منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 10

تحميل Word

010

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، اللهم صل على محمد وآل محمد وعلى أشرف الأنبياء.

قد وصلنا إلى النتيجة التي عقدنا كل الأبحاث السابقة من أجل التوصل إليها، وهي بيان موضوع علم المنطق، بمعنى أن علم المنطق يبحث في أي شيء؟

وقد ذكرنا فيما سبق أن الجواب عن هذا السؤال مبتن على مقدمات ثلاث: المقدمة الأولى أننا لا نشك في أن هناك جملة من التصورات التي تنطبع في أذهاننا.

التصور والتصديق ينقسم إلى ضروري لا يحتاج في حصوله إلى استدلال ونظر وعملية فكرية، وإلى نظري يحتاج إلى هذه العملية الفكرية. فظهر أن هناك نحوين من العمليات الفكرية: عملية فكرية توصلنا إلى صورة لا تستتبع حكمًا، وعملية فكرية توصلنا إلى صورة تستتبع حكمًا. وقد عرفنا فيما سبق أن الحاجة إلى علم المنطق هي تصحيح الأخطاء الواقعة في العمليات الفكرية. وحينئذٍ فحيث كان هناك نحوان من العمليات الفكرية، فإن الخطأ الفكري مرجعه إلى واحد من أمرين: إما خطأ فكري واقع في التصورات المحضة، وإما خطأ فكري واقع في التصورات التي تستتبع حكمًا. وإذا صار هناك خطأان، فنحن نحتاج حقيقة إلى قانونين عاصمتين يعصم كل واحد منهما عن واحد من هذين الخطأين.

فظهر أن المنطق يبحث في أمرين، في قانونين، في بابين؛ وأن الباب الأول يشتمل على جملة من المسائل التي إذا ما عرفناها وراعيناها فإنها تعصم أذهاننا عن الخطأ الواقع في التصورات، والباب الثاني جملة من المسائل كذلك تعصم الذهن عن الخطأ الواقع في التصديقات. فالقانون الأول هو القانون الذي يمكننا من أن نقيم ما إذا كانت تصوراتنا صحيحة أو لا، أو فقل هو القانون الذي يعطينا الطريقة التي نستطيع أن نتصور من خلالها تصورًا صحيحًا. وكذلك القانون الثاني هو الذي يقيم لنا ما إذا كانت تصديقاتنا تصديقات صحيحة أو لا.

أما القانون الأول الذي يعصم الذهن عن الخطأ الواقع في التصورات فيقال له باب المعرف، وإنما سمي هذا الباب معرفًا لأن تصور الشيء ليس إلا عبارة عن تعريفه، أي عن بيان مفهومه، أي عن شرحه، والمعرف سمي معرفًا لأنه يعرف لنا الشيء أي يشرح حقيقته.

وأما الباب الثاني، أي القانون الذي يعصم الذهن عن الخطأ الواقع في التصديقات، فيسمى بباب الحجة، وذلك لأن الحجة بمعنى الدليل، والتصديق لما كان حكمًا فالحكم يحتاج إلى دليل هو الذي رجح أحد الطرفين وإحدى الكفتين.

فيقع الكلام في الباب الأول في طرق التعريف وفي الباب الثاني في طرق الاستدلال والحجاج. ومن هنا إذا ما أردنا أن نعرف أو أن نبين موضوع علم المنطق فنقول إن المنطق موضوعه عبارة عن المجهول التصوري من حيث إنه يوصل إلى معلوم تصوري، والحجة، يعني هو هذا، المعرف والحجة، يعني المعلوم التصديقي... المجهول التصديقي من حيث إنه يوصل إلى معلوم تصديقي.

بيان ذلك: قلنا فيما سبق إن المنطق يبحث عن تصحيح الفكر، والفكر كما عرفنا في الدرس السابق هو عبارة عن حركة، عن مجموع حركات ثلاث للذهن، وهي حركته الذاهبة، ثم حركته الدائرة بين المعلومات، ثم حركته العائدة من المعلومات إلى المجهول. فالذهن ينطلق من المجهول إلى المعلومات المخزونة عنده فيبحث فيما بينها ليرجع بما يجده مفيدًا لحل هذا الإشكال إلى ذلك المجهول. فنحن إنما نبحث في هذا المجهول، ولكن لا نبحث عنه بما هو هو، وإنما نبحث عنه من حيث إننا نريد أن نتوصل منه إلى معلومة... معلومة.

فيقال إن المنطق يبحث في المجهول التصوري من حيث إنه يوصل إلى معلوم تصوري، ويبحث في المجهول التصديقي -إذا كانت القضية المشكلة تصديقية فهي مجهولة بالنسبة إلينا- فنحن نبحث في هذا المجهول ولكن من حيث إننا نريد أن نصل منه إلى معلوم تصديقي. وهذه الحيثية في التعليم، يعني لا يمكن أن يقال إن موضوع علم المنطق هو التصور والتصديق؛ لأن المنطق لا يبحث في التصورات، الأمور المتصورة لا يبحث فيها المنطق، وإنما يبحث المنطق في الأمور التي هي مجهولة إما تصورًا وإما تصديقًا، من حيث إنه يريد أن يرتب استدلالات وطرقًا ليصل من خلالها إلى معرفة تلك المجهولات.

