منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 1

تحميل Word

001

نشرع في دراسة كتاب المنطق للشيخ المظفر (قُدِّس سره)، ونسأله تعالى أن يوفقنا لإتمامه كما وفقنا للشروع فيه، وإياه نسأل أن يكتب لنا فيه أجراً وثواباً.

تمهيد في طبيعة القواعد المنطقية

البداية لا بد من بيان جملة من الأمور قبل أن ندخل في دراسة مطالب هذا الكتاب.

الأمر الأول: أن القواعد المنطقية على ما سوف نعرف ليست قواعد مخترعة. فليست هذه القواعد قواعد اخترعها الإنسان، وإنما هي قواعد فطر عليها الإنسان. تارة تكون القاعدة قاعدة يبتكرها الإنسان لأجل غرض معين، كما إذا جاء النحوي وقال لنا إن الفاعل مرفوع. الفاعل جاء مرفوعاً لأن النحوي اخترع هذه المسألة، أو لأن العرب رفعت الفاعل ونصبت المفعول فصار الفاعل لذلك مرفوعاً والمفعول منصوباً. ولو أن العربي عكس المسألة فنصب الفاعل ورفع المفعول لأصبحت المسألة بالعكس.

فيقال إن مثل هذه المسألة أو مثل هذه القاعدة النحوية قاعدة اعتبارية، لأنها خاضعة لاعتبار المعتبر. ومثال آخر مثلاً، عندما نأتي ونقول إن الوضوء مقدمة للصلاة، الذي جعل الوضوء مقدمة للصلاة هو الله تعالى، هو الشارع الأقدس. ولو أنه جعل شيئاً آخر مقدمة للصلاة لا الوضوء، لما كان الوضوء مقدمة للصلاة. والآن إذا أصدر الشارع حكماً بأن الوضوء لم يعد مقدمة للصلاة، فسوف لا يعود الوضوء شرطاً ضرورياً لأجل الصلاة. فنقول إن مثل هذه القضايا ومثل هذه القواعد قواعد اعتبارية، بمعنى أنها تزول وتتبدل نظراً لاعتبار المعتبر. فالشارع تعالى إذا أراد للظهر أن تكون أربع ركعات فهي أربع، فإذا ما أصدر حكماً جديداً أزال فيه الحكم السابق وجعلها ثلاث، صارت ثلاث. فمثل هذه التقنينات، مثل هذه الأحكام، مثل هذه القواعد كلها قواعد اعتبارية؛ بمعنى أنها تزول وتتبدل نظراً إلى تبدل اعتبار المعتبر.

أنا الذي اخترعت الكلام فأنَا أعتبر أن الفاعل يجب أن يكون مرفوعاً، ولو أنني اردت نصبه أو غيرت رأيي فيما بعد فنصبته فسوف ينقلب منصوباً. والله تعالى هو الذي أنزل هذه الأحكام الشرعية علينا، وهو الذي أراد للظهر أن تكون أربع ركعات، وهو الذي أراد أن يكون مقدمة لا تتم الصلاة بدونه، ولو أنه غير لتغير الحكم، فهذه قواعد اعتبارية.

وفي قبال القواعد الاعتبارية توجد قواعد تكوينية لا تزول ولا تتبدل، لا يمكن أن يطرأ عليها التغير؛ وذلك كما نقول مثلاً: النقيضان لا يجتمعان. عندما نقول إن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون موجوداً ومعدوماً في آن واحد، هذه القضية سواء اعتبرت أنا أن النقيضين لا يجتمعان أو اعتبرت أن النقيضين يجتمعان، على كل تقدير هما في الواقع لن يجتمعا. فيقال إن مثل هذه القضية لا تزول ولا تتبدل، وليست خاضعة في صحتها إلى شيء آخر، وهي قضية ثابتة في نفس الأمر والواقع، فهي قضية تكوينية ثابتة.

التفت، عندما نقول الوضوء مقدمة للصلاة، هذه القضية صحيحة أو لا؟ لا إشكال في أنها صحيحة، ولكن صحتها ناشئة من أن الشارع تعالى قد أصدر خطاباً أبلغنا فيه بأن الوضوء مقدمة للصلاة، فلو أصدر الشارع تعالى الآن حكماً جديداً في أن الوضوء لم يعد مقدمة للصلاة، لم يعد شرطاً للصلاة، سوف تنقلب هذه القضية كاذبة. فهي قضية واحدة يمكن أن تتصف بالصدق أو بالكذب نظراً إلى المعتبر إن كان لا زال يعتبرها أو أن اعتباره قد زال عنه. وهذا بخلاف مثل قولنا النقيضان لا يجتمعان؛ سواء اعتبرنا الآن أن النقيضين يجتمعان أو لا يجتمعان، على كل تقدير لن يجتمعا.

فالمنطق إذاً هو من قسم العلوم الحقيقية، ولذلك فإن القواعد المنطقية ليست قواعد مخترعة اخترعها فلان أو فلان، وإنما هي قواعد موجودة في كل ذهن بشري. غاية الأمر أن الذهن قد يتفطن إلى هذه القواعد فيستخدمها فيصل إلى مطلوبه، وقد لا يتفطن إلى هذه القواعد ولا يلتفت إليها فيقع في الخطأ، ولا يتمكن حينئذ من الاستدلالات الصحيحة. ولذلك تكاثفت الجهود البشرية من أجل ضبط هذه القواعد، وإن كانت هذه القواعد موجودة في كل ذهن بشري. كل ذهن عندما خلق وولد، ولدت فيه القابلية لأن يستنتج هذه المسائل. كل إنسان إذا ما تركته لوحده فعندما يكبر سوف يستنتج أن النقيضين لا يجتمعان، وهذه قضية غير قابلة للتعليم، ولا قابلة للتبدل ولا للتغير.

