دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 12
012
يقع الكلام في بحث الدلالة. وقد عرفنا في الدرس السابق أننا في الحقيقة إنما نريد أن نبحث عن بعض الأحكام التي تخص الألفاظ؛ لأن الخطأ الواقع في اللفظ سوف يفضي إلى وقوع الخطأ في الفكر. ولكن لما كان هناك ارتباط وثيق بين اللفظ والمعنى، دعت الحاجة إلى أن نبحث عن هذا الارتباط وهذه العلاقة التي تكون بينهما، والتي تسبب أن يكون أحدهما بحيث يوجب الانتقال إلى الآخر. ولذلك فنحن في الحقيقة إنما نريد أن نبحث عن الارتباط اللفظي، أو فقل عن الارتباط بين اللفظ والمعنى، لا عن مطلق الارتباط بين أي شيئين مرتبطين. ولكن لما كان الارتباط بين اللفظ والمعنى نحواً ونوعاً من أنواع مطلق الارتباط، دعت الحاجة إلى أن نبحث عن دراسة أصل الارتباط وأصل العلاقة بين الشيئين، ثم بعد ذلك ندخل إلى العلاقة بين اللفظ والمعنى.
أنه قد يكون هناك علاقة بين شيئين، أيا كان ذلك الشيئان، فقد تنوجد علاقة بين شيئين يحصل بسبب هذه العلاقة صلاحية أن ينتقل من أحدهما إلى الآخر. فإذا ما استحضر الذهن واحدا منهما، فإننا نجده ينتقل إلى الآخر مباشرة. فيقال إن أحدهما قد دل على الآخر. وذلك كما إذا سمعنا طرقة من وراء الباب، فإن ذهننا ينتقل مباشرة إلى وجود طارق للباب، فيقال إن طرقة الباب قد دلت على وجود طارق. والطرقة شيء والطارق شيء آخر. وليس ذلك إلا لوجود علاقة بين الطرقة وبين الطارق، وهي علاقة العلة والمعلول؛ فإن الطرقة لم تكن موجودة ثم وجدت، وما لا يكون موجوداً ثم ينوجد فلابد أن شيئاً ما هو الذي سبب وجوده، فكل طرقة تكشف عن ضرورة وجود شيء ما هو الذي سببها، ويقال لسبب الطرق إنه الطارق.
أو مثلاً كما إذا سمعنا لفظة «أخ»، فإن هذه اللفظة وهذا الصوت عندما نستحضره في ذهننا يحصل عندنا انتقال إلى شيئين: ننتقل من صدور هذا الصوت إلى ضرورة وجود مصوت هو الذي ولد هذا الصوت، وننتقل أيضاً إلى وجود متوجع؛ لأن لفظة «أخ» إنما تقال لمن يتوجع، أو إنما يقولها من يتوجع. فهذا اللفظ قد دلنا على أمرين اثنين: دلنا أولاً على وجود مصوت، ودلنا ثانياً على أن هذا المصوت متوجع. ومعنى أن يدل الشيء الواحد على شيئين أن هناك علاقة بين هذا الشيء وبين كل واحد من الشيئين. فإذا أخذنا الدلالة الأولى -وهي دلالة لفظ «أخ» على وجود لافظ، يعني على وجود مصوت- فيقال إن هذه الدلالة ناشئة من علاقة علة ومعلول بين الطرفين؛ فإن صدور الصوت مسبب عن صدور المصوت، فالصوت معلول والمصوت علة أصدر هذا الصوت.
وأما إذا أخذنا الدلالة الثانية -وهي دلالة لفظ «أخ» أو «آه» على التوجع- فإننا نجد أن العلاقة بين هذا الدال -وهو لفظ «أخ» أو «آه»- وبين المدلول -يعني ما دل عليه ذلك اللفظ وهو التوجع- ليست عبارة عن علاقة العلة والمعلول؛ أن كلمة «أخ» ليست سبباً للتوجع، بدليل أننا نستطيع الآن أن نقول «أخ» ونحن لسنا متوجعين، وبدليل أننا قد نتوجع ولا نقول كلمة «أخ» ولا كلمة «آه». فالعلاقة هاهنا ليست علاقة علة ومعلول، بل هي علاقة طبعية، بمعنى أنها يتضمنها طبع الإنسان، طبيعة الإنسان هي التي أوجدت مثل هذه العلاقة، فصار بسبب وجود هذه العلاقة يوجد صلاحية في أحدهما لأن يدل على الآخر، حتى إذا سمعنا أحدهما حصل عندنا الانتقال الفعلي منه إلى الآخر.
إذا اتضح ذلك، فقد ظهر لنا أن الدلالة تتقوم بطرفين هما: وجود الدال، ووجود المدلول. فيقال الدلالة هذا على ذاك، فهي نسبة بين الدال والمدلول. هذا أولاً.
وظهر لنا ثانياً أن هذه الدلالة موقوفة على وجود علاقة بين الطرفين، وهذه العلاقة هي التي تسبب الدلالة، إذ لو لم يكن هناك علاقة بين الشيئين لما حصل انتقال من أحدهما إلى الآخر. جيد. ولو كانت الدلالة غير مشروطة بوجود علاقة، لصح أن ننتقل من كل شيء إلى كل شيء، ولكننا نجد أننا لا ننتقل من النار إلى البرودة، وإنما ننتقل إلى الحرارة، فلا بد أن هناك سبباً خاصاً بين النار والحرارة ليس موجوداً بين النار والبرودة. ونحن ننتقل من حمرة الوجه إلى الخجل، ولا ننتقل من حمرة الوجه مثلاً إلى الخوف، فلا بد أن هناك علاقة بين حمرة الوجه والخجل ليست موجودة بين الحمرة وبين أي شيء آخر. فلو لم تكن الدلالة مشروطة بعلاقة لصح أن ينتقل من كل شيء إلى كل شيء، ولكننا نجد بالبداهة والوجدان أننا ننتقل إلى شيء مخصوص ولا ننتقل إلى غيره، فعلم أن الدلالة إنما تنشأ عن وجود علاقة بين الدال والمدلول.
