دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 15
015
كان الكلام في تقسيم اللفظ الواحد بالنظر إلى معناه إلى جملة من الأقسام؛ لأن اللفظ لا يخلو إما أن يكون له معنى واحد أو أكثر، فإن كان له معنى واحد فهو المختص، وسمي مختصا لاختصاصه بذلك المعنى الواحد، وأما إذا كان له أكثر من معنى، فإما أن يكون موضوعا لجميع هذه المعاني أو أن يكون موضوعا لبعضها دون بعض. فان كان موضوعا لجميعها، فإما أن يسبق للواضع أن يلحظ المناسبة بين المعنيين أو لا؛ فإن لاحظ الواضع المناسبة بين المعنيين فهو المنقول، كما في مثل صلاة الموضوعة بالوضع الأول للدعاء وبالوضع الثاني للأركان المخصوصة. وأما إذا لم يسبق للواضع أن وقف على المناسبة ولم يلحظ المناسبة حتى لو كانت موجودة فهو اللفظ المشترك.
ثم إن اللفظ إذا استعمل فيما وضع له فهو الحقيقة، وإن استعمل في غير ما وضع له فهو المجاز، ويقع الكلام في بيان أحكام كل واحد من هذه الأقسام. أما القسم الأول وهو اللفظ المختص، فمن أحكامه أن اللفظ الذي يكون له معنى واحد لابد أن يكون موضوعا لذلك المعنى؛ لما عرفنا من أن المجاز عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة تربطه بالمعنى الموضوع له، فالاستعمال المجازي فرع وجود معنى حقيقي في رتبة سابقة، فلا يمكن أن يكون الاستعمال المجازي هو الاستعمال الأول، بل دائما دائما يكون الاستعمال المجازي واقعا في طول الاستعمال الحقيقي. فنحن لا يمكننا أن نستعمل لفظ الأسد في الرجل الشجاع إلا بعد أن يكون قد استعمل لفظ الأسد في الحيوان المفترس، ثم للمشابهة بين الحيوان المفترس والرجل الشجاع يصح لنا حينئذ أن نستعمل اللفظ في غير ما وضع له. وبالجملة، فاستعمال اللفظ في غير ما وضع له فرع أن يكون هناك معنى موضوع له، وقد فرضنا أن اللفظ المختص ليس له إلا معنى واحد، فلا يمكن أن يكون استعمال اللفظ في ذلك المعنى الواحد استعمالا مجازيا؛ لأن المجاز يحتاج إلى معنى سابق، وقد فرضنا أن المعنى كان واحدا. هذا هو الحكم الأول.
ومن أحكام اللفظ المختص أيضا: أن اللفظ دائما يكون استعماله استعمالا حقيقيا؛ إذ ليس له إلا معنى واحد.
الحكم الثاني: أن اللفظ المختص يكاد لا يكون له مصداق في اللغة العربية؛ لوضوح أنه ما من معنى إلا ويصح أن يكون له معنى آخر شبيه به، وحينئذ فيصح أن يستعمل ذلك اللفظ في ذلك المعنى المشابه استعمالا مجازيا. فأي معنى من المعاني يمكن أن نوجد له شبيها، أو يمكن أن نوجد معنى آخر يكون بينه وبين ذلك المعنى الأول علاقة ما. وإذا صح أن نفرض معنى آخر تربطه بالمعنى الأول علاقة، فيصح حينئذ أن يستعمل ذلك اللفظ الموضوع للمعنى الأول في المعنى الثاني استعمالا مجازيا. ولذلك ذهب الأكثر إلى أن هذا القسم لا مصداق له، ولا فرد له حقيقة في اللغة العربية أو في غيرها من اللغات. ولكن عدم وجود مصداق وفرد لهذا القسم لا يبطل القسم من أساسه، بل يبقى هذا القسم ممكنا، يبقى في دائرة الإمكان وإن لم يوجد له فرد؛ كإمكان وجود أخي الرابعة عشرة وإن لم يوجد أبدا. كيف كان؟
أحكام اللفظ المشترك
وأما اللفظ المشترك، فقد عرفناه بأنه اللفظ الذي له أكثر من معنى، وقد وضع لكل واحد من هذه المعاني، ولكن من دون أن يقف الواضع على المناسبة بين الوضعين، كما في لفظ العين الموضوع للباكية تارة، وللجارية تارة ثانية، وللذهب تارة ثالثة. فهذا اللفظ له أكثر من معنى، وقد وضع لكل واحد من هذه المعاني، بمعنى أن الواضع الأول قد خصص هذا اللفظ بكل واحد من هذين المعنيين بتخصيص مستقل، ولكنه عندما أجرى عملية الوضع لم يلحظ مناسبة بين المعنى الأول وبين المعنى الثاني؛ وإلا فإن الباكية -أي هذه العين الباصرة- لا تشبه العين الجارية -وهي عين الماء- في شيء، فلم يقف الواضع ولم يسبق له أن لاحظ المناسبة.
ومن أحكام اللفظ المشترك أنه لا يصح ولا يجوز استعماله إلا إذا كان هناك قرينة. بيان ذلك: أن العلاقة بين اللفظ والمعنى بحسب ما تقدم معنا في بحث الدلالة إنما تنشأ من الواضع، والواضع عبارة عن اقتران أكيد بين اللفظ والمعنى، كالطفل الذي يتكرر عنده سماع كلمة ماما مع رؤية أمه، فيقترن هذا اللفظ بهذا المعنى ويتكرر ذلك التصاحب والتعاقب على مسمعه، فيحصل اقتران أكيد بسببه يصبح هناك صلاحية للفظ لأن يدل على المعنى. إذاً، هذا هو الوضع، فالوضع عبارة عن اقتران أكيد بين اللفظ والمعنى. تمام.
