دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 11
011
مباحث الألفاظ والحاجة إليها
عُرف في الدرس السابع أن المنطق إنما يبحث في المعاني من حيث هي هي، ولكن لما كان إيصال هذه المعاني وتناقلها يتوقف على وسيلة من الوسائل، وذلك لاستحالة أو صعوبة المجيء بهذه المعاني بنفسها، توقف حينئذ إيصال المعاني الصحيحة على إيصالها بوسائل وطرق تكون صحيحة. ولما كان اللفظ هو أنفع تلك الوسائل وأحسنها، دعت الحاجة إلى الدراسة وإلى التعرض إلى بعض هذه المباحث اللفظية، لأن أي خطأ سوف يقع في تلك الوسيلة سوف يؤثر على المعنى الذي يفترض أن يتناقل بتلك الوسيلة. وقد ذكرنا أن هذه الحاجة هي حاجة أولى تدعونا إلى التعرض إلى مباحث الألفاظ.
ثم ذكرنا أيضاً أن للمنطق حاجة ثانية إلى مباحث اللغة واللفظ، هي أعظم وأسمى وأرقى من الحاجة الأولى، وذلك لأن العلاقة بين اللفظ والمعنى لما كانت علاقة مؤكدة وناشئة من اقتران أكيد وارتباط وثيق بينهما، فإن استحضار المعنى في الذهن لا ينفصل عن استحضار ألفاظه الذهنية. فصار المفكر عندما يستحضر المعنى فإنه يستحضره بألفاظه الذهنية، حتى من دون أن يكون في مقام إيصال المعاني إلى أحد. فأننا إذا ما أرادنا أن نستحضر بيننا وبين أنفسنا المعنى، وجدنا أنفسنا نستحضره بلفظه الذهني، فصار أي خلل في تلك الألفاظ الذهنية بحيث يفضي إلى وقوع خلل في المعاني التي يراد استحضارها، ولذلك صار للمنطق حاجة إلى مباحث الألفاظ حتى من دون إيصال المعاني، حتى لو لم يكن الإنسان في مقام إيصال المعاني وتناقلها.
كيف كان الماتن (قدس سره) عندما أراد أن يبين هذه الحاجة الثانية، فإنه بينها وتعرض إليها من خلال تقسيم الوجودات إلى أربعة أنحاء، وحاصل ما ذكره (قدس سره) أن هناك أربعة أنواع وأربعة أنحاء من الوجود، وهي: الوجود الخارجي، والوجود الذهني، والوجود اللفظي، والوجود الكتبي.
بيان ذلك أن الوجود لا يخلو، إما أن يكون وجوداً حقيقياً، أو أن يكون وجوداً اعتبارياً. ونريد من الوجود الحقيقي: الوجود الذي له واقعية من نفسه، فلا تتوقف واقعيته على افتراض المفترض وعلى اعتبار المعتبر، وذلك كسائر الموجودات الخارجية، فإن هذا الكتاب له وجود سواء أتبرته موجوداً أم لم أعتبره، فهو في ثبات واقعيته لا يتوقف على اعتبار المعتبر، هذا الكتاب له واقعية لا تزول ولا تتبدل فهو موجود سواء افترضت وجوده أو افترضت عدمه، هو على كل حال موجود. فالمراد من الوجود الواقعي هو الذي له واقعية ثابتة لا تزول ولا تتبدل، فلا توقف في واقعية الوجود الواقعي أو في الوجود الحقيقي على افتراض مفترض أو اعتبار معتبر.
وفي قبال هذا النحو من الوجود يوجد وجود آخر، وهو الوجود الاعتباري، ويقال له أيضاً الوجود الجعلي، وهو الوجود الذي تنشأ واقعيته من اعتبار المعتبر ومن افتراض المفترض. فالصلاة بهذه الأركان الأربعة المخصوصة أو بهذه الركعات المخصوصة لا واقعية لها لولا أن الشارع الأقدس قد اعتبرها، فلو أن الشارع المقدس ألغى اعتباره الآن لهذه الصلاة وجاء لنا بصلاة بديلة بهيئة مخصوصة أخرى غير الهيئة الأولى، لما عاد للصلاة الأولى أي واقعية. فالصلاة بأركانها وبهيئتها المخصوصة لها واقعية الآن، إلا أن واقعيتها إنما نشأت من اعتبار الشارع لها، ولو أنه ألغى هذا الاعتبار لما عاد لها أي واقعية، ولذلك يقال لها إنها موجودة بوجود جعلي؛ لأن الجاعل هو الذي اعتبرها موجودة فصار لها واقعية بسبب هذا الاعتبار. فلو أن هذا الاعتبار لم يكن موجوداً، أو لو كان موجوداً فزال هذا الاعتبار لم يعد لها واقعية؛ فهي وجود لأن لها واقعية، إلا أن هذه الواقعية مرهونة باعتبار المعتبر. ولذلك يُعرف الوجود الاعتباري بأنه الوجود الذي واقعه في أفق الاعتبار وليس له واقع وراء ذلك الاعتبار، أما بالنظر إلى هذا الاعتبار فله واقع، وإلا لو لم يكن له واقعية أساساً لما كان وجوداً.
وكذلك إذا ما أخذنا اللون الأخضر مثلاً لجهة كونه إشارة من إشارات المرور التي تدل على جواز العبور، أو اللون الأحمر لجهة كونه دالاً على عدم جواز العبور في إشارة السير، فإن دلالة هذا اللون على نوع من أنواع الوجود؛ لأننا كلما نظرنا إلى هذا اللون حصل عندنا انتقال إلى هذا المعنى فدلنا على وجود واقعي لهذا اللون. إلا أن هذا الانتقال وهذه الدلالة إنما نشأ واقعها من اعتبار المعتبر، فلو أن خبراء السير أبطلوا مثل هذه الدلالة وذهبوا إلى أن الذي يدل على جواز العبور هو اللون الأصفر مثلاً، أو ذهبوا إلى أن اللون الأخضر الآن صار موضوعاً لعدم جواز العبور، فسوف يزول ذلك الواقع الأول وينوجد واقع آخر. فالوجود إذاً لا يخلو: إما أن تكون واقعيته ثابتة لا تزول ولا تتبدل فهو الوجود الحقيقي، أو أن يكون واقعه بحيث يزول ويتبدل ويتبع جعل الجاعل وافتراض المفترض فهو الوجود الاعتباري.
