منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 16

تحميل Word

016

يقع الكلام في تقسيم آخر من تقسيمات الألفاظ، وهو تقسيم اللفظ الذي له معنى باعتبار تعدده، بعبارة ثانية الذي نريد أن نقسمه من الألفاظ هي الألفاظ المتعددة، أي إن اللفظ إذا ما نسب وإذا ما قيس إلى لفظ آخر فإن العلاقة بين معنى اللفظ الأول ومعنى اللفظ الثاني، بحسب هذه العلاقة ينقسم اللفظ المتعدد إلى أقسام.

قد عرفنا فيما سبق أن النظر إلى اللفظ دائما يكون نظرا إليه بما له من معنى، لوضوح أننا لا نبحث عن الألفاظ المهملة، وإنما نبحث عن الألفاظ من حيث كونها مؤدية لمعانيها لمعانيها. جيد، وحينئذ فكلما كان هناك نظر إلى اللفظ فلابد أن يكون هناك نظر إلى المعنى، فالنظر إلى اللفظ نظر إلى اللفظ بما هو من معنى، غاية الأمر أن هذا اللفظ الذي ينظر إليه في التقسيم تارة ينظر إليه بشرط كونه واحدا، أي بشرط ألا يكون مقيسا إلى غيره من الألفاظ.

وتارة ثانية ينظر إليه بشرط كونه مقيسا إلى لفظ آخر له معنى آخر، وتارة ثالثة ينظر إلى اللفظ من دون اشتراط، أي سواء كان مقيسا إلى لفظ آخر أو لم يكن معه أي لفظ آخر.

أما إذا نظرنا إلى اللفظ بما له من معنى، ولكن بشرط ألا يكون مقيسا إلى لفظ آخر، فإن البحث يقع عن علاقة هذا اللفظ بمعانيه من جهة كونها متكثرة أو واحدة، ومن جهة كونه موضوعا لها جميعا أو موضوعا لبعضها، ومن جهة كونه مستعملا في معانيها التي وضع لها أو لا. وهذا هو البحث الذي تقدم تقسيمه إلى مختص ومشترك ومنقول ومرتجل وحقيقة ومجاز.

وأما عندما يكون المنظور إليه في التقسيم هو اللفظ الذي له معنى ولكن باعتبار كونه مقيسا إلى لفظ آخر، وهذا معنى تعدد اللفظ، فإن النظر يكون إلى لفظين، ولأن كل واحد من هذين اللفظين له معنى فيقع البحث حينئذ في علاقة معنى اللفظ الأول بمعنى اللفظ الثاني، فيقال كل لفظين -وقد عرفنا أن النظر إلى الألفاظ نظر إليها بما لها من معان- فكل لفظين إذا ما نسب أحدهما إلى الآخر، فإما أن يكون معنى اللفظ الأول عين الثاني أو أن لا يكون عينه.

بعبارة ثانية كل لفظين فإما أن يكون معناهما واحدا أو أن يكون معناهما غير واحد، ومعنى ألا يكون معناهما واحدا أن يكون معناهما متغايرين. فصار هناك تقسيمان، لأن اللفظين إن كان معنى أحدهما عين معنى الآخر فهما المترادفان، ولذلك لا يقال اللفظ ينقسم إلى مترادفين، هو لفظ واحد، والذي يقال له مترادفان هما مجموع اللفظين إذا ما قيس أحدهما إلى الآخر.

فاللفظ إذا ما قيس معناه إلى معنى لفظ آخر، فإما أن يكون معنى اللفظ الأول عين معنى اللفظ الثاني من غير فرق، فيقال حينئذ لللفظين إنهما مترادفان. واما أن يكون معنى أحدهما غير الآخر، فيقال إنهما متباينان.

ومثال اللفظين المترادفين كما يقال: إنسان وبشر، فإن لفظ الإنسان مغاير للفظ البشر، إلا أن لفظ الإنسان قد وضع لذات المعنى الذي وضع له اللفظ الآخر، فلا يوجد فارق بين اللفظين من جهة المعنى، بل مفهوم أحدهما عين مفهوم الآخر، أي إنما نفهمه وما نستحضره في الذهن عندما نسمع صوت إنسان هو نفس ما نفهمه ونفس الصورة التي تحضر في أذهاننا عندما نسمع اللفظ الآخر.