وفي اللفظ المشترك نحن نفترض أن اللفظ الواحد قد وضع لكل واحد من هذين المعنيين، ومعنى أن يكون موضوعا لكلا المعنيين أن يكون هناك اقتران بين لفظ العين والباكية على حد الاقتران الحاصل بين لفظ العين والجارية. وحينئذ، فإذا ما سمع السامع لفظ العين سوف يتضارب ويتزاحم عنده اقترانان، ولا يمكن أن ينتقل من سماع لفظ العين إلى كلا المعنيين. ليش؟ لأن اللفظ الواحد لا يستعمل إلا في معنى واحد. ليش؟ لأن اللفظ إنما يؤتى به من أجل الوصول إلى المعنى، فاللفظ فان في معناه، ولذلك قلنا إن اللفظ ليس إلا وجودا تنزيليا للمعنى، ولا يمكن أن نفني شيئا واحدا في شيئين، فإن كان الباعث على اللفظ هو إرادة هذا المعنى الأول فهذا اللفظ يقال إنه فان في معناه، فلا يمكن بعد ذلك أن يستعمل في معنى آخر. فاللفظ الواحد إذا كان موضوعا لمعنيين متباينين -معنيين اثنين- فإذا ما سمعه السامع لا يمكن أن ينتقل إلى كلا المعنيين، أو بعبارة ثانية: لا يمكن أن يراد به كلا المعنيين، يتردد بين المعنيين ولكن لا يمكن أن يراد به كلا المعنيين؛ لأنه معنى أن تريد باللفظ هذا المعنى أنك قد جعلت اللفظ فانيا في إيصال هذا المعنى، وقد أوجدت هذا المعنى بطريقة إفناء هذا اللفظ، فلا يصح لك بعد ذلك أن توجد معنى آخر بنفس ذلك اللفظ الذي قد فني. تمام.
إذاً، فاللفظ الواحد لا يمكن أن يراد به معنيان متباينان، بل يراد منه معنى واحد. ومن هنا فإن الذهن يقف مترددا، لا ينتقل لا إلى الأول من المعاني ولا إلى الثاني؛ لأن الفرض أن الاقتران بين اللفظ والمعنى الأول مساو للاقتران الحاصل بين نفس ذلك اللفظ وبين المعنى الثاني، ففهم أحد المعنيين بعينه دون الآخر سوف يكون ترجيحا من دون مرجح، والترجيح من دون مرجح محال، ولذلك يقف الذهن يتصور المعنيين ولكنه يقف مترددا، لا يعرف أن ينتقل إلى الأول أو إلى الثاني. ومن هنا يحتاج المتكلم لإبراز مقصوده إلى ايجاد قرينة معينة، وتسمى معينة؛ ليش؟ لأن الذهن لم ينتقل إلى إرادة واحد من المعنيين، وإنما تردد، فتأتي القرينة لتعين مراد المتكلم. فيقال مثلاً: دمعت عيني، فيفهم أن المراد من العين هي الباكية؛ لأن الدمع من شؤونها. أو يقال مثلاً: سكبت من العين، فيفهم أن المراد من العين هي الجارية. جيد؟ وقد تكون القرينة حالية ومقامية ولا يشترط أن تكون القرينة لفظية، كما إذا قلت لك: انظر إلى هذه العين، وإشارة اليد واضحة إلى أنني أريد العين الباكية أو الجارية. جيد؟
فيقال إن اللفظ المشترك من أحكامه أنه يحتاج إلى قرينة لتحدد مراد المتكلم؛ لأن اللفظ عند صدوره فلا يمكن أن يراد منه معنيان، ولذلك نجد أن السامع يتصور المعنيين يفهمهما ولكنه لا ينتقل إلى إرادة أحدهما بالخصوص، بل يقف موقف المتردد. التفتوا؛ لأننا نريد أن نفرق بين هذه القرينة وبين القرينة الآتية، فالقرينة ها هنا معينة؛ ليش؟ لأن الذهن يقف مترددا، فلا ينتقل إلى إرادة الأول ولا إلى إرادة الثاني إلا بعد القرينة؛ لأن الاقتران الحاصل بين اللفظ والمعنى الأول هو على حد واحد مع الاقتران الحاصل بين ذلك اللفظ ومعناه الثاني. هذا بالنسبة إلى المشترك، فالمشترك يحتاج إلى قرينة ولا يجوز استعمال المشترك من دون قرينة، وتسمى قرينة المشترك بالقرينة المعينة.
الحقيقة والمجاز
وهذا بخلاف اللفظ الذي يكون له أكثر من معنى، ولكنه يكون موضوعا لأحد هذه المعاني دون الآخر، كما في مثل لفظة الأسد؛ فإن الأسد يستعمل في معنى الحيوان المفترس وفي معنى الرجل الشجاع، إلا أن استعماله في الحيوان المفترس استعمال فيما وضع له، واستعماله في الرجل الشجاع استعمال في غير ما وضع له. فنقول: إن هذا اللفظ حقيقة، إنما توجد علقة وضعية واقتران بينه وبين أي معنى؟ وبين الحيوان المفترس. ولا يوجد اقتران أكيد بين لفظ الأسد والرجل الشجاع. نعم! عندما تنوجد علاقة المشابهة ويكون هناك قرينة تدل على المشابهة، فحينئذ ننتقل إلى الرجل الشجاع.
