منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 100

تحميل Word

100

قد عرفنا أن البرهان لا يكون إلا قياساً، وأن كل قياس فلابد أن يشتمل على حد أوسط، يكون ذلك الوسط هو السبب في ثبوت المحمول لموضوعه. فلما كان البرهان لا ينفك عن وجود حد أوسط، صح تقسيم البرهان باعتبار ذلك الحد الأوسط إلى قسمين، والكلام ههنا عن البرهان اللمي الذي يكون الانتقال فيه من العلة إلى المعلول، أو فقل الذي يكون الحد الأوسط فيه واسطة في الإثبات وفي الثبوت كذلك.

والحاصل أن البرهان اللمي ينقسم باعتبار هذا الحد الأوسط إلى قسمين؛ وذلك لأن الحد الأوسط الواقع بين الأصغر الذي هو موضوع النتيجة وبين الأكبر الذي هو محمول في النتيجة، هذا الحد الأوسط تارة يكون سببا لوجود الأكبر في نفسه بمعزل عن الأصغر، وحينئذ فعندما ينوجد الأصغر مع وجود الأوسط سوف ينوجد الأكبر ويثبت للأصغر. فالحد الأوسط علة لوجود الأكبر في نفسه أي بمعزل عن وجود الأصغر وعدمه، كلما وجد ذلك الأوسط وجد الأكبر، غاية ما في الأمر أن الأصغر عندما يقارن وجود الأوسط، فلا بد أن يكون وجود الأكبر ثابتاً حينئذ للأصغر. فالحد الأوسط هو الذي اقتضى وجود الأكبر، هو الذي أفاض الوجود على الأكبر، هو الذي أوجده.

وتارة ثانية لا يكون الأوسط علة لوجود الأكبر، فالأكبر ليس الذي يوجده ويعطيه الوجود هو الأوسط، لا، غاية ما في الأمر أن الأوسط يكون سبباً لثبوت الأكبر للأصغر، لا لوجود الأكبر في نفسه. هو سبب إلى انتساب، هو علة لا لوجود الأكبر في نفسه، الذي يوجد الأكبر علة من الخارج، ولكن الأكبر بعد وجوده ليس بالضرورة أن ينوجد للأصغر، فيأتي الأوسط ويوجد الأكبر يعني يفرض ضرورة الثبوت الأكبر للأصغر.

إذا اتضح ذلك، وسوف يأتي أمثلة لهذين النحوين، فإننا عندما نقول إن الحد الأوسط وهو الذي يعطي النتيجة، وهو الذي يكون واسطة في الثبوت، لا نريد من الواسطة في الثبوت ما كان الحد الأوسط فيه علة للأكبر، بل نريد ما كان الأوسط علة لثبوت الأكبر للأصغر، سواء كان علة للأكبر في نفسه أو لم يكن علة للأكبر في نفسه، فكل حد في البرهان اللمي يكون يعني كل حد أوسط هو واسطة في الإثبات، فالقدر المتيقن منه أنه علة لثبوت الأكبر للأصغر، سواء كان علة لنفس الأكبر في نفسه أو لم يكن علة لذات الأكبر في نفسه، فالقدر المتيقن من البرهان اللمي ومن الواسطة في الثبوت هو أن الحد الأوسط هو الذي يقتضي الأكبر للأصغر؛ يعني يقتضي الأكبر بعد ثبوته للأصغر، سواء كان هذا الأوسط هو علة وجود الأكبر في نفسه -كما أن النار هي التي توجد الحرارة مثلاً- أو لم يكن كذلك، لم يكن علة له. ومن هنا ينقسم البرهان اللمي إلى قسمين.

أقسام البرهان اللمي المطلق وغير المطلق

لأن الحد الأوسط الذي هو علة لثبوت الأكبر للأصغر على كل تقدير في البرهان اللمي، إن كان علة للأكبر في نفسه أيضاً فهذا برهان لمي مطلق؛ لأن العلية فيه على إطلاقها، وهو الذي أوجد الأكبر وهو الذي أوجده للأصغر. وأما إذا كان الحد الأوسط علة لثبوت الأكبر للأصغر ولم يكن علة لوجود نفس الأكبر في نفسه فهذا برهان لمي غير مطلق.

مثال الأول قولنا: هذه الحديدة ارتفعت حرارتها، وكل حديدة ارتفعت حرارتها تتمدد. التفت الآن، الحد الأوسط في هذا المثال هو ارتفاع الحرارة أو ارتفاع حرارة الحديدة، وارتفاع حرارة الحديد علة لنفس التمدد، علة للأكبر في نفسه، هو الذي يوجد التمدد، غاية ما في الأمر أن هذا الأوسط أوْجد التمدد وأوجده لهذه الحديدة، فهو علة لثبوت الأكبر للأصغر وعلة لوجود الأكبر في نفسه، ويقال له برهان لمي مطلق؛ لأن ارتفاع الحرارة هو الذي يوجد التمدد بمعزل عن أنه يوجده لهذه الحديدة أو لتلك، فهو الذي أوجد الأكبر في نفسه أي بمعزل عن تصور الأصغر وهو هذه الحديدة بعينها، ثم لأنها الأصغر فرد من أفراد مطلق وكلي الحديد صار الأكبر ثابتاً للأصغر كذلك.

ولكن في بعض مفردات البرهان اللمي لا يكون الأوسط هو الذي أوجد الأكبر، غاية ما في الأمر أنه أوجد الأكبر للأصغر. ليس هو الذي يفيض الوجود على الأكبر، ولكن الأكبر بعد وجوده فإن الأوسط يقتضي ثبوته للأصغر ويكون هو علة الثبوت.