فالمترادفان هما اللفظان اللذان لهما معنى واحد ومفهوم واحد، وهذا بخلاف المتباينين، فإنهما عبارة عن لفظين يكون معنى أحدهما مغايرا للآخر، ومثال ذلك لفظ إنسان ولفظ حجر، لفظ إنسان ولفظ شجر. ومثال ذلك أيضا لفظ إنسان ولفظ ناطق.

والمراد من الناطق هو المفكر، فإن الإنسان خارجا وإن كان دائما يكون ناطقا والناطق في الخارج ليس إلا الإنسان، ولكن المفهوم من أحدهما مغاير للمفهوم من الآخر. بيان ذلك موقوف على مقدمات:

مقدمات في المفهوم والمصداق والماهية

المقدمة الأولى: أن المفهوم والمعنى والمدلول، هذه الألفاظ الثلاثة المفهوم والمدلول والمعنى، كلها ترجع إلى معنى واحد، ولا يوجد فارق بينها إلا في الاعتبار، أو فقل في اللحاظ؛ فإن المعنى معنى، سمي معنى لجهة كونه مقصودا باللفظ، ولذلك أنت تقول عنيت فلانا يعني قصدته، فاللفظ لجهة أنه يقصد به إيصال المعنى، فسمي المعنى معنى لأنه مقصود باللفظ.

وسمي مفهوما باعتبار أنه يفهم عند سماع اللفظ، وسمي مدلولا باعتبار أن اللفظ هو الذي يدل عليه. ففي قولنا مثلا: حائط، شوف ينتقل ذهننا إلى صورة ذلك الحائط، هذه الصورة التي تحضر في أذهاننا تسمى معنى لجهة أن اللافظ عندما جاء باللفظ قصد ذلك المعنى، فهو معنى، هو أصله فهو المعني -اسم مفعول هو هو- فهذه الصورة التي هي المعنية باللفظ هي المقصودة بذلك اللفظ.

فالصورة التي تحضر في الذهن عند سماع اللفظ تسمى معنى إذا لاحظنا كون اللافظ قاصدا لإيصال هذا المعنى، وتسمى مفهوما باعتبار أن هذه الصورة هي التي تفهم عند سماع اللفظ سواء كان هناك قصد أم لم يكن. وتسمى مدلولا باعتبار أن هذه الصورة الذي أوجدها والذي دل عليها هو ذلك اللفظ.

فعندما يقال معنى فهو المفهوم، وعندما يقال مفهوم فهو المدلول، فهذه الثلاثة لا فرق بينها إلا من جهة اللحاظ، يعني الذهن عندما يلحظ هذه الصورة من جهة كونها مقصودة باللفظ يسميها معنى، ومن جهة كونها مفهومة عند سماع اللفظ فيقال لها مفهوم، ومن جهة كونها حاصلة بذلك الدال تسمى مدلولا، تمام؟

إذا المقدمة الأولى أنه لا فرق بين المعنى والمفهوم والمدلول، فهذه الألفاظ الثلاثة مترادفة، وإنما الفارق بينها اعتباري ومن جهة اللحاظ. وهذا كما قيل من الفرق بين الجلوس والقعود، قالوا إن الجلوس هو بعينه القعود وهو هذه الهيئة المعروفة، ولكن هذا القعود أو هذا الجلوس هذه الهيئة المخصوصة إذا كانت حاصلة من قيام فتسمى قعودا، وإذا كانت حاصلة من نوم فتسمى جلوسا. يعني الذي حصلت له هذه الهيئة وهي هيئة الجلوس أو القعود إن كانت مسبوقة بقيام سمي ذلك قعودا، وإن كانت مسبوقة بنوم سمي ذلك جلوسا. فالفارق بينهما إنما هو من جهة اللحاظ، أنا عندما نظرت إلى هذه الهيئة لحظتها بما هي حالة حاصلة بعد القيام أو بعد النوم، ولذلك يقال جلس من نومه ولا يقال قعد من نومه، واضح؟

المقدمة الثانية: قد عرفنا في المقدمة الأولى أن المعنى والمفهوم والمدلول شيء واحد، والمعنى هو الأمر الذي له وجود وين؟ في الذهن أو في الخارج؟ في الذهن؛ لأن المعنى عبارة عن الصورة التي تحضر عند سماع اللفظ، والصورة التي تحضر عند سماع اللفظ أمر ذهني.