وقد ظهر من ذلك أن الدلالة ليست هي العلاقة، وإنما هي ناشئة من وجود العلاقة، فلا بد أولاً أن يكون هناك علاقة بين الشيئين ليتولد عن هذه العلاقة دلالة أحدهما على الآخر. فالدلالة بالدقة ليست هي العلاقة، وإنما هي ناشئة من العلاقة. هذا أولاً.
وثانياً: لابد أن نتساءل أن هذه العلاقة بين الشيئين أين هو موطنها؟ هل موطنها الخارج أو موطنها الذهن؟ والجواب أن العلاقة بين الشيئين خارجاً لا تكفي لحصول الدلالة؛ فإن النار بينها وبين الحرارة علاقة خارجية، إذ كلما وجدت النار في الخارج وجدت الحرارة، لكن إذا جئنا بطفل لم يرَ ناراً من قبل، وهو بالتالي لا يعرف أن النار تصدر حرارة، فسوف لا يتوجه من رؤية النار إلى رؤية الحرارة. فمجرد وجود العلاقة الخارجية بين الشيئين لا يكفي لحصول الدلالة؛ لأن الدلالة عبارة عن انتقال الذهن من صورة إلى صورة، من أحد الأمرين إلى الآخر، فلا بد أن يكون ذلك المنتقل عالماً بوجود العلاقة، ومعنى أن يكون عالماً بوجود العلاقة أن يكون متصوراً لهذه العلاقة؛ لأن العلاقة -لأن العلم بمعنى التصور وحصول الصورة- فلا بد أن يكون الإنسان عالماً بالعلاقة، ومعنى أن يكون عالماً بها أن يكون متصوراً لها، ومعنى أن يكون متصوراً لها أن تكون العلاقة موجودة وين؟ بوجود ذهني؛ لما عرفنا في الدرس السابق من أن الوجود الذهني هو صور الأشياء التي تنطبع في الذهن.
إذاً، فالعلاقة الخارجية لا تكفي لحصول الدلالة. نعم، العلاقة الخارجية شرط في حصول العلاقة الذهنية؛ لأن الصور إنما تنطبع في الذهن من خلال مواجهة الموجودات الخارجية، فاذا ما لاحظ الذهن النار والحرارة الخارجية حصل عنده تصور لهذه العلاقة فصار هناك علاقة بينهما في الذهن، فإذا ما وجدت العلاقة الذهنية أوغدت صلاحية في أحدهما لأن يكون منبئاً عن الآخر ولو لم نلتفت إليه؛ فمن لاحظ ناراً من بعيد انتقل ذهنه إلى وجود الحرارة ولو لم يلحظ الحرارة ويحس بوجودها. فالعلاقة الذهنية هي التي توجد صلاحية الانتقال، ثم عندما تحصل الدلالة يحصل انتقال من أحدهما إلى الآخر.
وقد يتوهم من هذا البيان الذي ذكرناه أن الدلالة موقوفة على وجود علاقة ذهنية، وأن العلاقة الذهنية موقوفة على وجود علاقة خارجية؛ لأن العلاقة الذهنية إنما تنشأ من العلاقة الخارجية، فصارت الدلالة موقوفة على وجود علاقة خارجية بين الشيئين. إلا أن هذا التوهم في غير محله؛ بل كثيراً ما يحصل الدلالة ويحصل الانتقال من شيء إلى شيء مع عدم وجود تلازم وعلاقة خارجية بينهما، وذلك كالانتقال من الوجود إلى العدم، أو كالانتقال من البصر إلى العمى؛ فإننا نجد أننا إذا قلنا العمى -نحن حتى نتصور العمى نحتاج إلى أن نتصور البصر؛ لأن العمى هو عبارة عن عدم البصر، جيد- فتصور العمى موقوف على تصور العدم وعلى إضافة ذلك العدم إلى أي شيء؟ إلى البصر. فصار هناك علاقة تستدعي أن نتصور البصر كلما تصورنا العمى، إلا أن العمى والبصر لا يمكن أن يكون بينهما علاقة في الخارج؛ لأنه معنى أن يكون هناك علاقة بينهما في الخارج أن يكونا موجودين في الخارج وتنوجد معهما العلاقة، والعمى أمر عدمي لا وجود له في الخارج، تمام؟ لأن الأعدام لا وجود لها في الخارج.