ولكن لأن الإنسان كثيراً ما تنحرف فطرته فيغفل عن مثل هذه المسائل، تكاثفت الجهود البشرية من أجل ضبط هذه القواعد، وضبطت في علم سمي بعلم المنطق. وكان أول من ضبط هذه القواعد المنطقية هو أرسطو، ولذلك سمي أرسطو المعلم الأول. ثم جاء من بعد أرسطو جملة من الفلاسفة وجمله من المنطقيين وضبطوا أو توسعوا في بعض أبواب المنطق، إلى أن جاء من الفلاسفة الإسلاميين الفارابي، فقد كتب في المنطق وأبدع فيه ومن ثم سمي المعلم الثاني. وبعد ذلك جاء ابن سينا، ونستطيع أن نقول إن تمام تكامل المنطق الأرسطي إنما ظهر على يد أو انتهى على يد ابن سينا. من بعد الشيخ الرئيس لم يعد هناك إبداعات تذكر في علم المنطق.

وهذا المنطق الذي بين أيدينا والذي نسميه بالمنطق الأرسطي نسبة إلى أرسطو الذي وضع هذه الكتب، ولكنه في زماننا صار هناك جملة من المدارس المنطقية، لم يعد المنطق منحصراً بالمدرسة الأرسطية، يوجد مدارس أو مدارس أخرى كالمنطق مدرسة المنطق الذاتي ومدرسة المنطق التجريبي وغير ذلك من المدارس المنطقية. طبعا هذه يأتي إن شاء الله بعد أن ننتهي من كتاب المنطق سوف نتعرض إلى باقي المدارس المنطقية.

رؤوس المسائل في المدخل

الأمر الثاني: قبل أن نشرع أيضاً في دراسة مطالب الكتاب، لابد أن ننبه على مسألة، وهي أن العلماء، كل العلماء، قد جرت عادتهم في كل كتاب يريدون أن يبتدئوا فيه، أو أن في كل علم أرادوا أن يدونوا فيه، فقد جرت عادتهم على أن يصدروا مقدمة تشتمل على رؤوس ثلاثة.

في كل علم يريد العالم أن يؤلف كتاباً فيه فإن عادتهم جارية على أن يذكروا مقدمة، وهذه المقدمة يبحثون فيها أموراً ثلاثة. هذه الأمور الثلاثة هي: تعريف العلم، وموضوع العلم، والحاجة إليه.

بعبارة ثانية: إذا كان الكاتب بصدد كتابة كتاب عن علم النحو فلا بد أن يذكر مقدمة يبين فيها أموراً ثلاثة: ما هو علم النحو؟ (تعريف علم النحو). وموضوع علم النحو: عن أي شيء يبحث علم النحو؟ والحاجة إلى علم النحو: لأي شيء نحتاج إلى دراسة علم النحو؟ فكل علم تذكر في أوله مقدمة تشتمل على أمور ثلاثة: تعريف العلم، موضوع العلم، والحاجة إلى العلم. ليش؟

قالوا: أما تعريف العلم فلأن العلم لو لم يتعرف عند الشارع فيه، لو لم يعرف هذا العلم ولم يتميز هذا العلم عن غيره من العلوم، لما أنست نفس الطالب لدراسته؛ لأن الإنسان عدو ما يجهل، فلا بد أن يطلع الطالب على هذا العلم وأن يعرف هذا العلم حتى تسكن نفسه إلى الشيء الذي يريد أن يقدم عليه، ولأن الإنسان لا يمكن أن يطلب المجهول. ومعنى أن الإنسان يريد العلم أنه يطلبه، وطلب الشيء لا يمكن أن يكون طلباً للمجهول، فلا بد أن يتصور هذا العلم حتى يصح أن يطلبه. بعبارة أدق: طلب الشيء حكم على الشيء بأنه مطلوب، الآن أنا إذا طلبت الماء فقد حكمت على الماء بأنني أريده، والحكم على شيء لا يمكن من دون أن تتصور ذلك الشيء في رتبة سابقة، فلا بد أن أتصور هذا العلم حتى يصح أن أحكم عليه بوجوب التحصيل. هذا بالنسبة إلى تعريف العلم.

وأما موضوع العلم، ما معنى موضوع العلم؟ موضوع العلم يعني الشيء الذي يبحث ذلك العلم عنه. مثال ذلك إذا أرادنا أن نفرق بين علم النحو وبين علم الصرف، كيف نفرق بينهما؟ نقول: التفت في النحو مثلاً أن الفاعل مرفوع، هذه مسألة نحوية. المفعول منصوب، من المسائل النحوية. المضاف إليه مجرور، من المسائل النحوية. إذا أخذنا الطرف الأول من هذه المسائل (الفاعل، والمفعول، والمضاف إليه)، نجد أن هناك جامَعاً مشتركاً بين هذه الثلاثة، ما هو؟ الكلمة؛ لأن الفاعل كلمة، والمفعول يكون كلمة، والمضاف إليه يكون كلمة. فيقال إن موضوع علم النحو هو الكلمة. تمام؟