فلا يقال إن المنطق يبحث في التصور والتصديق، فالمنطق لا يبحث عن في الأمور المتصورة، تمام؟ وإنما يبحث في الأمور التي هي إما مجهولة تصورًا وإما مجهولة تصديقًا، جيد؟ ليش؟ لأنه إذا كانت الأمور متصورة فلا يوجد حركة فكرية حينئذ، لأن أول حركة من حركات الفكر هي الانتقال من المجهول إلى المعلوم أو إلى المعلومات المخزونة. فموضوع علم المنطق المجهول التصوري من حيث إنه يوصل إلى معلوم تصوري، هذا هو المعرف، وموضوع علم المنطق أيضًا المجهول التصديقي من حيث إنه يوصل إلى معلوم تصديقي، وهذا هو الحجة. فللمنطق حقيقة موضوعان وليس موضوعًا واحدًا، واحدًا، واحدًا تمام؟ جيد.

هذه الحيثية في قولنا: «المجهول التصوري من حيث إيصاله إلى معلوم تصوري»، هذه الحيثية هي التي تدلل لنا على أن المنطق آلة، فإن بحثنا في المجهولات التصورية ليس بحثًا لنفس هذه المجهولات التصورية ولأجل ذاتها، وإنما نبحث فيها بما هي آلة توصلنا وتمكننا من معرفة ذلك المجهول التصوري فينقلب معلومًا تصوريًا، ولذلك هذه الحيثية ضرورية في تعريفنا وفي بياننا لموضوع علم المنطق. جيد، يعني نبحث عن هذا المجهول التصوري بما هو آلة للحصول وللانتقال إلى معلومات...

كيف كان، نقرأ هذا المقدار حتى ندخل في الباب الأول؟ طبعا بقي عندنا مسألة، وهو لماذا تقدم باب المعرف على باب الحجة؟ والجواب في غاية الوضوح؛ لأن باب الحجة باب يبحث فيه عن أصول التصديق الصحيح، والتصديق كما عرفنا عبارة عن تصور يستتبع حكمًا، فالحكم متأخر عن وجود التصور، والحكم على شيء فرع تصوره. ولذلك وجب أن نبحث أولًا عن ضوابط التصور الصحيح حتى يتسنى لنا فيما بعد أن نبحث عن ضوابط الحكم والحجة والاستدلال. طيب، ولذلك يعد الجزء الأول في غاية الأهمية حقيقةً.

قال: «علم المنطق إنما يحتاج إليه لتحصيل العلوم النظرية»، ليش؟ لما عرفنا من أن المنطق يعصم الذهن عن الخطأ الواقعي في الفكر لا عن مطلق الخطا ولو كان خطأ حسيًا. قال: «لانه هو مجموعة قوانين الفكر والبحث، أما الضروريات فهي حاصلة بنفسها»، التفتوا هنا، واقعًا يوجد اشتباه غريب في المقام؛ لأننا عندما كنا نعرف الضروري في الأبحاث السابقة قلنا الضروري هو ما لا يحتاج في حصوله إلى أعمال الفكر، أعمال الفكر، ولم نقل إن الضروري قد هو الذي لا يقع فيه الخطأ، بل غايته أنه لا يحتاج في حصوله إلى عملية فكرية، فإذا ما وقع فيه الخطأ فمرجع هذا الخطأ إلى عملية غير فكرية، كخطأ الحواس أو غير ذلك من أسباب التوجه، من فقد أسباب التوجه التي بيناها.

ولكن الماتن قدس سره عندما تعرض إلى بحث عند إلى كلمة الضروريات ها هنا، وإلى القضايا الضرورية الواقعة في قبال القضايا النظرية، قال: فهي حاصلة بنفسها. أي كأن هذه القضايا لا يمكن أن يتسلل الخطأ إليها. ليش؟

هناك اصطلاح آخر للبديهي سوف يأتي معنا في آخر الجزء أو في الجزء الثالث من هذا الكتاب، وهو أن البديهي هو ما لا يمكن وقوع الخطأ فيه، ويقال لهذه القضايا البديهية إنها الأوليات، وإنما سميت بالاوليات لأنها تقع في الدرجة الأولى من التعقل، فهي أول شيء يتعقله الذهن، وكل المعارف البشرية لابد أن ترجع إلى هذه الأوليات، فإن صح رجوع القضايا إلى الأوليات فهي قضايا صحيحة، وإن لم ترجع إليها فهي قضايا فاسدة.

والأوليات إنما سميت أوليات أيضًا؛ لأن هذه القضايا الأولية يحصل عليها الذهن البشري حتى من دون الاتصال بالخارج، فلا نحتاج في تحصيلها إلى التجربة وإلى الحواس، ولذلك تسمى هذه الأوليات الأوليات أيضًا بأنها قبليات، لكونها سابقة على الحس والتجربة، فالذهن حتى من دون أن يتصل بالخارج يستطيع أن يدرك مثل هذه القضايا.

طيب، وهذه القضايا الأولية لا يمكن أن يتسلل إليها الخطأ، ليش؟ قالوا: لأن هذه القضايا المحمول فيها منتزع من نفس مفهوم الموضوع. التفتوا، كل قضية فهي مركبة من طرفين ونسبة بين الطرفين، المنسوب إليه من هذين الطرفين يسمى في علم المنطق موضوعًا، والمنسوب يسمى محمولًا، كما أنه في علم النحو المنسوب إليه نسميه مخبرًا عنه والمنسوب نسميه خبرًا، فالمخبر عنه هو المبتدأ والمنسوب هو الخبر، ففي قولنا: زيد قائم، زيد نسب إليه القيام فزيد هو المخبر عنه، هذا في النحو فهو الموضوع. وقائم القيام هو الذي نسبناه إلى زيد فهو الذي حملناه على زيد.