ولذلك فإن العلاقة بين الشيئين في الخارج واحدة من الأمور التي تسبب العلاقة بينهما في الذهن، ولكن هذا لا يعني أنه كلما وجدت علاقة بين شيئين في الذهن فهما يوجد بينهما علاقة في الخارج، لا؛ العلاقة بين الشيئين في الذهن قد تنشأ من علاقة بينهما في الخارج، وهذا مخصوص بموارد العلة والمعلول. ولكن قد تحصل علاقة بين الشيئين في الذهن رغم عدم وجود علاقة بينهما في الخارج؛ الآن أعطيك مثالاً: الأبيض والأسود لا يوجد بينهما علاقة في الخارج، لا يوجد علاقة ولا يوجد تلازم، هل إذا وجد الأبيض يجب أن ينوجد الأسود؟ لا، بل وجود الأبيض مانع من وجود الأسود، لا يوجد بينهما علاقة في الخارج. نعم، يوجد بينهما علاقة في الذهن، من أين تشكلت هذه العلاقة؟ من جهة أن البياض أبعد شيء عن السواد، ولذلك كلما استحضرت الأبيض تجد من نفسك أنك تستحضر الأسود من غير أن تستحضر اللون الأحمر أو الأصفر معه، مع أن كلا من الأحمر والأصفر أيضاً لا يجتمع معاً مع الأبيض أو مع الأسود.
إذاً، الدلالة موقوفة على وجود علاقة بين الشيئين في الذهن، سواء كان هناك علاقة وتلازم بينهما في الخارج كالعلة والمعلول، أو لم يكن بينهما تلازم في الخارج كالأبيض والأسود، أو العمى والبصر، أو الوجود والعدم، إلى غير ذلك من الأمثلة. وقد عرفنا أن الدلالة شيء والعلاقة شيء آخر؛ فإن الدلالة تتسبب عن العلاقة، وما يتسبب عن الشيء يكون متأخراً عنه، وما يكون متأخراً عن الشيء لا يكون عينه، تمام؟ جيد.
أقسام الدلالة ومراتبها
إذا اتضح ذلك، فإن العلاقة بين الشيئين إذا حصلت في الذهن صح أن ينتقل من أحدهما إلى الآخر، شو يعني؟ يعني أوجدت في أحدهما صلاحية أن يدل على الآخر، فإذا ما حصلت الدلالة فعلاً حصل انتقال من أحدهما إلى الآخر، فصار عندنا أمور ثلاثة:
1. عندنا نفس العلاقة بين الشيئين في الذهن، وهذه متقدمة على الدلالة وسابقة؛ لأنها هي التي تسبب الدلالة، التفت.
2. وعندنا الانتقال من أحد الشيئين إلى الآخر، وهذا ليس عبارة عن الدلالة أيضاً، بل الانتقال من أحد الشيئين إلى الآخر إنما ينشأ عن الدلالة فهو متأخر عن الدلالة، عندما تحصل الدلالة ينتقل الذهن من أحدهما إلى الآخر.
3. وعندنا الدلالة التي هي عبارة عن نقل أحد الشيئين إلى الآخر.
والنقل شيء والانتقال شيء آخر؛ كما تقول مثلاً أحرقت الورقة فحسب احتراقت، فإن الوجدان شاهد على أن الإحراق متقدم على حصول الاحتراق، مع أن الحالة الواحدة مع أن الحالة الخارجية حالة واحدة، ولكن هذا الحريق هذا هذا الاحتراق إذا لاحظته منسوباً إلى النار فيقال إحراق، وإذا لاحظته منسوباً إلى الورقة فهو احتراق، تمام؟
نفس الشيء، الانتقال من أحد الأمرين إلى الآخر، إذا لاحظته بعد حصوله سميته انتقالاً -ومن الواضح أن هذا الانتقال لا يحصل لولا أن هناك صلاحية للانتقال- وإذا لاحظته قبل حصوله سمي دلالة. فالدلالة إذاً هي كون الشيء بحيث ينقلك إلى شيء آخر، فإذا ما انتقلت إلى الشيء حصل بعد ذلك يعني إذا وجدت الدلالة فعلاً سمي بعد ذلك انتقالاً.
ومن هنا نعرف أنه من الخطأ أن نعرف الدلالة بأنها علاقة بين شيئين تستدعي الانتقال؛ لأن العلاقة سابقة على الدلالة، بل العلاقة هي التي توجد الدلالة وليست هي الدلالة. وكذا خطأ من عرف الدلالة بأنها انتقال من أحد الشيئين إلى الآخر؛ لأن الانتقال حاصل بعد الدلالة، بعد دلالة أحدهما على الآخر يحصل الانتقال، والمتقدم على الشيء والمتأخر عنه لا يصلح لأن يكون تعريفاً له؛ لأننا نعرف الشيء بعينه وبنفسه لا بالمتقدم أو المتأخر عنه. ولذلك عرف الماتن قدس سره الدلالة بأنها: (كون الشيء بحالةٍ إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك). شوف إذا علمت، يعني هذه الحالة سابقة على الانتقال أو لا؟ كونه بحالةٍ إذا علمت بوجوده حصل الانتقال، فالانتقال ليس هو الدلالة، وإنما هو حاصل بعد الدلالة، تمام؟ كون الشيء -شوف- بحالةٍ، وما المراد من الحالة؟ أي كونه بحيث يوجد بينه وبين شيء آخر علاقة، فإذا علمت بهذا الشيء وعلمت بالعلاقة انتقل ذهنك إلى شيء آخر.
والدلالة كما عرفنا تتقوم بطرفين: دالٍ وهو ما منه الانتقال، ومدلولٍ وهو ما إليه الانتقال. وقد ينتقل من العلة إلى المعلول كما قد ينتقل من المعلول إلى علته؛ فمن الانتقال إلى العلة من العلة إلى المعلول كما إذا رأيت ناراً عن بعد وأنت تعلم بأن هناك علاقة بينهما فيحصل انتقال إلى الحرارة، وهذا انتقال من العلة إلى المعلول. أو كما إذا استيقظت صباحاً فوجدت سطوعاً في الضوء فإنه ينتقل ذهنك إلى وجود الشمس، وهذا انتقال من المعلول إلى العلة؛ لأن الشمس هي التي تسبب هذا الضوء.