طيب، تعال إلى المسائل الصرفية. الصرف يبحث عن مثل: فعل، وفعَّل، وفَعُل، وافتعل، إلى آخره. الصرف يبحث عن الفرق بين مثل قتل وقتَّل، ما هو الفرق بينهما في المعنى؟ بين قاتل وتقاتل، ما هو الفرق بينهما في المعنى؟ إذا أخذنا هذه الأربعة نجد أن بينها أيضاً اشتراكاً، ما هو؟ الكلمة. عجيب! إذاً يقال: موضوع علم النحو هو الكلمة، يعني نبحث عن أحوال الكلمة، عن حالات الكلمة من حيث الرفع والنصب والجر. وفي الصرف نبحث عن حالات الكلمة من أي حيثية؟ قالوا: من حيث الوزن، يعني من حيث الهيئة. الكلمة التي تكون على هيئة فعل، غير الكلمة التي تكون على هيئة فاعل، غير الهيئة التي تكون على هيئة افتعل. تمام؟

جيد، فيقال النحو نبحث فيه عن أحوال الكلمة، يعني عن الأمور التي تلحق الكلمة، الأحكام التي تلحق الكلمة، ولكن من أي حيث هي؟ قالوا: من حيث آخرها؛ لأن الرفع يكون على آخر الفاعل، والنصب يكون على آخر المفعول، والجر يكون على آخر المضاف إليه. فنحن عندما نقول: جاء زيدٌ، شوف الرفع هذا، هو الفاء هذه علامة الفاعل، وهذه تكون على آخر الكلمة، فيقال إن موضوع علم النحو الكلمة من حيث آخرها. موضوع علم الصرف قالوا: الكلمة أيضاً، ولكن من حيث هيئتها. فصار موضوع علم النحو هو آخر الكلمة، وصار موضوع علم الصرف هو هيئة الكلمة. ومن هنا أسسوا لقاعدة تقول: إن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات. الذي ميز لنا علم النحو عن علم الصرف هو أن أحدهما موضوعه آخر الكلمة، والآخر موضوعه هيئة الكلمة.

طبعاً قد لا يكون ذلك واضحاً جداً لأننا لم ندرس النحو والصرف بشكل مطول، ولكن المهم أن تتضح الفكرة ولو بشكل إجمالي. مثلاً، إذا قيل لك: موضوع علم الفقه ما هو؟ يعني الفقه عن أي شيء يبحث؟ نقول إن موضوع علم الفقه هو فعل الإنسان؛ لأن فعل الإنسان هو الذي يتصف بأنه حلال وبأنه حرام وبأنه مباح أو مكروه أو مستحب؛ لأنك في الفقه تأخذ جملة من المسائل: السرقة حرام، والسرقة فعل من أفعال المكلف، الزنا حرام، الصلاة واجبة، القنوت مستحب، السرقة، الزنا، كل هذه أفعال مكلفة، فموضوع علم الفقه ما هو؟ هو عبارة عن فعل المكلف، ونبحث عن الحالات التي تلحق هذا الفعل من الوجوب والحرمة وغير ذلك من الأحكام.

إذاً، فحاجتنا إلى تعريف العلم حتى نتصوره، لأننا إذا لم نتصوره لا نستطيع أن نطلبه، لأن الإنسان عدو ما يجهل، ولأن النفس لا تتوجه ولا يمكن طلب المجهول. وأما حاجتنا إلى الموضوع، قالوا: لأن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، فلو لم يتميز عندنا الموضوع لما عرفنا الفرق بين هذا العلم وبين غيره، فربما شرعنا في دراسة علم فدرسنا علماً آخر في الواقع.

بقي عندنا الأمر الثالث، وهو أنه لابد للطالب قبل أن يشرع في دراسة العلم وفي دراسة المسائل، لابد له أن يعرف حاجته إلى هذا العلم. ليش؟ قالوا: لأن الطالب لما لا يعرف حاجته كالطالب لما لا حاجة له. شوف، هذا العلم له حاجة بلا أشكال، له فائدة بلا أشكال، ولكن إذا كنت أنا جاهلاً بفائدته، فهو وإن كان له فائدة ولكن هو بالنسبة لي لا فائدة له لأنني لا أعرف فائدته. فالطالب لما لا يعرف فائدته هو كالطالب لما لا فائدة له، ليش؟

وذلك لأن الشيء إنما يؤثر بوجوده العلمي لا بوجوده الواقعي. بيان ذلك: الآن إذا قيل لي: يوجد عقرب وراءك، سوف أفر أو لا؟ سوف أباشر بالهرب، وإن لم يكن العقرب ورائي حقيقة. فرة نفترض أن العقرب موجود خارجاً هنا -يعني موجود عيني- ومرة نفترضه أن له وجود وين؟ في الذهن. أنت عندما قلت لي: هناك عقرب وراءك، أحضرت في ذهني صورة العقرب أو لا؟ هذه هي التي جعلتني أهرب، ولو لم يكن هناك عقرب ورائي، فالذي جعلني أهرب هو الوجود العلمي الوجود الذهني للعقرب لا الوجود العيني.

وقد يكون هناك أسد ورائي ولا تخبرني أنت بأن هناك أسداً ورائي فلا أفر. فالذي يؤثر هو الشيء بوجوده العلمي لا بوجوده العيني. قد يكون هناك أسد ورائي، وإذا كنت لا أعرف فأنا أتعامل مع الموقف على أنه لا أسد ورائي فلا أفر. تمام؟ وقد لا يكون هناك شيء ورائي فتقول لي: يوجد عقرب وراءك، فأباشر بالهرب. الشيء دائماً يؤثر بوجوده العلمي يعني الذهني، لا بوجوده العيني، يعني لا بوجوده الواقعي.