فيقال: كل قضية تتركب من موضوع ومحمول ونسبة بين الموضوع والمحمول، تمام؟ يعني كل قضية حتى تكون قضية لابد لها من طرفين. تمام. ومعنى أن تكون القضية كاذبة هو أن يكون هذا المحمول بحيث لم يثبت واقعًا لـ... لذلك الموضوع، كما إذا لم يكن زيد قائمًا في الخارج وإنما كان قاعدًا. تمام؟

إذا اتضح ذلك فيقال إن القضايا البديهية الضرورية الأولية القبلية -كلها تسميات لشيء واحد- هذه القضايا لا يمكن أن تقبل الخطأ. ليش؟ قالوا: لأنه لا يوجد عندنا اثنينية في الواقع وحقيقة. ليش؟ لأن المحمول في القضية الأولية يكون منتزعًا من نفس مفهوم الموضوع. أعطيك مثالًا، الآن إذا قلنا لكم: النقيضان لا يجتمعان، هذه قضية مركبة من موضوع هو التناقض أو النقيضان ومن محمول وهو قولنا لا يجتمعان. التفت، إذا سألتك: ما معنى النقيضين؟ ماذا تجيب؟ ما معنى النقيضين؟ سوف تقول: هما اللذان لا... لا يجتمعان. فإن نفس تصورك لمعنى التناقض، جيد؟ يكفي للحكم بأنهما لا يجتمعان. فحقيقة ليس هناك شيئان، ليس هناك زيد والقيام ويصح أن يكون زيد قائمًا ويصح أن لا يكون قائمًا، لا يوجد شيء واحد وهو التناقض، فأنت بمجرد أنك... أنك افترضت وجود تناقض فقد افترضت عدم الاجتماع، فالمحمول منتزع من نفس مفهوم الموضوع، لا أنك جئت به من خارجه وأثبته له، بعبارات ثانية: كلما تصورت النقيضين فقد حكمت ضمنًا بأنهما لا... لا يجتمعان، فلا يكون هناك اثنينية حتى يصح... حتى نقول إن هذا المحمول هل يثبت لموضوعه أو لا يثبت؟ هو شيء واحد، انتزعنا من ذلك الشيء الواحد خصوصية فنسبناها إليه، فهي لا تنفك عنه.

ولذلك بمجرد أن تفترض أن هناك نقيضين فأنت... فما معنى أن يكون هناك... ما معنى النقيضين؟ ما معنى التناقض؟ هما الأمران اللذان لا يجتمعان، فالمحمول منتزع من نفس مفهوم الموضوع، ولذلك مثل هذه القضية لا يمكن أن يتسلل إليها الخطأ كما لا يمكن أن يبرهن عليها على ما سنشرح في مباحث لاحقة.

ومن هنا قالوا إن النظري هو الذي يقبل الخطأ والضروري لا يقبل الخطأ، فالنظري علامة صحته أن يصح إرجاعه إلى القضية الضرورية، ولذلك كل استدلال علامة صحته هو أن يصح إرجاعه إلى مبدأ عدم التناقض.

مثال آخر للقضايا الأولية: عندما تقول: المعلول يحتاج إلى علة. هل نلتفت؟ دعك من كلمة يحتاج إلى علة، ما معنى المعلول؟ معلول على اسم... اسم مفعول، ما معنى معلول؟ هو الذي له علة، وأنت بمجرد أنك... أنك قد افترضته معلولا فقد افترضت أن له علة، ولذلك نفس هذا الموضوع تصوره يكفي لانتزاع ذلك المحمول منه.

وهذا بخلاف قولنا: زيد قائم، لأنك مهما تصورت زيدًا فإن تصورك لزيد لا يستبطن القيام، إذ لا تنافي عند العقل بين تصور زيد وبين تصور كونه قاعدًا، أو كما إذا قلت: الكون متحرك أو الكون حادث أو الكون قديم، ما شئت فعبر من ما شئت فأتي من القضايا، لا يوجد... لا يوجد تنافي بين أن تتصور الموضوع وتتصور النقيض... المحمول، لا يوجد مشكلة.

ولكن في قولك: المعلول يحتاج إلى علة، بمجرد أنك قد افترضت معلولًا أن... أنك قد افترضته معلولًا، فما معنى كونه معلولًا؟ أن يكون له علة، فقولك يحتاج إلى علة فيما بعد ليس إلا محمولًا منتزعًا من نفس مفهوم موض... وهذا هو المعنى الذي كان ينبغي للماتن قدس سره أن يركز عليه، فيقول إن التصورات على قسمين... التصورات والتصديقات يعني إما تصورات ضرورية لا يتسلل إليها الخطأ الفكري أساسًا، وإما تصورات نظرية يتسلل إليها الخطأ، جيد؟ وهذه القضايا النظرية حتى نضمن سلامتها فلا بد أن نرجعها إلى... إلى الضروريات.

كيف كان؟ قال: «أما الضروريات فهي حاصلة بنفسها بل هي رأس المال الأصلي لكاسب العلوم»، والله لكاسب العلوم، عندكم كاسب... كاسب العلوم، نعم، هي رأس المال الأصلي لكاسب العلوم، من هو كاسب العلوم؟ المنطق هو الذي يمكن من كسب العلوم. طيب، أو لكاسب العلوم إذا أراد الشخص الذي يريد أن يكسب العلوم. طيب، يكتسب به... ليكتسب به ليربح المعلومات النظرية المفقودة عنده، فإذا اكتسب مقدارًا من النظريات زاد رأس ماله بزيادة معلوماته فيستطيع أن يكتسب معلومات أكثر؛ لأن ربح التاجر عادة يزيد كلما زادت ثروته المالية، وهكذا طالب العلم، كلما اكتسب تزيد ثروته العلمية وتتسع تجارته فيتضاعف ربحه، بل تاجر العلم مضمون الربح بالاكتساب لا كتاجر المال حيث يمكن أن يتعرض إلى خسارت في تجارته.