أقسام الوجود الحقيقي: الخارجي والذهني
ثم الوجود الحقيقي، وهو ما له واقعية ثابتة، ينقسم إلى قسمين أيضاً، لأنه لا يخلو: إما أن يكون بحيث تترتب عليه الآثار، أو لا تترتب عليه الآثار.
فالوجود الحقيقي الذي تترتب عليه الآثار هو الوجود الخارجي، كالنار الخارجية لجهة أنها تكون منشأ للإحراق، وكالماء الخارجي لجهة أنه يؤثر في حصول البرودة مثلاً. وهذا بخلاف الوجودات التي لا يترتب عليها الأثر، كصورة النار التي في الذهن، وكصورة الماء التي تتوارد وتنطبع في الأذهان، فإن مثل هذه الصور لها وجود واقعي بلا إشكال؛ لأننا كلما نظرنا إلى حائط وإلى نار وإلى ماء خارجية، فإن صور هذه الموجودات الخارجية تنطبع في أذهاننا، فهذه الصور لها واقع ثابت لا يتبدل في الذهن؛ لأنك سواء اعتبرت أن هذه الصورة موجودة أو لم تعتبرها فهي موجودة على كل تقدير، ومجرد اعتبارك أن الصورة غير موجودة في الذهن لا يجعل من الصورة أمراً عدمياً، بل تبقى الصورة موجودة في الذهن، فهو وجود واقعي حقيقي ثابت لا يتبدل، إلا أن هذا الوجود لا تترتب عليه الآثار والخصائص، فإن النار الذهنية -يعني صورة النار التي في الذهن- لا يترتب عليها الإحراق، وصورة الثلج الذي في الذهن أيضاً لا يترتب عليها البرودة. فالوجود الحقيقي إن كان بحيث يترتب عليه الأثر فهو وجود خارجي، أو لا يترتب عليه الأثر فهو وجود ذهني.
فالمراد إذاً من الوجودات الذهنية هي صور الوجودات الخارجية، ولا يقتصر الوجود الذهني على صور الوجودات الخارجية فقط، بل كثيراً ما ينوجد في الذهن ما لا وجود له في الخارج أساساً، وذلك كمفهوم العدم مثلاً. الآن نستشعر بالوجدان بأن صور الأعدام موجودة في الأذهان، وأن صورة أخي الرابعة عشرة الذي لم ينوجد موجود في الذهن، هذه الصورة موجودة في الذهن مع أنه لا خارج لها. فالوجود الذهني لا يقتصر فقط على صور الموجودات الخارجية، بل يشمل كل المفاهيم حتى التي لا وجود لها في الخارج. الآن قد تقول: كيف يحصل الإنسان على مثل هذه المفاهيم إن لم يكن لها وجود في الخارج؟ هذا يأتي في محله، جيد.
أقسام الوجود الاعتباري: اللفظي والكتبي
هذا بالنسبة إلى تقسيم الوجود الواقعي أو الحقيقي إلى خارجي وذهني. وأما الوجود الجعلي الاعتباري، وهو الذي تنشأ واقعيته من الافتراض والجعل، فقد قسمه الماتن (قدس سره) إلى قسمين: إلى وجود لفظي، وإلى وجود كتبي.
أما الوجود اللفظي فالمراد منه الألفاظ من حيث أنها تدل على معانٍ؛ فإننا إذا ما لاحظنا اللفظ فكأنما وقفنا على ذلك المعنى. إلا أن واقعية هذه الدلالة وهذا الانتقال من اللفظ إلى المعنى إنما حصلت بسبب وجود اعتبار سابق، وهو أن واضع اللغة العربية قد خصص هذا اللفظ واستعمله في ذلك المعنى. ولو أن الواضع أزال هذا الارتباط بين اللفظ والمعنى لم يعد لمثل هذا اللفظ أي واقعية؛ فلو أن الواضع كان قد وضع كلمة (ديز) -وهي مقلوب زيد- كلمة (ديز) لهذا الشخص المسمى لكانت الواقعية لهذه الكلمة، ولكنه وضعها لزيد مقلوب، فصارت الواقعية لهذا اللفظ دون ذلك. فالذي جعل واقعية للفظ زيد ولم يجعل واقعية للفظ ديز هو أن الواضع قد اعتبر هذا اللفظ دالاً وخصصه بمعنى، ولم يخصص هذا اللفظ بمعنى. فهذه واقعية، غير أنها واقعية ناشئة من الاعتبار، فلو زال الاعتبار أو لم يكن موجوداً من أول الأمر لما كان هناك أي واقعية، وهذا صار بيّناً واضحاً.
إلا أن الألفاظ وإن جيء بها لتسهيل انتقال المعاني وإيصالها، وجدوا أن هذه الوسيلة مع شدة نفعها لا تنفع في كثير من الأحيان، وذلك لأن الألفاظ عبارة عن أصوات يصدرها المتكلم، ولذلك عرف اللفظ في علم النحو بأنه (صوت مشتمل على بعض الحروف). فحتى ينوجد اللفظ لابد أن ينوجد الصوت، وحينئذ فدلالة الألفاظ وفائدتها تقتصر على الموارد التي يكون فيها اللافظ موجوداً، واللافظ إذا كان موجوداً فهو إنما يقدر على إيصال المعاني إلى الأفراد الموجودين أمامه، ولا قدرة له على أن يوصل تلك المعاني إلى الأجيال اللاحقة التي لم تنوجد بعد.