ولذلك عندما أدرس علماً لا أعرف فائدته -يعني لا يوجد وجود علمي للفائدة- حتى لو كانت الفائدة موجودة واقعاً، فالطالب لما لا فائدة له طالب للعبث، وطالب العبث لا يمكن أن يكون طالباً للعلم، لأن طالب العلم طالب للحكمة، والطالب بما لا فائدة له طالب للعبث، ولا يكون الشيء الواحد أو الطالب الواحد حكيماً وعابثاً في نفس الوقت، فوجب أن يتعرف الطالب على فائدة العلم قبل أن يشرع وققبل أن يبدأ في دراسة مسائله. ولذلك سميت هذه الأمور الثلاثة بأنها رؤوس ثلاثة، فيقال إن كل مقدمة يجب أن تشتمل على رؤوس ثلاثة يذكر فيها: تعريف العلم، موضوع العلم، وبيان الحاجة أو بيان فائدته.

ولذلك سار الماتن (قُدِّس سره) -الماتن يعني صاحب المتن- سار الماتن على آثار القدماء، فذكر مقدمة سماها المدخل، وهي مدخل إلى دراسة المسائل المنطقية، وأوجد فيها ثلاثة أمارات هي تعريف المنطق، وفائدة المنطق (يعني الحاجة إلى المنطق)، وموضوع علم المنطق. يقع الكلام في الدروس الأولى في معرفة هذه الأمور الثلاثة: ما هو علم المنطق؟ وكيف نعرفه؟ وما هي فائدة المنطق؟ وما هو موضوع علم المنطق؟

فائدة علم المنطق والحاجة إليه

الأمر الثالث: يقع الكلام في بيان فائدة المنطق، في بيان حاجتنا إلى علم المنطق. شوف، كل إنسان عندما ولد ولدت معه هبتان، أوجد الله معه قوتان: قوة على التفكير وقوة على الكلام. فتجد الواحد منا إذا أراد أن يخبر صديقه شيئاً ما، فلا بد أن يقوم بأمرين:

الأمر الأول: لا بد أن يقوم بانتخاب المعنى الذي يريد أن يوصله.

ثم لابد أن ينتخب ثانياً اللفظ المناسب للتعبير عن ذلك المعنى.

فكل إنسان حتى يوصل أفكاره إلى الآخرين لابد أولاً أن ينتخب الفكرة الصحيحة، وثانياً أن ينتخب اللفظ الذي يعبر عن هذه الفكرة بطريقة صحيحة. وإذا ما حصل خطأ في واحد من هذين الأمرين سوف لا يصل المعنى المراد إلى ذهن المخاطب. فالخطأ خطأان: إما خطأ في انتخاب المعنى، أي خطأ في التفكير، وإما خطأ في اللفظ الموصل إلى ذلك المعنى، فهو خطأ وين؟ في اللغة.

ولذلك تجد أن اللغة دائماً تكون قريبة لدراسة المنطق. تدرس قواعد اللغة وقواعد المنطق على حد واحد، لأن أي خطأ في أي واحد منهما سوف يؤدي إلى خطأ في وصول المعنى المطلوب. فبعض الأحيان قد أقوم بعملية استدلال، أركب هذه المعلومة من هذه المعلومة وأستنتج منها معلومة ثالثة، ولكن هذا الاستدلال يكون خاطئاً، فهنا حصل الخطأ وين؟ في التفكير. وفي بعض الأحيان يكون المعنى واضحاً لي صحيحاً عندي، ولكنني عندما أريد أن أعبر عنه فإنني أعبر عنه بطريقة خاطئة، اللغة لا تساعد على ذلك فيحصل الخطأ أيضاً.

فالخطأ إما خطأ واقع في التفكير (يعني في المعنى، خطأ واقع في الاستدلال)، وإما خطأ واقع وين؟ في اللفظ الذي انتخبه ليوصل هذا المعنى. فإن كان الخطأ خطأ في الألفاظ فالذي يبحث عن تصحيح هذا الخطأ ما هو؟ علم النحو. وأما إذا كان الخطأ خطأ واقعاً في التفكير، خطأ في الاستدلال، فالذي يبحث عن تصحيح هذا الخطأ هو علم المنطق.

ومن هنا قالوا إن علم المنطق ما هو؟ هو قانون تصحيح الفكر، هو القانون الذي نحتكم إليه لنعرف أن أفكارنا هل كانت صحيحة أو أنها ليست صحيحة، هو الميزان الذي نرجع إليه كل مسألة ونزينها عليه، فإما تكون صحيحة وإما لا تكون صحيحة. المنطق إذاً يعلمنا أي شيء؟ يعلمنا تصحيح الفكر، لا أن المنطق يعلمنا الفكر، نحن خلقنا نفكر والمنطق لا يعلمنا كيف نفكر، نحن نفكر والتفكير فطرنا عليه، ومعنى أننا فطرنا عليه أننا جبلنا على هذه الموهبة الإلهية.

إذاً فالمنطق لا يعلمنا كيف نفكر وإنما يعلمنا كيف نصحح أفكارنا. فصار إذاً عندي خطأان: خطأ في اللفظ وخطأ في المعنى. أما الخطأ في اللفظ فيحترز عنه بعلم النحو، وأما الخطأ في المعنى فيحترز عنه بعلم المنطق، فالمنطق وسيلة لأجل تصحيح عمليات الاستدلال التي تحصل في الذهن بطريقة مستمرة. وسوف نتعرض إلى جملة تطبيقات لذلك حتى نأنس بمثل هذه الأخطاء في الاستدلال.