مثاله قولنا -الأمثلة كثيرة الآن، جاء الماتن (قدس سره) بجملة من الأمثلة لنأخذ مثالاً ونكتفي به-: قال هذه الخشبة تتحرك إليها النار، وكل خشبة تتحرك إليها النار فإنها توجد في النار. الحد الأوسط ها هنا هو الحركة، هذه الخشبة -شوف- تتحرك إليها النار وكل خشبة تتحرك إليها النار فإنها توجد في النار. طيب، التفت، الحركة ها هنا ليست علة لوجود النار. ليست الحركة -عفوًا، نعم- الحركة ليست هي التي توجد النار، ولكن الحركة سببت إلى وجود النار في الخشب، تمام؟ طيب، الآن أنت تقول هذه الخشبة تتحرك إليها النار، وكل خشبة تتحرك إليها النار، هذا هو الموضوع -شوف- توجد في النار. تمام؟ الحركة ليست هي التي سببت إلى وجود النار، ولكنها سببت إلى وجود النار في الخشبة. الحركة لا توجد النار، ولكن حركة النار هي التي سببت إلى وجودها في الخشبة. الآن الأمثلة يمكن أن نناقش فيها كثيراً؛ ليش؟ لأنه المحمول ها هنا ليس هو وجود النار، هو الوجود في النار. على كل حال، طيب.

مثال آخر، قال: المثلث زواياه تساوي قائمتين، تمام. المثلث يساوي زاويتين قائمتين، يعني الزاوية القائمة 90 درجة، الزاويتان، الزاويتان القائمتان 180 درجة. المثلث يساوي زاويتين قائمتين، تمام. وكل ما يساوي الزاويتين قائمتين فهو نصف زوايا المربع؛ لأن المربع أربع زوايا قائمة. الأوسط ها هنا هو عبارة عن الزاويتين القائمتين أو فقل مساواة القائمتين، ولكن مساواة القائمتين ليس علة لانتصاف زوايا المربع، ليس هو الذي يوجد انتصاف زوايا المربع، ولكنه يثبت هذا المحمول وهو نصف زوايا المربع لموضوعه وهو زوايا المثلث. كيف كان؟ لا نريد أن نناقش في الأمثلة كثيراً، من الأمثلة التي جاء بها قال: هذا الحيوان غراب، وكل غراب أسود. شوف، الغرابية ليست علة للسواد، وإن كان كل غراب فهو أسود، جيد؟ ولكن السواد الآن هو لا نعرف ما هي علة السواد في الغرابية، لذلك قلت الأمثلة يناقش فيها.

طيب، التفت، هذا الغراب أو هذا الحيوان غراب وكل غراب أسود، الأوسط ها هنا هو الغراب والأوسط، والغرابية ليست سببا -لو سلمنا أنها ليست هي التي تسبب السواد- ولكنها توجد السواد، تثبت السواد للحيوان، هي العلة التي لأجلها ثبت السواد للحيوان، فيكون فيكون الأوسط ههنا ليس علة لوجود الأكبر في نفسي، وإنما هو علة لوجود الأكبر للأصغر، وهذا هو القدر المتيقن من كل برهان لمي.

والحاصل بمعزل عن الأمثلة، والحاصل أن عندما نريد من البرهان البرهان اللمي وأنه انتقال من العلة إلى المعلول، وأن يكون الأوسط علة في الثبوت، فنريد من كونه علة في الثبوت لا أن يكون علة في وجود الأكبر وثبوته، بل المراد كونه علة في ثبوت الأكبر للأصغر، أي أنه هو الذي يعطي وجود الأكبر للأصغر، لا أنه يعطي وجود الأكبر في نفسه، سواء كان علة لوجود الأكبر في نفسه أيضاً أو لم يكن كذلك. طيب، هذا تمام الكلام في المطلب الأول.

حقيقة العلة التامة وأقسام العلل الأربع

المطلب الثاني: قد عرفنا أن البرهان اللمي يكون الأوسط فيه واسطة في الثبوت، أي يكون الأوسط فيه علة علة، ولكي يتم ذلك البرهان اللمي، فلا بد أن تكون هذه العلة علة تامة، حتى يصح حينئذ الانتقال منها إلى إلى معلولها وهو ثبوت الأكبر للأصغر. بيان ذلك أن العلة تقال على نحوين:

النحو الأول: ما يكون وجوده مستلزماً لوجود ما يتوقف عليه، كالنار التي إذا وجدت وجب أن توجد الحرارة ولا تنفك عنها، فيقال إن النار علة تامة لحصول الحرارة؛ لوضوح أنك بمجرد افتراض وقوع النار فلا بد أن تكون الحرارة قد وقعت معها. فالمراد إذاً النحو الأول هو العلة التامة، ويراد من العلة التامة هي العلة التي إذا وجدت استلزمت وجود معلومة مباشرة من غير انفكاك.

ولكن هذه العلة قد تكون مركبة من جملة من الأمور، فيصدق على كل جزء من أجزاء العلة أنها بحيث يتوقف وجود المعلول عليها، فلو كانت العلة مركبة من ثلاثة أجزاء مثلاً ونحن نعلم أن المركب يتوقف على أجزائه، فالمعلول متوقف على وجود علته، والعلة متوقفة على وجود أجزائها، فيصدق أن المعلول متوقف على كل جزء من هذه الأجزاء الثلاثة، إذن المركب عين أجزائه المجتمعة، وحينئذ يصح أن يقال لكل جزء من أجزاء هذه العلة إنه علة، ولكن لا بمعنى ما يلزم من وجوده وجود معلوله، بل بمعنى ما يتوقف وجود المعلول عليه. فالعلة التامة هي التي يلزم من وجودها وجود المعلول من دون انفكاك، والعلة الناقصة كأجزاء العلة التامة كل جزء من هذه الأجزاء يصدق أنه سبب في وجود المعلول ولكنه ليس سببا لوحده بل هو سبب إذا اجتمعت معه سائر الأجزاء، فالجزء العلة يصدق أنه علة ولكن لا بمعنى أنه ما يلزم من وجوده وجود المعلول؛ إذ لو وجد جزء واحد من دون أن تنوجد الأجزاء الأخرى لم تنوجد العلة التامة فلا ينوجد المعلول، جيد، ولكن يصدق على جزء العلة أنه علة ولكن بمعنى آخر، وهو ما يتوقف وجود المعلول عليه.