بعبارة ثانية: إن الانتقال من لفظ الأسد إلى الحيوان المفترس لا يحتاج إلا إلى شيء واحد، وهو تلك العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى، ذلك الاقتران الأكيد بين لفظ الأسد والحيوان المفترس. وأما الانتقال من لفظ الأسد إلى الرجل الشجاع فهو يتوقف على أمرين: يتوقف على وجود ارتباط واقتران ووضع بين اللفظ والحيوان المفترس، ثم وجود علاقة مشابهة بين الحيوان المفترس والرجل الشجاع. فالانتقال من اللفظ إلى المعنى المجازي هو عبارة عن مجموع انتقالين: أن تنتقل من لفظ الأسد إلى الحيوان المفترس، وهذا الانتقال متوقف على الوضع، ثم تنتقل من الحيوان المفترس إلى الرجل الشجاع لوجود علاقة مشابهة بينهما. فلما كان الانتقال إلى المعنى الحقيقي موقوفا على مجرد الوضع، يعني القرن الأكيد، وكان الانتقال إلى المعنى المجازي موقوفا على أمرين، فإذا ما وجد اللفظ ولم يكن معه أي قرينة فإن الذهن سوف ينتقل إلى أي شيء؟ الوضع إلى إرادة المعنى الحقيقي. نعم، إذا ما أريد للسامع أن ينتقل إلى المعنى المجازي فلا بد أن يأتي المتكلم بقرينة -التفت- تمنع من إرادة المعنى الحقيقي حتى ينتقل منه إلى أي معنى؟ إلى المعنى المجازي.
ولذلك صار هناك فارق جوهري بين اللفظ المشترك وبين الحقيقة والمجاز؛ لأن السامع عندما يؤتى له باللفظ المشترك خاليا من القرينة فسوف لا ينتقل إلى إرادة شيء، سوف لا يرجح طرفا على آخر، يقف موقف المتردد، فعندما يؤتى له بالقرينة فانه يصح له بعد ذلك أن يعين معنى بعينه، ولذلك تسمى القرينة معينة. وأما في الحقيقة والمجاز، فعندما يؤتى باللفظ من دون قرينة فإن السامع سوف ينتقل إلى المعنى الحقيقي، ولذلك إذا ترددنا في أن تكون الكلمة مستعملة استعمالا حقيقيا أو مجازيا فالأصل أن نحملها على الحقيقي، فإذا جيء باللفظ خاليا من القرينة فإن السامع ينتقل مباشرة إلى إرادة المعنى الحقيقي. نعم، ينصرف عنه عندما توجد قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
بعبارة ثانية: إن بين اللفظ والمعنى الحقيقي يوجد اقتران أكيد واحد، وأما الانتقال من اللفظ إلى المعنى المجازي فهو عبارة عن مجموع اقترانين، عبارة عن اقتران اللفظ بالمعنى الحقيقي ثم اقتران المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي. والاقتران الذي هو عبارة عن مجموع اقترانين يكون أضعف من الاقتران الواحد، فصارت علاقة اللفظ بالمعنى الحقيقي أقوى من علاقته بالمعنى المجازي، فصار ترجيح المعنى الحقيقي أولى، وترجيحا بمرجح لا ترجيحا بلا مرجح.
وقد ظهر من ذلك أيضا أن المجاز يحتاج إلى قرينة، أما الحقيقة لا تحتاج إلى قرينة، يكفي عدم القرينة لتكون قرينة على إرادة المعنى الحقيقي. فاللفظ إذا كان له معنيان وقد وضع لأحدهما، فإذا أردت المعنى الحقيقي أنت لا تحتاج إلى قرينة، نفس عدم القرينة قرينة على إرادة المعنى الحقيقي. وأما إذا أردت المعنى المجازي -طبعا ليش لا يحتاج إلى قرينة؟ لأنه عند التجرد عن القرينة فإن الذهن سوف يرجح المعنى الحقيقي، وهذا كاف في تحديد المراد- نعم، يشترط إذا ما أراد المتكلم المعنى المجازي أن يأتي بقرينة تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي وتنقله إلى المعنى المجازي، ولذلك سميت قرينة المجاز صارفة، وسميت قرينة المشترك معينة؛ لأنها تصرفه عن المعنى الحقيقي الذي انتقل إليه في الرتبة السابقة، فلو قلت: هذا أسد، لم يتوجه الذهن إلا إلى الحيوان المفترس، إلا أن يكون هناك قرينة مقامية حالية لفظية لا يهم. وبالجملة، فمن أحكام المشترك والمجاز أنهما يحتاجان إلى قرينة، غاية الأمر أن قرينة المشترك معينة، وقرينة المجاز تكون صارفة.
ومن هنا يتضح لنا كيف أن لهذا البحث مدخلية في تصحيح المعنى أو الاحتراز عن الخطأ فيه؛ لأنه في بعض الأحيان قد يكون المعنى واضحا عند المتكلم، ولكنه في مقام التعبير عنه يأتي بلفظ مشترك يحتمل معنيين، فلو لم يأت بقرينة لوقع السامع في التباس، فربما توجه إلى المعنى غير المراد، فيقع الخطأ في الفكر ويقع الخطأ في المعنى. تمام، هذا هو حكم المشترك والمجاز.