قال: «وعلم المنطق يبحث عن كيفية تأليف المعلومات المخزونة عنده»، شوف لي، انظر إلى هذه اللام، هذه اللام لام التعليل وهي التي تدل على آليات علم المنطق. قال: يبحث عن كيفية تأليف المعلومات المخزونة، يعطيك الطرق التي تمكننا من ضم هذه المقدمة المعلومة إلى تلك المقدمة المعلومة على نحو ينتج شيئًا لم نكن نعلمه في رتبة سابقه، ليتوصل بها إلى الربح بتحصيل المجهولات وإضافتها إلى ما عنده من معلومات. فيبحث تاره عن المعلوم التصوري ويسمى المعرف للتوصل به إلى المجهول التصوري، جيد؟ ويبحث أخرى عن المعلوم التصديقي ويسمى الحجة اليسرى... يتوصل به إلى العلم بالمجهول التصديقي.

والبحث عن الحجة بنحوين، يعني في التصديقات تارة نبحث عن الهيئة، هيئة القضايا، وتارة نبحث عن... عن المادة، تارة نبحث في نفس هذه القضية وتارة نبحث في طريقة ترتيبها مع قضية أخرى، مع قضية أخرى بمعزل عن مضمون هذه القضية تمامًا؟

قال: «والبحث عن الحجة بنحوين تارة من ناحية هيئة تأليفها» -قد بينا ما هو المراد من الهيئة والمادة في دروس سابقة- «وأخرى من ناحية مادة قضاياها». هذه العبارة توهم أن المنطق يبحث في مادة القضية، ولكن سوف يأتي معنا أن المنطق لا يبحث في مادة القضية. قال: «وهوه بحث الصناعات الخمس»، وهذا يأتي في الجزء الثالث من الكتاب، ولكل من البحث عن المعرف والحجة مقدمة.

فأبحاث المنطق نضعها في ستة أبواب:

الجزء الأول: الباب الأول في مباحث... يعني الجزء الأول يعني المعرف وفيه أبواب ثلاثة:

الباب الأول في مباحث الألفاظ، وهذه مقدمة لأبحاث المنطق.

الباب الثاني في مباحث الكلي، وهذه مقدمة لباب المعرف، إلى الآن لم نصل إلى باب المعرف.

الباب الثالث في المعرف وتلتحق به القسمان، هذا هو المعرف حقيقةً.

الجزء الثاني قال:

الباب الرابع في القضايا وأحكامها، وهذه مقدمة لباب الحجج.

الباب الخامس في الحجة وهيئة تأليفها.

الجزء الثالث، وهو الباب السادس في الصناعات الخمس، وهذا الباب ليس في... ليس ضروريًا جدًا، وإن كان فيه باب البرهان فقط هو الضروري.

مباحث الألفاظ مقدمة ضرورية

طيب، يقول يقع الكلام في الجزء الأول ولذلك قال شوف الجزء الأول في التصورات، ليش؟ أي في الضوابط والطرق التي إذا ما روعيت حصل لنا قدرة على التصور... على التوصل إلى تصور صحيح، جيد. وقد عقد الماتن في هذا الباب الأول أو في هذا الجزء بابًا أولًا تحت عنوان مباحث الألفاظ.

بيان ذلك أن علم المنطق كما عرفنا إنما يبحث عن الأخطاء الواقعة في الفكر، والأخطاء التي تقع في الفكر لا ارتباط لها حقيقة بالألفاظ، ولا ارتباط لها بعالم اللغة؛ لأن الخطأ الفكري هو الخطأ الذي يحصل على مستوى الذهن، سواء كان هناك لفظ أم لم يكن هناك لفظ، سواء كان هناك لغة أو لم يكن هناك لغة. بعبارة ثانية: علم المنطق يبحث عن ال... عن المعاني، عن المفاهيم الموجودة وين؟ في الذهن، ولا يبحث عن الألفاظ.

ولكن لما كان إيصال هذه المعاني إلى ذهن آخر -بعبارة ثانية، لما كان الإنسان إنسانًا اجتماعيًا بالطابع فهو مضطر إلى تناقل هذه المعاني ونقل المعنى من ذهني إلى ذهنك- لابد له من... من وسيلة، وأفضل تلك الوسائل هي... هي اللغة، فلما كان المعنى بحيث لا يتسنى لنا أن ننقله إلى ذهن الآخرين إلا باللفظ، فإن أي خطأ واقع في اللفظ سوف يؤدي إلى وقوع خطأ في فهم المعنى. فصار للمنطقي حاجة عارضة إلى دراسة مباحث الألفاظ؛ لأن المنطق وإن كان يبحث عن الأخطاء هي... عن الأخطاء الواقعة في المفاهيم وفي المعاني، ولكن لما كان انتقال هذه المفاهيم إنما يتم بطريق... عن طريق الألفاظ، فإن أي خطأ سوف يقع في هذه الألفاظ سوف يؤدي إلى وقوع الخطأ في نفس تلك المعاني، فينشأ الخطأ الفكري إما من نفس فساد العملية الفكرية، وإما من فساد الألفاظ التي انتخبها المتكلم لإيصال أفكاره، فصار الخطأ... صار وقوع الخطأ في اللفظ مفضيًا إلى وقوع الخطأ في المعنى المعنى. والمنطق يبحث عن تصحيح هذه الأخطاء التي تقع في الذهن يعني عن تصحيح المعاني، فدعته الحاجة إلى أن يبحث في مباحث الألفاظ.