مثال ذلك، إذا أخذنا صنع السرير معلولا، فإنك تسأل: هذا السرير كيف وُجد؟ فيقال لك: إن النجار أوجده، فالنجار سبب في وجود السرير، إلا أنه بمعنى أن السرير لم يكن لينوجد لولا وجود ذلك النجار الذي صنعه، فوجود السرير متوقف على وجود ذلك النجار الذي صنعه، غير أن النجار ليس سبباً تاماً وعلة تامة لحصول السرير، إذ لو كان الأمر كذلك لوجب بمجرد وجود النجار أن ينوجد السرير، فالسرير فالنجار علة بأي معنى؟ بمعنى أن وجود السرير متوقف على وجود ذلك النجار، من جملة ما يتوقف عليه وجود السرير وجود ذلك النجار الذي أقدم على الفعل. فعلية النجار للسرير ليس عليها لا على حد علية واجب الوجود لهذا الكون، ولا على حد علية النار للحرارة، إنما هي علية ناقصة، بمعنى ما يتوقف وجود المعلول عليه، لا أن وجوده يستلزم وجود المعلول مباشرة ومن دون انفكاك، هذا من شؤون العلة التامة.

وذلك لأن النجار لو وجد ولم يكن بين يديه خشب ومسمار، فإنه لا يتسلل له أن يصنع سرير، إذاً فوجود النجار علة لوجود السرير، ولكن لا بمعنى العلة التامة؛ لوضوح أن السرير -يرحمكم الله- كما يتوقف على وجود النجار، -شوف- كذلك يتوقف على وجود الخشب والمسمار، إذ لو لم يكن هناك خشب ومسمار لم يكن ليكون هناك سرير. فصار الخشب والمسمار وهما مادة -شوف- مادة هذا المعلول، الأجزاء والعناصر التي يتركب منها المعلول هي أيضاً دخيلة في التسبيب إلى وجوده. وأيضاً حتى لو فرضنا أن هناك نجارا وأن هناك خشبا، هذا لوحده ليس كافيا لصنع سرير ما لم يقدم النجار على ترتيب الخشب والمسمار على هيئة وصورة مخصوصة، لم يكن ليكون هناك سرير. فصار وجود السرير موقوفا على وجود النجار، وعلى مادة السرير من الخشب والمسمار، وعلى أن يقوم النجار بترتيب هذه الأجزاء على صورة مخصوصة. وللسرير في وجوده توقف على شيء رابع، وهو العلة الغائية أو الغاية، وهو أن يكون للنجار لكونه عاقلاً مختاراً، والمختار لا يقدم على الفعل إلا لغرض، تمام؟ والنجار حتى يقوم بالفعل -بعبارة ثانية- غير موقوف على أن يقوم النجار بالفعل، بهذا الفعل، بهذا بترتيب المادة، بترتيب الأجزاء على صورة مخصوصة، والنجار لكونه مختاراً، والمختار لا يفعل إلا لغرض، فالنجار لا يقدم على هذا الفعل إلا إذا كان هناك غرض باعث على ارتكاب ذلك الفعل، فلا بد أن يكون عنده غرض يدعوه إلى ارتكاب هذا الفعل. نفترض هذا الغرض أنه يريد أن ينام مثلاً أو يريد أن يرتاح في جلوسه أو نومه إلى آخره.

فصار لوجود السرير توقف على أمور أربعة؛ يتوقف أولاً على وجود النجار، ولكن النجار بمجرد وجوده لا يلزم من ذلك وجود شيء، يلزم من ذلك وجود السرير وإلا يلزم أن ينوجد السرير عند ولادة النجار مثلاً، تمام؟ ثم يتوقف ثانياً على أن يكون هناك خشب ومسمار، وثالثاً على أن يقدم النجار على فعل وهو أن يقوم بترتيب هذه المواد على صورة مخصوصة، ويتوقف رابعاً على، لأنه يتوقف على أن يقوم بهذا الفعل، والفعل لا يقوم به المختار إلا لغرض، ويتوقف على أن يكون هناك غرض قد دعاه إلى ارتكاب هذا الفعل، هذا الفعل.

إذا اتضح ذلك، فإن وجود النجار يقال له علة فاعلية؛ لأنه هو الذي أقدم على الفعل، ويقال للعلة الفاعلية ما منه الوجود؛ لأن وجود السرير حصل من النجار، ويقال: علة فاعلية، تمام؟ ويقال للخشب والمسمار إنه العلة المادية؛ لأنه ما فيه الوجود؛ لأن وجود السرير إنما هو في هذه المكونات فهي علة مادية لأنها الخشب والمسمار عبارة عن المادة التي يتشكل منها يعني الأجزاء والعناصر التي يتشكل منها المعلول، ويقال للصورة المخصوصة التي يقوم النجار بترتيب المواد على أساسها العلة الصورية ويقال لها ما به الوجود، بهذه الهيئة يحصل الوجود، ويقال للغرض الذي يدعو النجار إلى ارتكاب فعل إنه علة غائية، أي الغاية والغرض الذي يحرك النجار نحو ارتكاب هذه الصورة من تلك المواد، ويقال للعلة الغائية ما له الوجود، يعني ما لأجله وجد السرير.