وقد يكون الانتقال لا من العلة إلى المعلول ولا من المعلول إلى العلة، كالانتقال من حمرة الوجه إلى أي شيء؟ إلى الخجل. وكان الانتقال من صفرة الوجه إلى الوجل، يعني إلى الخوف. أو كالانتقال من فرقعة الأصابع إلى الضجر، مثلاً. جيد؟ أو كالانتقال من لبس الأسود إلى الحزن. إلى غير ذلك من الدلالات التي تتشكل في الذهن بسبب وجود تلك العلاقات بين الشيئين.
إشكال وجوابه حول حقيقة الدلالة
طيب، قبل أن نكمل في هذا المطلب، بقي عندنا مسألة واحدة في هذا التعريف وهو إشكال وجواب. حاصل الإشكال أننا قد عرفنا أن الدلالة في الحقيقة تتقوم بطرفين: دال ومدلول، فلا دلالة من وجود كل واحد من هذين الطرفين، والذي يتقوم بطرفين يكون مغايراً لكل واحد من الطرفين؛ لأن الدلالة ليست هي الدال ولا هي المدلول، وإنما تنشأ وتحصل بعد وجود كل من الدال والمدلول. فالدلالة نسبة بين الدال والمدلول.
ولكننا إذا جئنا إلى تعريف الدلالة هاهنا، فإن الماتن قال: (هي كون الشيء بحالةٍ إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى وجود شيء آخر). هذا الشيء ما هو؟ هو الدال أو المدلول؟ (كون الشيء بحالةٍ إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى شيء آخر)، ماذا؟ الشيء هو الدال، الدال إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى ماذا؟ إلى المدلول، واضح أو لا؟ واضح أو لا؟ مش اثنيناتهن هن بدلوا على بعض؟ جيد، ولكن الذي انتقل، ما تنتقل منه ماذا يسمى؟ الدال، جيد. وما تنتقل إليه هو الذي يسمى المدلول. نعم، إذا اطلعت على النار أولاً فهي التي دلتني على وجود الحرارة، وإذا اطلعت على الحرارة فهي التي دلتني على وجود النار، ولكن هنا قال: هو كون الشيء أو هي كون الشيء بحالةٍ إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى شيء آخر، فالمراد من الشيء الذي يكون على الحالة هو الدال، فقد جعل الدلالة وصفاً من أوصاف الدال في حين أن الدلالة إنما تتقوم بطرفين، فهي مغايرة لكل واحد من الطرفين.
ولذلك ذهب البعض إلى تعريف الدلالة بأنها الانتقال؛ قال لأن الانتقال نسبة بين الشيئين، والدلالة أمر نسبي يتقوم بطرفين، ولذلك عدل البعض عن هذا التعريف وعرف الدلالة بأنها الانتقال؛ قال لأن هذا التعريف يجعل الدلالة من أوصاف الدال؛ إذ قال: (هو كون الشيء)، يعني الدلالة هي كون الدال، فقد جعلها من أوصاف الدال مع أن الدلالة تتقوم بطرفين، ولذلك ذهب البعض إلى تعريف الدلالة بأنها الانتقال.
فأترضنا عليه بأن الانتقال ليس هو الدلالة وإنما هو الناشئ عن الدلالة، كما أن العلاقة ليست هي الدلالة وإنما هي مسببات للدلالة.
والجواب على هذا الإشكال: أن المعاني النسبية التي تتقوم بطرفين، أو فقل التي يتوقف وجودها على طرفين، تارة تكون هذه المعاني المتوقفة على وجود طرفين قائمة بالطرفين معاً، وتارة ثانية تكون قائمة بأحدهما متعلقة بالآخر.
مثال ذلك: إذا أخذنا الانتقال أو إذا أخذنا مثلاً مفهوم الصداقة، نجد أن الصداقة حتى يكون هناك صداقة في الخارج لابد من وجود صديقين، لابد من وجود طرفين أحدهما يكون صديقاً للآخر والآخر صديقاً للأول. إذا أخذنا الانتقال، الانتقال لابد أن يكون متوقفاً على وجود طرفين، وهو مع توقفه على وجود طرفين يكون هذا الوصف قائماً بكل واحد من الطرفين، فيقال للطرف الأول صديق والطرف الثاني أيضاً صديق، فهذا معنى نسبي يتوقف وجوده على طرفين وهو قائم بالطرفين في الخارج.
ولكن من المعاني ما يتوقف على وجود طرفين، ولكن يكون هذا المعنى بعد وجود الطرفين قائماً بأحدهما دون الآخر، كالقتل؛ القاتل حتى ينوجد القتل في الخارج لابد من وجود طرفين أحدهما يقتل الآخر، ولكن بعد وجود الطرفين القتل يقوم بالقاتل أو بالمقتول؟ يقوم بالقاتل ويتعلق بالمقتول، ولذلك لا يقال: قتل زيد لعمرو وقتل عمر لزيد، هذا لم يعد قتلاًّ هذا صار تقاتلاً، وإنما يقال: قتل زيد لعمرو، وأما عمر فهو المقتول فهو لم يقتل. جيد. وبهذا يتضح ما هو الفرق بين قتلة وبين قاتل؛ قتلة أحدهما هو الذي أوقع القتل على الآخر، والثاني فقط قد استجاب إلى هذا القتل فانقتل. ولكن عندما تقول: قاتل زيد عمراًّ أو تقاتل زيد وعمرو، هذا يعني أن كل واحد منهما قد فعل بالآخر ما فعله الآخر به، فهو وصف متقوم بطرفين قائم بهما في الخارج.