فإذا كان المعنى عبارة عن شيء يحضر إلى الذهن، وكان المعنى عين المفهوم، فالمفهوم عبارة عن أمر ذهني أيضا، لأن المعنى هو الصورة الذهنية والمعنى هو نفسه المفهوم، فالمفهوم أيضا هو الصورة الذهنية.

المقدمة الثانية أن هناك فرقا بين المفهوم وبين المصداق؛ إذ المراد من المفهوم الصورة الذهنية التي تحضر وين؟ في الذهن، ولذلك فإن المفهوم وجوده ذهني دائما. وهذا بخلاف المصداق، فإن المراد من المصداق هو ذلك الفرد الخارجي الذي تصدق تلك الصورة وتنطبق عليه، ولذلك سمي مصداقا، ويسمى مصدوقا، لأنه عبارة عن ذلك الفرد أو الوجود الخارجي الذي تصدق تلك الصورة عليه وتنطبق عليه.

فمفهوم زيد هي تلك الصورة الذهنية الحاصلة في الذهن عند رؤيته، وأما مصداق زيد فهو نفس ذلك الوجود الخارجي لزيد، فيقال إن هذا المفهوم منحصر في مصداقه ذاك، وقد يكون للمفهوم الواحد مصاديق متعددة، وذلك كفهوم الإنسان، فإن مفهوم الإنسان بحيث ينطبق في الخارج ويصدق على زيد وعمرو وبكر وعلي وإلى آخره.

إذا اتضحت هاتان المقدمتان فنقول: إننا عندما قسمنا اللفظ المتعدد إلى قسمين: إلى مترادفين ومتباينين، فنحن نريد أن نقسم هذين اللفظين باعتبار معناهما، أي باعتبار مفهومهما، لا باعتبار مصداقهما.

وحينئذ فالمترادفان هما اللفظان اللذان مفهوم أحدهما عين مفهوم الآخر، أي إن الصورة الذهنية التي تحضر في ذهننا عند سماع اللفظ الأول هي بعينها عين الصورة الذهنية التي تحضر عند سماع اللفظ الثاني.

ومعنى المتباينين أن تكون الصورة الذهنية التي تحضر في أذهاننا عند سماع اللفظ الأول مغايرة للصورة الذهنية التي تحضر عند سماع اللفظ الآخر. وهذا لا ينافيه أن تكون هاتان الصورتان المتغايرتان بحيث تصدقان على فرد واحد، ولذلك فإن مثل الناطق والإنسان متباينان، وإن كان حقيقة كل إنسان في الخارج فهو ناطق وكل ناطق فهو إنسان، لأنهما متساويان من جهة المصداق.

وهذا التقسيم تقسيم باعتبار المفهوم، المفهوم ليش؟ لأننا عندما نريد أن نعرف الإنسان فماذا نعرفه؟ هو حيوان ناطق، التفت شوف، فمفهوم الإنسان، يعني هذه الصورة الذهنية للإنسان مركبة من صورتين ذهنيتين، من صورة الحيوانية ونريد من الحيوانية يعني الكائن الحي، الجسم المتحرك بالإرادة، تمام؟

فهذا المفهوم مركب من مفهومين، من صورتين، من صورة الحيوانية ومن صورة النطق، ومن الواضح أن ما نستحضره من صورة عند سماع صورة الإنسان أو من سماع لفظ الإنسان هو صورة مغايرة للصورة التي نستحضرها عند سماع لفظ الناطق، ليش؟ لأن النطق هو جزء من مفهوم الإنسان؛ لأن مفهوم الإنسان مركب من مفهومين، فمفهوم الإنسان هو عبارة عن مجموع الصورتين، ومجموع الصورتين ليس عبارة عن نفس إحدى الصورتين، لأن صورة الكل لابد أن تغاير صورة الجزء، فيصدق أن إحدى الصورتين مغايرة للصورة الأخرى، وإن كان من ناحية المصداق فإن أحدهما عين الآخر بلا فرق، لا يوجد انسان في الخارج لا يكون ناطقا أو ناطق لا يكون إنسانا.