إلا أن هذه الحاجة لا تعني أن يكون... أن تكون مباحث الألفاظ داخلة في صميم علم المنطق. نعم، المنطقي يحتاج لضمان صحة أفكاره إلى أن يبحث في الألفاظ، كما يبحث في الأفكار وفي المعاني وفي المفاهيم، ولكن هذه الحاجة لا تعني أن مباحث الألفاظ صارت أساسية ودخيلة في صميم علم المنطق. ليش؟ نقول لأن المنطقي إنما دعته الحاجة إلى دراسة مباحث الألفاظ لأن الإنسان قد اعتمد هذه الطرق طريقةً وهي طريقة الألفاظ على أنها هي الطريقة المثلى لتأدية المعاني، ولو أن الإنسان اخترع فيما بعد وسيلة أخرى لتناقل المعاني غير الألفاظ لما عاد للمنطقي حاجة إلى... إلى هذه المباحث.

وقد عرفنا أن مسائل المنطق وقواعده ليست مسائل مخترعة، وإنما هي قواعد ثابتة ولا... ولا تتبدل. فلنفترض الآن أن اللغة قد زالت وأنعدمت، وأن الإنسان وجد طريقًا للتعبير عن أفكاره أفضل من اللغة، لما عاد للمنطقي أي حاجة إلى دراسة مباحث اللغة؛ لأن المعاني سوف لا يتناقلها الذهن عن طريق التكلم، وهذا هو الفارق الدقيق بين المنطقي واللغة وبين مثل النحو والبلاغة والصرف.

فإن المنطقي يبحث عن المعنى من حيث هو هو، يعني من حيث كونه معنى، غاية الأمر أن اللفظ لما كان هو الوسيلة المعتمدة والوسيلة المثلى لتناقل المعاني، فإنه يبحث عنها بطريق عارض. فلو انتفى علم... تفهم، فلو انتفت اللغة لم تنتف الحاجة إلى علم المنطق؛ لأن اللغة شيء والمعاني شيء آخر، والمنطقي يبحث عن المعنى من حيث هو هو، يعني بما هو معنى بمعزل عن الطرق التي تؤدي هذا المعنى. جيد؟

فإذا ما جاء زمن لم نحتج فيه إلى الألفاظ، سوف تزول هذه المباحث عن كونها مباحث تدرس وين؟ في المنطق. جيد؟ فلو ذهب، يعني اختار وسيلة أخرى سوف نبحث في ضوابط تلك الوسيلة الأخرى لا في الألفاظ. وهذا بخلاف علم النحو، فإن النحو يبحث فيه عن المعنى ولكن من حيث كون اللفظ دالًا عليه، لأننا في النحو عندما نرفع وننصب ونجر لا نرفع وننصب ونجر لأجل مجرد الإيقاع الموسيقي، وإنما نرفع... نرفع لأن الرفع له يدل على معنى لا يدل عليه النصب، وننصب لأن النصب يدل على معنى لا يقتضيه الجر. فهذه الحركات الإعرابية إنما جيء بها لتمييز المعاني، فالنحو يبحث عن المعنى أيضًا ولكن لا من حيث هو هو، بل من حيث كون هذا المعنى قد دل عليه بذلك اللفظ. ولذلك إذا انتفت اللغة لم يعد هناك حاجة إلى علم النحو، فالفرق بين النحو والمنطق مع اشتراكهما في أن كلًا منهما يبحث عن المعنى هو أن المنطق يبحث عن المعنى من حيث هو هو، وأما النحو فإنما يبحث فيه عن المعنى من حيث كون اللفظ دالًا عليه، فلو انتفت اللغة -يعني لو انتفت الألفاظ- لم تعد هناك... لزال علم... انتفع علم النحو من أوله، لا أنه بقي ولم يعد هناك حاجة إليه، لم يعد هناك علم النحو من أول الأمر.

ومن هنا فنحن وإن كنا نؤمن بالحاجة إلى أن ندرس مباحث الألفاظ؛ لأن أي خطأ واقع في اللفظ سوف يؤدي إلى وقوع الخطأ فيْن... وين؟ في المعنى. ولكننا في الوقت نفسه لا نؤمن بأن مباحث الألفاظ صارت من ضمن المسائل المنطقية وداخلة في صميم قواعده.

ولذلك نجد أن مثل هذه المباحث لم تكن موجودة مثلاً على زمن أرسطو، مش لأنه لم يكن هناك لفظ ولم يكن هناك لغة، بل لأن اللغة المتعارفة في ذلك الوقت لم تكن هي اللغة العربية مثلاً، ولذلك في المنطق سوف تتبدل هذه المباحث جيد؟ بتبدل اللغة التي ندرس فيها المنطق جيد. ولذلك قد نتعرض إلى بعض المسائل كمثل (أل) التعريف مثلاً التي لا وجود لها في لغات أخرى، فيبحث في مباحث الألفاظ عن الخصوصيات الموجودة في نفس اللغة التي نريد أن نتعلم المنطق من... من خلالها.

والحاصل أن المنطق كان حقه أن لا يبحث إلا في المعاني، ولكن لما كان تناقل المعاني متعذرًا أو متعسرًا من دون اللفظ دعت الحاجة إلى دراسة مباحث الألفاظ لنحترز عن الأخطاء الواقعة في اللفظ، ليكون ذلك ضمانًا لئلا نقع في أخطاء معنوية.

التطور الاجتماعي والحاجة إلى اللفظ

والحاصل أن الإنسان مفطور على النطق، فهو مفكر بالقوة وبالقابلية، وفي الوقت نفسه فإن الإنسان اجتماعي بالطبع، ومعنى كونه اجتماعيًا أنه يحتاج إلى التعايش مع الآخرين، إما بفرض سلطته أو بالخضوع لسلطة أخرى أو بالتوفيق بين سلطته وسلطة غيره، فيلزمه لذلك وللحفاظ على وجوده يلزمه أن يتناقل المعاني مع الآخرين.