فدعت الحاجة حينئذ إلى إيجاد وسيلة أخرى تتكفل بإيصال المعاني من زمن إلى زمن آخر، فكان أن استحدثت الكتابة. فلما جاء الواضع وخصص هذه الألفاظ بتلك المعاني، جاء الواضع مرة ثانية واخترع جملة من الرسوم والنقوش، وخصص كل نقش ورسم بمعنى، وسمي النقش خطاً، فصار للخطوط دلالة على المعاني، فصار للخطوط واقعية. هذه الواقعية إنما نشأت أيضاً من الاعتبار، فهو وجود جعلي وجود اعتباري، له واقعية، إلا أن واقعيته لا تخرج عن أفق الاعتبار؛ يعني واقعية هذا الشيء ثابتة له ما دام الاعتبار موجوداً. الآن لو جاء الواضع وقال لنا: أنا رفعت يدي عن هذا الاعتبار، كنت أُخصِّص هذا الخط أو هذا اللفظ بذلك المعنى، والآن أريد أن نزيل هذا الاعتبار وأريد أن أجعل هذا اللفظ مرتبطاً بمعنى آخر، فإن الواقعية الأولى سوف تنعدم وتنشأ واقعية ثانية، تماماً كما إذا أعطى الرجل اسماً لولده، ثم بدا له بعد ذلك أن يغير هذا الاسم، فسوف يزول ارتباط الولد بذلك الاسم بسبب زوال الاعتبار، فتنشأ علاقة جديدة وارتباط جديد بين هذا المعنى وبينه وبين لفظ آخر.
هذا تمام الكلام في البحث الذي عقده الماتن (قدس سره)، وإنما عقد هذا البحث ليكون توطئة لبيان العلاقة بين اللفظ والمعنى، حتى إذا ما عرفنا أن هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى هي علاقة واقعية ناشئة من الاعتبار، علمنا حينئذ أن هناك ارتباطاً واقتراناً أكيداً بينهما، وإذا كان بينهما اقتران أكيد فسوف ينتقل الذهن من أحدهما إلى الآخر، بل قد يسري القبح والحسن من أحدهما إلى الآخر، بل نصل إلى درجة بحيث إذا أردنا أن نستحضر المعنى بيننا وبين أنفسنا نجدنا مضطرين لاستحضار الألفاظ الذهنية في أذهاننا وإن لم نكن في مقام إيصال المعاني وتناقلها، فصار استحضار اللفظ بحيث لا ينفك عن استحضار المعنى سواء مع الانتقال مع التفهيم ومن دونه. فصار هناك حاجة وطيدة للبحث عن مباحث الألفاظ؛ لأن أي خطأ فيما يؤدي المعنى سوف يفضي إلى خطأ في المعنى المؤدى.
حقيقة العوالم الوجودية
جيد، قبل أن نقرأ هذا المقدار، لابد أن نشير إلى مسألة تعد مهمة جداً ها هنا. شوف الآن نحن قسمنا الوجود إلى أربعة أنحاء، قلنا: وجود حقيقي، ووجود جعلي، والحقيقي ذهني وخارجي، والجعلي لفظي وكتبي. السؤال الذي يجب أن نتأمل في جوابه: أربعة عوالم حقيقة للوجود؟ هل إن عالم الوجود الخارجي هو مغاير لعالم الوجود الذهني؟ يعني الآن هذا العالم هو وعاء تحل فيه الوجودات الخارجية، تمام؟ هل هناك عالم آخر نسميه نحن عالم الذهن؟ هل يوجد وعاء آخر غير هذا الوعاء الخارجي، غير هذا العالم الخارجي، هل يوجد عالم آخر منفصل عن عالم الخارج؟ ونسميه نحن عالم الذهن مثلاً؟ وهل الوجود اللفظي هو عالم آخر أيضاً منفصل عن عالم الخارج؟ وهل الوجود الكتبي أيضاً عالم آخر منفصل عن عالم الخارج؟ لا توجد عوالم متعددة.
ولكن التفت! إذا ما أخذنا عالم الخارج وعالم الذهن، سيأتي معكم في نظرية المعرفة أن هذه الصور التي تحصل في الأذهان والتي تنطبع في الأذهان عندما نواجه الأشياء الخارجية، هي صور مجردة عن المادة، وهذه الصور -يعني ليست صوراً مادية- وهذه الصور تتحد بالنفس العاقلة، بالنفس الإنسانية، هذه الصورة تتحد بالنفس. والنفس وجود خارجي أو وجود ذهني؟ النفس موجودة خارجاً أو ذهناً؟ ذهناً! النفس موجودة خارجاً، الآن نفسك لا وجود لها في الخارج يعني؟ أنت لا وجود لك في الخارج؟ هذا الإنسان له وجود في الخارج أو لا؟ وهو صاحب بعدين؛ له بعد نفسي، له بعد روحي، وله بعد مادي. البعد -يعني الآن الذي لا وجود له في الخارج هو فقط هذا البدن-.
جيد، الإنسان له بعدان: بعد غيبي روحي، وبعد مادي. الإنسان ببعده المادي هو هذه الجوارح التي لها طول وعرض وارتفاع. وله بعد روحي وهو هذه النفس العاقلة، جيد، وهي موجود مجرد عن المادة ولكن يتعلق ويقوم بتدبير هذه المادة. الله عز وجل مجرد أو مادي؟ مجرد. هل هذا يعني أن وجوده في الذهن؟ والله وجوده في الخارج! وجوده في الخارج، جيد، هو موجود خارجي يعني في هذا العالم في عالم الخارج، ولكنه غير محدود بزمان ومكان، وإنما علاقته بهذا الزمان والمكان علاقة ربوبية وتدبير وألوهية إلى آخره.
