دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 13
013
أقسام الدلالة
لا زال الكلام في تقسيم الدلالة باعتبار طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الدال والمدلول. وقد عرفنا أن العلاقة التي تسبب وجود صلاحية في أحد الأمرين لأن يكون دالاً على الآخر فينتقل منه إليه هذه العلاقة تارة تكون علاقة ذاتية، بأن يكون ذات أحد الطرفين مقتضيا للطرف الآخر، وهذا إنما يكون بين العلة ومعلولها سواء كان الانتقال من العلة إلى المعلول أو من المعلول إلى العلة أو من أحد المعلولين إلى المعلول الثاني كالانتقال من معلولي علة واحدة إلى المعلول الآخر.
وكذا عرفنا أن من خصائص هذه الدلالة أنها لا تختلف ولا تتخلف، فكلما جيء بالدال وعلم بوجود ذلك الدال حصل انتقال إلى المدلول. العلاقة أو الدلالة الثانية هي الدلالة التي تنشأ من وجود علاقة طبيعية بين الطرفين، وهذه الدلالة تختلف وتتخلف باختلاف طبائع الناس وعاداتهم.
الدلالة الثالثة -وهي القسم الأخير من هذا التقسيم- هي الدلالة التي تنشأ من وجود علاقة وضعية بين الطرفين، وذلك بأن يكون أحد الطرفين لا اقتضاء فيه للطرف الآخر، لا يكون في أحد الطرفين اقتضاء تكويني للطرف الآخر، ولكن تحصل هذه العلاقة بجعل الجاعل واعتبار المعتبر؛ فلفظة زيد مثلاً بذاتها لا تقتضي إلا الدلالة على وجود لافظ، لأن الصوت أمر لم يكن موجودا ثم وُجد فيلزمُه علة، فنفس هذا اللفظ بما هو هو لا اقتضاء له بذاته إلا للدلالة على وجود مصوت وعلى وجود لافظ، وهذه دلالة عقلية ذاتية.
وأما دلالة هذا اللفظ على ذلك الشخص بعينه فهذه دلالة مستندة إلى الواضع؛ فلولا أن هناك واضعا في رتبة سابقة هو الذي خصص هذا اللفظ بذلك الشخص لما حصل عندنا انتقال من اللفظ إلى معنى زيد وإلى حقيقة زيد وهويته.
وكذلك إشارات المرور من اللون الأخضر والأحمر والأصفر، فإن هذه الألوان لا دلالة لها على جواز العبور أو امتناعه أو وجوب التخفيف مثلاً، وإنما نشأت دلالة هذه الألوان على مثل هذه المعاني بسبب أن الواضع هو الذي خصص واعتبر أن هذا اللون صار دالاً على ذلك المعنى. فيقال إن دلالة إشارات المرور أو دلالات النصب التذكارية التي تنصب على الطرقات أو دلالات الإشارات اللاسلكية وغير ذلك، فإن كل هذه الأمور لم تكن لتدل على معنى لولا أن هناك إعداداً اعتبارياً سابقاً يقضي بتخصيص كل واحد من هذه الدوال بواحد من تلك المدلولات، فيقال إن الدلالة حينئذ دلالة وضعية، أي أنها مستندة إلى الواضع.
ومن خصائص هذه الدلالة أنها لا تختلف ولا تتخلف ما دام الاعتبار والوضع ثابتاً، وأما إذا زال الاعتبار بأن جاء خبراء السير وألغوا هذه المعادلة التي كانت قائمة بأن جعلوا اللون الأحمر لجواز العبور، سوف تنشأ دلالة جديدة وسوف تزول الدلالة السابقة -طبعا هذا على قول وإلا الدلالة بعد الوضع حتى بعد انعدام الوضع لا تزول-. كيف كان؟ نأخذ على مشهور ما ذهبوا إليه في هذا الكتاب، فإن الدلالة الوضعية لما كانت ناشئة من التواضع والاصطلاح، ناشئة من أن أحدا ما قد اصطلح على ذلك اللفظ أو على تلك الإشارة بأنها دالة على هذا المعنى، فإذا انعدمت ما نشأت منه الدلالة سوف تنعدم تلك الدلالة.
فهذه الدلالة الذاتية لا تختلف ولا تتخلف مطلقا يعني من غير تقييد بشرط، والطبيعية تختلف وتتخلف مطلقا أي من غير تقييد بشرط، وأما الدلالة الوضعية فهي ما دام الوضع قائما، ما دام الاصطلاح والاعتبار قائما فهي لا تختلف ولا تتخلف، وتختلف وتتخلف عند زوال الوضع وانعدام الاعتبار.
تمام، هذا تمام الكلام في تقسيم الدلالة باعتبار العلاقة التي تنشأ بين الطرفين والتي توجب هذه الدلالة.
التقسيم الثنائي والثلاثي للدلالة وأقسامها الستة
وللدلالة تقسيم آخر باعتبار آخر، وهو تقسيم الدلالة باعتبار الدال لا باعتبار العلاقة القائمة بين الدال والمدلول. والحاصل أن كل دلالة فإن الدال فيها لا يخلو إما أن يكون لفظياً وإما أن يكون غير لفظي، فإن كان الدال لفظياً سميت الدلالة دلالة لفظية، وإلا فهي دلالة غير لفظية.
مثال الدلالة اللفظية: دلالة زيد على معناه.
ومثال الدلالة غير اللفظية: دلالة إشارات المرور أو دلالة الحمرة على الخجل.
تمام، إذاً فصار عندنا تقسيمان للدلالة: تقسيم لها باعتبار العلاقة وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وتقسيم لها باعتبار الدال وهو تقسيم لها إلى قسمين إلى لفظية وغير لفظية. فينشأ من ضرب الثلاثة التي هي نتاج التقسيم الأول بالاثنين اللذين هما نتاج التقسيم الثاني، ينشأ من ضرب الثلاثة بالاثنين وجود ستة أقسام للدلالة؛ لأن الدلالة إما دلالة لفظية عقلية، أو دلالة عقلية غير لفظية، وإما دلالة لفظية طبعية أو دلالة طبعية غير لفظية، وإما دلالة وضعية لفظية وإما أن تكون دلالة وضعية غير لفظية.