ومن هنا يقال إن الملاك في كون اللفظين متباينين هو تغاير مفهومهما، سواء كان مصداقهما متغايرا أيضا مثل لفظ إنسان وحجر وشجر، لأنهما متغايران مفهوما ومتغايران مصداقا. وسواء كانا متغايرين مفهوما أو لم يكونا متغايرين مفهوما بل كانا متساويين مصداقا، كما في مثل الإنسان والناطق، أو كما في مثل السيف والصارم، ليش؟ لأن لفظ الصارم هو موضوع في الحقيقة لخصوص السيف الذي يكون قاطعا وحادا، فالصورة الذهنية التي تحضر في أذهاننا عند سماع لفظ الصارم ليس عبارة عن مجرد السيف، بل السيف الذي معه تلك الخصوصية الخاصة وهي الحدة والقطع، وهذه الخصوصية ليست موجودة في صورة السيف عندما يقال لنا سيف. فلما كان المفهوم من أحدهما مغايرا ولو نحو مغايرة للمفهوم من الآخر، فيقال إن اللفظين متباينان، أي إن الصورة الذهنية الحاصلة من سماع أحدهما تغاير الصورة الذهنية الحاصلة من الآخر.

هذا تمام الكلام في تقسيم اللفظين باعتبار معنيهما إلى مترادفين وإلى متباينين، وقد عرفنا أولا أن المقسم في هذا التقسيم ليس عبارة عن اللفظ الواحد؛ لأن اللفظ الواحد لا يقال له مرادف ولا يقال له مباين، لأن الترادف نسبة بين شيئين، ولذلك فإن المقسم في هذا التقسيم هو اللفظ المقيس إلى لفظ آخر. ثم يحدث تقسيم لهما باعتبار علاقة معنى الأول مع معنى الثاني، فجملة المطلب أن اللفظين إما أن يكون معناهما واحدا أو أن يكون هناك تغاير بينهما في المعنى، فعلى الأول هما مترادفان وعلى الثاني هما متباينان، ولا يضر بالتباين أن يكون بينهما ترادف مصداقي؛ لأن التباين والتغاير هاهنا إنما هو باعتبار المفهوم.

أقسام المتباينين

إذا اتضح ذلك فإن المتباينين ينقسمان إلى ثلاثة أقسام. سوف نشرح هذا المطلب بحسب ما هو صحيح، ثم بعد ذلك نبين طريقة الماتن (قدس سره) في شرح المطلب ونقارن بينهما ونقف على الخطأ في أحد البيانين.

كيف كان، المتباينان -وهما اللفظان المتغايران، أي اللذان يوجد بينهما تغاير المفهوم- ينقسمان إلى ثلاثة أقسام: إلى متماثلين، ومتخالفين، ومتقابلين. وذلك لأن المتباينين لا يخلو إما أن يكونا مشتركين في تمام الحقيقة النوعية أو لا.

إذا أردنا أن نحدث التقسيم نقول: اللفظان إما يوجد بينهما تغاير مفهومي أو لا، هذان سميناهما المترادفان. جيد، التغاير المفهومي سميناه متباينان، اللفظان متباينان، نعم النسبة الحاصلة بينهما تسمى بالتباين.

المتباينان -وهما اللفظان المتغايران مفهوما- لا يخلو إما أن يشتركا في تمام الحقيقة، وسنشرح ذلك، ومعنى اشتراكهما في تمام الحقيقة يعني في الماهية النوعية، جيد؟ أو لا، شو يعني لا؟ ألا يكونا مشتركين في تمام الحقيقة. طيب وحينئذ فإما أن يكون بينهما تنافر وتعاند أو لا. فهذه قسمة ثنائية دائما، ثنائية الطرف مبنية على شيء ونقيضه، فلا يمكن أن نفرض قسما آخر زائدا في المقام.