نماذج تطبيقية وأخطاء الاستدلال

قبل ذلك فقط أريد أن أبين مثالاً واحداً للخطأ الواقع في اللغة. شوف، يقال إن أبا الأسود الدؤلي -وهو من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)- كان جالساً في الليل، فجاءته ابنته وتأملت في النجوم فأعجبها هذا المشهد، فأرادت أن تتعجب من جمال السماء ومن جمال النجوم، فقالت له: ما أجملُ السماءِ.

فالتفت أبو الأسود إلى أن ابنته قد استعملت لفظاً لا يعبر عن مطلوبها، لأنها ماذا تريد؟ تريد التعجب، يعني تريد إبداء العجب من جمال هذا المشهد، فقالت له: ما أجملُ السماءِ. ولكن هذا التركيب هذا اللفظ لا يعبر عن التعجب، وذلك لأن هناك استعمالين أو هناك تركيبين متقاربين: مرة تقول: (ما أجملَ السماءَ)، ومرة ثانية تقول: (ما أجملُ السماءِ؟). إذا أردت التعجب فتقول: ما أجملَ السماءَ، إذا أردت الاستفهام فتقول: ما أجملُ السماءِ؟

فإذا قال القائل: ما أجملَ السماءَ فهو يريد أن يبدي أعجوبته من جمال السماء، وإذا قال: ما أجملُ السماءِ؟ فهو لا يريد أن يتعجب وإنما يسأل: أي شيء في السماء هو الأجمل؟ هل هو النجوم؟ الكواكب؟ الشمس؟ أو نفس السماء؟ إلى آخره. وفرق بين كون الإنسان متعجباً وبين كونه مستفهماً؛ لأنه إذا كان مستفهماً فهو ينتظر الجواب، وإذا كان متعجباً فهو لا ينتظر جواباً وإنما هو يعطيك نفس الجواب.

فذهب أبو الأسود إلى أمير المؤمنين وحكى له ذلك، فقال له أمير المؤمنين: يا أبا الأسود، الكلمة: اسم وفعل وحرف، ثم قال له: انحُ هذا النحو، يعني اتبع هذا الطريق. وسمي علم النحو علم النحو لذلك، لأنه مأخوذ من القصد عندما أمره أمير المؤمنين بأن يقصد إلى كتابة هذا العلم.

هذا علم النحو ويحترز به عن الأخطاء الواقعة وين؟ في اللفظ في انتخاب الألفاظ المعبرة عن المعنى، فابنة أبي الأسود لم يكن عندها مشكلة في المعنى، وإنما حصل الخطأ من انتخاب اللفظ المعبر عن هذا المعنى، وهذا المنطق لا يبحث عنه، وإنما يبحث المنطق عن الأخطاء التي تقع في عملية الاستدلال. سوف نتعرض إلى أمثلة كثيرة حقيقة -ولو اخذت معنا دروساً- لكيفية وقوع الخطأ في الاستدلال، حتى نعرف حاجتنا حقيقة إلى علم المنطق.

النموذج الأول أو المثال التطبيقي الأول: الآن شوف الذهن كيف يفكر. إذا قلنا إن ألف متوقف على باء، يعني ألف لا ينوجد إلا بعد وجود باء، وباء متوقف على جيم. النتيجة المنطقية -شوف الذهن، الذهن يتصور هذه القضية ثم يتصور هذه القضية ثم يجمع بين القضيتين وينتزع عن القضيتين قضية ثالثة- فيقول: إذا كان ألف متوقفاً على باء فألف ينوجد بعد باء، وباء إذا كان متوقفاً على جيم فباء ينوجد بعد جيم، إذاً فألف متوقف على أي شيء؟ على جيم.

ولكن في بعض الأحيان قد يقع الذهن في خطأ مثل هذا الاستدلال، كما إذا جئنا وقلنا: الطلاق موقوف على النكاح، النكاح يعني الزواج، والطلاق حتى تطلق امرأة لابد في رتبه سابقة أن تكون قد تزوجتها، ولا تطلق امرأة هي ليست زوجتك، فالطلاق موقوف على النكاح بلا إشكال. والنكاح موقوف على رضا الطرفين، لأنك لا يمكن أن تتزوج امرأة إلا بعد أن تكون أنت راضياً وتكون هي راضية كذلك. بموجب هذا الاستدلال ينبغي أن تكون النتيجة المنطقية ما هي؟ أن الطلاق موقوف على رضا الطرفين، والطلاق عندنا ليس موقوفاً على رضا الطرفين. إذاً أين وقع الخطأ في مثل هذا الاستدلال؟ الذهن يتلقى هذه المقدمات جيداً ويعكس نتيجتها بصورة فورية، فلماذا كان هذا الاستدلال منتجاً وصحيحاً عندما كنا نتحدث عن ألف وباء وجيم، ولم يكن منتجاً وصحيحاً عندما وضعنا كلمة الطلاق والنكاح والرضا ورضا الطرفين؟ فهنا يوجد خطأ في الاستدلال، المنطق هو الذي يحدد لنا لما كان هذا الاستدلال منتجاً ولم يكن استدلال الطلاق والنكاح منتجاً ولما كانت هذه النتيجة نتيجة كاذبة. المنطق فقط هو الذي يعلمنا أن هذه المقدمات لم تترتب بشكل صحيح لتنتج نتيجة صحيحة.