المنقول
وأما المنقول، فمقتضى القاعدة أن المنقول أيضا يحتاج إلى قرينة؛ إذ الفرض أن المنقول هو كالمشترك من غير فرق في أن هذا اللفظ له معنيان وقد وضع لكل واحد من المعنيين، غاية الأمر أن الواضع في المنقول يلحظ المناسبة بين المعنى الأول والمعنى الثاني، كما في لفظ الصلاة الموضوع للدعاء أولا قبل نزول الإسلام، ثم وضع بعد ذلك لهذه الأركان المخصوصة المشتمله على دعاء، فيوجد تناسب بين المعنيين. ولكن اللفظ موضوع لكل واحد من هذين المعنيين، فإذا كان المنقول كالمشترك من هذه الجهة -من جهة أنه موضوع لكل واحد من المعنيين- فمقتضى القاعدة أن المنقول أيضا يحتاج إلى قرينة، وأن قرينة المنقول تكون معينة أو صارفة؟ تكون معينة. هذا هو ما مقتضى القاعدة.
ولكن وقع الخلاف بينهم في أن المنقول هل يحتاج إلى قرينة كالمشترك أو لا؟ ومنشأ هذا الخلاف خلافهم في أن المنقول هل يشترط فيه هجران المعنى الأول أو لا يشترط فيه هجران المعنى الأول؟
فمن ذهب إلى أنه يشترط هجران المعنى الأول -شو يعني؟ يعني لفظ الصلاة وإن كان موضوعا عند العرب للدعاء، ولكنه بعد أن وضع للصلاة المخصوصة بالأركان المخصوصة هجر ذلك الاستعمال الأول ولم يعد متداولا على الألسن، وعندما هجر ذلك الاستعمال زال الارتباط وزال الاقتران بين اللفظ والمعنى الأول، فلم يعد هناك اقتران حقيقة إلا بين اللفظ ومعناه الثاني- فلا يصدق حينئذ أن هذا اللفظ بحيث يحتاج إلى قرينة؛ لأن مجرد سماع اللفظ سوف يكون كافيا للانتقال إلى المعنى الثاني.
وأما الذين لم يشترطوا هجران المعنى الأول، قالوا: اللفظ المنقول يتحقق مع الهجران ومع عدم الهجران، فحينئذ إن كان المعنى الأول مهجورا فهذا بنفسه يكون قرينة على إرادة الثاني، وإن لم يكن مهجورا فأنت تحتاج إلى قرينة تعين لك الثاني.
والصحيح أن المنقول لا يشترط فيه هجران المعنى الأول، وإن كان في كثير من أمثلته قد هوجر فيه المعنى الأول؛ مثل مثال الصلاة ومثل مثال الحج. ومن هنا فإن الهجران إذا كان موجودا كان بنفسه قرينة على إرادة الثاني، فيصدق الاحتياج إلى قرينة، وإن لم يكن الهجران موجودا فنحن نحتاج إلى قرينة. الصحيح هو أنه لا يشترط في المنقول أن يكون المعنى الأول مهجورا، ليش؟ هذا يأتي في مجال آخر.
كيف كان؟ من أحكام المنقول أيضا أن المنقول ينسب إلى ناقله. التفت: لفظ الصلاة كان موضوعا للدعاء عند من؟ عند العرب، يعني عند أهل اللغة. الذي جاء بلفظ الصلاة واستعمله في الأركان المخصوصة أي فئة وأي طائفة؟ الشارع، أي الذي -يعني الله عز وجل- الذي شرع. عندما نقول الشرع يعني مشرع الأحكام، الشارع هو الذي استعمل لفظ الصلاة في الأركان المخصوصة، فيقال إن هذا المنقول منقول شرعي.
مثال آخر: كلمة اللفظ. اللفظ في اللغة هي بمعنى الرمي؛ لفظ النواة إذا رمى نواة التمر من فمه، فاللفظ هو الرمي، هذا هو معنى اللفظ في اللغة. ثم جاء النحاة فنقلوا معنى اللفظ إلى الصوت المشتمل على بعض الحروف -التفت- فعند أهل اللغة كل رمي هو لفظ، ولكن عند النحاة لا يسمى إلا إذا كان رميا بخصوص الصوت، والصوت يرمى بالهواء الخارجي من الرئتين المحتكة بالأوتار الصوتية، فالذي نقل لفظ اللفظ من معناه الحقيقي إلى هذا المعنى الآخر هو النحويون، ولذلك يقال لهذا المنقول أنه منقول نحوي. وقد يكون المنقول منقولا منطقيا أو منقولا اصوليا أو منقولا فقهيا إلى غير ذلك مما شئت.