إذاً قد عرفنا ذلك، فعندما يكون الحديث عن الأمور المادية لا عن المجردات، فالعلة التامة تتركب من علل أربعة، من أجزاء أربعة، من علة فاعلية هي التي تسبب الوجود، ومن علة مادية وهي التي تكون أجزاء ذلك المعنى، ومن علة صورية وهي عبارة عن ترتيب تلك الأجزاء من قبل العلة الفاعلية على هيئة مخصوصة، ومن علة غائية وهي التي تدعو إلى تدعو العلة الفاعلية إلى ارتكاب فعلها، أما العلة الغائية فهي ما له الوجود، والعلة الفاعلية ما منه الوجود، العلة الصورية ما به الوجود، والعلة المادية ما فيه الوجود، وهذا المثال يمكن تطبيقه على أي علة ومعلول مادي.

الآن إذا أخذنا البناء والبيت، الحجارة هي العلة المادية، وترتيب البناء لهذه الحجارة على الهيئة المخصوصة هي العلة الصورية، تمام؟ ونفس البناء هو العلة الفاعلية، والغرض الذي دعاه إلى ارتكاب ذلك الفعل هي العلة الغائية، ولذلك نقول إن البناء علة لوجود البناء فلا نريد أنه علة تامة؛ لأن البناء لوحده ليس إلا علة فاعلية، والعلة الفاعلية يتوقف وجود المعلول عليها، ولكن وجوده لوحده لا يستلزم وجود المعلول؛ لأن وجود الجزء لا يستلزم وجود الكل، والمعلول إنما توقف على ذلك الكل لا على جزء من أجزائه.

وهذا بخلاف ما إذا كان الحديث في العلة والمعلول عن الأمور غير المادية لا وجود لهذه لا معنى لهذه الأمور الأربعة، بل العلة الفاعلية هي العلة المفيدة هي العلة التامة، كما في واجب الوجود إنما أمر كن فيكون، يخلق الأمور من العدم لا أنه يؤتى إليه بطين وبدم وبلحم وإلى آخره ثم يصنع منا آدميين، ويخلق الأمور من العدم، فهو علة فاعلية يقال لها العلة الفياضة، هي التي تفيض الوجود وتمنحه وتمنحه، وهذا امر خارج عن كلامنا، لأن كلامنا إنما هو في الأمور في العلة والمعلول على مستوى الأمور المادية.

تركيب الحد الأوسط من العلل الأربع

إذا اتضح ذلك، وأن هناك علة غائية وفاعلية ومادية وصورية، فالحد الأوسط لما كان -في البرهان اللمي طبعا- الحد الأوسط في البرهان اللمي لما كان واسطة في الثبوت أي علة لثبوت الأكبر للأصغر، فلا بد أن يكون ذلك الحد الأوسط علة جامعة لهذه الأجزاء الأربعة، فلو كان الحد الأوسط علة فاعلية فقط، فمن الواضح أن البرهان لا يكون تاما حينئذ؛ لما عرفنا من أن العلة الفاعلية لوحدها لا تستلزم وجود المعلول، فلا يلزم من وجود العلة الفاعلية الحكم بثبوت الأكبر للأصغر. ولو كان الحد الأوسط علة مادية أيضاً، لما كان ذلك كافياً لحصول المعلول والحكم بثبوت الأكبر للأصغر. فلابد في الحد الأوسط الواقع في البرهان اللمي أن يكون علة تامة لثبوت الأكبر للأصغر؛ لأن العلة التي لا ينفك معلولها عنها هي العلة التامة، وكل واحد من هذه العلل الأربع هي أجزاء للعلة التامة.

والحاصل أن الحد الأوسط يجب أن يكون علة تامة، أي يجب أن يكون جامعا للعلل الأربعة: الفاعلية والمادية والصورية والغائية. غاية ما في الأمر أن المتكلم في مقام التعبير قد يسلط الضوء على واحدة من هذه الأربعة، ولكن مع كون الأجزاء الأخرى الأخرى مصاحبة لذلك الجزء الذي سلط عليه الضوء، كما إذا قلت لك إن البناء قد أوجد البناء فأنا إنما ذكرت في مقام التعبير العلة الفاعلية والعلة الفاعلية لوحدها ليست جزءا ليست علة تامة، ولكنني اردت أن كل أجزاء العلة التامة قد وجدت ولكن سلطت النظر وسلطت الضوء وخصصت بحديثي العلة العلة الفاعلية. في مثل ذلك يكون الحد الأوسط حقيقة علة تامة، ولكنك ذكرت أهم الأجزاء وهي العلة الفاعلية.

وقد يكون الحد الأوسط أو قد يأتي المتكلم ويعبر عن الحد الأوسط بالعلة المادية وحدها، ولكن يكون مراده أن سائر الأجزاء الأخرى من العلة الصورية والغائية والفاعلية موجودة مصاحبة لهذه العلة المادية، ولكنه سلط الضوء على العلة المادية لخصوصيته كما يأتي في في الأمثلة. جيد، والأمر سهل، فالحد الأوسط لما كان علة لثبوت الأكبر للأصغر فهو إنما يوجد الأكبر للأصغر إذا كان علة تامة، وإنما يكون الأوسط علة علة تامة إذا كان عبارة عن مجموع الأجزاء الأربعة الصورية والمادية والغائية والفاعلية، فالبرهان إنما يكون برهانا إذا كان الحد الأوسط فيه علة تامة.

أما العلة الفاعلية لوحدها فلا تكفي، وكذا الصورية والمادية والغائية إذا أخذت لوحدها. نعم، قد يعبر المتكلم عن الحد الأوسط بواحدة من هذه الأربع ولكن يكون مراده إلى أن الأجزاء الأخرى مصاحبة وواقعة مع هذا الجزء، فتكون العلة التامة حقيقة واقعة، وإنما المشكلة مشكلة في في التعبير، والأمر سهل.