وقد كانت الطريقة البدائية لتناقل هذه المعاني هي أن تحضر المعنى بنفسه، فإذا ما أردت أن تنقل إلى ذهن المخاطب معنى الطاولة مثلاً أتيته بطاولة فرآها فانطبع صورة... فانطبعت صورة هذه الطاولة في ذهنه، فيحصل الانتقال إلى المعنى. هذه هي الطريقة البدائية في ذلك.

إلا أن هذه الطريقة بالإضافة إلى كونها طريقة شاقة فيها عسر -العسر هو الشيء الممكن ولكن مع مشقة- ولكن إلا هذه الطريقة بالإضافة إلى كونها شاقة هي متعذرة، يعني مستحيلة في كثير من... من الأحيان، إذ لا قدرة لأحدنا على أن يأتي بجبل إذا ما أراد أن يحضر معناه مثلاً. أضف إلى ذلك أن كثيرًا من المعاني التي نريد أن نحضرها لا تكون معاني محسوسة، بل إن من المعاني التي نحضرها ما ليس أمرًا وجوديًا كمفهوم العدم والامتناع والاستحالة، فإن مثل هذه الأمور لا وجود لها في الخارج، يا أمر عدمي، فكيف نحضر معانيها في الذهن؟

فدعت الحاجة إلى اختراع وسيلة لنقل تلك المعاني، ومن ثم وجدت اللغة وصُنفت أفضل اختراع على مر البشرية وعمر الإنسانية، فجيء بجملة من الأصوات وانتخب كل صوت فجعل لمعنى من... من المعاني، فحاجتنا إلى الألفاظ إنما هي حاجة إلى نقل المعنى، فالالفاظ آلة ووسيلة لانتقال هذه المعاني، فأي خطأ يقع في الآلة يقع وين؟ في المعنى... يقع في المعنى. هذه هي الحاجة الأولى إلى مباحث الألفاظ، وهي حاجتنا إلى نقل المعاني، فأي خطأ يقع في الألفاظ فهو يسري إلى المعنى... إلى المعنى، انتهى.

الحاجة الثانية لمبحث الألفاظ

ثم إن الماتن قدس سره لا يكتفي، بل يرى أن هناك حاجة أخرى تدعونا إلى دراسة مباحث الألفاظ هي أعظم وأرفع شأنًا من الحاجة الأولى، بل إن هذه الحاجة الثانية قد تكون سببًا في دخول مباحث الألفاظ في صميم علم البحث... المنطق.

شوف كيف الترقي، هذه الحاجة الأولى التي بيناها تدعونا إلى دراسة مباحث الألفاظ حتى لا يسري الخطأ الواقع في اللفظ إلى وقوع خطأ في المعنى الذي نريد أن ننقله، ولكن هذا لا يجعل من الألفاظ أمرًا دخيلًا في صميم المباحث المنطقية. الماتن قدس سره بعد أن يبين لنا هذه الحاجة يقول: هناك حاجة أهم من الحاجة السابقة، بل قد تكون تلك الحاجة الثانية الأعظم سببًا في دخول المباحث في صميم علم المنطق.

بيان هذه الحاجة موقوف على مقدمة، وحاصل هذه المقدمة أننا نتساءل كيف صارت الألفاظ دالة على... على المعنى؟ كيف حصل ارتباط بين اللفظ وبين... وبين المعنى؟ لماذا إذا سمعنا اللفظ فإننا ننتقل إلى... إلى المعنى؟ ولا يمكن أن يكون الجواب لأنني أخبرتك على أنني كلما أتيت بهذا اللفظ فإنني آتي بهذا المعنى؛ فإن الطفل الصغير الرضيع الذي لا يفقه شيئًا من كلامنا عندما يسمع كلمة "ماما" فانه ينتقل إلى... ينتقل إلى ذهنه صورة... صورة أمه، مع أنه لم نأتِ له بهذه المعادلة ونقول له كلما جئنا لك بهذه الكلمة فأنت يجب عليك أن تنتقلي بهذا المعنى. بعبارة ثانية: الارتباط بين اللفظ والمعنى لم يحصل عن طريق التأسيس لمعادلة في رتبة سابقة بأنني كلما جئت لك بهذا اللفظ فأنا أريد هذا المعنى فأنتقل إليه، لا، والا لو كان ذلك لما انتقل الطفل إلى أي معنى من سماع اللفظ إلا بعد أن يفهم هذه المعادلة، مع أن الطفل قد يكون في مرحلة عمرية لا تسمح بفهم هذه المعادلة ومع ذلك نجده ينتقل من اللفظ إلى ال... إلى المعنى، فيدلنا ذلك على أن هناك أمرًا أسبق من هذه المعادلات المركبة هو الذي يجعلنا ننتقل إلى المعنى من خلال سماع اللفظ.

أنواع الانتقال الذهني

كيف كان، سوف نبين المطلب بصورة مختصرة بعض الشيء حتى لا ندخل في تفصيلات تفوق مستوى الكتاب. نقول إن الإنسان فطر على ثلاثة قوانين:

القانون الأول: هو أن ينتقل الذهن من الموجود الخارجي إلى رسم صورته ذهنًا. شوف كما إذا رأيت حائطًا فانطبع في ذهني صورة لذلك، هذا نحو من أنواع... من أنحاء الانتقال والارتباط، أو لا؟ لا شك في أن صورة الحائط لا تحضر في ذهننا لمجرد... من دون أن ننظر إلى الحائط، يعني أول حصول لصورة الحائط في الذهن موقوف على أن نواجه جدارًا وحائطًا في الخارج.