فإن المنقول ينسب إلى ناقله، لأن الذي... وقد يكون الناقل هو العرف العام مثلا، كما في مثل لفظة دابة. شوف الآن لفظة الدابة في اللغة العربية وضعت لكل من يدب على الأرض، فتشمل الحيوان والإنسان معا؛ لأنه يدب على الأرض، له دبيب جيد عند تحركه على الأرض، هذا معنى الدابة، ففي قوله تعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ إلى آخره يصدق على الإنسان أيضا. ولكنها في عرفنا العام -ونريد من العرف العام يعني ليس عرفا خاطئا، ليس بعلم خاص، لا، عند عامة الناس بمعزل عن فئاتهم وعن أعمالهم ومهنهم وطوائفهم- فإنها نقلت في العرف العام إلى خصوص الحيوان دون الإنسان. ولذلك إذا ما اردنا أن نذم فلانا فنقول له أنه دابة، حتى كأن لفظ الدابة لا يصدق علي حقيقة، وإنما اريد أن ندرجه تحته. فصار هناك نقل في لفظ الدابة من معنى ما يدب على الأرض إلى ذلك المعنى المذموم، والذي نقل هذا اللفظ من معناه الأول إلى المعنى الثاني ليس أهل فئة خاصة، وإنما هم فئة عامة، فيقال إن هذا المنقول منقول عرفي عام. جيد؟ بخلاف المنقول النحوي، فانه منقول عند عرف خاص وهم النحاة، أو المنقول الشرعي منقول فئة خاصة وهم أهل الشرع يعني المتشرعة. جيد.
بقي عندنا في المنقول مسألة أخيرة، وهي أن المنقول في أول نقله يكون عبارة عن استعمال مجازي، ثم بعد ذلك بعد أن يتكاثر الاستعمال يتحول ذلك المنقول استعمالا حقيقيا. بيان ذلك: قلنا إن الوضع حقيقة ما هو؟ عبارة عن اقتران أكيد بين اللفظ وبين المعنى، بحيث كلما جاء اللفظ إلى الذهن تداعى إلى الذهن ذلك المعنى المقترن به. وإذا كان الوضع عبارة عن اقتران أكيد بين اللفظ والمعنى، فإن هذا الاقتران لا يحصل بشكل عفوي ولا يحصل من مجرد تصاحب اللفظ والمعنى مرة واحدة، بل لابد من تكرر هذا الاقتران، لابد من تكرر هذا التصاحب، لابد للطفل أن يتكرر عنده سماع ذلك اللفظ مقرونا برؤية أمه أمامه، فلا يحصل من مجرد الاستعمال ولو لمره واحدة. ومن هنا فان اللفظ عندما يكون موضوعا للمعنى الأول، فهذا يعني أن هناك علاقة وارتباط واقتران بينه وبين المعنى الأول، فعندما يراد نقله إلى المعنى الثاني كيف يحصل النقل؟ بأن يأتي الناقل ويستعمل ذلك اللفظ في المعنى الثاني، وهذا الاستعمال للمرة الأولى لا يمكن أن يكون بحيث يوجب اقترانا بين اللفظ والمعنى على حد الاقتران الأول، ولذلك فإن الناقل في أول استعمالاته للمنقول يجد نفسه محتاجا إلى المجيء بالقرينة، إلى أن يتكثر ذلك الاستعمال تكثرا يوجب اقترانا في الذهن، فيستغني حينئذ عن القرينة. فحقيقة المنقول هو في أول استعمالاته كان مجازا، ثم بعد تكثر الاستعمال يبلغ حد النقل. ولعله لذلك ذهب البعض إلى أن المنقول يجب أن يهجر معه المعنى الأول، قال: لأنه إذا لم يهجر المعنى الأول فكيف سوف يحصل ارتباط بين اللفظ وبين المعنى الثاني؟ والجواب: أن الارتباط يحصل في المعنى الثاني ولكن بعد تكثر الاستعمال. والذي قال بأن المنقول هو في أول حالاته يكون استعمالا حقيقيا هو الذي اشترط أن يهجر المعنى الأول؛ لأنه حتى يكون حقيقيا لا يحتاج إلى قرينة، يعني حتى يكون بحيث يصلح لأن ينقلنا إلى ذلك المعنى، لابد أن يكون المعنى الأول مهجورا، أما مع وجود المعنى الأول فسوف لا ننتقل إلا إلى ذلك المعنى الأول؛ لأن الاقتران بينه وبين المعنى اقتران أكيد.
تقريبا هذا تمام الكلام في هذا المطلب، نقرا هذا المقدار ونطبق.
قال قدس سره: (تقسيمات الألفاظ). هذا شروع في بيان المباحث اللفظية التي سوف ندخل فيها. طيب، قال: (لللفظ المستعمل). شوف ليش قال المستعمل؟ احترز عن اللفظ الذي لا يكون له معنى كمثل لفظ ديز، هذا لا ينقسم وإن كان لفظا واحدا، القسمة لا تشمله وخارج عن أصل المقسم؛ ليش؟ لأن حاجتنا إلى الألفاظ إنما هي من أجل أنها توصل إلى المعاني، ومن أجل أن وقوع الخطا في هذه الألفاظ يوجب وقوع الخطأ في المعاني، والألفاظ غير المستعملة -يعني الألفاظ المهملة- لا معنى لها فهي لا توصل معنى، فلا يلزم من وقوع الخطأ فيها وقوع أي خطا في المعنى. ولذلك جعل التقسيم للألفاظ المستعملة.
طيب، التفت بعد: اللفظ المهمل هو في مقابل أي لفظ؟ في مقابل اللفظ الموضوع، لا في مقابل اللفظ المستعمل، الاستعمال أعم من الوضع؛ لأن الاستعمال قد يكون فيما وضع له وقد يكون في غير ما وضع له، كاستعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع. فلذلك جعل المقسم هو اللفظ المستعمل؛ ليش؟ حتى يصح أن يندرج في هذا التقسيم المجاز، والا لو كان المقسم ها هنا عبارة عن اللفظ الموضوع -أي المستعمل فيما وضع له- فهذا يستلزم أن يخرج المجاز عن التقسيم، ولكننا على كل تقدير قد عرفنا أن هناك مشكلة في جعل المجاز قسيماً للمختص والمنقول وغير ذلك، ولكن نتحدث بناء على تقسيم الماتن قدس سره.