إذاً، فالمعاني التي يتوقف وجودها على طرفين تارة تكون قائمة بالطرفين أيضاً بعد وجودهما، وتارة تقوم بأحدهما فقط وتتعلق بالآخر نحو تعلُّق، تعلُّق وقوع بمن له نقول له جيد. القاتل حتى ينوجد لابد من وجود زيد ولابد من وجود عمرو، ولكن بعد وجود زيد وعمر فإن القتلة يتعلق يقوم بأحدهما يتجسد بأحدهما ويقع على الآخر، يعني يتعلق عليه تعلُّق يتعلق به تعلق وقوع.
إذا اتضح ذلك، فإن الدلالة وإن كانت من المعاني النسبية التي يتوقف وجودها على وجود الطرفين، إلا أنه بعد وجود الطرفين فإن الدلالة تقوم بأحدهما وتتعلق بالآخر، ولذلك يقال: دلالة النار على الدخان، تمام؟ نعم، يقال دلالة الدخان أيضاً على النار، ولكن في دلالة أخرى عندما يكون الدخان هو الدال، تمام؟ ولكن في دلالة واحدة لا يمكن أن يكون كل واحد منهما دالاً، وإنما الدال شيء واحد، ولذلك الدلالة لما كانت تقوم بالدال صح أن تعرف بأنها كون الشيء بحالة إذا علمت بوجوده انتقل ذهنك إلى شيء آخر.
ولنتأمل في قوله: (إذا علمت بوجوده)، بوجود بأي بوجود أي شيء؟ بوجود الدال. فظهر أن الدلالة لكي تتحقق يشترط فيها جملة من الأمور:
1. الأمر الأول: أن يكون هناك علاقة بينهما بين الدال والمدلول في الذهن، يعني أن يكون هناك علم بالعلاقة.
2. الأمر الثاني: لابد أن يكون هناك علم بوجود الدال، إذ لو كان هناك، أعرف أن النار سبب للحرارة وهذه العلاقة موجودة في الذهن، ولكن لم أعرف أن النار موجودة، فكيف ينتقل ذهني إلى الحرارة؟ أو لم أعرف أن الحرارة موجودة، فكيف ينتقل ذهني إلى النار؟
نقرأ هذا المقدار حتى ندخل في البحث الآتي. قال قدس سره: (إذا سمعت طرقة بابك ينتقل ذهنك لا شك إلى أن شخصاً على الباب يدعوك). طيب، هذا الانتقال -شوف- وليس ذلك إلا لأن هذه الطرقة كشفت، شو يعني كشفت؟ يعني دلت. إذاً التفت ماذا يقول؟ يقول: ينتقل ذهنك، حصل الانتقال، وهذا الانتقال ما هو سببه؟ أحدهما دل على الآخر، فالانتقال ليس هو الدلالة، وإنما هو يحصل بعد الدلالة. قال: (إلا لأن هذه الطرقة كشفت عن وجود شخص يدعوك، وإن شئت قلت) لماذا حصل الانتقال؟ لأن هذه الطرقة دلت على وجوده، فالانتقال متأخر عن الدلالة، إذاً طرقة الباب دال ووجود الشخص الداعي مدلول.
وهذه الصفة التي حصلت للطرقة ماذا نسميها؟ شوف للطرقة الذي -يعني- هذه الصفة التي قامت بأحد الطرفين دال جيد وتعلقت بالآخر نسميها دلالة. وهكذا كل شيء إذا علمت بوجوده فينتقل ذهنك منه إلى وجود شيء آخر نسميه دالاً والشيء الآخر مدلولاً، وهذه الصفة التي حصلت له أي للدال نسميها دلالة.
فيتضح من ذلك أن الدلالة هي كون الشيء -لماذا قال الشيء؟ لأن هذا من أعم المفاهيم، الشيئية من أعم المفاهيم التي تشمل كل شيء تمام؟ فتشمل ما إذا كان الدال أمراً لفظياً وما إذا كان أمراً غير لفظياً؛ فمن رأى النار عن بعد فإنه ينتقل منه إلى -شو عم نحكي عن خارج ولفظي؟- ينتقل منه إلى حرارة، ولكن الدال هنا ليس دالاً لفظياً، وهذا بخلاف ما إذا قلنا زيد الآن يحصل عندك انتقال إلى معنى زيد أو لا يحصل عندك، وهذه دلالة لفظية، تمام؟
قال: (فيتضح من ذلك أن الدلالة هي كون الشيء بحالةٍ)، والمراد من الحالة هي أن يكون الشيء على حالة أي بحيث تربطه علاقة بينه وبين شيء آخر، فإذا علمت بعد ذلك -يعني بعد حصول هذه العلاقة بينهما في الذهن- بوجود أحدهما انتقل ذهنك إلى وجود شيء آخر.
طيب، قد عرفنا قبل ذلك -قال- لا، قد عرفنا أن الدلالة والانتقال من أحد الشيء إلى الآخر إنما ينشأ عن وجود علاقة بينهما، وهذه العلاقة لابد أن يكون موطنها الذهن، سواء كان هناك علاقة في الخارج أو لم يكن.