النموذج التطبيقي الثاني: إذا أخذنا ألف وقلننا إن ألف غير باء، وباء هي جيم، فماذا ينتج؟ أن ألف غير جيم. صحيح؟ لأن ألف غير باء وباء هي جيم، فالف غير جيم بلا إشكال. ولكنك إذا أردت أن تطبق هذا الاستدلال على بعض الأمثلة بأن تقول: زيد غير عمرو وعمرو إنسان، فيفترض أن ينتج أن زيداً غير إنسان؛ لأنك أنت في الدائمة تأخذ المشترك، ما هو المشترك؟ هذا هو المشترك. فينقلب، فتنقلب النتيجة: زيد غير إنسان. وهذه النتيجة لا إشكال في أنها نتيجة كاذبة. فلما كان القياس والاستدلال هاهنا غير منتج؟ وما هو الخطأ الذي وقع في عملية الاستدلال؟

النموذج التطبيقي الثالث: الآن أنت ماذا تقول؟ الإنسان وحده ناطق، التفت في المنطق عندما نقول ناطق يعني مفكر، ولا نريد ناطق يعني يتكلم، جيد؟ يراد النطق يعني التفكير، هذا هو اصطلاح بينهم. طيب، الإنسان وحده ناطق بلا إشكال، لأن غير الإنسان ليس مفكراً، لا الحيوان بكل أنواعه إلا الإنسان طبعا، لا الفيل، لا الفرس، لا الحصان، كل هذه حيوانات ليست مفكرة، الإنسان حيوان مفكر. تمام؟ فالإنسان وحده من بين الكائنات هو المفكر. وتقول: وكل ناطق حيوان؛ لأن الحيوان أيضاً في الاصطلاح البيولوجي هو الحيوان هو الحي الذي يتحرك بإرادته. تمام؟ الإنسان وحده ناطق، وكل ناطق حيوان. الذهن كيف يستدل؟ يأخذ هذا الترابط الواقع بين القضيتين ويختزله فماذا ينتج؟ الإنسان وحده حيوان. والإنسان ليس وحده حيوان، فإن الفيل حيوان أيضاً والفرس حيوان أيضاً، فأين وقع الخطأ في الاستدلال؟ أو دعك من ذلك، لما مثل هذا النوع من المقدمات لم ينتج نتيجة؟ المنطق هو الذي يبين لنا أن هناك شروطاً لم يراعها المستدل في استدلاله والذهن قد يغفل عنها ولا يلتفت إليها.

المثال الرابع: التفت في عملية الاستدلال، الآن شوف هذا الاستدلال صحيح أو لا، عندما يأتي المستدل ويقول: لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود بلا إشكال، لأن النهار ما هو؟ عندما تطلع الشمس فلو كانت الشمس طالعة إذاً فالنهار موجود؛ لأن الشمس لا تطلع في الليل، فلو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. التفت، ولكن الشمس ليست طالعة، ماذا ينتج؟ فالنهار ليس موجوداً. شوف ماذا فعلنا؟ قلنا: لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، هذه قضية لا غبار عليها وهي قضية صحيحة 100%، ولكن الشمس ليست طالعة -شوف ماذا أخذنا الطرف الأول ونفيناه- ولكن الشمس ليست طالعة فماذا ينتج؟ أن النهار ليس موجوداً. الآن نفس هذا الاستدلال مقدماته صحيحة والنتيجة صحيحة والاستدلال صحيح أيضاً.

ولكن نفس هذا الاستدلال إذا طبقته على مثال آخر لا ينتج. أعطيك مثالاً: لو كان علي (عليه السلام) نبياً لكان معصوماً، قضية صحيحة أو لا؟ لو كان نبياً لكان معصوماً بلا إشكال، ولكنه ليس نبياً، فيفترض أن ينتج أنه ليس معصوماً، وهذه قضية كاذبة. فلما كان الاستدلال هاهنا ينتهي بنا إلى نتيجة كاذبة ولا ينتهي بنا الاستدلال إلى نتيجة كاذبة في المثال الأول (في مثال الشمس)؟ وكثيراً ما يأتي المغالط ويتمسك لنا بمثل هذه الأدلة فيوهمنا بأن النتيجة الصادقة هي أن علياً ليس معصوماً مثلاً. تمام؟

مثال خامس: عندما تأتي وتقول شوف: كلما وجدت النار وجدت الحرارة، هذا لا يحتاج إلى كتابة نستطيع أن نتحدث عنه. الآن شوف، نحن نقول: كلما وجدت النار وجدت الحرارة، نحن نلاحظ أننا كلما أشعلنا نَاراً فإن الحرارة تنوجد، فنستكشف من هذا التقارن والتصاحب بين النار وبين الحرارة أن النار سبب للحرارة. ولكن لنفترض الآن -شوف الذهن كيف يستدل، هذه طريقة الذهن في الاستدلال- يقول: هناك تقارن بين النار وبين الحرارة، فإنني كلما أوجدت ناراً وجدت أن الحرارة تنوجد، إذاً فالتقارن كاشف عن أن النار سبب للحرارة. ولكن لنأخذ مثالاً آخر، كما لو كان زيد كلما دخل إلى الغرفة فإنه يجد عمراً قائماً، الآن اتفق أنني في كل يوم آتي إلى الغرفة أفتح الغرفة فأجد أحداً منكم قائماً، فهل يستدل العقل على أن دخولي إلى الغرفة سبب في قيامك؟ فما هو الفرق بين هذا الاستدلال وبين ذاك؟ لما كان التقارن بين النار والحرارة كاشفاً عن السببية وليس التقارن بين دخولي إلى الغرفة وقيامك أنت كاشفاً عن السببية؟