معنى العلة وأنواعها في البرهان اللمي

نقرأ هذا المقدار لندخل في المطلب الأخير. قال (قدس سره): (معنى العلة في البرهان اللمي)، لن نقرأ هذا المقطع السابق. معنى العلة في البرهان اللمي: قلنا إن البرهان اللمي ما كان فيه الأوسط علة لثبوت الأكبر للأصغر، وقد يسبق ذهن الطالب إلى أن المراد من العلة خصوص العلة الفاعلية، ولكن في الواقع -يعني كما يقال مثلاً إن الأب هو الذي أوجد الابن، والأب لوحده لا يمكن أن يوجد الابن لأنه ليس علة مفيدة للوجود على حد واجب الوجود- الآن وجود الأب لو كان هو علة تامة لوجود الابن للزم أن يولد الابن في لحظة ولادة الأب فلا يكون الابن أبناً ولا الأب أبا، تمام؟

نعم، الأب هو العلة الفاعلية لأنه هو الذي أقدم على ذلك الفعل، والنطفة علة مادية، وتكون هذه النطفة في رحم المرأة علة صورية، والغرض الذي دعا الفاعل إلى ارتكاب فعله علة غائية؛ جيد، لأن العلة الغائية الغرض هو الذي يحرك الفاعل نحو ارتكاب فعله، جيد -شوف- فالغرض يتقدم على وجود الفعل تقدم العلة على معلولها، حتى لا تقبل في اشتباه، لقال أن يقول: الغرض ما هو؟ إذا كان الغرض هو أن يحصل عنده ابن، فهذا الغرض إنما يتحقق بعد أن ينوجد الابن، فكيف صار العرض علة مع كونه متأخراً؟

أعطيك مثالاً آخر، الآن أنت لماذا تدرس المنطق؟ لأعصم ذهني عن الخطأ في الفكر، فعصمة الذهن عن الخطأ في الفكر هي الغرض الذي يدعوك إلى دراسة المنطق، فهي العلة التي تدعو تدعوك إلى ارتكاب هذا الفعل، ولكننا نسألك: متى تعصم ذهنك عن الخطأ في الفكر؟ عندما تدرس المنطق. فصارت دراسة المنطق، فصارت العصمة أي صار الغرض حاصلاً بعد دراسة المنطق، والعلة لا تنوجد بعد معلولها وإنما تنوجد قبل معلولها حتى لا تقع في هذا الاشتباه.

العلة الغائية -التفت- متقدمة على معلولها تصوراً ولكنها متأخرة عنه وجوداً وتحققاً، فعندما نقول إن درا أن عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر هي العلة، نريد أن استحضار هذه المهمة هي التي حركت إلى ارتكاب الفعل، ويترتب على دراسة المنطق حصول عصمة الذهن فعلاً وحقيقةً. فالعلة الغائية هي ذلك الأمر الذي نتصوره فيدعونا إلى ارتكاب الفعل، حتى إذا ارتكبنا الفعل ترتبت النتيجة وهي حصول ذلك الأمر واقعاً. فالعلة الغائية هي استحضار الغرض، أما ترتب الغرض واقعاً فهو معلول الفعل، تمام؟ فالعلة الغائية متقدمة على معلولها تصوراً، إذاً فالعلة هي التصور ومتأخرة عنه وجوداً، ولذلك إذا يعني عندما نقول العلة الغائية فنريد تصور عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر، عندما نقول النتيجة فنريد حصول عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر واقعاً، وهذه إنما تحصل بعد دراسة المنطق.

كيف كان؟ قال: ولكن في الواقع أن العلة تقال على أربعة أنواع والبرهان اللمي يقع بجميعها. الآن ظاهر العبارة أنه يكفي أن تكون أن يكون الحد الأوسط واحدة من هذه الأربعة، ولكن سوف ينبه على ذلك. قال:

1. وهي العلة الفاعلية أو الفاعل أو السبب أو مبدأ الحركة، كلها تسميات لمعنى واحد، ما شئت فعبر وقد يعبر عنها بقولهم: (ما منه الوجود)، ويقصدون المفيضة والمفيدة للوجود، أو المسبب للوجود كالباني للدار والنجار للسرير والأب للـ ونحو ذلك. ومثال أخذ الفاعل في البرهان: لما صار الخشب يطفو على الماء فيقال لأن الخشب ثقله النوعي أخف من ثقل الماء النوعي، الذي سبب إلى الطفو هو الثقل، الثقل علة فاعلية -لا أتحدث عن فاعل مختار، أتحدث عن خشب وعن طفو على على الماء- فالخشب جيد ثقله هو الذي سبب إلى الطفو على الماء. ومثاله أيضاً ما تقدم في مثال تمدد الحديد بالحرارة، الحرارة هي العلة الفاعلية في التمدد، ولكن الحرارة بما هي هي لا تقتضي التمدد، ولا بد أن يكون هناك علة مادية وهي نفس الحديدة، وعلة صورية وهي ترتيب الحرارة على وقع مخصوص مع تلك الحديدة وغرض إلى آخره. طبعاً هنا لا يشترط في الـ في أن يكون هناك علة علة غائية، العلة الغائية فقط عند الفاعل المختار، تمام؟ الآن أنت تقول النار هي التي توجد الحرارة، النار ليس لها علة غائية، يكفيها علة مادية وصورية وفاعلية؛ لأنه ليست فاعلا مختاراً. نعم، عند الإنسان لابد أن يكون هناك غرض، عند واجب الوجود لا يحتاج إلى هذه الأمور لأنه يخلق الأمور من العدالة [العدم]. قال:

2. العلة المادية أو المادة التي يحتاج إليها الشيء ليتكون ويتحقق بالفعل بسبب قبوله للصورة، وقد يعبر عنها بقولهم: (ما فيه الوجود) كالخشب والمسمار للسرير، والجص والآجر والخشب ونحوها للدار، والنطفة للمولود. ومثال أخذ المادة في البرهان قولهم: لما يفسد الحيوان فيقال لأنه مركب من الأضداد، جيد.