فإن كان المتباينان بحيث يكونان مشتركين في تمام الحقيقة، أي في تمام الماهية النوعية، فهما متماثلان. وأما إذا لم يكن بينهما اشتراك في تمام الحقيقة، فإن كان بينهما تنافر وتعاند فهما المتقابلان، وإلا فإن لم يكونا مشتركين في تمام الحقيقة ولا يوجد بينهما تنافر وعناد فهما المتخالفان. هذا التقسيم ييسر لنا أن نميز بين هذه الأقسام الثلاثة بيسر وسهولة؛ لأنك إذا أردت أن تفرق بين المتماثلين والمتقابلين تقف على رأس الاختلاف في أصل الشجرة، فتقول إن المتماثلين يشتركان في تمام الحقيقة والمتقابلين لا يشتركان في تمام الحقيقة. وإذا أردت أن تفرق بين المتقابلين والمتخالفين فتقول إن المتقابلين وإن اشتركا في تمام الحقيقة ولكن يوجد بينهما تنافر وعناد، ولا يوجد تنافر وتعاند بين المتخالفين. فهذه أقسام يقع الكلام في شرحها.

وبيان هذه الأقسام الثلاثة موقوف على مقدمة في الفرق بين الماهية والوجود.

والحاصل أن الماهية ككلمة هي عبارة عن لفظ مركب من لفظين، وكان الأصل "ما هي" أو "ما هو"، ثم نحتت هاتان اللفظتان فجعلتا لفظا واحدا، وهذا كما يقال مثلا الحمدلة والبسملة والحوقلة، فإن الحوقلة أصلها لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم نحتت هذه الألفاظ وتسمى بالألفاظ المنحوتة، كما عن السيوطي، جيد.

تنحت تلك الألفاظ فتجعل لفظا واحدا، وكذلك الحمدلة أصلها الحمد لله والبسملة أصلها بسم الله الرحمن الرحيم إلى آخره. فإذا من الألفاظ ما يحصل فيها النحت فتنقلب لفظا واحدا، ومن تلك الألفاظ المنحوتة قولنا الماهية لأن أصلها "ما هو" أو "ما هي"، فيعلم أن المراد من الماهية هي ذلك الشيء الذي يقع جوابا عندما نسأل بما هو، فإذا قلت لي ما هو ذلك الشيء؟ فقلت لك: حائط، فيقال إن ماهية هذا الشيء هي الحائط. وعندما تنظر إلى موجود ما فتسأل عنه بما هو، فيقال لك فيقال إن ماهيته هي ماهية الإنسانية.

فالمراد من الماهية الحقيقة الذهنية التي يحضرها المجيب في جوابه عندما يسأل بما هو، يعني يسأل بهذا السؤال وهو السؤال بما هو، هذا من جهة.

من جهة ثانية، فإن كل موجود من الموجودات الخارجية، كل شيء في الخارج، فإنه ينتزع منه مفهومان اثنان، كل شيء في الخارج يمكن أن ننتزع عنه صورتين، صورة تعبر عن حيثية الاشتراك وصورة تعبر عن حيثية الافتراق.

فالصورة التي تعبر عن حيثية الاشتراك هي صورة الوجود، فأنا موجود وأنت موجود وهو موجود، فتقول هذا الوجود وذاك الوجود وذلك الموجود، فهذه الصورة صورة تعبر عن حيثية الاشتراك، نجد أن مفهوم الوجود الذي ينتزع من هذا الموجود الخارجي هو عين مفهوم الوجود الذي ينتزع من ذلك الوجود الخارجي، فيقال مفهوم الوجود مفهوم مشترك بين سائر الوجودات الخارجية. هذه الصورة التي انتزعناها عن الوجودات الخارجية صورة ذهنية تعبر عن حيثية الاشتراك ولا تفرق بين وجود وبين آخر.