فالانتقال الأول هو الانتقال من الموجود الخارجي إلى صورته في الذهن، أو فقل هو الانتقال من الموجود الخارجي إلى الوجود الذهني. فالحائط الذي هو في عالم الخارج هو الجدار الخارجي، والحائط الذي هو في الذهن هو الجدار الذهني، والفرق بين الموجود الخارجي والموجود الذهني أن الموجود الخارجي هو عين الوجود الذهني... أن تقول لي هذا الحائط الذي في الذهن هو عين هذا الحائط الخارجي؟ نقول: لابد أن يكون عينه، ليش؟ إذ لو كان مغايراً له فنحن لم نعلم بالواقع، كيف تكشف... كيف انكشف لنا هذا الخارج؟ الآن أقول: أنا أعلم بأن هناك حائطًا، إذا لم يكن... إذا كانت هذا الذي في الذهن غير الذي في الخارج فكيف علمت بأن هذا الخارج حائط؟ تمامًا، كمن نظر إلى... كمن نظر إلى واحة أو إلى سراب فظن أن هناك ماء، فالذي ارتسم في الذهن غير الذي ارتسم وين؟ غير الذي هو متحقق في الخارج.

فيقال إن الوجود الذهني عين الوجود الخارجي، إلا أن الوجود الخارجي يترتب عليه الأثر والوجود الذهني لا يترتب عليه الأثر. فالنار التي في الخارج هي النار التي في الذهن، أو النار التي في الذهن هي النار التي في الخارج، سوى أن النار الخارجية منشأ لترتب الأثر، يعني يترتب عليها الإحراق، والنار التي في الذهن لا يترتب عليها الإحراق وإلا احترق الذهن من أول الأمر. تمامًا، طيب. هذا هو النحو الأول من الانتقال: أن ينتقل الذهن من مواجهة الخارج إلى مواجهة صورة ذهنية تحكي عن ذلك الخارجي، والحاكي لابد أن يكون عين المحكي وإلا لم يحكي عنه.

الانتقال الثاني: هو الانتقال من الشبيه إلى شبيهه، وذلك كالانتقال من صورة الكلب المرسومة على الجدار -التفت، نحن لم نرى كلبًا، لم نواجه كلبًا، وإنما رسمنا صورة لكلب، رسمنا هذا الكلب بصورة ثنائية البعد يعني، جيد؟- كالانتقال من هذا الرسم إلى صورة شو؟ إلى صورة الكلب الواقعي؛ فإننا إذا ما رسمنا الآن كلبًا على الجدار، فبمجرد النظر إلى هذه الصورة -مع أن هذه الصورة ليست إلا عبارة عن خطوط، جيد؟- فسوف يحصل انتقال من هذه الصورة إلى ما يشبهها، يعني إلى ذي الصورة، فيحصل انتقال من الشبيه إلى شبيهه، وهذا انتقال فطري أيضًا.

الانتقال من الشبيه إلى شبيهه هو الذي يسمى في كلماتهم بتداعي المعاني، كثيرًا من الأحيان تكون نتحدث عن مسألة فتجرنا إلى مسألة أخرى لوجود مشابهة بين المسألتين، فيقال إن المعاني قد تداعت لوجود المشابهة.

الانتقال الثالث: هو الانتقال من شيء إلى شيء بسبب وجود اقتران أكيد بينهما، أي الانتقال من أحد الشيئين إلى الآخر بسبب تكرر وجودهما معًا غالبًا، فيحصل اقتران بين الصورتين ولو لم تكن الصورة الأولى بحيث تشبه الصورة الثانية، لا يوجد شبه، ولكن بسبب كثرة وجودهما معًا فانه يحصل قرن أكيد بينهما. هذا القرن الأكيد هو الذي يمكننا من الانتقال من أحد الشيئين إلى... إلى الآخر.

إذا اتضحت هذه الأنواع الثلاثة من الانتقال فلنطبقها على مثال واحد فنقول: إن لو رأينا أسدًا خارجيًا فسوف ننتقل من هذا الأسد الخارجي إلى صورة لذلك الأسد بالانتقال الأول، وهو الانتقال من الشيء إلى... من الوجود الخارجي إلى وجوده الذهني.

ثم إننا ننتقل من هذه الصورة الذهنية للأسد إلى شيء يقارنها، وما هو الذي يتقارن مع صورة الأسد عادة؟ صوت الأسد، فسوف ننتقل من صورة الأسد إلى... إلى زئيره لوجود علاقة اقتران تأكيد بينهما، مع أن تصور نفس صورة الأسد لا تقتضي... لا تقتضي أن تتصور الزئير.

ناخذ... نأخذ مثالاً آخر: لو جاء شخص ما وأراد... وأصدر صوتًا يشبه صوت الحمار -التفت، أصدر صوتًا، الذي أصدر الصوت هو... هو إنسان، فقد أصدر المتكلم صوتًا يشبه صوت... صوت الحمار- فنحن بالانتقال الأول ننتقل من سماع هذا الصوت إلى صورة ذهنية لأي صوت؟ لنفس صوت الإنسان. انتقال من الوجود الخارجي إلى نفس صورته الذهنية. والذي صوت هو إنسان وليس... وليس حمارًا، فننتقل من هذا الصوت الخارجي ونحفظ لهذا الصوت صورة ونرسم لهذا الصوت صورة وين؟ في الذهن، فقد حصلنا على هذا الانتقال ببركة الانتقال من الوجود الخارجي إلى الوجود الذهني.

ثم ننتقل من هذه... من صورة صوت الإنسان هذا إلى صورة تشبهه، وهي صورة صوت ال... صوت الحمار، وقد حصلنا على هذا الانتقال ببركة تداعي المعاني، وهو الانتقال من الشبيه إلى... إلى شبيهه، تمامًا.