فالإنسان له بعدان: بعد مادي، وبعد مجرد عن المادة بعد روحي. والبعد الروحي هو هذه النفس الإنسانية التي تدرك وتشعر وغير ذلك من الانفعالات النفسية. طيب، فالنفس موجودة وين؟ في الخارج، ولكنه موجود مجرد عن المادة، لا يحد بزمان ولا بمكان، تمام. والصورة الذهنية التي نقول عنها ذهنية -نحن حتى لا يلتبس عليكم ذلك الأمر- هذا لا يعني أن الذهن فيه مثلاً مستقل وفيه وعاء، جيد، وأنه نبدأ بحب إيجاد تلك الصور ووضعها وين؟ في هذا الذهن، حتى كأن هذا عالم وذاك عالم آخر! لا. النفس موجودة في الخارج، والصور التي نتلقاها نحن وتنطبع في الأذهان، هذه الصور يقال تتحد بالنفس، وما يتحد بما هو موجود خارجاً، أين يكون موجوداً؟ يكون موجوداً خارجاً. إذاً لا يوجد عالم آخر ووعاء آخر.
إذاً لماذا تقولون لها إنها موجودة ذهناً؟ قالوا: التفت، تسمية هذه الصور بأنها وجود ذهني إنما هو لمناسبة لا أكثر، وهو أن هذه الصور نراها بحيث لا يترتب عليها الأثر؛ فإن صورة النار عندما تتحد بالنفس، جيد، هذه الصورة لا يترتب عليها الأثر وهو الإحراق، فسميت ذهنية بهذا المعنى. وإن كانت هذه الصورة لجهة كونها متحدة بالنفس هي وجود خارجي يترتب عليه الأثر، أي أثر؟ رفع الجهالة!
شوف، الآن عندما أنظر إلى النار الخارجية فتنطبع في ذهني صورة النار، هذه الصورة لجهة أنها قد اتحدت بالنفس، والنفس موجودة وين؟ في الخارج، فهذه الصورة لها وجود وين؟ في الخارج، فهذه الصورة تكون موجودة خارجية، موجودة خارجية، والوجود الخارجي يكون منشأ لترتب الأثر، فنقول هذه الصورة أيضاً يترتب عليها أثر، أي أثر؟ يترتب عليها أثر، وهي أن النفس كانت جاهلة به فصارت عالمة بهذه الصورة. فالصورة لجهة ترتب أثر عليها وهي رفع الجهالة، فهي وجود خارجي يترتب عليه الآثار، ولكن لجهة أن هذه الصورة لا يترتب عليها ذلك الأثر المخصوص وهو الإحراق، فهي وجود ذهني. فكل وجود ذهني هو وجود خارجي متحد بالنفس، له أثر وهو أنه يرفع الجهالة عنها، ولكن لجهة أنه لا يترتب عليه ذلك الأثر المخصوص وهو الإحراق من النار والبرودة من صورة الماء وغير ذلك، فيقال له وجود ذهني.
وهذا الكلام يتضح أكثر عندما نرجع إلى الوجود اللفظي مثلاً؛ ما هو اللفظ؟ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف. والصوت، ما هو الصوت؟ الصوت عبارة عن الهواء الخارج من الرئتين مع احتكاك بالأوتار الصوتية. هذا الهواء له وجود في الخارج أو لا؟ بلا إشكال، لا نشك في أن له وجوداً خارجياً. وإذا كان له وجود خارجي فلا بد أن يكون منشأ لترتب الآثار، فنقول هذا الهواء، هذا الصوت، هذا اللفظ لجهة كونه هواء وصوتاً فهو وجود خارجي، ويترتب عليه أثر وهو أن هذا الصوت يتناقل عبر الهواء ويحدث في ذهنك انتقالا للأصوات فتسمعه. ولكن لجهة أنه لا يترتب عليه -أو عفى، لجهة أنه يترتب عليه- أثر مخصوص آخر وهو أنه ينقلك إلى معنى، فهذا صار فبهذا -شوف ببركة هذه الخصوصية- نحن مجازاً قلنا له إنه وجود آخر غير الوجود الخارجي. وكذلك الوجود الكتبي، الآن عندما أكتب على اللوح هذه الكتابة، أليس لها جرم؟ أليس لها طول وعرض وارتفاع مهما كان ضئيلاً؟ يوجد سماكة أو لا؟ فهذا وجود في الخارج أو لا؟ وجود خارجي، وله يترتب عليه أثر وهو أن هذا الحبر قد حل محل هواء، شغل حيزاً، فقد حل محل هواء فارتفع الهواء وحل مكانه ذلك الجرم. فالكتابة وجود خارجي أيضاً، غير أنها بالنظر إلى أنها تنقلنا إلى معنى مخصوص، سميت مجازاً أنها وجود آخر، ويقال له وجود كتبي.
فلا يوجد عندنا عوالم متعددة للوجود؛ عالم الوجود عالم واحد، وهو عالم الوجود الخارجي، والصور الذهنية لأنها تتحد بالنفس والنفس موجودة في الخارج فلها وجود خارجي، وإذا كان للصور الذهنية وجود خارجي فلا بد يترتب عليها أثر، أي أثر؟ وهي أنها ترفع الجهالة عن النفس، ولكن لجهة أنها لا يترتب عليها ذلك الأثر المخصوص -يعني صورة النار ترفع الجهالة فهي لها أثر خارجي ولكن لا تحدث إحراقاً- فسميت باعتبار هذا الأثر وجوداً ذهنياً، تمام؟ وإلا لا يوجد عندنا وعاء موجود وين؟ في داخل البدن، وهذا الوعاء نقوم بإبضاع هذه الصور! هذه هي النظرية الغربية لحصول الإدراك؛ الغربيون لأنهم أنكروا كل شيء وراء عالم المادة، وحصروا الوجود بالماديات، لزمهم -التفت- لزمهم أن تكون هذه الصورة التي تحصل في الذهن أمراً مادياً، وإذا كانت أمراً مادياً فهي تحتاج إلى وعاء مادي، فذهبوا إلى أن الدماغ فيه أخاديد -شو يعني أخدود؟ مثل زاروب، جيد؟ فيه أنفاق!- هذا الدماغ فيه أنفاق، ثم عندما تأتي الصورة فإنها تعلق على باب النفق أو في داخل النفق أو على جدار ذلك النفق على شكل خلايا، فإذا ما تلفت تلك الخلية حصل النسيان، جيد؟ ثم إن هناك صدمات كهربائية تمر في هذه الأخاديد، جيد؟ فإذا ما مرت تلك الصدمة الكهربائية العصبية، جيد؟ ولامست تلك الخلية حصل التذكر، جيد؟ هكذا ذهبوا إلى تفسير الإدراك بهذه الطريقة لأن الإدراك مادي، جيد، يعني له جرم له طول وعرض وارتفاع مهما كان ضئيلاً، فلا بد أن يكون له وعاء مكاني أيضاً تحل فيه تلك الصور.