ويوجد في المقابل صورة ثانية ننتزعها عن الوجودات الخارجية، إلا أن هذه الصورة تعبر عن حيثية الافتراق، كما إذا ما نظرنا إلى الوجود الأول فقلنا إنه حائط، ثم نظرنا إلى الثاني فقلنا إنه إنسان، فإن الذي ميز لنا وفرق هذا الوجود عن ذاك هي تلك الماهية وتلك الصورة التي تحصل في الذهن، وهي صورة تعبر عن حيثية الافتراق، فيقال إن كل شيء في الخارج فهو مركب من مفهومين اثنين: من ماهية ومن وجود. والمراد من الوجود صورة ما به الاشتراك، والمراد من الماهية صورة ما به الافتراق.

ثم إن الماهية التي هي حيثية ما به الافتراق لا يخلو إما أن تكون عبارة عن تمام الماهية أو عبارة عن بعضها. التفت، ما هي الماهية؟ هي الصورة الذهنية التي بها يتميز وجود خارجي عن وجود خارجي آخر، أو فقل هي الصورة الذهنية التي تعبر عن حيثية الافتراق. فإن كانت تلك الحيثية صالحة لأن تفرق بين هذا الوجود وبين سائر الوجودات الأخرى فيقال إن هذه الماهية هي الماهية النوعية، أي هي تمام الماهية.

بعبارة ثانية، قد عرفنا أن الماهية هي حيثية الافتراق بين الوجود الخارجي وبين غيره من الوجودات، فإن كان المذكور في جواب "ما هو" كل الأمور وكل القيود التي تفرق بين هذا الوجود وبين غيره من الوجودات فيقال للماهية إنها ماهية تامة أو هي ماهية نوعية إذا كان المذكور في الجواب عبارة عن كل القيود أو عبارة عن القيود التي تصلح لأن تفرق بين هذا الوجود وبين سائر الوجودات فالماهية تامة.

وأما إذا كان المذكور في الجواب عبارة عن قيود تصلح لأن تفرق بين هذا الوجود وبين بعض الوجودات لا كلها فهذه الماهية ناقصة. نعطيك مثالا: إذا ما سألتني إذا ما أشرت إلى زيد وقلت لي ما هو؟ تارة أقول لك هو جسم، وهذا الجواب صحيح؛ لأن زيد جسم. وتارة ثانية أقول لك هو جسم نام، وهذا صحيح أيضا؛ لأن هذا الموجود الخارجي الذي وقع في جواب السؤال أو الذي سُئل عنه بما هو هو جسم؛ لأن له طولا وعرضا وارتفاعا والجسم هو ما ينقسم في الأبعاد الثلاثة وهو نام أيضا. وتارة ثالثة تجيبني بهذا الجواب: هو جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق.

الفارق بين هذه الأجوبة أن كل واحد من هذه الأجوبة صالح لأن يفرق بين زيد وبين غيره من الوجودات، ولكن عندما وقع الجواب بقولنا جسم فهذا يصلح لأن يفرق بين زيد وبين بعض الوجودات الخارجية وهي التي لا تكون أجساما كالسطح والخط إلى آخره. وعندما قيل هو جسم نام فهو يصلح لأن يميز بين زيد وبين الحجر مثلا، جيد؛ لأنه وإن كان الحجر جسما إلا أنه لا يكون ناميا. ولكنه لا يصلح لأن يفرق بين الإنسان وبين الفرس مثلا، لأن كل واحد منهما يصدق عليه أنه جسم نام مع أن الآثار المترتبة على زيد غير الآثار التي تترتب على الفرس، فهما من حقيقتين منفصلتين، جيد؟

ولذلك فيقال إن كل واحد من هذه الأجوبة هو جواب عن السؤال بما هو؛ لأنك عندما قلت لك هو جسم فقد سألتني في البداية قلت ما هو؟ فهذا فيقال للجسم إنه ماهية؛ لأننا لا نريد من الماهية إلا ذلك الجواب الذي يقع عند السؤال بما هو، ولكن الفرق بين ماهية الجسم وبين ماهية الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة الناطق أن الماهية الأولى ليست هي تمام الماهية؛ لأنها لا تصلح لأن تفرق بين هذا المسؤول عنه وبين سائر الأشياء الأخرى التي يمكن أن تكون في قباله، فيقال هذه الماهية ليست هي الماهية النوعية، أي ليست هي تمام الماهية، هي جزء من ماهية، وجزء الماهية ماهية؛ لأن جزء الماهية يقع في الجواب عن السؤال بما هو. وأما الماهية النوعية فهي عبارة عن سائر حيثيات الافتراق التي تصلح لأن تميز الشيء عن غيره من الموجودات الأخرى المندرجة تحت حقائق أخرى.