أقسام الدلالة (العقلية، الطبيعية، الوضعية)
تنقسم الدلالة باعتبار هذه العلاقة، طبيعة هذه العلاقة، تنقسم الدلالة باعتبار العلاقة الكائنة بين الدال والمدلول إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الدلالة العقلية
الدلالة التي تنشأ من وجود علاقة ذاتية بين الطرفين، ومعنى أن تكون العلاقة ذاتية أن يكون ذات أحد الطرفين مقتضياً للآخر، وبذاته يستدعي وجود الآخر. ومعنى أن تكون ذات أحد الطرفين مستلزمة للآخر أن أحدهما لو وجد فلا يمكن أن ينفك عنه الآخر، هذا معناه أن يكون ذات أحدهما طالباً للآخر، شو يعني؟ يعني أن الآخر لا ينفك عن ذات الأول؛ لأنه لو وجد أحد الطرفين ولم ينوجد الآخر، فهذا يعني أن ذات أحدهما لم تكن مقتضية للآخر، هذا خلف الفرض.
إذاً، فالقسم الأول هو الدلالة التي تنشأ من علاقة ذاتية بين الطرفين، أو فقل هي أن تكون العلاقة بين الطرفين ذاتية، ومعنى أن تكون ذاتية أن يكون أحدهما يقتضي بذاته الآخر بحيث لا يمكن أن يحصل انفكاك بينهما، فإذا ما وجد أحدهما وجد الآخر، وهذه العلاقة تتحقق في موارد ثلاثة:
المورد الأول: الانتقال من العلة إلى المعلول، كالانتقال من النار إلى الحرارة؛ فإن النار من علم بوجود النار -التفت- وكان يعلم في رتبة سابقة بأن النار توجب الحرارة، سوف يحصل انتقال إلى الحرارة. التفت، وهذه العلاقة بينهما علاقة ذاتية، ومعنى أن تكون ذاتية أن ذات أحد الطرفين يقتضي وجود الآخر بحيث لا يمكن وجوده من دونه، ولا يوجد عندنا نار لا تكون حارة، فذات النار تقتضي الحرارة، وهذه الدلالة من خصائصها أنها لا تختلف ولا تتخلف؛ لأن الانتقال إلى أحد الطرفين لما كان نابعاً من ذات الطرف الآخر فكلما وجد أحدهما لابد أن ينوجد الآخر، فلا يمكن أن تتخلف مثل هذه الدلالة، فكلما علمنا بوجود النار -طبعا وإذا كنا نعلم بالملازمه يعني، جيد- كلما علمنا بوجود أحدهما علمنا بوجود الحرارة، فلا يمكن أن نعلم بوجود النار ثم لا نعلم بوجود الحرارة، كما لا يمكن أن تنشأ النار ولا تنشأ الحرارة مثلاً. طيب، هذا هو الانتقال الأول وهو انتقال من العلة إلى المعلول والعلاقة هنا ذاتية.
المورد الثاني: من موارد الانتقال أو من موارد العلاقة الذاتية الانتقال من المعلول إلى العلة، مثاله: الضوء والشمس. هل نستطيع أن نقول أن الانتقال من المعلول إلى العلة كالانتقال من الحرارة إلى النار؟ لا، ليس دائماً؛ لأن الحرارة قد تنتج عن الاحتكاك، جيد، وهذا سيأتي أنه لا يصح دائماً الانتقال من المعلول إلى العلة. نعم، الانتقال من العلة إلى معلولها هذا ثابت، ولكن الانتقال من المعلول إلى العلة متى يصح؟ عندما يكون المعلول بحيث لا يصدر إلا عن علّة واحدة، فيعلم أن هذا لما كان معلولاً فلا بد أن له موجداً، فموجده منحصر بحسب الفرض فهذا هو الموج، فالانتقال من المعلول إلى العلة قالوا: كالانتقال من ضوء الصباح إلى طلوع النهار، يعني الشمس.
المورد الثالث: الذي تكون فيه العلاقة بين الدال والمدلول ذاتية، ما هو؟ قالوا: كالانتقال من أحد معلولي علة واحدة إلى معلولها الآخر. نلتفت؛ إذا أخذنا النار فإن لها جملة من الآثار: أحد آثار النار الحرارة، وأحد آثارها الضوء، وأحد آثارها الدخان، فيقال إن كلا من الدخان والحرارة معلولان لعلة واحدة وهي النار، فإذا ما علمت بوجود الدخان ينتقل ذهني إلى أي شيء؟ إلى وجود الحرارة، كما ينتقل ذهني إلى وجود النار. ولكن إذا علمت بوجود الدخان يصح أن أنتقل من وجود الدخان إلى وجود الحرارة أو لا؟ يصح. مع أن الدخان ليس علة للحرارة ولا هو معلول له، هما كلاهما معلول لشيء ثالث، وهذا الانتقال انتقال بين شيء لعلاقة ذاتية بينهما. وفي الحقيقة هذا الانتقال الثالث هو عبارة عن مجموع انتقالين، هما الأول والثاني؛ لأنني عندما أعلم بوجود الدخان، انتقل من العلم بوجود الدخان إلى العلم بوجود علته وهي النار، ثم ننتقل من العلم بوجود النار إلى العلم بوجود معلولها أو كل معلولاتها ومن جملة معلولاتها الحرارة. فالانتقال من الدخان إلى الحرارة انتقال من شيء إلى شيء لوجود علاقة ذاتية بينهما، إلا أن هذه العلاقة ليست أن أحدهما علة والآخر معلول، وإنما هما معلولان لعلة واحدة.