أما عند الفلاسفة الإسلاميين فهذه الصورة ليست أمراً مادياً، ولذلك فلا يمكن أن تنوجد في داخل الدماغ، لا، نحن عندما نتوجه إلى الخارج تحصل تلك المقدمات التي تعد للارتباط بين هذه النفس المجردة وبين صور مجردة، لا أريد أن أدخل في تفصيل أكثر من ذلك، فهذه الصور الذهنية تتحد بالنفس. لا أريد أن أدخل في شيء، وما معنى تتحد بالنفس؟ جيد؟ وأن النفس تتماضر بهذه الصورة، جيد، لا نريد أن نطيل في هذا التفصيل. كيف كان؟ إذاً فعالم الوجود الخارج هو عالم واحد، ولذلك -يعني يصبح التفت- قيمة النفس وحقيقة النفس بالمعلوم الذي تتحد به، ولذلك كان علم معرفة الله أشرف العلوم، جيد، على كل حال.
طيب، نقرأ هذا المقدار حتى ندخل في البحث الآتي قال: (الحاجة إلى مباحث الألفاظ) -يعني أنا أذكر أنني مكثت إلى أربع أو خمس سنوات في الحوزة وأنا أعتقد أن هناك عالماً آخر وراء هذا العالم، وأن هناك وعاءً آخر وراء هذا الوعاء الخارجي وهو وعاء عالم الذهن-.
الحاجة الأولى لمباحث الألفاظ
جيد، لا شك أن المنطقي لا يتعلق غرضه الأصلي -شوف- إلا بنفس المعاني، لم يقل إن غرضه الأصلي يتعلق بالمعاني أولاً وبالذات والألفاظ ثانياً وبالعرض، لا، الغرض الأصلي لا يتعلق إلا بالمعنى؛ لأن المنطقي يبحث عن المعاني من حيث هي هي، ولكنه لا يستغني عن البحث عن أحوال الألفاظ توصلًا إليها.
هذه هي الحاجة الأولى؛ لأنه من الواضح أن التفاهم مع الناس ونقل الأفكار بينهم لا يكون غالباً إلا بتوسط لغة من اللغات، والألفاظ قد يقع فيها التغيير والخلط فلا يتم التفاهم بها، فاحتاج المنطقي إلى أن يبحث عن أحوال اللفظ من جهة عامة ومن غير اختصاص بلغة من اللغات، إتماماً للتفاهم، ليزن كلامه وكلام غيره بمقياس صحيح.
الآن التفت، مثلاً أعطيك مثالاً كيف يؤثر الاختلال في اللفظ على الاختلال في المعنى؛ كما إذا جئت وقلت لك مثلاً: لزيد عين واحدة وكل عين باكية، فينتج أن زيدا يكون أعور؛ لأن زيد له عين واحدة، جيد، وكل عين مثلاً باكية، فزيد عندما يريد أن يبكي فإنه يبكي بعين واحدة. وهذا القياس جيد في غير محله؛ لأنني يحتمل أن أكون قد أردت من العين الأولى العين التي هي البئر -أي العين الجارية- جيد، ومن العين الثانية العين الباكية. فهنا بظاهر -في ظاهر الأمر- قد تكرر الحد الأوسط، قد حصل هناك تكرر يخولنا أن ننتقل من الصغرى إلى الكبرى، من الأصغر إلى الأكبر. ولكن ولذلك يأتي هنا المنطقي ويبحث عن مثل هذه الألفاظ فيقول: إذا كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فلا بد أن يكون هناك قرينة تدلنا أيّاً من هذين المعنيين هو المراد مثلاً.
طيب، قال: (وقلنا من جهة عامة)، يعني نبحث في الألفاظ من جهة عامة؛ لأن المنطق علم لا يختص بأهل لغة خاصة، وإن كان قد يحتاج إلى البحث عما يختص باللغة التي يستعملها المنطقي فيما قل، كالبحث عن دلالة لام التعريف في لغة العرب على الاستغراق -هل اللام تدل على الاستغراق أو لا تدل على الاستغراق؟ الاستغراق يعني العموم، عندما تقول مثلاً: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: 2)، هذه الألف واللام هل تدل على العموم؟ يعني كل إنسان هو في خسر إلا الذين.. أو أن هذه الألف واللام لا دلالة لها على العموم تدل مثلاً على العهد فقط أو على الحقيقة فقط- وعن (كان وأخواتها) في أنها من الأدوات والحروف. شوف، (كان وأخواتها) في علم النحو ماذا تُعرب؟ تُعرب أفعالاً ناقصة، ولكن سياتي أن (كان وأخواتها) في نظر المنطقي ليست فعلاً، وإنما هي حرف وأداة على ما سياتي. وعن أدوات العموم والسلب، ما هي الأدوات التي تدلنا على العموم؟ (كل) مثلاً تدل على العموم، نعم. وهناك بحث أن وقوع النكرة في سياق النفي هل يدل على العموم أو لا؟ كما تقول مثلاً: (لا أحد في الدار)، جيد، أو (لا رجل في الدار)، هنا رجل نكرة ووقعت في سياق النفي، قالوا: وقوع النكرة في سياق النفي يدل على العموم؛ يعني عموم السلب، جيد، هو كل هذا سوف يأتي.