أما الدلالة العقلية اللفظية فكدلالة اللفظ على أي شيء؟ على وجود لافظ، مش على معناه؛ لأن اللفظ يدل على معناه بالوضع، وأما دلالة اللفظ على وجود اللافظ فهذه دلالة عقلية والدال فيها لفظ.
وأما الدلالة العقلية غير اللفظية فكدلالة الحرارة على وجود النار، أو النار على وجود الحرارة، أو ضوء الصباح على طلوع الشمس إلى غير ذلك، أو دلالة أثر الأقدام على وجود السير إلى غير ذلك.
وأما الدلالة الطبعية اللفظية فكدلالة لفظ أخ أو لفظ أي أو لفظ أه أو لفظ أف على التوجع والألم والضجر وغير ذلك من المعاني، فإن الدال فيها كان لفظا، كان صوتاً.
وأما الدلالة الطبعية غير اللفظية فمثاله حمرة الوجه للخجل وسفرته للوجل إلى غير ذلك.
وأما الدلالة الوضعية اللفظية فكدلالة لفظ زيد على معنى أو لفظ حائط على ما وضع له.
ومثال الدلالة الوضعية غير اللفظية دلالات إشارات السير وإشارات المرور والأجهزة اللاسلكية والرموز الحسابية مثلاً أو الخطوط أو الكتابات؛ فإنها تدل على معان وهذه الدوال ليست أمرا لفظيا.
فأقسام الدلالة بعد الجمع بين هاتين القسمتين ستة، ولكن المقصود الأساسي من هذه الأقسام الستة -وذلك لما عرفنا فيما سبق من أن هذا البحث إنما تعرضنا إليه وتعرض إليه المناطقة في كتبهم لأجل أن يقفوا على طبيعة الارتباط بين اللفظ والمعنى والتي أدت إلى أن يكون وقوع الخطأ في أحدهما موجبا لوقوع الخطأ في الآخر- فالبهث إنما هو عن الارتباط القائم بين الألفاظ ومعانيها، وهذا الارتباط إنما هو في الدلالة الوضعية، والدلالة الوضعية بين اللفظ والمعنى دائما تكون دلالة وضعية لفظية.
ولذلك نجد أن الماتن (قدس سره) قسم خصوص الدلالة الوضعية إلى لفظية وإلى غيرها، مع أن كلا من الدلالة العقلية والطبيعية تنقسم أيضا إلى دلالة لفظية وغير لفظية؛ لأن تداخل الأقسام يوجب أن نضرب نتائج القسمة الأولى بنتائج القسمة الثانية فتتولد عندنا ستة أقسام، ولكن لما كان الغرض إنما هو في الدلالة الوضعية اللفظية لم يكن هناك حاجة إلى تقسيم الدلالة العقلية إلى قسميها، ولا إلى تقسيم الدلالة الوضعية إلى لفظية وغير لفظية -الطبيعية طبعا، نعم- وإنما ارتكب تقسيم الدلالة الوضعية بخصوصها إلى لفظية وغير لفظية.
وقد كنا عرفنا سابقاً الدلالة بأنها كون الشيء بحالة إذا علمنا بوجوده انتقل ذهننا إلى وجود شيء آخر. ومن هنا يتضح السر في تعبيره بالشيئية، لأن الشيء أعم من أن يكون لفظا أو غير لفظ، ولذلك كان هذا التعريف تعريفا لمطلق الدلالة. وأما إذا أردنا أن نعرف الدلالة اللفظية فإننا نقول إنها كون لفظ بحالة بحيث يلزم من العلم به الانتقال إلى معنى اللفظ -اللفظ لا يدل على لفظ وإنما يدل على معنى-. تمام.
أقسام الدلالة الوضعية اللفظية: المطابقية، والتضمنية، والالتزامية
إذا اتضح ذلك، فإن الدلالة الوضعية اللفظية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى دلالة وضعية مطابقية، ودلالة وضعية تضمنية، ودلالة وضعية التزامية.
توضيح ذلك: أن الدلالة التي نريد أن نقسمها لما كانت دلالة وضعية، فهذا يعني أن العلاقة بين الدال والمدلول إنما نشأت من الوضع، أي إنما نشأت من تخصيص ذلك اللفظ بذلك المعنى، كما يأتي العربي ويقول: أضع لفظة حائط لهذا المعنى المخصوص، أو أضع لفظة إنسان للحيوان الناطق.
وحينئذ فاللفظ لا يخلو إما أن يدل على تمام المعنى الموضوع له أو على جزء المعنى الموضوع له أو على معنى خارج عن المعنى الموضوع له ولكنه يكون لازما له.
بيان ذلك أن اللفظ تارة يوضع لمعنى بسيط -أي غير مركب من أجزاء- كما في وضع لفظ الجلالة ليدل على الذات الإلهية، فإن الذات الإلهية متعالية منزهة عن التركيب بكل أشكاله، فهذا المعنى معنى بسيط لا تركيب فيه. وإذا كان هذا اللفظ موضوعا لهذا المعنى البسيط، فسوف لا يكون له إلا دلالة واحدة وهي دلالة هذا اللفظ على ذلك المعنى البسيط، ودلالة اللفظ على هذا المعنى البسيط هي دلالة للفظ على تمام ما وضع له؛ لأنه إنما وضع لهذا المعنى البسيط، وقد دل اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له اللفظ. فيقال إن هذه الدلالة دلالة للفظ على تمام ما وضع له، ولا يوجد معها دلالة أخرى.
ولكن تارة ثانية يكون اللفظ موضوعا لمعنى مركب من أجزاء، كما عندما يأتي الواضع ويضع لفظ الكتاب لهذا الجسم المركب من غلاف جلدي ومن أوراق ومن خطوط ونقوش موجودة على كل ورقة من هذه الأوراق، فإن هذا الكتاب هذا المعنى مركب من أجزاء. أو كما عندما يأتي الواضع ويضع لفظ الإنسان ويقول: إني أضعه وأصطلح عليه لمن كان حيوانا ناطقا، فقد وضع اللفظ لمعنى مركب من جزئين أو من أجزاء.