ولكن التفت، كثيراً ما نقع في أخطاء مثل هذا الاستدلال بطريقة غير واعية، فكثيراً ما نحسب ما ليس بعلة علة. الواحد منا كثيراً ما يشاهد لعبة لكرة القدم عند صاحبه فيتفق أنه كلما حضر هذه اللعبة عند أحد ما فإن فريقه سوف يخسر، بيننا وبين الله، ألا نستشعر في بعض الأحيان أن حضورنا لهذه اللعبة هنا أو هناك سوف يكون سبباً لخسارة هذا الفريق أو ذاك؟ أنت أجب، جيد؟ تمام. فالتفت، هذا الاعتقاد من أين يتشكل؟ ولماذا إذا كان اعتقاداً فاسداً وما هو فرقه عن مثل قولنا كلما وجدت النار وجدت الحرارة ونحن كثيراً ما تتشكل قناعاتنا واعتقاداتنا عن مثل هذا الطريق، والمنطق هو الذي ينقح لنا ما إذا كانت معلوماتنا قد تشكلت عن طريق صحيح أو أنها تأثرت بظروف موجودة هنا أو هناك.

مثال سادس: من أمثلة الخطأ في الاستدلال، مثلاً إذا جاء أحدنا ويريد أن يستدل على أن القرآن ليس محرفاً، ما هو دليلنا على أن القرآن ليس محرفاً؟ ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: 9). عجيب! هذا خطأ. التفت المقدمات، التفت النتيجة صحيحة: القرآن ليس محرفاً، ولكن استدلالنا خاطئ. ليش؟ لأن التحريف قد يكون في نفس هذه الآية! ماذا لو كان التحريف في نفس هذه الآية؟ هذه الآية ليست بآية، فكيف تثبت عدم التحريف من نفس الآية؟ وهذا من أخطاء الاستدلال، المنطق هو الذي يقول لنا أن هذا الاستدلال خاطئ ويبين لنا الوجه في خطأ مثل هذا الاستدلال.

مثال سابع: بعد من أمثلة الخطأ في الاستدلال، ما إذا قلنا -شوف- كل إنسان ناطق، هذا واضح، كل إنسان مفكر يعني عنده قابلية التفكير، وبعض الناطق حيوان، ماذا ينتج؟ كل إنسان حيوان! إلا أن هذه المقدمات لا تولد هذه النتيجة. عجيب! ليش لا تولد هذه النتيجة؟ الآن كل إنسان حيوان، أقول أنت تعال نبدل نستبدل الأمثلة. غيب، هذا هو النموذج الأول تقول: كل إنسان ناطق وبعض الناطق ذكي، ماذا ينتج؟ هل ينتج كل إنسان ذكي؟ لا، ماذا ينتج؟ بعض الإنسان ذكي. هل هذه القضية صحيحة؟ نقول: المقدمات أيضاً صحيحة لأن كل إنسان ناطق ولأن بعض الناطق ذكي، والنتيجة أيضاً وهي أن بعض الإنسان ذكي هي أيضاً نتيجة صحيحة، والاستدلال خاطئ. ليش؟ تعال نبدل الأمثلة، تقول: كل إنسان ذكي حيوان، وبعض الحيوان فرس. بعض الحيوانات هي فرس، وكل إنسان هو حيوان، شوف لا ينتج كل إنسان فرس أو بعضاً، ولا ينتج أن بعض الإنسان فرس. إذاً هذا الشكل من الاستدلال ليس منتجاً، هنا النتيجة جاءت صحيحة اتفاقاً ولا هذه النتيجة ليست متولدة من هذه المقدمات، وكثيراً ما نرتب نتائج صحيحة من مقدمات صحيحة بطريقة فاسدة فنتوهم أن هذه النتيجة يقينية وقد لا تكون كذلك، والإنسان كثيراً ما تتشكل قناعاته ومعتقداته على مثل هذه الأسس التي يقع الذهن في خطئها.

مثال ثامن: بعد من أمثلة الخطأ الاستدلالي، ما إذا جاء قائل وقال لنا: الأطباء يعملون في المشفى، ثم قال لنا: إن خالداً يعمل في المشفى، فسوف نستنتج ولو للوهلة الأولى بأن خالداً طبيب، مع أن خالداً قد لا يكون طبيباً، إذ ليس بالضروري لمن يعمل في المشفى أن يكون طبيباً، فقد يكون عامل نظافة مثلاً. الخطأ من أين وقع؟ المنطق يعطيك قواعد إذا ما راعيتها والتفت إليها سوف تعرف من أول الأمر أن هذا الطريق من الاستدلال هل ينتج أو لا ينتج، هذه الطريقة من التفكير هل هي صحيحة وسليمة توصل إلى المطلوب أو لا توصل إلى المطلوب؟ هذه فائدة علم المنطق.