قال: (ولكن وما إلى ذلك، ولكنه قد يستغني عن إدخالها في المنطق اعتماداً على علوم اللغة). يعني التفت، المنطقي لا يريد أن يوجد أبحاثاً لغوية خاصة به، هو يعتمد حقيقة على ما نُقِّح في علوم اللغة، ولكن في علم اللغة هناك بعض الأبحاث التي لم يتعرض إليها اللغويون فيبحثها. فإذا كان البحث -التفت- إذا كانت المسألة اللغوية التي يحتاجها المنطقي منقحة في علم اللغة، فالمنطقي يأخذ هذه المسألة عنهما، وإن لم تكن منقحة فإنه يضطر إلى تنقيحها فيجعلها بحثاً في علم المنطق. ولذلك قال: (ولكنه قد يستغني عن إدخالها في المنطق اعتماداً على علوم اللغة). هذه حاجته من أجل التفاهم مع غيره.
الحاجة الثانية لمباحث الألفاظ
وللمنطقي حاجة أخرى إلى مباحث الألفاظ من أجل نفسه، جيد، لا من أجل التفاهم مع الغير، من أجل نفسه المنطقي عندما يريد أن يفكر، هي أعظم وأشد من حاجته الأولى، بل لعلها هي السبب الحقيقي لإدخال هذه الأبحاث في المنطق. ونستعين على توضيح مقصودنا بذكر تمهيد نافع، ثم نذكر وجه حاجة الإنسان في نفسه إلى معرفة مباحث الألفاظ نتيجة للتمهيد.
فنقول: إن للأشياء أربعة وجودات، وجودان حقيقيان، ووجودان اعتباريان جعليان:
الأول: الوجود الخارجي، كوجودك ووجود الأشياء التي حولك ونحوها -يعني ووجود نحوها- طيب، من أفراد الإنسان والحيوان والشجر والحجر والشمس والقمر والنجوم إلى غير ذلك من الوجودات الخارجية التي لا حصر لها.
الثاني: الوجود الذهني، وقد قلنا سابقاً عفواً وهو علمنا بالأشياء الخارجية وغيرها -شو يعني وغيرها؟ يعني وصور الأشياء غير الخارجية كصور العدم وكصور الممتنع، تمام- وغيرها من المفاهيم. وقد قلنا سابقاً إن للإنسان قوة تنطبع فيها صور الأشياء، وهذه القوة تسمى الذهن، والانطباع فيها يسمى الوجود الذهني، جيد، الذي هو العلم. وهذان الوجودان هما الوجودان الحقيقيان لماذا؟ لأنهما ليسا بوضع واضع ولا باعتبار معتبر.
الثالث: الوجود اللفظي، بيانه: أن الإنسان لما كان اجتماعياً بالطبع ومضطرا للتعامل والتفاهم مع باقي أفراد نوعه، فإنه محتاج إلى نقل أفكاره إلى الغير وفهم أفكار الغير. والطريقة الأولية للتفهيم هي أن يحضر الأشياء الخارجية بنفسها ليحس بها الغير بإحدى الحواس فيدركها، ولكن هذه الطريقة من التفهيم تكلفه كثيراً من العناء عليه أن يحضر كل شيء عندما يريد إيصال معناه، على أنها لا تفي بتفهيم أكثر الأشياء والمعاني؛ لأن بعض المعاني لا وجود لها في الخارج مثل معنى العدم، كيف تأتي له بالشيء العدمي خارجاً؟ إذا أتيت له به خارجاً فلم يعد عدمياً، أما لأنها ليست من الموجودات، أو لأنها لا يمكن إحضارها كإحضار مدينة دولة الصين مثلاً إذا أردت أن تدل عليها.
فألهم الله عز وجل الإنسان طريقة سهلة سريعة في التفهيم، بأن منحه قوة على الكلام والنطق بتقاطيع الحروف ليؤلف منها الألفاظ، وبمرور الزمن دعت الإنسان -دعت الإنسان الحاجة، التفت، دعت الحاجة الإنسان، الحاجة هي التي دعت الإنسان تمام- وبمرور الزمن دعت الحاجة الإنسان -مفعول به الحاجة، وهي أم الاختراع- إلى أن يضع لكل معنى يعرفه ويحتاج إلى التفاهم عنه لفظاً خاصاً ليحضر المعاني بالألفاظ بدلاً من إحضارها بنفسها. ولأجل أن تثبت في ذهنك أيها الطالب هذه العبارة أكررها لك: ليحضر المعاني بالألفاظ بدلاً من إحضارها بنفسها بنفسها! اه، التفت، شوف العلاقة الآن بين هذه الوجودات الأربعة، صار الخط إحضاراً لأي شيء؟ لللفظ. ولذلك الآن عندما أرسم هذا النقش، ماذا تقول: زيد. زيد هذا صوت، فالكتابة لا تحضر المعنى مباشرة، هذه الكتابة عندما أنقش لك هذا الخط تقول: زيد. إذاً أنت انتقلت من المكتوب إلى المسموع، فالكتابة إحضار للفظ، واللفظ إحضار للمعنى، والمعنى إحضار للشيء الموجود خارجاً، تمام، تمام.