فهنا يقال إن لفظة إنسان تدل على الحيوان الناطق؛ لأن هذا اللفظ إنما وضع للمجموع المركب من هذه الأجزاء. ولكن لما كان هذا اللفظ موضوعا للمعنى المركب من الأجزاء، صار له دلالة على المجموع المركب وصار له دلالة أيضا على كل جزء من أجزاء ذلك المركب؛ لأن المركب من أجزاء يتوقف في وجوده على وجود كل جزء من أجزائه. ولذلك يقال إن المركب حقيقة ليس إلا عبارة عن أجزائه المجتمعة، فالمركب بالقياس إلى جزء واحد من الأجزاء هو مباين له؛ المركب شيء وجزء واحد شيء آخر. ولكن هذه الأجزاء بوصف الاجتماع ليست إلا عبارة عن المركب، فلما كان المركب موقوفا على أجزائه فإن اللفظ إذا ما جعل دالا على المركب فقد جعل دالا على كل واحد من أجزائه.
ولكن دلالة لفظ الكتاب على هذا الجسم المركب من الغلاف والورق والنقوش والخطوط، هذه الدلالة يقال لها أنها دلالة للفظ على تمام ما وضع له. وأما دلالة لفظ الكتاب على الجلد خاصة، على الغلاف خاصة، أو على الأوراق خاصة، فيقال إنها دلالة للفظ مش على تمام ما وضع له -لأن تمام ما وضع له هذا المركب- وإنما هي دلالة للفظ على جزء المعنى الموضوع له.
فإن كانت الدلالة دلالة للفظ على تمام المعنى الموضوع له فيقال لها إنها دلالة مطابقية؛ لأن اللفظ مطابق للمعنى الذي خصص به. وأما إذا كان اللفظ دالاً على جزء المعنى الموضوع له فيقال إنها دلالة تضمنية؛ لأن هذا الجزء واقع في ضمن الكل.
ومن هنا يعلم أنه كلما كان المعنى موضوعا كان هناك دلالة مطابقية ودلالة تضمنية، ولكن المعنى إذا كان بسيطا لا تركيب فيه فلا يكون في المقام إلا دلالة واحدة وهي الدلالة المطابقية؛ لأن الدلالة التضمنية هي دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له، فلا بد أن نكون قد افترضنا أن للمعنى جزءا، وقد فرضنا أنه بسيط لا تركيب فيه وما لا تركيب فيه لا دلالة تضمنية فيه. إذاً، إذا كان المعنى بسيطا فلا وجود إلا للدلالة المطابقية، وإذا كان مركبا فتوجد كل واحدة من الدلالة المطابقية وبتبعها تنشأ الدلالة التضمنية.
وقد ظهر من ذلك أن الدلالة المطابقية حاصلة على نحو الدوام، وأما الدلالة التضمنية فقد تتحقق فيما إذا كان المعنى مركبا.
جيّد، ويوجد دلالة ثالثة مغايرة للدلالة المطابقية ومغايرة للدلالة التضمنية وهي التي يقال لها الدلالة الالتزامية. وهي دلالة اللفظ -التفت- على غير ما وضع له، أي دلالة اللفظ على شيء لا يوجد بين اللفظ وبينه علاقة وضع.
وذلك كدلالة لفظ الأسد على الرجل الشجاع، كما يقال: جاء أسد يرمي، وأنا لا أريد الحيوان المفترس وإنما أريد الرجل الشجاع. أو كما إذا قلت: جاء عين القوم، وأنا لا أريد أن عينا باصرة قد جاءت، وإنما أريد الجاسوس الذي يتطلع لي ويتفقد حال الأعداء مثلاً. أو كما يقال مثلاً إن يدي فوق يدك، وأنا لا أريد من يدي هذه اليد الجارحة بل أريد القدرة كما في قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ (الفتح: 10) إذ ليس لله يد. جيّد.
تمام، فيقال إن هذه الألفاظ لم توضع لتلك المعاني؛ العربي عندما جاء بلفظ أسد لم يضعه للرجل الشجاع وإنما وضعه للحيوان المفترس حقيقة، فليست دلالة اللفظ على الرجل الشجاع دلالة ناشئة من الوضع أو ليست دلالة وضعية، لأن اللفظ لم يوضع لذلك المعنى. وإذا كان اللفظ بحيث لم يوضع لهذا المعنى فلا يصدق أن دلالة اللفظ دلالة للفظ على تمام ما وضع له ولا على بعض ما وضع له ولا على جزء ما وضع له ذلك اللفظ؛ إذ لا يوجد واضع بينهما.
ولكن لما كان لفظ الأسد موضوعا للحيوان المفترس فيوجد علاقة خاصة بين اللفظ وبين أي شيء؟ بين الحيوان المفترس. ثم حصل تقارن وارتباط بين الحيوان المفترس وبين الرجل الشجاع حتى كأن الرجل الشجاع لشدة شجاعته صار فردا من أفراد الحيوان المفترس ادعاء وافتراضا، فنزل الرجل الشجاع منزلة الحيوان المفترس مبالغة في التشبيه، فنشأ بين الرجل الشجاع والحيوان المفترس ارتباط واقتران، فصار لفظ الأسد موجبا للانتقال إلى الحيوان المفترس والحيوان المفترس موجب للانتقال إلى أي شيء؟ إلى الرجل الشجاع، فصار للفظ الأسد دلالة على الرجل الشجاع. إلا أن هذه الدلالة لم تنشأ من الوضع، لأن الوضع إنما يوجب الانتقال من الأسد إلى الحيوان المفترس، ولكنها نشأت من مجموع شيئين: من وضع لفظ الأسد للحيوان المفترس، ومن وجود علاقة تلازم وارتباط بين المعنى الحقيقي وهو الحيوان المفترس وبين المعنى المجازي وهو الرجل الشجاع.
فيقال هي دلالة للفظ على شيء خارج عن المعنى الموضوع له ولكنه يكون لازما له، ولذلك يقال لمثل هذه الدلالة إنها دلالة التزامية.
