين البعض مما يؤسف يذهب إلى العالم ومحضر في بيته فد عشرة من الأسئلة ويلقيها على ذلك الإنسان، وذاك الإنسان تجد أنه يجيب اثنين لا يجيب ثمانية، هو يتصور أنه ماذا؟ ها؟ أعلم من ذاك الشخص، مع أنه ليس بالضرورة ذلك، لماذا؟ لأنه أنت من باب الاتفاق أنك سألت عن عشرة مسائل ثمانية منها مو بذهنه اثنين منها بذهنه، حتى أترك المجال أن هو يسألك، أترك المجال هو يسألك يقيناً راح يحول يسألك بأسئلة في باب لعله لم يخطر في ذهنك فلا تجيبه حتى في واحدة، ممكن لو مو ممكن؟ هذا إذا ليس هذا دليل على أنه أنت إذا ذهبت إلى فلان وأنا سألته في كذا فلم يجبني، سألته في كذا فلم يجبني، سألته في كذا فلم يجبني، وأنت محضر هذا وجاي يمه، فهذا ليس الدليل على أنه أنت أعلم مثلاً أو أنت أدق أو أنت أعمق، لا، لا، ليس كذلك؛ لأنه دائماً المهاجم سيبدأ هجومه ماذا؟ من العلوم التي يعرفها، وقد يصادف في ذلك المورد أن المدافع ماذا؟ غافل عن تلك المطالب أو أنه لا يعرفها.

وعلى هذا فمهمة المجيب أشق وأدق، واللازم له عدة طرق مترتبه يسلكها بالتدريج أولاً فأولاً، فإن لم يسلك الأول أخذ بالثاني، وهكذا وهي حسب الترتيب كما يلي -لابد أن يرتب وضعه المجيب بهذا الشكل-:

أولاً: أن يحاول الالتفاف على السائل. كيف يحاول الالتفاف؟ يعني يخرج من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، وإلا إذا بقي في حالة الدفاع فإنه سيغلب في بعض الأوقات. بأن يحور الكلام إن استطاع فيعكس عليه الدائرة بتوجيه الأسئلة مهاجماً، ولا بد أن السائل له وضع يلتزم به يخالف وضع المجيب، فينقلب حينئذ المهاجم مدافعاً والمدافع مهاجماً، وبهذه الطريقة يصبح أكثر تمكناً من الأخذ بإتمام المحاورة، بل يصبح في الحقيقه هو السائل. وعلى هذا الأساس لعله من أفضل طرق الإجابة -التفتوا جيداً- من أفضل طرق الإجابة الجواب بسؤال. سيسالك شخص سؤالاً فلا بد أن تجيبه أنت أجبه بسؤال يقابل سؤاله، فهو يكون في موضع ماذا؟ في موضع أن يجيب على سؤاله فتأخذ المبادرة والزمام. وإذا لم يجب فالقضية ماذا تكون بعد متساوية؟ لا أنت مغلوب هو غالب. يعني أفترض بأنه هو أجابك قال بأنه أنت لم تجبني على سؤالي. أنت تستطيع أن تقول له ماذا؟ وأنت أيضاً لم تجبني على سؤالي. إذاً هنا بعد لا يوجد غالب ومغلوب وإنما يوجد مغلوبان أو غالبان. فلهذا أفضل طريق الإنسان إذا وجدت في بعض المواضع أنه السائل يسأل فد أمور هو الآن غافل عنها غير ملتفت إليها أفضل طريق ماذا؟ أن يجيب السائل بسؤال يقابل سؤاله.

ثانياً: إذا عجز عن الطريق وهي الالتفاف، يحاول ارباك السائل واشغاله بأمور تبعد عليه المسافة كسباً للوقت كيما يعد عدته للجواب الشافي، ياخذ وقتاً من خلال الاستفهام عن بعض الكلمات، عن بعض المشتركات، عن بعض الأدلة لهذه المقدمات التي يقولها، مثل أن يجد في أسئلته لفظاً مشتركاً فيستفستر عن معانيه ليتفهم أن يتركه يفصلها ثم يناقشه فيها أهو يتولى أو هو يتولى تفصيلها ليذكر -يعني يتولى المجيب تفصيلها- ليذكر أي المعاني يصح السؤال عنه وأيها لا يصح، وفي هذا قد تحصل فائدة أخرى فإنه بتفصيل المعاني المشتركة قد تنبثق للمجيب طريقة للهرب عما يلزمه به السائل بأن يعترف مثلاً بأحد المعاني الذي لا يلزم منه السؤال عنه نقض وضع المجيب، وهذا أمر مهم جداً وهو أنك تبدأ تفصل تفصل تفصل وفي هذه التفصيلات قد يقع نفس السائل فيها، لماذا؟ لأنه في التفصيلات قد يشتبه في واحدة منها، فإذا اشتبه أنت تستطيع أن تنقض عليه وضعه الذي هو فيه.