طيب قال: واعرف أن هذا الإحضار إنما يتمكن الإنسان منه.. كيف حصل هذا؟ هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى، قال: بسبب قوة ارتباط اللفظ بالمعنى وعلاقته به في الذهن، يعني الاقتران الأكيد. وهذا الارتباط القوي ينشأ من العلم بالوضع وكثرة الاستعمال، فإذا حصل هذا الارتباط القوي لدى الذهن، يصبح اللفظ عنده كأنه المعنى، والمعنى كأنه اللفظ، ولذلك عندما -شوف- عندما تنظر إلى الخط، جيد، تقول هذا هو المعنى، لا، هو اللفظ أولاً ثم المعنى، أي يصبحان عنده كشيء واحد. فإذا أحضر المتكلم اللفظ فكأنما أحضر المعنى بنفسه للسامع، فلا يكون فرق لديه بين أن يحضر خارجاً نفس المعنى وبين أن يحضر لفظه الموضوع له. إذا قلت لك: (زيد)، لا تجد أنك تحتاج إلى عملية رياضية، كأنني أتيت لك بالمعنى، كأنني أتيت لك بالشيء الموجود خارجاً، فلا يكون فرق لديه بين أن يحضر خارجاً نفس المعنى وبين أن يحضر لفظه الموضوع له، فإن السامع في كلا الحالين ينتقل ذهنه إلى المعنى. ولذا قد ينتقل السامع إلى المعنى ويغفِل عن اللفظ وخواصه كأنه لم يسمعه، مع أنه لم ينتقل إليه إلا بتوسط سماع اللفظ. وزبدة المخاض أن هذا الارتباط يجعل اللفظ والمعنى كشيء واحد، فإذا وجد اللفظ فكأنما وجد المعنى.
فأنت -نحن- عندما نستحضر المعنى في أذهاننا حتى من دون أن نريد أن ننقله إلى أحد، فإننا نستحضره بألفاظه الذهنية، فلذا نقول: وجود اللفظ هو وجود المعنى، ولكنه وجود لفظي للمعنى، أي إن الموجود حقيقة هو اللفظ لا غير، وينسب وجوده إلى المعنى مجازاً، ولذلك قلنا هذا تسميته بأنه وجود منفصل تسمية مجازية، وإلا الوجود واحد، وجود خارجي، طيب، إلى المعنى مجازاً بسبب هذا الارتباط الناشئ من الواضع.
والشاهد على هذا الارتباط والاتحاد انتقال القبح والحسن من المعنى إلى اللفظ وبالعكس؛ فإن اسم المحبوب من أعذب الألفاظ عند المحب وإن كان في نفسه لفظاً وحشياً ينفر منه السمع واللسان، واسم العدو من أسمج الألفاظ وإن كان في نفسه لفظاً مستملحاً. وكلما زاد هذا الارتباط زاد الانتقال، ولذا نرى اختلاف القبح في الألفاظ المعبر بها عن المعاني القبيحة -شوف، الألفاظ -ألفاظ العورة- التي يستعملها العرف يعني الكثيرة الشائعة، هي لكثرة استعمال العرف لها صار الارتباط بينها وبين معنى العورة معنى أكيداً، ولذلك نحكم عليها بالقبح. أما الألفاظ الفصيحة، جيد، كنفس كلمة (عورة) هي على نفس المعنى تماماً، ولكن لأن الاستعمال قليل فالارتباط أخف فلا يسري القبح، جيد، ولذلك نجد أن الشتيمة بالفصحى، جيد، أخف وطأة أو أخف وطأة من الشتيمة بالألفاظ المتداولة-. طيب، وكلما زاد هذا الارتباط زاد الانتقال، ولذا نرى اختلاف القبح في الألفاظ المعبر بها عن المعاني القبيحة نحو التعبير عن عورة الإنسان؛ فكثير الاستعمال أقبح من قليله، والكناية أقل قبحاً بل قد لا يكون فيها قبح، كما كنى القرآن الكريم بالفروج، جيد. وكذا رصانة التعبير وعذوبته تعطي جمالاً في المعنى لا نجده في التعبير الركيك الجافي، فيضفي جمال اللفظ على المعنى جمالاً وعذوبة.
الرابع: الوجود الكتبي، شرحه أن الألفاظ وحدها لا تكفي للقيام بحاجات الإنسان كلها؛ لأنها تختص بالمشافهين، أما الغائبون والذين سيوجدون -يعني الجيل الآخر- فلا بد لهم من وسيلة أخرى لتفهيمهم، ولا كل جيل عليه أن يستحدث أن يبدأ أن يستحدث العلوم البشرية من أول الأمر، أن يعيد أن يكرر تجارب البشر ليتعلم من جديد -وأعلم الناس من ضم علم الناس إلى علمه- فلا بد لهم من وسيلة أخرى لتفهيمهم. فالتجأ الإنسان أن يصنع النقوش الخطية لإحضار ألفاظه الدالة على المعاني بدلاً من النطق بها، فكان الخط وجوداً للفظ، وقد سبق أن قلنا إن اللفظ وجود للمعنى، فلذا نقول: إن وجود الخط وجود للفظ ووجود للمعنى تبعاً -يعني بتبع وجود اللفظ- ولكنه وجود كتبي للفظ والمعنى، أي إن الموجود حقيقة هو الكتابة لا غير، وينسب الوجود إلى اللفظ والمعنى مجازاً، ولذلك..
ولذلك شوف، هذا النقش الآن إذا اعتبرته غير موجود، يبقى موجوداً أو لا؟ الآن هذا الخط رسمت خطاً وقلت هذا الخط ليس موجوداً، يبقى موجوداً، إذاً فنفس الخط وجود خارجي، ولكن بالنسبة إلى دلالته على هذا المعنى أو على هذا اللفظ هو وجود كتبي أو لفظي أو اعتباري وجعلي. طيب، أي إن الموجود حقيقة هو الكتابة لا غير، وينسب الوجود إلى اللفظ والمعنى مجازاً بسبب الواضع، كما ينسب وجود اللفظ إلى المعنى مجازاً بسبب الواضع. إذاً الكتابة تحضر الألفاظ، والألفاظ تحضر المعاني في الذهن، والمعاني الذهنية تدل على الموجودات الخارجية.