أو كدلالة لفظ النار على الحرارة -التفت دلالة لفظ النار على الحرارة ليست دلالة عقلية، لأن ذات هذا اللفظ لا يقتضي وجود حرارة، الآن أنا أقول نار ولم تنوجد الحرارة تمام؟ دلالة لفظ النار على وجود الحرارة هذه ليست دلالة عقلية، إذ لو كانت دلالة عقلية لوجب كلما قلنا هذا اللفظ أن تنوجد الحرارة، وأنا أقول نار الآن ولا حرارة في المقام، فهذه دلالة ليست عقلية ولا طبيعية تمام-. إذن فهي دلالة وضعية، ولكن لفظ النار لم يوضع لمعنى الحرارة وإنما وضع لهذه الكتلة المتوهجة.
جيّد فنقول: نعم، ولكن لما كانت هذه الكتلة المتوهجة بحيث تستلزم خارجا الحرارة، فصار هناك اقتران بين لفظ النار ونفس النار الخارجية، وهذا الاقتران ناشئ من الوضع. وعندنا اقتران آخر وهو اقتران بين نفس النار الخارجية وبين الحرارة، وهذا الاقتران هو علاقة التلازم.
فيقال إن دلالة لفظ النار على وجود حرارة هي دلالة للفظ على غير ما وضع له، يعني على شيء خارج عن المعنى الموضوع له ولكنه لازم له، أي بحيث يترتب عليه. ومن هنا يقال إن كل الاستعمالات المجازية داخلة تحت الدلالة الالتزامية.
أو مثلاً كمثل استعمال الكل وإرادة الجزء، أو استعمال الجزء وإرادة الكل، كما يقال: فلان يدي اليمنى، وفلان هو عيني التي أتطلع به، وفلان ليس عينا، ولفظ العين لم يوضع لهذا الرجل وإنما وضع للجارحة فيه، ولكن لما كان أهم شيء في هذا الرجل هو عينه جيّد، وأهم شيء في هذا الرجل هو يده لكونه مساعدا لي مثلاً فيقال: ينزل الكل منزلة الجزء. فهذا اللفظ لم يستعمل فيما وضع له وإنما استعمل في غير ما وضع له جيّد، ولكن هذا الاستعمال وهذا الانتقال من اللفظ إلى هذا المعنى المجازي هو انتقال بدلالة التلازم، بالدلالة الالتزامية.
إلا أن هذه الدلالة الالتزام -طبعاً هنا استعمال الكل وإرادة الجزء لا يقال له استعمال مجازي، يقال له مجاز مرسل في اللغة تمام- فهذا أيضا يندرج وين؟ تحت الدلالة الالتزامية. كيف كان؟
هذه الدلالة الالتزامية إذاً هي دلالة للفظ على غير ما وضع له، أو على معنى خارج عن المعنى الموضوع له، ولكنه لابد أن يكون ملازما لأي شيء للمعنى الموضوع له. ومن هنا يعلم أن هذه الدلالة متوقفة على وجود وضع؛ إذ لو لم يكن لفظ الأسد موضوعا للحيوان المفترس لما حصل الانتقال من الأسد إلى الرجل الشجاع، لأن الانتقال من لفظ الأسد إلى الرجل الشجاع عبارة عن مجموع ارتباطين، عبارة عن مجموع اقترانين: اقتران لفظ الأسد بالحيوان المفترس وهذا الاقتران إنما ينشأ من الوضع، وعندنا اقتران ثان وهو اقتران الحيوان المفترس بالرجل الشجاع وهذا الارتباط إنما يحصل من التشابه بينهما وهي علاقة الشجاعة مثلاً تمام.
فلو انتفى أحد الارتباطين لما عاد هناك انتقال من لفظ الأسد إلى الرجل الشجاع، فلو أن لفظ الأسد مثلاً لم يوضع للحيوان المفترس سوف لا ننتقل إلى الرجل الشجاع أيضا، لأن الانتقال إلى ذلك المعنى إنما هو -التفت- بسبب وجود ارتباط بينه وبين المعنى الحقيقي، وبسبب وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي وبين اللفظ، فلو لم يكن ارتباط بين اللفظ ومعناها الحقيقي -يعني لو لم يكن هناك واضع- لما حصل الانتقال.
فدلالة اللفظ على أمر خارج عن المعنى الحقيقي هي فرع دلالته على الأمر الحقيقي، هي متفرعة عن كونه دالاً على المعنى الحقيقي. ولذلك يقال إن الدلالة الالتزامية أيضا هي متفرعة على وجود دلالة مطابقية؛ فعندما يقال: جاء أسد يرمي، لولا أن لفظ الأسد قد وضع للحيوان المفترس في رتبة سابقة لما صح لنا أن ننتقل من لفظ الأسد إلى الرجل الشجاع؛ لأن الذهن كيف تنقل من اللفظ من لفظ الأسد إلى الرجل الشجاع؟ حصل عنده الانتقال بعد الجمع بين ارتباطين، لأن الذهن ينتقل أولا من لفظ الأسد إلى ما وضع له وهو الحيوان المفترس، ثم ينتقل من الحيوان المفترس إلى الرجل الشجاع لعلاقة الاقتران والتشابه الحاصلة بينهما.
فلو لم يكن لفظ الأسد موضوعا للحيوان المفترس لما حصل عنده الانتقال إلى الحيوان المفترس، وبالتالي لا يحصل عنده الانتقال إلى الرجل الشجاع. ولذلك كلما فرضنا أن هناك استعمالا مجازيا فهو متفرع على الاستعمال الحقيقي، ولذلك يقال إن الدلالة الالتزامية تتفرع على الدلالة المطابقية.
فكلما فرضنا أن هناك دلالة التزامية فلا بد أن نفرض أن في المقام في رتبة سابقة يوجد دلالة مطابقية، وكلما فرضنا أن هناك دلالة تضمنية فلا بد أن نفترض في رتبة سابقة أن هناك دلالة مطابقية، وكلما لم يكن المعنى مركبا ولا لازم له فالدلالة مطابقه، فالدلالة المطابقية حاصلة على كل تقدير. أما الدلالة التضمنية فهي موقوفة على أن يكون المعنى الموضوع له مركبا، وأما الدلالة الالتزامية فهي موقوفة على أن يكون ذلك المعنى الخارج عن المعنى الموضوع له بحيث يكون ملازما للمعنى الموضوع له.