الماتن قدس سره عندما تحدث عن العلاقة الذاتية لم يذكر إلا موردين وهما: الانتقال من العلة إلى معلولها ومن المعلول إلى علته، ولم يذكر المورد الثالث، ونعتذر نحن له عن ذلك بأن هذا الانتقال لما كان يرجع إلى مجموع انتقالين سابقين صح له ألا يذكره، وإلا فقد ذكرناه لمجرد التوضيح.
طيب، هذه هي الدلالة التي تنشأ من علاقة ذاتية بين الطرفين، وتسمى الدلالة حينئذ دلالة ذاتية؛ لأن العلاقة ذاتية، ويقال لها أيضاً دلالة عقلية؛ لأن العقل هو الذي يحكم بضرورة وجود أحد الطرفين عند العلم بوجود الطرف الآخر. ومن خصائص هذه الدلالة أنها لا تختلف ولا تتخلف، الآن سوف يأتي ما هو الفارق بين الاختلاف والتخلف، معنى أنها لا تختلف ولا تتخلف أنه كلما وجد أحدهما وجب الانتقال إلى الآخر، بشرط -طبعا- العلم بهذه الملازمة، يعني بشرط أن تكون العلاقة وين؟ ذهنية، وإلا العلاقة مجرد وجود العلاقة الخارجية لا يكفي، كما أنه في بعض الأحيان لا نحتاج إلى العلاقة الخارجية من أول الأمر. هذا هو النحو الأول من الدلالة.
القسم الثاني: الدلالة الطبيعية
الدلالة الثانية أو القسم الثاني من أقسام الدلالة هي الدلالة التي تكون العلاقة فيها بين الدال والمدلول علاقة طبيعية، والمراد من العلاقة الطبيعية هي العلاقة التي يقتضيها طبع الإنسان؛ فإن للإنسان سجايا وأطباعاً من قبيل أن يحمر وجهه عندما يخجل، وأن يصفر لونه عندما يخاف، وأن يفرقع أصابعه أو يتمطى -جيد- أو يتثاءب أو عفواً يتمطى عند الضجر، جيد، أو عند النعاس، إلى غير ذلك من التصرفات والانفعالات والسلوكيات التي تصدر من الإنسان عند وجود انفعال وشعور عاطفي عنده، أو أن تنزل دموعه عند الحزن إلى غير ذلك من الأمور.
وهذه لا شك في أننا عندما نتصور واحداً منا فإننا ننتقل إلى شيء آخر، ولو مرة -التفت- ولو الانتقال عندي ولم يحصل عندك، فما دامت مثل هذه العلامات بحيث تنقلنا إلى بعض المعاني فلا بد أن يكون هناك علاقة كائنه بين الدال والمدلول، بين ما انتقلنا منه وبين ما انتقلنا إليه، فكلما حصلت دلالة وجب أن يكون هناك علاقة بين الدال والمدلول. ولا نشك في أن كثيراً من الناس يحصل عندهم انتقال من التثاؤب إلى النعاس، أو من فرقعة الأصابع إلى الضجر، فدلنا ذلك على وجود علاقة بين هذين الشيئين في الذهن، وهذه العلاقة إنما نشأت من كونها متضمنة في الطبع الإنساني، الإنسان بطبعه يميل إلى مثل هذه التصرفات عندما يكون عنده مثل هذه الانفعالات.
إلا أن هذه العلاقة بين الشيئين ليست علاقة ذاتية، ولو كانت ذاتية لما انفك أحدهما عن الآخر، فكثيراً ما تنزل دموعنا ولا يكون ذلك من أجل الحزن ولا من أجل الفرح أيضاً، جيد، كما إذا دخل غبار إلى العين، وكثيراً ما يحصل الحزن من غير أن تنزل دموعنا، فكثيراً ما ينوجد الدال من دون المدلول، وكثيراً ما ينوجد المدلول من دون الدال. ولذلك قيل إن هذه الدلالة الطبيعية تختلف بين طبع وآخر؛ فإن من الناس من يرتدي الأبيض عند الحزن وهم قوم في الهند أو في الصين، ومن الناس من يرتدي الأسود عند الحزن، فهذه الدلالة تختلف باختلاف الأطباع، وبعض الناس لهم بشرة بيضاء تحمر من دون خجل، وبعضهم لا يحمر وجههم إلا لخجل، فهذه الدلالة -وإن كانت طبعا لما فرضناها دلالة فلا بد أن تنشأ عن علاقة، وإن كانت ناشئة من علاقة- لأن هذه العلاقة قد تختلف بين قوم وآخرين، تختلف بين طبع وآخر، ولذلك قيل إن الدلالة الطبيعية تختلف وتتخلف.