3. العلة الصورة أو الصورة، وقد وقد يعبر عنها بقول: (ما به الوجود)، أي الذي يحصل به الشيء بالفعل، فإنه ما لم تقترن الصورة، الصورة يعني الترتيب النهائي الهيئة المخصوصة، ما لم تقترن الصورة بالمادة لم يتكون الشيء ولم يتحقق كهيئة السرير والدار وصورة الجنين التي بها يتكون إنساناً. ومثال أخذ الصورة في البرهان قول لما كانت هذه الزاوية قائمة فيجاب لأن ضلعيها متعامدان. متعامدان يعني في اللغة الأجنبية perpendicular، جيد؟ ينزل أحدهما بشكل بشكل على الآخر فيشكل زاوية قائمة. طيب، شوف هذه الهيئة أجاب بالعلة الصورية، ولا السبب هو أن يعني لما كانت هذه الزاوية قائمة؟ لأن فلانا أوجد رسم خطاً وأوقعه على خط جيد فأوجد الخطين فكان أحدهما معامداً للآخر، هذه هذا هو السبب في كونها زاوية قائمة لوجود العلة الفاعلية وهو الذي رسم الخطين، ولوجود علة مادية وهي وجود الخطين، ولوجود علة صورية وهي أن أوقعهما بطريقة وبصورة متعامدة، ولا نفس التعامد ليس هو الذي يوجب الزاويتين القائمتين. طيب، قال:

4. العلة الغائية أو الغائية، وقد يعبر عنها بقول: (ما له الوجود)، أي التي لأجل، يعني ما لأجله ينوجد الفعل، أي التي لأجلها وجد الشيء، وتكون كالجلوس للكرسي والسكنة للبيت، ليش؟ لوجود فاعل مختار في هذه المعلولات. ومثال أخذ الغاية في البرهان قولهم: -شوف- لما أنشأت البيت؟ فيجيب: لكي أسكنه، هل هذا يعني أن نية السكن هي التي أوجدت البيت؟ لا، نية السكن حركت الفاعل إلى فعله مع وجود المادة وترتيبها على هيئة مخصوصة، فيجاب: ولم يرتاض فلان فيجاب لكي يصح.

وهكذا تعقيب وتوضيح: لا شك إنما يحصل البرهان على وجه يجب أن يعلم الذهن بوجود المعلول عند العلم بوجود العلة. طيب، متى؟ إذا كانت العلة على وجه إذا حصلت لابد أن يحصل المعلول عندها؛ يعني العلة بمعني العلة التامة بالنحو الأول ما يلزم من وجوده وجود المعلول، ومعنى ذلك أن العلة لابد أن تكون كاملة تامة السببيه، وإلا إذا فرض حصول العلة ولا يحصل عندها المعلول لا يلزم من العلم بها العلم به.

وعليه، يمكن للمتأمل أن يعقب على كلامنا السابق فيقول: إن العلة التامة التي لا يتخلف عنها المعلول هي الملتئمة من العلل الأربعة في الكائنات المادية هي مجموع الأربعة، أما كل واحدة منها فليست بعلة تامة، وإن سميت علة بمعنى ما يتوقف وجود المعلول عليه، فكيف صح أن تفرضوا وقوع البرهان اللمي في كل واحدة منها؟ لأن العلة الواحدة ليست سبباً حقيقياً لوجود المعلول فلا تستلزم ثبوت الأكبر للأصغر.

والجواب: أن الحد الأوسط يجب أن يكون علة تامة. ولذلك قال: وهذا كلام صحيح في نفسه، ولكنه إنما صح فرض وقوع البرهان اللمي في واحدة من الأربع ففي موضع تكون العلل الباقية مفروضة الوقوع والتحقق، غاية الأمر أن المتكلم في كلامه سلط الضوء على واحدة بعينها فذكرها واضح، وإن لم يصرح بها فيلزم حينئذ من فرض وجود تلك العلة التي أخذت حداً وجود المعلول بالفعل لفرض حصول باقي العلل، لا لأنه يكتفى بإحدى العلل الأربع مجردة في التعليل، ولا لأن الواحدة منها هي مجموع العلل، بل لأنها حسب الفرض لا ينفك وجودها عن وجود جميعها، فتكون كل واحدة مشتملة على البواقي بالقوة وقائمة مقامها. ولنتكلم عن كل واحدة من العلل كيف يكون فرض وجودها فرضا للبواقي؟

التفت، الآن أنت عندما تتحدث عن العلة الصورية وهي ترتيب الخشب والمسمار على هيئة مخصوصة، فأنت بمجرد أن تفترض وجود هذه الهيئة فلابد أن المادة قد تحققت؛ لأن الصورة هي عبارة عن ترتيب المواد على هيئة مخصوصة، فلو لم تكن المواد متحققة لما كانت الصورة متحققة، فالعلة الصورية لا تنفك عن العلة المادية حقيقةً. ثم إن هذه الصورة وهذه الهيئة المخصوصة لا تحصل لوحدها لولا أن هناك فاعلاً ما قد أقدم على ذلك الترتيب، فصارت العلة الصورية بحيث لا تنفك عن العلة الفاعلية أيضاً، وهذا الفاعل لا يقدم على فعله ما دام مختاراً من دون وجود غرض يدعوه إلى إلى ذلك، فصارت العلة الفاعلية لا تنفك عن العلة الغائية.

وهكذا، طبعا، يمكن التفكيك، الآن العلة المادية لا تحتاج إلى يمكن تفكيكها عن العلة الصورية أو لا؟ يمكن تفكيكها عن العلة الصورية، الخشب والمسمار لوحدهم، ليس كلما وجد الخشب والمسمار فقد وجدت الهيئة المخصوصة، نعم، كلما وجدت الهيئة المخصوصة فقد وجد الخشب والمسمار، وإن كان يمكن إثبات الترابط بين الأربع ولكن بطريقة فلسفية تحتاج إلى مبادئ من علم الفلسفة فلا ندخل فيها.