هذا هو تمام الكلام في تقسيم الدلالة الوضعية اللفظية إلى أقسام ثلاثة؛ فنقول: لأن اللفظ لا يخلو إما أن يدل على تمام المعنى الذي وضع له فهي الدلالة المطابقية، أو أن يدل على جزء المعنى الذي وضع له فهذه الدلالة التضمنية، أو يدل على معنى خارج عن المعنى الموضوع له ولكنه يكون لازما له لعلاقة من العلاقات. الملازمة قد تكون بسبب العلة والمعلول مثل لفظ النار تنتقل منه إلى الحرارة، والملازمة قد تكون لعلاقة المشابهة كما في مثل قولنا: جاء أسد يرمي ونريد الرجل الشجاع، التلازم قد يكون من علاقة الجزء والكل كما عندما تقول: جاء عين القوم، تمام؟ أو فلان يدي جيّد، وهكذا.
إشكال على الدلالة الالتزامية ودفعُه
بقي في هذا المقام إشكال يجب أن نثيره على المطلب ثم نجيب عنه. قلنا إن الدلالة الوضعية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى مطابقية وتضمنية والتزامية تمام. ولكننا قلنا أيضا إن الدلالة الوضعية -عندما كنا نقسم الدلالة إلى عقلية وطبيعية ووضعية- قلنا في تعريف الدلالة الوضعية: إنها الدلالة التي تكون العلاقة أو التي تنشأ من وجود علاقة وضعية بين الدال وبين المدلول. وقلنا أيضا إن القسم عبارة عن المقسم وزيادة، فإذا كانت الدلالة الوضعية هي المقسم وقد عرفناها بأنها الدلالة التي تنشأ عن وجود علاقة وضعية بين الدال والمدلول، فهذا المعنى معنى للمقسم يجب أن ينوجد في كل واحد من الأقسام؛ لأن القسم عبارة عن المقسم وزيادة. شو الالتزامية؟ ها؟
ولكن الدلالة الالتزامية واحدة من أقسام الدلالة الوضعية، في حين أننا لا نجد أن هناك علاقة وضعية بين الدال والمدلول؛ لأن الدال في الدلالة الالتزامية ما هو؟ لفظ الأسد، والمدلول مدلوله في الدلالة الالتزامية الرجل الشجاع، ولا يوجد علاقة وضع بين لفظ الأسد وبين الرجل الشجاع؛ نعم يوجد بين لفظ الأسد والحيوان المفترس وهذه دلالة مطابقية، ولكن بين لفظ الأسد والرجل الشجاع لا يوجد علاقة وضعية؛ لأن الواضع لم يضع ذلك اللفظ لذلك المعنى. وإذا لم يكن هناك علاقة وضعية فلا ينطبق حد الدلالة الوضعية على الدلالة الالتزامية، وإذا لم ينطبق عليها فلا يصدق أن الدلالة الالتزامية هي عبارة عن المقسم وزيادة -عن الدلالة الوضعية وزيادة- فيشكل حينئذ دخول هذه الدلالة الالتزامية تحت الدلالة الوضعية. واضح الإشكال؟ تمام.
وهذا إشكال لا يرد على الماتن (قدس سره)، وذلك لأننا إذا رجعنا إلى تعريف كل واحدة من الدلالات في كلام الماتن -شوف، عندما جاء إلى الدلالة العقلية عرفها هكذا قال: هي الدلالة التي تنشأ من أو هي الدلالة التي تكون العلاقة فيها ذاتية بين الطرفين تمام؟ وعندما جاء إلى تعريف الدلالة الطبعية قال: هي الدلالة التي تكون العلاقة فيها طبعية- ولكنه عندما جاء إلى تعريف الدلالة الوضعية لم يقل: هي الدلالة التي تكون العلاقة فيها وضعية بين الطرفين -ملازم- وإنما قال: هي الدلالة التي تستند إلى الوضع، شوف، هي التي تكون العلاقة بين الطرفين مستندة إلى الوضع أه، وليس بالضرورة أن تكون العلاقة وضعية، قد تكون ناشئة من الوضع. والدلالة الالتزامية كما عرفنا متفرعة على الدلالة المطابقية أو لا؟ فهي مستندة إذا إلى الوضع، وإن لم يكن هناك وضع مخصوص بين الدال وبين المدلول الالتزامي. واضح صار المعنى أو لا؟
طبعاً، شو يعني الدلالة الالتزام؟ عندما نقول دلالة التزامية هي دلالة اللفظ على شيء خارج عن المعنى ولكنه لازم جيّد، لازم للمعنى الموضوع له. ويقال لهذا المدلول -يعني المعنى الذي نستدل عليه، يعني الرجل الشجاع- يقال له مدلول التزامي في قبال المدلول المطابقي.
المدلول المطابقي يعني المعنى الذي وضع له اللفظ مطابقة هو الحيوان المفترس. المدلول الالتزامي هو اللفظ الذي هو المعنى الذي لم يوضع له اللفظ ولكن له هنا ويكون ملازما للمعنى الحقيقي.
أو فمن أمثلة المدلول الالتزامي مثلاً كما إذا جاءك أحد وقال لك: أكرم العالم العادل. فهذا التركيب يدل مطابقة على وجوب إكرام العالم العادل تمام، ويدل التزاما على عدم وجوب إكرام العالم إذا لم يكن عادلا، فيقال إن المدلول المطابقي هو وجوب إكرام العالم العادل -يعني هذه الألفاظ إن وضعت لهذه المعاني- ولكن عدم وجوب إكرام العالم غير العدل من أين نجي بها؟ قالوا: هذه مدلول حدود التزامي، يعني هذا المعنى يلازم ذلك المعنى؛ لأن المتكلم بحسب الفرض يريد أن يبين مراده، فقد بين مراده بذكر هذه القيود، فلو كان يريد إكرام العالم غير العادل لما كان هناك معنى لأن يقيد بالعادل، قال: أكرم العالم مطلقا تمام؟ فلما قيد علمت أنه يريد أن يتحرز عن إكرام العالم غير العادل، فيقال أن هذه الدلالة دلالة التزامية مثلاً. جيّد.