مثال تاسع: نأخذ مثالاً أخيراً وإن كانت الأمثلة كثيرة. شوف الآن مثلاً، نحن نعرف أن النقيضين لا يجتمعان، والصدق ما هو نقيضه؟ الكاذب، فلا يمكن أن يكون الإنسان صادقاً وكاذباً في نفس الوقت. يمكن أن يصدق في جملة ما ثم يكذب في الجملة التي بعدها، ولكن أن يكون صادقاً كاذباً في نفس الجملة هذا لا يمكن. ولكن الإنسان قد يحتال على غيره فيوهمه حتى باجتماع النقيضين، شوف الأخطاء، الذهن قد تصل إلى مرحلة يقنعك بوجود الممتنع بوجود المستحيل، كما إذا جاء القائل وقال لك -شوف-: "كل كلام اليوم كاذب"، ولم يصدر عنه في هذا اليوم إلا هذه الجملة، هو قال: "كل كلام اليوم كاذب"، وهو في هذا اليوم لم يصدر أي كلام إلا هذه الجملة، فنقول: إن كان هذا المتكلم صادقاً في أنه كاذب اليوم فقد اجتمع الصدق والكذب بلا إشكال، ما معنى أن يكون صادقاً هو أن كلامه كاذب، فصار صادقاً في نفس الوقت الذي هو فيه كاذب! عجيب! اجتمع النقيضان إن كان صادقاً.

طيب، وإن كان كاذباً فما معنى أنه كاذب؟ أن كلامه اليوم ليس بكذب، ما معنى ليس بكذب؟ صدق. إذاً فصار صادقاً وكاذباً في نفس الوقت أيضاً! فقد اجتمع النقيضان، فصار كاذباً في الوقت الذي هو فيه صادق؛ لأنه إن كان صادقاً في أن كلامه اليوم فعلاً كذب وهو لم يصدر إلا هذا الكلام فقد كذب وصدق في آن واحد، وإن كان كاذباً -يعني عندما قال: كل كلامي اليوم كاذب فهو كذب في أن كل كلامه اليوم كاذب، فكل كلامي اليوم ليس بكذب وإنما بصدق- فصار كاذباً وصادقاً في آن واحد.

الذهن قد يقف عاجزاً، نعم يرفض هذه النتيجة انطلاقاً من الواقع الذي يعيشه وهو أن النقيضين لا يمكن أن يجتمعا، من علمه الحضوري على ما سوف نشرح فيما بعد، ولكنه قد يقف عاجزاً لا يستطيع رد مثل هذا الإشكال، وإذا لم يستطع أن يرد مثل هذا الإشكال سوف يتخربط حقيقة، سوف يتلخبط نظام الذهن ولا يعرف كيف يرد مثل هذه الإشكالات، وقد يستفيد المستدل من هذه المغالطة في مسألة عقدية، في مسألة من مسائل العلوم الأخرى، فينتج لنا نتائج فاسدة ونضطر إلى الإذعان بها.

طبعاً أمثلة المغالطات والخطأ في الاستدلالات الفكرية كثيرة لا تحصى، ولذلك فإن هذه الأمثلة سوف نكل شرحها وجوابها إلى دروس أخرى إن شاء الله.

خلاصة مباحث المنطق وموضوعه

خلاصة ما تقدم هو أن المنطق وسيلة لتصحيح أفكارنا، فالمنطق لا يعلمنا كيف نفكر ولا يعلمنا التفكير، وإنما يعلمنا القواعد التي تصحح أفكارنا هذا من جهة.

ومن جهة ثانية، فإن المنطق لا يبحث في أن الإنسان هل هو حيوان أو لا، ولا يبحث في أن بعض الحيوان هل هو فرس أو لا، وإنما يأخذ هذه النتائج مُسلَّمة من وين؟ من علومها. يعني المنطق عندما تقول: العالم متحرك وكل متحرك حادث، هذه القضايا المنطق يأخذها من علومها، فالمنطق يفترض صحة المقدمات. وإذا تلاحظ كل المقدمات التي جئنا بها هنا مقدمات صحيحة، عندما قلنا: الطلاق موقوف على النكاح والنكاح موقوف على رضا الطرفين، هذه مقدمات، المنطق لا يتكفل البحث عن أن الطلاق هل يتوقف على النكاح أو لا، هذا الفقه يتكفله، المنطق يأخذ المقدمات من علومها بنحو مُسلَّم.

ولكنه يبحث عن طريقة الترتيب التي يجب أن نرتب هذه المقدمات بعضها فوق بعض حتى تنتج، ويبحث عن الشروط التي إذا اختلت لم يكن هناك إنتاج ولم يكن هناك وصول إلى المطلوب. ولذلك قالوا إن المنطق لا يبحث عن تصحيح المقدمة وإنما يبحث عن تصحيح طريقة ترتيبها. بعبارة أدق: المنطق لا يبحث عن المادة -ماذا يعني المقدمة؟- وإنما يبحث عن الهيئة، يعني طريقة ترتيب هذه المقدمات. ولذلك ما معنى الهيئة؟ قالوا: الصورة، هيئة الشيء صورته، ولذلك قالوا إن المنطق يبحث عن الصورة ولا يبحث عن الهيئة (عفواً المادة). ومن هنا سمي المنطق الأرسطي بأنه المنطق الصوري، لأنه يبحث عن تصحيح الصورة. المنطق لا يعرف إذا كان المعدن إذا كان الحديد يتمدد بالحرارة أو لا يتمدد، يأخذها من علم التجربة من علم الفيزياء مُسلَّمة، ثم يرتب على أساسها نتائجها.

وسوف يأتي مزيد شرح لمعنى الهيئة والمادة إن شاء الله في الدرس الآتي.

هذا تمام الكلام، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.