شروط مقدمات البرهان ومعاني الذاتي

بقي عندنا في باب البرهان مطلب واحد وأخير، وهو شروط مقدمات البرهان. ذكر الماتن جملة من الشروط، وقد تقدمت معنا، من جملتها مثلاً أن تكون المقدمات يقينية، وهذا واضح. وإنما يهمنا في هذا المطلب الأخير أن نسلط الضوء على شرط واحد، وهو أنه يشترط في مقدمات البرهان أن تكون مقدمات ذاتية. ولكن لابد من بيان المراد من الذاتي في قولنا إن البرهان يجب أن تكون مقدماته ذاتية.

والحاصل أن للذات جملة من الاصطلاحات، سوف نكتفي منها ها هنا بأربعة بأربعة:

1. الاصطلاح الأول للذات هو ذات باب الكليات الخمس، ويقال له ذاتي ذاتي باب أيساغوجي -أيساغوجي في السريانية أو في اليونانية هي الكليات الخمس-. المعنى الأول للذات إذا هو ذاتي باب الكليات الخمس في مقابل العرضي تمام، ويراد من الذاتي هناك المحمول الذي تتقوم ذات الموضوع به كالجنس والفصل وال والنوع، كما يقال: الإنسان حيوان، فالحيوان -شوف- محمول تتقوم ذات الموضوع به؛ لأن الإنسان لا يكون إنساناً ما لم تتحقق أجزاء ماهيته والتي من جملتها جنسه وفصله أي الحيوانية والناطقية. ففي فالذات في باب الكليات هو المحمول الذي تتقوم ذات الموضوع به بحيث يكون ارتفاع المحمول أو رفع المحمول رفعاً لنفس الموضوع؛ لأنك إذا نفيت الحيوانية فقد نفيت الإنسانية؛ لأن نفي الأعم يوجب الأخص، واضح؟ طيب، هذا تمام الكلام في الاصطلاح الأول.

2. الاصطلاح الثاني للذاتي هو ذاتي باب الحمل، ويقال له المحمول بالصميمة، وهو الذي يكون المحمول فيه -شوف- منتزعاً من صميم من صميم الموضوع ومن ذاته. كما يقال: الموجود الوجود موجود؛ لأن هذا المحمول منتزع من صميم موضوعه، أو كما يقال -التفت- البياض أبيض؛ لأن الأبيضيّة منتزعة من صميم البياض لا أنها عارضة عليه من الخارج، ويقال لمثل هذه المحمولات أنها محمولات بالصميمة، أو يقال إنه محمول ذاتي، فيقال إن الأبيض ذاتي للبياض، بمعنى أنه ليس شيئاً زائدا عليه، وإنما هو منتزع من صميمه.

وهذا بخلاف الإنسان حيوان، الحيوان ليس منتزعا من نفسه مفهوم الإنسان. وهذا بخلاف قول كما قلت مثلاً: الجسم أبيض، أو ليش؟ لأن شوف، هناك فرق بين أن تقول البياض أبيض وبين قولك الجسم أبيض؛ البياض أبيض الأبيضية منتزعة من صميم الموضوع، ولكن الجسم أبيض الأبيض البياض لا يلحق الأبيضية لا تحمل على الجسم إلا بعد عروض البياض عليه فهي ليست منتزعة من صميم الجسم، ليس كلما فرض أن فرضت الجسم جسمك إن فرضت أن هناك جسم فيجب أن يكون أبيض، ولكن كلما فرضت أن هناك بياض فيجب أن يكون أبيض.

وكذلك في قولنا: الوجود موجود والماهية موجودة، شوف الوجود موجود كلما فرضت وجوداً فلا بد أن يكون موجوداً؛ لأن الموجودية ليست شيئاً آخر غير الوجود، وهذا بخلاف قولك الماهية موجودة ليس كلما فرضت أن هناك ماهية فيجب أن يكون الوجود الوجود ثابتاً له؛ لأن ماهية الغول مثلاً وماهية شريك الباري موجودة في الذهن ولم يكتب لها التحقق. فيقال لهذا الحمل أو للحمل الذي يكون منتزعا من صميم الموضوع أنه ذاتي، ويقال له المحمول بالصميمة في قبال ما يكون محمولاً بالضميمة؛ فالجسم أبيض -شوف- بضميمة البياض، والماهية موجودة بضميمة الوجه يعني الجسم بعد أن تضع فيه بياضاً تضم إليه شيء وهو البياض يصبح أبيض فيحمل عليه الأبيض، ولكن البياض لا تحتاج إلى أن تضم إليه شيء حتى يتصف بأنه أبيض، بل هو أبيض بنفسه. وهذا الحمل أو هذا المعنى للذاتي نحتاجه جداً في أول علم الفلسفة عندما نتحدث عن أصالة الوجود وأصالة أو أصالة الماهية، تمام؟

3. الاصطلاح الثالث للذاتي وهو ذاتي باب البرهان، وهو المراد من الذاتي ها هنا، وهو الذي نريده ها هنا. والمراد من الذاتي في باب البرهان هو الذي يُحمل على موضوع من دون حاجة إلى حيثية تقييدية. ونريد من الحيثية التقييدية القيد الذي يجب أن ينضم إلى الموضوع لكي يتصف بمحموله.

التفت، مثال ذلك أن تقول: الجسم أبيض. التفت، الجسم لا يتصف بالأبيض ما لم يتقيد وما لم ينضم إليه شيء، فالجسم الذي يتصف بأنه أبيض هو الجسم الذي تقيد بالبياض وانضم إليه البياض. فيقال إن عروض الأبيضية على الجسم متوقف على حيثية تقييدية، يعني على أن يتقيد الموضوع بقيد، ولولا هذا القيد لما صح أن يتصف الجسم بأنه أبيض.