قال: (لللفظ المستعمل بما له من المعنى عدة تقسيمات عامة لا تختص بلغه دون أخرى، كل لغة فيها مشترك وفيها منقول ومختص مرتجل إلى آخره، وهي أهم مباحث الألفاظ بعد بحث الدلالة. ونحن ذاكرون ها هنا أهم تلك التقسيمات، وهي ثلاثة؛ لأن اللفظ المنسوب إلى معناه -دائماً لابد أن ينسب اللفظ إلى معناه؛ إذ الحديث عن الألفاظ التي لها معنى- تارة ينظر إليه في التقسيم -يعني المقسم الذي نريد أن ننتزع منه أقساما- تارة هو اللفظ بشرط كونه واحدا، وأخرى هو اللفظ بشرط كونه متعددا، والثالثة هو اللفظ لا بشرط كونه واحدا ولا متعددا، فقد يكون واحدا ومتعددا).
يعني هناك بعض الأقسام وبعض الأحكام التي لا تثبت إلا للفظ الواحد، وبعض الأحكام والأقسام التي لا تثبت إلا للفظ المتعدد، وعندنا بعض الأحكام والأقسام التي تثبت للفظ إذا كان واحدا أو إذا كان متعددا. ولذلك قال: (لأن اللفظ المنسوب إلى معناه تارة ينظر إليه في التقسيم بما هو لفظ واحد، وأخرى بما هو متعدد، وثالثة بما هو لفظ مطلقا، سواء كان واحدا أم متعددا).
طيب، قال: (إن اللفظ الواحد الدال على معناه بإحدى الدلالات الثلاث المتقدمة). شو هي الدلالات الثلاث المتقدمة؟ عم يحكي عن المطابقية والتضمنية والالتزامية، مش عم يحكي على العقلية أو الطبيعية. ليش بإحدى الدلالات المتقدمة؟ ليش ليس بخصوص الدلالة المطابقية؟ نقول: لأن المجاز دلالته التزامية، ولأن استعمال الكل في الجزء أو استعمال الجزء في الكل -عندما تقول: جاء عين القوم- هذا دلالة تضمنية، علاقة البعض والكل، تمام؟
طيب، (إذا نسب إلى معناه فهو على أقسام خمسة؛ لأن معناه إما أن يكون واحدا أيضا ويسمى المختص، وإما أن يكون متعددا، وما له معنى متعدد أربعة أنواع: مشترك، ومنقول، والمرتجل، وحقيقة ومجاز). شوف جعلها أربعة أنواع: ما هي؟ مشترك، منقول، مرتجل، شوف النوع الرابع ما هو؟ حقيقة ومجاز، جعل الحقيقة والمجاز نوعا واحدا، وفيه إشارة إلى أن الحقيقة والمجاز تقسيم مستقل. فهذه خمسة أقسام -يعني مع المختص-.
1. المختص: وهو اللفظ الذي ليس له إلا معنى واحد فاختص به، مثل حديد وحيوان. ومن أحكامه أنه لابد أن يكون موضوعا لذلك المعنى الواحد.
2. المشترك: وهو اللفظ الذي تعدد معناه وقد وضع للجميع كلا على حدة، ولكن من دون أن يسبق وضعه لبعضها على وضعه للآخر. قلنا: لا يمكن أن نفسر السبق ها هنا بالسبق الزماني، مثل عين الموضوع لحاسة النظر وينبوع الماء والذهب وغيرها، ومثل الجون لفظ الجون الموضوع للاسود والابيض، والمشترك كثير في اللغة العربية، مثل القرء يطلق على الحيض ويطلق على الطهر، وأمثلة ذلك لا تحصى.
3. والمنقول: قال: وهو اللفظ الذي تعدد معناه، وقد وضع للجميع كالمشترك، ولكن يفترق عنه بأن الوضع لأحدها مسبوق بالوضع للآخر -شوف- مع ملاحظة المناسبة، إذا هو لا يريد من السبق سبق لحاظ المناسبة، وإلا لم يكن هناك معنى لأن يقول بعد ذلك مع ملاحظة المناسبة، إذا كان يريد من السابق سبق المناسبة فسوف يكون ذلك تكراراً. التفت! هو ماذا قال؟ بأن (ولكن يفترق عنه بأن الوضع لأحدها مسبوق بالوضع للآخر). إذا كان المراد من من قوله مسبوق السبق سبق المناسبة، سبق لحاظ المناسبة، فلا معنى لأن يأتي بعد ذلك ويقول مع ملاحظة المناسبة بين المعنيين، لأنه سوف يكون تكراراً. تمام؟ إذاً، فدل على أنه يريد من السبق الزماني، والسبق الزماني لا يمكن تحصيله.