وإذا ما أرادنا أن ندقق في هذا التعبير -تختلف وتتخلف- التفت، الاختلاف وصف للدال والتخلف وصف للمدلول. فما معنى أن تختلف الدلالة؟ أي -التفت، أعطيني مثالاً للدلالة الطبيعية- ناخذ هذه الحمرة والخجل، ما هو الدال هاهنا؟ الحمرة، والمدلول هو الخجل، تمام؟ ما معنى أن تختلف الدلالة؟ أي أن لا يكون هناك حمرة، يكون هناك صفرة مثلاً ويكون هناك خجل، فقد اختلف الدال مثلاً. أو دعك من هذا المثال، نأخذ مثال الحزن والأسود والأبيض، قد يختلف الدال والمدلول واحد، كما إذا وجد السواد عندنا فهو دال على الحزن، وكما إذا وجد البياض عند قوم آخرين فإنه دال على الحزن أيضاً، فقد اختلف الدال. وقد يتخلف المدلول، وما معنى أن يتخلف المدلول؟ أن ينوجد نفس الدال كما إذا وجدت الحمرة ولم ينوجد خجل وإنما وجد شيء آخر.
فقولنا إن الدلالة الطبيعية تختلف وتتخلف، أي قد ينوجد الدال ولا ينوجد المدلول وهذا تخلف للمدلول، وقد ينوجد المدلول ولا ينوجد الدال وهذا اختلاف للدال. فالاختلاف هو تغير الدال مع بقاء المدلول، والتخلف ما هو؟ وجود الدال من دون وجود المدلول. وهذه هي خصوصية الدلالة الطبيعية، وإنما سميت طبيعية لأن هذه الدلالة ناشئة من علاقة بين شيئين بحيث تكون علاقة يتضمنها الطبع الإنساني.
القسم الثالث: الدلالة الوضعية
القسم الثالث والأخير من الدلالة هي الدلالة الوضعية، يأتي بيانها غداً إن شاء الله.
نقرأ هذا المقدار قبل أن نختم. قال: (لا شك أن انتقال الذهن من شيء إلى شيء لا يكون بلا سبب، وإلا -ليش؟- وإلا صار حصل انتقال من كل شيء إلى كل شيء، وهذا خلاف الوجدان، وليس السبب إلا رسوخ العلاقة بين الشيء -مش في الخارج، قال- في الذهن. وهذه العلاقة الذهنية أيضاً لها سبب، ولكن هذا لا يعني أن سببها دائماً هو علاقة خارجية، كما توهم في ذلك الماتن. وسببها العلم بالملازمة بين الشيئين خارج الذهن، هذا ليس ضرورياً وإلا انحصرت الدلالة بالعلة والمعلول).
طيب، ولاختلاف هذه الملازمة -يعني لاختلاف العلاقة من كونها ذاتية أو طبيعية أو بوضع واضع وجعل جاعل- قسموا الدلالة إلى أقسام؛ فالدلالة تنقسم باعتبار العلاقة التي تنشأ منها إلى أقسام ثلاثة: عقلية، وطبعية، ووضعية.
1. الدلالة العقلية: وهي ما إذا كان بين الدال والمدلول ملازمة ذاتية، بس الملازمة يعني أحدهما يستلزم الآخر، يعني علاقة ذاتية في وجودهما الخارجي، واضح؛ لأن العلة والمعلول متلازمان خارجاً كالأثر والمؤثر، فإذا علم الإنسان مثلاً أن ضوء الصباح أثر لطلوع قرص الشمس -شوف لا أن يعلم بالملازمة أولاً- ورأى الضوء -يعني وعلم بالدال اللي هو المعلول هاهنا على الجدار، عفواً المدلول هاهنا، نعم علم بالضوء الذي هو المدلول هاهنا- ورأى الضوء على الجدار ينتقل ذهنه إلى طلوع الشمس قطعاً، فيكون ضوء الصبح دالاً على الشمس دلالة عقلية. ومثله إذا سمعنا صوت متكلم -الآن انعكس صار صوت المتكلم هو العلة- من وراء جدار فعلمنا بوجود متكلم ما.
وقد تجتمع الدلالة في شيء واحد، إلا مثل كلمة «أخ»، أي كلمة «آه» تدل على وجود مصوت، هذا اللفظ يدل على وجود لافظ ولكن بدلالة، أي دلالة؟ عقلية، ولكنها تدل على التوجع أيضاً بدلالة أخرى، وهي دلالة طبعية، تمام؟
2. الدلالة الطبيعية: وهي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين ملازمة طبعية، أعني التي يقتضيها طبع الإنسان، وقد يختلف ويتخلف، أو قد يتخلف المدلول ويختلف في الدال، باختلاف طباع الناس، لا كالأثر بالنسبة إلى المؤثر الذي لا يتخلف ولا يختلف. وأمثلة ذلك كثيرة، فمنها: اقتضاء طبع بعض الناس أن يقول «أخ» عند الحس بالألم، و«آه» عند التوجع، و«أف» عند التأسف والتضجر. ومنها: اقتضاء طبع البعض أن يفرقع أصابعه أو يتمطى عند الضجر والسأم، أو يعبث بما يحمل من أشيائه أو بلحيته أو بأنفه، أو يضع إصبعه بين أعلى أذنيه عند التفكير مثلاً، وحاجبيه عند التفكير هكذا كذا جيد، أو يتثاءب عند النعاس.
فإذا علم الإنسان بهذه الملازمة فإنه ينتقل ذهنه من أحد المتلازمين إلى الآخر، فلا بد من العلم بالملازمة، ولا بد من العلم بوجود أحد الطرفين؛ فعندما يسمع بكلمة «أخ» ينتقل ذهنه إلى أن متكلمها يحس بالألم، وإذا رأى شخصاً يعبث بمسبحته يعلم بأنه في حالة تفكير، أو إذا كان يأكل رأس القلم مثلاً -شايف- يضبط الألم.
وهكذا، الدلالة الوضعية تأتي هذه إن شاء الله غداً.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