وهذا بخلاف قولك -التفت حتى اللقاء يعني قد نتوهم أن هذا المعنى نفس المعنى الذي تقدم سابقا، لا- التفت الآن مثلاً تقول: النار حارة، تمام. الحرارة ليست جنساً ولا نوعاً ولا فصلاً لشو للنار؛ لأنها لو كانت جنساً أو نوعاً أو فصلاً لكانت النار موقوفة على لو كانت النار موقوفة موقوفة على هذه على الحرارة؛ لأن النوع يتوقف على جنسه وعلى فصله، أو لأن الماهية تتوقف على أجزائه، فالحرارة ليست ذاتية للنار بمعني ذات ذات، أي أي ذاتي بمعنى ذات الكليات الخمسة ما يتقوم به ذات موضوع النار، النار لا تتقوم بالحرارة؛ لوضوح أن الحرارة من لوازم النار واللازم من أنواع العرضي وخارج عن الموضوع. فيقال النار حارة، التفت، والحرارة ليست جنساً ولا نوعاً ولا فصلاً للنار، فليست الحرارة ذاتية بمعنى ذات باب الكليات الخمس. ولا الحرارة أيضاً منتزعة من صميم من صميم النار؛ لأنك إذا تصورت النار لا يلزم من تصور النار، أو ليس مفهوم الحرارة مستبطناً في نفس مفهوم النار، نعم إذا استحضرت النار تستحضر الحرارة للقرن الأكيد بينهما، ولكن هذا لا يعني أن تصور النار لا يمكن إلا مع تصور الحرارة، لا يعني أن تصور النار بنفسه يستبطن تصور الحرارة، هذا بخلاف قولنا البياض أبيض، لأن تصور البياض يستدعي تصور الأبيضية، إذن الأبيضية ليست شيئاً زائدا على على البياض، والحرارة شيء زائد على النار. فلا يصدق على الحرارة ها هنا أنها ذاتي في باب الحمل.

ولكن الحرارة لكي تعرض على النار لا تحتاج إلى حيثية تقييدية، لا نحتاج إلى أن نقيد النار بشيء، لا نحتاج إلى أن نضيف إلى النار شيئاً حتى تتصور، بل النار بمجرد وجودها فإنها تتصف بالحرارة، فيقال إن عروض الحرارة على النار لا يحتاج إلى أكثر من وجود النار ولا يحتاج إلى حيثية تقييدية كما يحتاج عروض الأبيض على الجسم، فهي لا تحتاج إلى حيثية تقييدية. إذاً فال الحرارة ذاتية بالنسبة إلى النار، ولكن بهذا المعنى. وهذا هو المراد من ذاتي باب البرهان، وقد ظهر أن ذاتي باب البرهان أعم من ذاتي باب الكليات الخمس مطلقاً، وأعم من ذات باب الحمل مطلقاً. كلما كان المحمول جنساً أو نوعاً أو فصلاً لموضوعه، فهو ذاتية بمعنى ذات باب البرهان، يعني لا يحتاج إلى حيثية تقييدية.

الآن في قولك: الإنسان حيوان، لا تحتاج لكي تحمل الحيوانية على الإنسان إلى أن تقيد الإنسان بقيد، الإنسان ما دام إنساناً فلا بد أن يكون حيواناً. فذاتي باب البرهان -التفت- أعم مطلقاً من ذات باب الكليات الخمس، فيشمل ذاتية باب الكليات الخمس، ويشمل مثل قولنا: النار حارة، وإن لم تكن الحرارة ذاتية بالمعنى الأول، يعني لم تكن جنساً ولا فصلاً ولا ولا نوعاً. هذا تمام الكلام في ذات باب البرهان. طبعاً للذات معاني معانٍ كثيرة، منها المعنى الرابع وسوف نذكره فقط لأننا ذكرناه في الدرس السابق.

4. الذاتي بالمعنى الرابع بالاصطلاح الرابع هو ما يقابل الغريب، ويراد من الـ وهو الذي يستعمل في قولنا: (موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية). وهناك فسرت العوارض الذاتية بأنه ما يكون إسناده إلى الشيء إسناداً إلى ما هو له، يعني ما يكون إسناد المحمول فيه إلى موضوع إسناداً حقيقياً لا مجاز فيه، سواء كان بواسطة كما في قولك: النار حارة، عفواً، سواء كان بلا واسطة كما تقول: النار حارة، أو كان بواسطة كما تقول: الجسم أبيض.

شوف، الجسم حتى يتصف بأنه أبيض يحتاج إلى واسطة، إلا أن اتصافه بالأبيضية اتصاف حقيقي أو لا؟ اتصاف حقيقي، هذا الحائط أبيض، وإن كان عروض الأبيضية على الحائط بواسطة البياض، ما عندنا مشكلة، ولكن هذا بخلاف قولنا: الميزاب جارٍ، فعروض الجريان على الميزاب ليس إسناد الجريان إلى الميزاب إسناداً حقيقياً، ولذلك يقال له إن العروض الجريان على الميزاب عروض غريب في قبال العرض الذاتي الذي هو أعم من كل المعاني التي تقدمت. تمام؟

العرض الذاتي ذاتي هو ما يكون إسناده إلى موضوع إسناداً حقيقياً، سواء كان بواسطة أو من دون واسطة، فيشمل كل معاني الذات المتقدمة وزيادة، وإنما يخرج خصوصاً ما كان إسناد المحمول فيه لموضوع إسناداً مجازياً. هذا تمام الكلام في معاني الذات. وقد عرفنا أن المراد من ذات باب البرهان ما لا يحتاج في حمله على تقييدية، يعني ما لا يحتاج الموضوع لكي يتصف بالمحمول إلى أن يتقيد بقيد زائد على أصل وجود ذلك الموضوع.

وبه يتم الكلام في هذا الكتاب، نسأل الله تعالى أن يكتب لنا فيه توفيقاً ورحمة ومغفرة، وأن ينفعنا في دراسته وفي تدريسه وأن لا يجعل علمنا هذا حجاباً يحول بيننا وبينه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.