طيب، قال: (مع ملاحظة المناسبة بين المعنيين في الوضع اللاحق). مثل لفظ الصلاة الموضوع أولا للدعاء ثم نقل في الشرع الإسلامي لهذه الأفعال المخصوصة من قيام وركوع وسجود ونحوها؛ ليش؟ لمناسبتها للمعنى الأول. ومثل لفظ الحج الموضوع أولا للقصد مطلقا، مطلق الزياره، مطلق القصد، ثم نقل لقصد مكة المكرمة بالأفعال المخصوصة والوقت المعين. وكذا، وهكذا أكثر المنقولات في عرف الشرع وأرباب العلوم والفنون، ومنها لفظ السيارة -شوف السيارة لكل سيارة، هو لكل ما يسير، وطيارة لكل ما يطير، ثم نقلت لتلك الآلة الحديثة- ونحوها من مصطلحات هذا العصر.
والمنقول ينسب إلى ناقله، فإن كان الناقل العرف العام قيل له منقول عرفي، كلفظ السيارة والطائرة والدابة، وإن كان العرف الخاص -كعرف أهل الشرع والمنطق والنحاة والفلاسفة ونحوهم- قيل له منقول شرعي أو منطقي أو نحوي أو فلسفي وهكذا.
4. المرتجل: وهو كالمنقول بلا فرق إلا أنه لم تلحظ فيه المناسبة بين المعنيين، هذا قلنا هو حقيقة نفس المشترك، ومنه أكثر الأعلام الشخصية كعباس وحسن، جيد، من الأسماء التي لها استعمال سابق قبل العلمية، جيد، التي كانت أوصافا قبل العلمية.
5. الحقيقة والمجاز: وهو اللفظ الذي تعدد معناه ولكنه موضوع لأحد المعاني فقط واستعمل في غيره لعلاقة ومناسبه بينه وبين المعنى الأول الموضوع له، من دون أن يبلغ حدا الواضع في المعنى الثاني؛ لأنه إذا تكثر استعماله في المعنى المجازي تحول المجاز إلى حقيقة، فيسمى حقيقة في المعنى الأول ومجازا في الثاني، ويقال للمعنى الأول معنى حقيقي وللثاني مجازي. والمجاز دائما يحتاج إلى قرينة تصرف اللفظ عن المعنى الحقيقي وتعين المعنى المجازي من بين المعاني المجازية.
تنبيهان
قال: إن المشترك اللفظي والمجاز لا يصح استعمالهما في الحدود. شو يعني الحدود؟ الحد هو التعريف. الآن عندما تسألني عن شيء ما لا يكون واضحا عندك فأنت تريدني أن أوقفك على الحد الذي ينتهي عنده وجود ذلك الشيء، فإذا قلت لي: ما هو الإنسان؟ فالحد... فأنت تطلب الحدود التي جيد يدخل فيها الإنسان ويخرج عنها ما سواه. طيب، فهذا الحد يقال له التعريف، وسياتي معنا أن التعريف تارة يكون بالحد وتارة ثانية يكون بالرسم، هذا كله سوف يأتي، فلا يجوز استعمالها في الحدود، أي لا يصح استعمالها في التعاريف. عندما تريد أن تعرف لي شيئا فلا يمكنك أن تستعمل ألفاظا مشتركة في التعاريف من دون قرينة. طيب، ومع قرينة يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، ولكن على قبح؛ ليش؟
لأن التعريف -التفت- المخاطب عندما يطلب منك أن تعرف له الشيء، فهذا يعني أن هذا الشيء عنده مبهم ويحتاج إلى إيضاح، فالتعريف دائما يكون لأجل رفع الإبهام، والمشترك وإن كان مع قرينته يصلح لأن يدل على المعنى، ولكنه لا يدل على المعنى بسهولة، بل يحتاج المخاطب إلى أن يلتفت إلى تلك القرينة. جيد، بخلاف ما إذا جئت له بلفظ لا يحتاج إلى قرينة، فسوف يكون الانتقال إلى المعنى المراد أسهل وأوفق بإزالة الإبهام. وبالجملة، فالمشترك من دون قرينة يوقع في الإبهام، والغرض من التعريف رفع الإبهام فيحصل تناقض فلا يتحقق الغرض. وأما مع القرينة فهو وإن كان يدل على المطلوب ولكنه لا يزيل الإبهام بنفس الطريقة والوضوح التي يزيلها اللفظ المختص أو الألفاظ التي لا تحتاج إلى قرينة. ولذلك قال: إن المشترك اللفظي والمجاز لا يصح استعمالهما في الحدود والبراهين إلا مع نصب القرينة على إرادة المعنى المقصود، ومثلهما المنقول والمرتجل ما لم يهجر المعنى الأول؛ وإلا إذا هجر كان ذلك بعينه قرينة، فإذا هجر كان ذلك وحده قرينة على إرادة الثاني. على أنه -شوف- يحسن اجتناب المجاز في الأساليب العلمية حتى مع القرينة، بل المشترك أيضاً يحسن اجتنابه.
التنبيه الثاني والأخير، قال: المنقول ينقسم إلى تعييني وتعييني. هو هذا التقسيم ليس تقسيماً للمنقول فقط، وإنما هو تقسيم لكل وضع، هذا لم نبينه في الشرح، نبينه الآن.
كل وضع فينقسم إلى قسمين. ماذا قلنا؟ الوضع ما هو؟ هو عبارة عن اقتران أكيد بين اللفظ والمعنى، بين اللفظ والمعنى. هذا الاقتران ينقسم إلى قسمين؛ لأنه إما أن يكون اقترانا ناشئا مع سابق قصد من المتكلم، وإما أن ينشأ من دون قصد من المتكلم:
فإن كان الاقتران ناشئا من قصد سابق -شو يعني؟ الآن أنا قصدت أن أوجد علاقة بين هذا اللفظ وذلك المعنى فأقوم باستعماله، فأنا قاصد إلى تعيين هذا اللفظ لمعناه، ثم بعد أن حصل هذا القصد بدأ الاستعمال وحصل من تكرر هذا الاستعمال اقتران أكيد، تمام؟ جيد.