كيف كان؟ قد عرفنا أن الدلالة الالتزامية يصدق عليها حد الدلالة الوضعية، لأن الدلالة الوضعية ليست عبارة عن الدلالة التي تكون العلاقة بين الدال والمدلول وضعية، بل يكفي أن تكون علاقة مستندة إلى الوضع جيّد. والدلالة الالتزامية لما كان المعنى الالتزامي بحيث يجب أن يكون ملازما للمعنى الموضوعي للمعنى المطابق، فهذه والمعنى المطابق معنى الموضوع له، فهذه العلاقة تستند إلى الوضع وناشئة منه، فصار يصدق عليها حد الدلالة الوضعية.
شروط الدلالة الالتزامية
بقي في هذا المطلب مسألة واحدة، وهي أن الدلالة الالتزامية كما يشترط فيها العلم بالواضع، كذلك يشترط فيها العلم بالملازمة؛ لما عرفناه من أن الانتقال من الدال إلى المدلول الالتزامي هو عبارة عن مجموع انتقالين، عبارة عن مجموع دلالتين، فلا بد أن يكون عالما بالارتباط بين اللفظ ومعناه الحقيقي وأن يكون عالما بالارتباط واللزوم بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي الالتزامي تمام.
ولذلك تعرض الماتن (قدس سره) في آخر بحث الدلالة الالتزامية إلى اشتراط زائد، وهو أنه لابد من العلم بالملازمة فضلا عن وجوب العلم بالواضع؛ لان الانسان الذي لا يعلم اللغة العربية مثلا فهو جاهل بالواضع، فلو قيل له إنسان لم ينتقل ذهنه إلى أي معنى لعدم وجود علم بالواضع. وقد عرفنا أن العلاقة لا يجب، لا يكفي أن تكون موجودة خارجا، بل لابد أن تكون العلاقة موجودة في الذهن، يعني حاضرة بوجودها العلمي لا بوجودها العيني.
نقرأ هذا المقدار: أين وصلنا في القراءة؟ الدلالة الوضعية. شوف، عندما قال الدلائل، ارجع، ارجع إلى الدلالة العقلية، قال: وهي فيما إذا كان بين الدال والمدلول، قال: ملازمة ذاتية، يعني العلاقة ذاتية. عندما عرف الدلالة الطبيعية، قال: وهي ما إذا كانت الملازمة بين الشيئين ملازمة طبيعية. ولكنه عندما عرف الدلالة الوضعية لم يقل: هي ما إذا كانت الملازمة بينهما ملازمة وضعية، قال: وهي فيما إذا كانت الملازمة بين الشيئين تنشأ من التواضع. ونشوؤها من التواضع يصدق على الدلالة الالتزامية وإن لم يكن بين الدال والمدلول الالتزامي أي علاقة وضعية وضعية، قال: تنشأ من التواضع والاصطلاح.
الاصطلاح يعني التواضع، التواضع يعني أنا اصطلحت أنا أخصص هذا اللفظ بذلك المعنى، هذا يسمى اصطلاح ويسمى تواضع ويسمى وضعا، أضع هذا اللفظ لذلك المعنى على أن طيب من التواضع والاصطلاح اصطلاح على أي شيء؟ قال: على أن وجود أحدهما يكون دليلا على وجود الثاني. الوالد هو الذي يقول: أنا أصطلح أنني كلما قلت زيد فأنا أريد ذلك الشخص، فالتفتوا إلى ولدي مثلاً، كالخطوط التي اصطلح على أن تكون دليلا على الألفاظ، وكإشارات الأخرس وإشارات البرق واللاسلكي والرموز الحسابية والهندسية ورموز سائر العلوم الأخرى، والألفاظ التي جعلت دليلا على مقاصد النفس يعني على المعاني.
فإذا علم الإنسان بهذه الملازمة -يعني بالواضع علم بالواضع وعلم بوجود الدال- ينتقل ذهنه إلى الشيء المدلول. وهذه الدلالة الوضعية تنقسم إلى قسمين، مع أن كل دلالة تنقسم إلى قسمين ولكن لا غرض في تقسيم الدلالة العقلية إلى لفظية وغير لفظية؛ لأن بحثنا إنما هو حقيقة عن الدلالة وضعية.
قالوا: وهذه الدلالة الوضعية تنقسم إلى قسمين:
1. الدلالة اللفظية: وهي ما إذا كان الدال الموضوع لفظًا -الدال الموضوع شو يعني؟ يعني الدال الذي وضع بمعنى كان دالاً لفظياً-.
2. الدلالة غير اللفظية: إذا كان الدال الموضوع غير لفظ، كالإشارات والخطوط والنقوش وما يتصل بها من رموز العلم واللوحات المنصوبة في الطرق لتقدير المسافات أو لتعيين اتجاه الطريق إلى محل أو بلد ونحو ذلك.
الدلالة اللفظية قال من البيان السابق: نعرف أن السبب في دلالة اللفظ على المعنى هو العلقة الراسخة في الذهن بين اللفظ والمعنى، هذا الاقتران الذي يحصل في الذهن بين اللفظ والمعنى والذي يوجد هذا الاقتران ما هو؟ هو الواضع. أنا أضع وأخصص هذا اللفظ بهذا المعنى، ثم يكثر استعمالي لهذا اللفظ في ذلك المعنى فيحصل اقتران بينهما وين؟ في الذهن، وتنشأ هذه العلقة كما عرفته من الملازمة الوضعية بينهما عند من يعلم بالملازمة.
وعليه يمكننا تعريف الدلالة اللفظية بأنها هي كون اللفظ بحالة ينشأ من العلم بصدوره من المتكلم العلم بالمعنى المقصود به. مش بالضرورة المقصود به، هذا خطأ، ولكن هذا خطأ مبناه هذا خطأ راجع إلى مبدأ أبناء الشيخ المظفر في علم الأصول جيّد؛ لأنه يرى أن الاستعمال دائما يكون مشتملا على قصد كما يراه السيد الخوئي (قدس سرهم).