فاتضح أن الوجود اللفظي والكتبي وجودان مجازيان اعتباريان للمعنى بسبب الوضع والاستعمال. لقد سمعت هذا البيان المطول، وغرضنا أن نفهم منه الوجود اللفظي، وقد فهمنا أن اللفظ والمعنى لأجل قوة الارتباط بينهما كالشيء الواحد، فإذا أحضرت اللفظ بالنطق فكأنك أحضرت المعنى بنفسه.
ومن هنا نفهم كيف يؤثر هذا الارتباط على تفكير الإنسان بينه وبين نفسه -شوف، لم نعد نتحدث عن تناقل المعاني بينه وبين نفسه، الآن أنا أريد أن أفكر فتفزع فتختلط علي الشبه بسبب أنني عندما استحضرت هذه المعاني استحضرتها بألفاظ ذهنية، وقد وقع خلط في هذه الألفاظ-. ألا ترى نفسك عندما تحضر أي معنى كان في ذهنك لابد أن تحضر معه لفظه أيضاً؟ بل أكثر من ذلك، تكون انتقالاتك الذهنية من معنى إلى معنى بتوسط إحضارك لألفاظها في الذهن؛ فإنا نجد أنه لا ينفك غالباً تفكيرنا في أي أمر كان عن تخيل الألفاظ -الآن شوف، ما هي صورة العدم التي في ذهنك؟ أليست عبارة عن هذا النقش في الذهن؟ طيب- فإنا نجد أنه لا ينفك غالباً تفكيرنا في أي أمر كان عن تخيل الألفاظ وتصورها، كأنما نتحدث إلى نفوسنا ونناجيها بالألفاظ التي نتخيلها، فنرتب الألفاظ في أذهاننا وعلى طبقها نرتب المعاني وتفصيلاتها كما لو كنا نتكلم مع غيرنا.
قال الحكيم العظيم الشيخ الطوسي -وهو الخواجة نصير الدين الطوسي شارح الإشارات، الإشارات لمن؟ لابن سينا، تمام. ابن سينا له كتاب اسمه (الإشارات والتنبيهات)، هذا الكتاب كتبه عبارة وهو عبارة عن ثلاثة مجلدات؛ المجلد الأول في المنطق، المجلد الثاني في الطبيعيات، والمجلد الثالث في الإلهيات، يعني في أصول الدين-. هذا الكتاب شُرِح بشرحين: الشرح الأول لمن؟ للخواجة نصير الدين الطوسي، طبعاً هو شُرِح بشروحات كثيرة ولكن لأن أهم شرح هو شرح الخواجة نصير الدين الطوسي سمي (شرح الخواجة) شرح الإشارات، حتى كأنه لا يوجد شرح آخر في قبال شرحه. ثم شُرِح بشرح آخر من قبل من؟ الفخر الرازي، والرازي كان طبعاً سني، الرازي، تمام. ولكثرة ما أشكل على ابن [سيني] -سمي هذا الشرح جرح الإشارات، حتى كأنه يجرح في ويجرح في صاحب كذا-. فصار عندنا كتابان: (شرح الإشارات) للخواجة نصير الدين الطوسي، و(جرح الإشارات) لمن؟ للرازي. ثم جاء بعد ذلك من؟ القطب الرازي وألف كتاباً سماه (المحاكمات)، حاكم بين الشرحين وانتصر للخوجه نصير الدين الطوسي على الرازي.
طيب، قال الحكيم العظيم الشيخ الطوسي في شرح الإشارات: الانتقالات الذهنية قد تكون بألفاظ ذهنية -يعني بصورة اللفظ في الذهن، مش بالألفاظ الخارجية- وذلك لرسوخ العلاقة المذكورة -يشير إلى علاقة اللفظ بالمعنى في الأذهان، يعني لرسوخ العلاقة المذكورة في الأذهان-. فإذا أخطأ المفكر في الألفاظ الذهنية أو تغيرت عليه أحوالها، يؤثر ذلك على أفكاره وانتقالاته الذهنية للسبب المتقدم. فمن الضروري لترتيب الأفكار الصحيحة لطالب العلوم أن يحسن معرفة أحوال الألفاظ من وجهة عامة، وكان لزاماً على المنطقي أن يبحث عنها مقدمة لعلم المنطق واستعانةً بها على تنظيم أفكاره الصحيحة.
إذاً يقع الكلام الآن في جملة من مباحث الألفاظ. التفت، فالبحث عن مباحث الألفاظ إنما هو مقدمة للدخول في مسائل علم المنطق، وقبل أن نبحث عن مباحث الألفاظ لابد أن ندرس طبيعة العلاقة بين الألفاظ وبين معانيها، فدعتنا الحاجة إلى أن نبحث عن بحث الدلالة، وهي نوع الارتباط الذي يكون بين اللفظ والمعنى. التفت، فصار بحث الدلالة إنما هو لدراسة الارتباط والعلاقة بين اللفظ والمعنى، فصار عندنا بحث الدلالة مقدمة للشروع في بحث الألفاظ، وبحث الألفاظ.. للشروع في معرف.. للشروع في مسائل علم المنطق وهنا المعرف، تمام.
ثم إن الدلالة التي نريد أن نبحث عنها هي طبيعة الارتباط بين اللفظ والمعنى، جيد، ولكن الماتن قبل أن يبحث عن طريقة الارتباط بين اللفظ والمعنى، بحث عن طبيعة الارتباط بين أي شيئين ولو لم يكونا من قبيل اللفظ والمعنى. فصار عندنا الدلالة مقدمة.. مطلق الدلالة مقدمة للتوصل إلى الدلالة بين اللفظ والمعنى، والدلالة بين اللفظ والمعنى مقدمة لمباحث الألفاظ، ومباحث الألفاظ مقدمة لمسائل علم المنطق، للعلم الأول وهو المعرف.
يقع الكلام إن شاء الله في بحث الدلالة أو الدلالة كما يُعرف.
وقال: والحمد لله رب العالمين.