وتارة ثانية قد ينشأ ارتباط بين اللفظ والمعنى من دون قصد إلى إيجاد هذا الارتباط، كما إذا كنا جالسين في هذا المكان فصدرت كلمة من مضحكة من أحدنا سهوا، جيد، فكثر الكلام حول هذه الكلمة، جيد، فـ... عندما جاء ذلك الشخص في اليوم الثاني أطلقنا عليه تلك الكلمة، من دون قصد إلى أن نجعل هذا اللفظ دالا على ذلك الشخص، ثم ذهبت هذه الألقاب بمثابة العلم، فصار عندما يطلق ذلك اللفظ لا يحصل انتقال إلا إلى ذلك المعنى، فصار هناك اقتران أكيد بين اللفظ والمعنى، إلا أن هذا الاقتران نشأ من كثرة الاستعمال من دون أن يكون هناك قصد إلى إيجاد العلقة. ولكن في بعض الأحيان قد نقصد نحن إلى إيجاد العلقة، أقول لكم: تعالوا لنصطلح على هذا اللفظ بأنه يدل على هذا المعنى ثم نكثر الاستعمال فيه فيحصل الاقتران.
فالاقتران بين اللفظ والمعنى إن نشأ -طبعا كل اقتران لا ينشأ إلا من كثرة الاستعمال، ولكن الاقتران الذي ينشأ من كثرة الاستعمال إن كان هناك تعيين وقصد سابق على الاستعمال فهو الوضع التعييني؛ لأن فيه قصد تعيين، جيد. وأما إذا كان ناشئا من مجرد كثرة الاستعمال من دون وجود قصد سابق فهو وضع تعييني، يقال: إن هذا اللفظ تعين لوحده في ذلك المعنى. جيد، اتفق أن حصل هذا الاستعمال الأول من هنا من دون قصد ومن هناك من دون قصد، فحصل تعين للفظ بمعناه... أكثر الألقاب الآن -مثلا أنا لا أُريد أن أُتي بهذه الأمثلة، يوجد تسجيل جيد- أكثر الألقاب الموجودة والشائعة في بلدتنا الآن، لم يكن هناك قصد في أن أجعل هذا اللفظ علامة على ذلك الشخص بعينه، ولكن اتفق أنه صدرت منه تلك الكلمة المضحكة أو صدرت منه تلك الكلمة الخاطئة، جيد، من دون قصد، فضحك الأول فاستعملها وكررها الثاني وتبادل بدلها الثالث، فتعين ذلك اللفظ بمعنى بحيث إذا سمع اسمه الأول لا يعرفه من دون أن تأتي له باللقب، جيد. فقد نأتي بمثال للوضع التعيني.
قال: المنقول ينقسم إلى تعييني وتعييني؛ لأن النقل تارة يكون من ناقل معين باختياره وقصده -وهذا لا يعني أن مجرد الاختيار هو الذي يوجد الوضع، الآن إذا قلت لكم: تعالوا لنستعمل، لنطلق على... لنطلق لفظ الحائط على هذه الطاولة، هذا لوحده لم يوجد انتقالا، لم يوجد، لم يوجد اقترانا بين اللفظ والمعنى، بل لابد أن يتكثر الاستعمال حتى يتعود الذهن أنه كلما سمع اللفظ فإنه ينصرف إلى ذلك المعنى- طيب قال: لأن النقل تارة يكون من ناقل معين باختياره وقصده وليس هذا التقسيم ليس تقسيما للنقل فقط، يكون في الوضع أيضا. لنفترض أنني أُريد أن أضع لفظة ديز الآن من أول الأمر، تارة أضعها لمعنى بقصد واختيار سابق، وتارة يحصل له معنى من دون قصد ومن دون اختيار، جيد.
لأن النقل تارة يكون من ناقل معين باختياره وقصده، كأكثر المنقولات في العلوم والفنون، لأنه في العلوم دائما صاحب العلم يأتي بمصطلح يوافق غرضه، فهو الذي يختار ويقصد إلى جعل هذا اللفظ دالا على ذلك المعنى، وهو المنقول التعييني، أي أن الوضع فيه بتعيين معين. وأخرى لا يكون بنقل ناقل معين باختياره، وإنما يستعمل جماعة من الناس اللفظ في غير معناه الحقيقي لا بقصد الوضع له، ثم يكثر استعمالهم له ويشتهر بينهم حتى يتغلب المعنى المجازي على اللفظ في أذهانهم فيكون كالمعنى الحقيقي يفهمه السامع منهم بدون قرينة، فيحصل الارتباط الذهني بين نفس اللفظ والمعنى، فينقلب اللفظ حقيقة في هذا المعنى، وهذا هو المنقول التعييني.
هذا تمام الكلام في البحث الأول. يقع الكلام في المبحث الثاني في تقسيم اللفظ المتعدد إلى مترادفين ومتباينين، يأتي هذا إن شاء الله والحمد لله رب العالمين. الله المستعان.
وصلِّ على محمد وآل محمد.