ولكن هذه الكلمات قد لا يكون المعنى مقصودا ومع ذلك يحصل معنى يتجه إلى المعنى أو لا؟ الآن أنا أقول: جاء أسد يرمي، ما أريده أنا ما هو؟ الرجل الشجاع حقيقة، لا يمكن أن تستعمل اللفظ الواحد في معنيين، إما أنت أما تريد الرجل الشجاع وإما تريد الحيوان المفترس. عندما أقول: جاء أسد يرمي، أنت حقيقة المعنى الذي أريده حقيقة ها هنا ما هو؟ الرجل الشجاع بقرينة يرمي. مع أن الذهن قد حصل عنده انتقال إلى الحيوان المفترس أيضا أو لا؟ فلو كانت الدلالة اللفظية مشروطة بالقصد لما حصل مثل هذا الانتقال، لأن هذه ليست دلالة. جيّد، ولكنها دلالة، أنت تقول عجيب ألا يلتفت الشيخ المظفر إلى مثل هذه المسألة؟ لا، شيخ المظفر يلتفت ويقول: نعم، هذه ليست دلالة جيّد، هذا يأتي في علم الـ في علم الأصول، يقول: نعم، أنت الآن النائم يصدر منه كلام من دون قصد -التفت- يصدر منه كلام وهو لا يقصد معناه، ألا يحصل عندنا انتقال من هذه الألفاظ إلى معانيها؟ بلا إشكال يحصل انتقال، إذا فالقصد ليس ضروريا لحصول الدلالة جيّد.
طيب، يقول الشيخ المظفر: بل هو ضروري لحصول الدلالة. نسأله: وماذا تفعل في مثل الكلمات التي تصدر عن النائم؟ يقول: أنا ألتزم بأنها ليست دلالة. عجيب إذا كيف حصل الانتقال؟ يقول: لأن هذه الألفاظ التي صدرت منه تشبه ألفاظا لو صدرت عن غير النائم لكان لها معنى، فيحصل الانتقال من باب تداعي المعاني -دعكم من هذه دعكم من هذا التفصيل يأتي في محله-.
طيب قال: أقسامها المطابقية والتضمنية والالتزامية. جيّد، طبعا هناك خلاف عميق جدا بين الأصوليين وبين العلماء في حقيقة الوضع، كيف حصل هذا الارتباط بين اللفظ والمعنى؟ فقط أريد أن أوقفكم على هذه النكتة التي لأجلها قلت فيما سبق إن العلاقة لا لا تختلف ولا تتخلف حتى عند زوال الوضع.
قالوا: الوضع العلاقة بين اللفظ والمعنى لو كانت ناشئة لو كانت ناشئة من مجرد الوضع -يعني أنا آتي وأخصص هذا اللفظ بهذا المعنى، لو كان الوضع هو عبارة عملية التخصيص هذه جيّد، فإذا العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة اعتبارية وليست علاقة حقيقية وذاتية، ولازم ذلك أنه عندما ينتفي مثل هذا التخصيص أن ينتفي مثل هذا الاعتبار الاعتبار، وفينتفي مثل هذا المعنى تمام- ولكن بالله عليك لو أنني جعلت اسما لولدي وهو زيد، وبعد 10 سنوات وقفت أمام الجميع وقلت: لفظة زيد أنا أزيل اختصاصها بولدي هذا وأجعل له اسما جديدا هو لفظ عمرو، ثم أقول بعد ذلك زيد، إلى أين سوف يتوجه ذهنكم؟ إلى هذا الولد بعينه. فلو كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى ناشئة من مجرد هذا الاعتبار، لكانت حقيقة هذا الارتباط باقية ما بقي الاعتبار، فيلزم عند زوال الاعتبار زوال الانتقال وزوال الارتباط مع مرور الوقت بزول الاعتبار الأول كيف؟ اه جيّد.
ولكن بعد زوال هذا الاعتبار ولو بلحظة يزول هذا الارتباط؟ لا يزول هذا الارتباط، فكشف ذلك عن أن العلاقة ليست وليدة الحين. ولذلك ذهب السيد الشهيد تمسك بنظرية بافلوف ثم طورها واختترع منها نظرية أخرى وهي نظرية القرن الأكيد، ووقع خلاف بين الأصوليين على قدم وساق يأتي في محله.
قال: المطابقية التضمنية والالتزامية؛ يدل اللفظ على المعنى من ثلاثة أوجه متباينة:
الوجه الأول: المطابقة بأن يدل اللفظ على تمام معناه الموضوع له ويطابقه، كدلالة لفظ الكتاب على تمام معناه، فيدخل فيه جميع أوراقه وما فيه من نقوش وغلاف، وكدلالة لفظ الإنسان على تمام معناه وهو الحيوان الناطق. وتسمى الدلالة حينئذ بالدلالة المطابقية أو التطابقية لتطابق اللفظ والمعنى؛ لأن هذا اللفظ إنما وضع لذلك المعنى، وهي الدلالة الأصلية في الألفاظ التي لأجلها مباشرة وضعت لمعانيها.
الوجه الثاني: التضمن بأن يدل اللفظ على جزء معناه الموضوع له الداخل -من هو؟- ذلك الجزء في ضمنه، كدلالة لفظ الكتاب على الورق وحده أو الغلاف وحده، وكدلالة لفظ الإنسان على الحيوان وحده أو الناطق وحده تمام؟ طيب وكذلك عفوا، فلو بعت الكتاب يفهم المشتري دخول الغلاف دخول الغلاف فيه، ولو أردت بعد ذلك أن تستثني الغلاف لاحتج عليك بدلالة لفظ الكتاب على دخول الغلاف، لاحتج عليك بالدلالة التضمنية. وتسمى هذه الدلالة التضمنية، وهي فرع عن الدلالة المطابقية، والفرع عبارة عن الأصل وزيادة، فلا تنوجد الدلالة التضمنية إلا مع وجود دلالة مطابقية، لأن الدلالة على الجزء بعد الدلالة على الكل. طيب، لأنها ناشئة من الدلالة على الكل حقيقة.
الوجه الثالث: الالتزام بأن يدل اللفظ على معنى خارج عن معناه الموضوع له لازم له، يعني خارج لازم، يستتبعه استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته؛ ليش؟ لأن الحرارة خارجة عن ذات النار، ولفظ النار إنما وضع لهذه الكتلة، لم يوضع للحرارة. فالحرارة خارجة عن ذات المعنى الموضوع له، ولكنها لازمة له.