ثم بعد أن حصل عندنا في الذهن صورة لصوت الحمار، ص... شوف، صورة لأي شيء؟ لصوت الحمار، فإننا ننتقل من صوت الحمار إلى صورة الحمار نفسه لوجود قرن وارتباط أكيد بين... بين الطرفين.

إذا اتضحت هذه الأنواع الثلاثة من الانتقالات، فإن الارتباط بين اللفظ والمعنى إنما يحصل عن طريق الانتقال الثالث، الإبداع... الانتقال الثالث والذي هو عبارة عن الاقتران المؤكد بين... بين طرفين، بين شيئين، وإلا اللفظ لا يشبه المعنى، لا معنى لأن نقول إن اللفظ يشبه المعنى، واللفظ ليس وجودًا خارجيًا والمعنى وجود ذهني بهذا المعنى وإلا سوف يأتي، فعندنا أن هناك اقترانًا بين اللفظ والمعنى هو الذي سمح لنا بأن ننتقل من اللفظ إلى المعنى.

ولذلك نجد أن الطفل حتى قبل أن يفقه المعادلات نجده ينتقل ذهنه من سماع كلمة أمه إلى أمه، وليس ذلك إلا لأنه قد تكرر ذكر هذا اللفظ أمامه، واقترن ذكر هذا اللفظ كثيرًا مع وجود أمه في... في جانبه، فحصل علاقة... فحصلت علاقة اقتران اقتران أنه كلما جيء بهذا اللفظ كانت أمي موجودة وين؟ أمامي، فلا بد أن هذا... فيحصل هناك علاقة اقتران مؤكد بين اللفظ وبين المعنى، حتى كان أحدهما صار عين الآخر.

ولذلك تجدون الآن إذا ما قلت لي... إذا ما جئت لي بلفظ أنا لا أتوجه إلى اللفظ أولًا ثم بعد ذلك أنتقل إلى المعنى، وإنما أتوجه إلى المعنى مباشرة، حتى كأن اللفظ صار وجودًا تنزيليًا للمعنى، فكأنك عندما تأتي باللفظ فقد أتيت بالمعنى مباشرة. ليش؟ لوجود هذا الاقتران المؤكد. ولذلك نجد أن اللفظ قد نصفه بالقبح، وليس ذلك إلا لقبح المعنى، كما إذا كان هناك اسم لرجل اسم حسن لرجل ولكن كرهنا لذلك الرجل سوف يؤدي إلى استقباحنا لذلك... لذلك اللفظ، أو كمن أحب لفظًا مع كون هذا اللفظ مما بحيث لا يقتضي أن يكون محبوبًا، وليس ذلك إلا لأنه قد أحب معناه... معناه؛ فمن أحب امرأة ما أحب اسمها وأحب اللفظ الذي يدل عليها مهما كان ذلك... ذلك اللفظ مستقبحًا في نفسه، وكذلك يسري القبح والحسن من المعنى إلى... إلى اللفظ.

فإن ألفاظ العورة هي ليست إلا عبارة عن بعض الألفاظ والحروف الهجائية التي ركبت مع بعضها كما ركبت أي كلمة أخرى، ومع ذلك نجدنا نستقبح الألفاظ الدالة على العورة، وليس ذلك إلا لأن القبح قد نشأ من... من المعنى. فصار هناك اقتران مؤكد بين اللفظ والمعنى، بحيث أن أحدهما ليس إلا وجودًا تنزيليًا للآخر.

ولذلك نجد من أنفسنا أيضًا أننا حتى لو لم نرد نقل المعاني ولم نرد أن نفهم معانيًا... معاني لأحد، لا نريد أن ننقل المعاني، حتى إذا ما أردنا أن نفكر بيننا وبين أنفسنا، فإننا عندما نستحضر المعنى نستحضره بألفاظ ذهنية. الآن أنت استحضر معنى الحائط، سوف تجد أنك رسمت كلمة الحائط وين؟ في ذهنك. اه، وهذا هو مربط الفرس في كلام الماتن خلّي... سسره... قدس سره، فإنه لما كان هناك ارتباط مؤكد وقرن أكيد بين اللفظ والمعنى، صار بسبب هذا الاقتران صار الإنسان يعجز عن تصور المعنى لنفسه وبنفسه من دون أن يتصور معه لفظه... لفظه الدال عليه.

ولذلك عندما نريد أن نفكر بالمعاني فإننا نرسم ألفاظًا ذهنية وين؟ في أذهاننا، حتى لو لم نرد أن ننقل هذه المعاني إلى أحد، فصارت أصل عملية التفكير بحيث لا تنفك عن اللفظ. بخلاف الحاجة الأولى، نحن لماذا احتجنا إلى اللفظ؟ فقط لننقل المعاني، فلو أنني أردت أن أفكر لوحدي ولا أريد أن ننقل المعاني فانا لا أحتاج إلى...

من خلال هذه الحاجة الثانية صار نفس إحضار هذه المعاني في ذهني، جيد، هو إحضار لهذه المعاني عن طريق إحضار ألفاظها الذهنية، فصارت عملية التفكير حتى من دون التناقل للمعاني صارت عملية التفكير بحيث لا تنفك عن وجود الألفاظ الذهنية، ولذلك إذا كان هناك خطأ في تلك الألفاظ الذهنية فأنا أكون قد استحضرت هذه المعاني بطرق خاطئة حتى لو لم أنقلها إلى الغير. وبهذا تزداد الحاجة إلى دراسة مباحث الألفاظ. تطبيق هذا المطلب وبيان بعض الأمور يأتي إن شاء الله غدًا، والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.