ثالثاً: إذا لم تنجح الطريقة الثانية وهي طريقة الإشغال أن يشغله والارباك، يحاول إن استطاع الامتناع من الاعتراف بما يستلزم نقضه وضعه، لا يعترف بتلك المقدمة -طبعا إذا يمكنه ذلك- وينبغي أن يعلم أنه لا ضير عليه بالاعتراف بالمشهورات إذا كان وضعه مشهوراً حقيقياً، يعني إذا كان السائل يستند إلى مشهورات ووضع المجيب أيضاً مشهور هو واحد من المشهورات الحقيقية، يقول: ينبغي للمجيب ألا يخاف من الاعتراف بتلك المقدمات التي يقولها السائل؛ لأنه في الأعم الأغلب المشهورات ماذا؟ لا تتعارض فيما بينها إلا إذا كانت مشهورات محدودة لا مشهورات مطلقة. وينبغي أن يعلم أو أن يعلم أنه لا ضير عليه أي على المجيب بالاعتراف بالمشهورات إذا كان وضعه وضع المجيب مشهوراً مشهوراً حقيقياً؛ لأنه غالباً لا ينتج المشهور إلا مشهوراً، فلا يتوقع من المشهورات أن تنتج ما يناقض وضعه المشهور. وليس معنى الهرب من الاعتراف أن يمتنع أن ينتم... يمتنع من الاعتراف بكل شيء يلقى عليه، لأنه لو كان هكذا فإن الجمهور يفهم أنه هذا مغلوب على أمره بدأ لا أنه بدأ يناقش، فإن هذه الحالة قد تظهره أمام الجمهور بمظهر المعاند المشاغب فيصبح موضعاً للسخرية والنقد، بل يحاول الهرب من الاعتراف بخصوص ما يوجب وضعه الخاص لا كل المقدمات يحاول ألا يعترف بها.

رابعاً: إذا وجد أن الطريقة الثالثة لا تنفع وهي طريقة الهرب من الاعتراف وذلك عندما يكون المسؤول عن الذي يحذر من الاعتراف به مشهوراً مطلقاً؛ لأن العناد في مثله أكثر قبحاً من الالتزام به، فعليه ألا يعلن عن إنكاره له صراحة؛ لأن الإنسان في بعض الأحيان إذا أنكره أساساً يسقط تماماً، وإن أنكر فمقدمة بديهية مشهورة شهرة حقيقية وأنكرها أساساً بعد تفقد الثقة بكل معلوماته. الأفضل في هذا المورد أن الإنسان ماذا؟ أن يعترف خوفاً من ماذا؟ خوفاً من أن يسقط الاطمئنان وأن لا توجد فيه ثقة بنحو الإطلاق. نعم إذا كانت تلك المشهورات مناقشتها لا تؤدي أو العناد فيها وعدم الاعتراف بها لا تؤدي إلى سقوط سمعته، لا بأس بأن قال، فعليه ألا يعنى عن انكاره له صراحة؛ لأنه لو فعل ذلك في مثله -يعني في المشهورات الحقيقية- فهو يختر أمام الحاضرين كرامة نفسه، وفي نفس الوقت يختر وضعه الملتزم أو الملتزم له. فلا مناص له حينئذ من اتباع أحد طريقين:

الطريق الأول: أن يعلن الاعتراف ويجعل ذلك -يعني الاعتراف- كرامة لنفسه، لا أن يجعله انكساراً ومغلوبية لنفسه، كيف؟ وهو يقول بأنه أنا طالب حق وحقيقة، طب الآن تبين لي ولست معصوماً، والآن تبين لي أني كنت مشتبه، طب هذا لا يسقطه أمام الجمهور، يحتفظ بكرامته أمام الجمهور. ولا ضير عليه في ذلك أنه إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف وضعه الذي يلتزمه، لا على قصور نفسه، وهذا وإن كان من وجهة -يعني ضعف وضعه يدل يكشف عن قصور نفسه إذ يلتزم بما لا ينبغي الالتزام به- ولكن ينبغي له لتلافي ذلك في هذا الموقف وهو أدق المواقف وأصعبها على المجادل التي تمر على المجيب المنصف المحب للحق والفضيلة أن يعلن أنه طالب بالحق ومؤثر للإنصاف والعدل كان له أو كان عليه، وهذا لعله يعوض عما يخسر من المحافظة على وضعه بالاحتفاظ على سمعته وكرامته.

الثاني: ياتي...

الحمد لله رب العالمين

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع
الملف 101استماع
الملف 102استماع
الملف 103استماع
الملف 104استماع
الملف 105استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.