كدلالة لفظ الدواة -الدواة اللي هي هذه المحبرة- كدلالة لفظ الدواة على القلم، على الريشة يعني؛ ليش؟ لوجود تلازم اقتران خارجي بينهما. الآن من يقول لك: أحضر لي دواة؟ أنت لا تحضر له مثلا وعاء من الحبر ولا تحضر معه الريشة، مع أن الريشة ليست جزءا من من وعاء الحبر، ولا هي لا هي جزء ولا هي موضوع له، وإنما هي أمر خارج عن المعنى الموضوع له. فلو طلب منك أحد أن تأتيه بدواة لم ينص على ولم ينص على القلم، لم يقل لك: احضر لي قلما، فجئته بالدواة -القلم يعني الريشة هون- فجئته بالدواة وحدها لعاتبك على ذلك محتجا بأن طلب الدواة كاف في الدلالة على طلب القلم، وتسمى هذه الدلالة الالتزامية، وهي فرع أيضا عن الدلالة المطابقية لأنها عبارة عن مجموع انتقالين تمام؟ لأن الدلالة على ما هو خارج المعنى بعد الدلالة على نفس المعنى بسبب الارتباط بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي أو المعنى الملازم.
قال شرط الدلالة الالتزامية: يشترط في هذه الدلالة أن يكون التلازم بين المعنى اللفظ والمعنى الخارج اللازم -يعني بين الحيوان المفترس والرجل الشجاع، بين النار والحرارة، بين القلم والدواة- قال يشترط أن يكون التلازم تلازما ذهنيا، شو يعني؟ يعني يشترط أن يكون هناك علم بالملازمة، يعني يكون هذا التلازم كائنا وين؟ في ذهن، يعني يشترط أن يكون التلازم حاضرا بوجوده العلمي لا بوجوده العيني تمام.
قال: فلا يكفي التلازم في الخارج فقط. شو هو؟ لابد من التلازم في الخارج فقط، قلنا لا نحتاج إلى التلازم في الخارج، عبارة الماتن (قدس سره) تدل على أن التلازم الخارجي ضروري ولكنه لا يكفي، بل لابد من التلازم الذهني. والجواب أن التلازم الخارجي غير ضروري، يكفي أن يكون هناك تلازم بينهما في الذهن؛ بأن حصل ارتباط بين هذا المعنيين في الذهن ولو لم يكن بينهما ارتباط في الـ في الخارج، قد يكون. وإلا كيف ننتقل نحن من الـ من اللون الأبيض إلى اللون الأسود؟ الآن عندما أقول لك: ائتني باللون الأبيض، هذا اللفظ يدل مطابقة على المعنى الأبيض، ولكنه قد يدل التزاما على المعنى الأسود، ولذلك نجد أن الأسود أقرب حضورا، أن الأسود أقرب حضورا إلى البال مع الـ مع الأبيض؛ ليش؟ لوجود علاقة بينهما، وهي علاقة التنافر، علاقة التضاد، التضاد جيّد.
أو كما إذا لزم من استحضار أطول رجل أن تستحضر معه أقصر رجل، مع أنه لا يوجد ارتباط بينهما، ولا يوجدان خارجا، ولكن يوجدان ذهنا؛ لأن الذهن ينزل الضدين منزلة النظيرين على ما سوف يتضح معكم.
طيب قال: من دون رسوخه في الذهن، فلا يكفي التلازم في الخارج فقط من دون في الذهن؛ لأن هذا الانتقال عملية ذهنية، فلا بد من الـ وجود الارتباط وين؟ في الذهن، وإلا لما حصل انتقال الذهن.
ويشترط أيضا أن يكون التلازم واضحا بينا، بمعنى أن الذهن إذا تصور معنى اللفظ ينتقل إلى لازمه بدون حاجة إلى توسط شيء آخر -هذا الشرط لم نشرحه، نشرحه بدقيقة واحدة، التفت-.
الان مثلاً، كثر من المعاني التي يوجد بينها تلازم بحيث لا يمكن الانفكاك، ولكن هذا التلازم ليس واضحا بالنسبة إلينا؛ شوف الآن مثلا رقم الأربعة هل يمكن أن ينفك عن الزوجية فينقُلِب فردا؟ عندنا الأعداد إما زوج وإما فرد، الزوج هو الذي يقبل القسمة إلى متساويين تمام، لفظ الأربعة لا ينفك عن الزوجية، ولكن لا يلزم من تصورك للفظ لمعنى الأربعة أن تتصور معنى الزوجية معنى الزوجية جيّد؟
قالوا: ليش؟ قالوا لأن مثل هذه الملازمة حتى تدركها أنت لابد أن تتصور الأربعة وأن تتصور معنى الزوج ثم تنسب الزوجية إلى الأربعة فتجزم بوجود هذه الملازمة. ويقال لمثل هذه الملازمة أنها ملازمة بينة بالمعنى الأعم سوف يأتي.
وتارة ثانية لا، لا نحتاج إلى أن نتصور الطرف الأول ثم نتصور الطرف الثاني ثم نتصور النسبة بينهما، بل يكفي أن نتصور أحد الطرفين، كما إذا تصورنا النار فإنها كافية لتصور الحرارة، فيقال إن هذا اللزوم لزوم بين بالمعنى الأخص جيّد.
فيشترط في الدلالة الالتزامية أن يكون اللزوم بينا بالمعنى الأخص، ومعنى أن يكون بينا بمعنى الأخص أن يكون تصور أحد الطرفين كافيا في تصور الآخر، بل في الجزم بثبوته لا. جيّد، أما اللزوم البين بالمعنى الأعم فهو الذي لا يكفي تصور أحد الطرفين للجزم، بل وللجزم بل لابد أن تتصور الأول ثم تتصور اللازم ثم تنسب أحدهما إلى الآخر فتجزم بالملازم، ويوجد لازم غير بين، هي اللوازم ثلاثة هذه تأتي.
إذاً يشترط في التلازم أن يكون واضحا، ليش؟ لأن الفرض أننا نريد أن ننتقل من أحدهما إلى الآخر، فلابد أن يكون تصور أحدهما كافيا لتصور الآخر.
هذا تمام الكلام في الدلالة، يأتي إن شاء الله تتمة البحث، والحمد لله رب العالمين.