التفت، ولكن قولنا: جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق، هذا لا يميز زيدا عن عمرو، كل واحد منهما يصدق عليه هذا التعريف، نقول نعم لأن زيدا لا، التفت لأن زيد ماهيته النوعية هي عين ماهية عمرو النوعية؛ لأن آثار زيد هي بعينها آثار عمرو.

وبالجملة، فنحن إنما نميز الحقائق بعضها عن بعض بسبب أو تبعا لاختلاف الآثار، فإننا عندما نظرنا إلى النار فوجدناها تفيض أثرا غير الأثر الذي يفيضه الماء مثلا عرفنا أن الماء من حقيقة تغاير حقيقتها، جيد؟ فعلم أن الماء نوع وأن النار نوع آخر. ولكن عندما تنظر إلى هذه النار وإلى تلك النار فتجد أن آثارهما مشتركة، فتعلم أنهما مندرجان تحت نوع وحقيقة واحدة.

ولذلك يقع الكلام في أنه كيف نميز هذه الحقيقة الواحدة التي لها أكثر من مصداق عن غيرها من الحقائق؟ طبعا أنا أواجه مشكلتين في شرحي لهذا المطلب: المشكلة الأولى أن درس الماهية وتقسيمات الماهية والمراد من الماهية النوعية أو الماهية الفصلية أو النوع أو الجنس أو الفصل، هذه أبحاث سوف تأتي ونحن لم نتعرض إليها بعد. المشكلة الثانية التي أواجهها أن هذه الأبحاث كلها قديمة مبنية على أصالة الماهية، وإلا فعلى أصالة الوجود لا يصاغ البحث بهذه الطريقة وبهذا التركيب. كيف كان، شيئا فشيئا العلم مبني على التراكمات، وإلا سوف يأتي معنا شيئا فشيئا ما هو الصحيح. كيف كان؟

نرجع إلى أصل المطلب. قد عرفنا أن كل شيء خارجي فإننا نأخذ عنه في الذهن صورتين: صورة تعبر عما به الافتراق ويقال لها إنها الماهية، وصورة تعبر عما به الاشتراك ويقال لها إنها حيثية الاشتراك وهي مفهوم الوجود.

ثم إن الماهية التي تقع في الجواب عن السؤال بما هو، أو هذه التي تعبر عن حيثية الافتراق، إما أن يذكر فيها كل الأمور التي يحتاج إليها للتفرقة بين هذه الحقيقة وبين غيرها من الحقائق، أو فقل إما أن تكون هذه الماهية صالحة لأن تفرق بين الحقيقة وبين سائر الحقائق الأخرى، أو أن تكون لها صلاحية التفرقة بين هذه الحقيقة وبين بعض الحقائق الأخرى. فإن كانت الماهية بحيث تميز الشيء عن سائر الحقائق الأخرى فيقال لها أنها الماهية النوعية، ويقال لها أنها تمام الماهية، وإلا فهي ماهية ناقصة، قد تكون ماهية جنسية أو غير ذلك كما سيأتي.

إذا اتضح ذلك، فإن المعنيين -يعني المفهومان، صحيح؟ لأننا قلنا اللفظان اللذان يوجد بينهما تغاير في المعنى يعني تغاير في المفهوم، فكل لفظين يوجد بينهما تغاير في المفهوم، فإن كان هذان المفهومان -يعني هذان المعنيان يعني هاتان الصورتان- إن كان هذان المفهومان مندرجين تحت ماهية نوعية، يعني بين مندرجين، مشتركين في تمام الماهية، فيقال لهما مثلان.

مثال ذلك زيد وعمرو، فإن الصورة الذهنية التي تحضر عند سماع لفظ زيد تغاير الصورة الذهنية التي تحضر عند سماع لفظ عمرو بلا إشكال؛ لأن لفظ عمرو موضوع لذلك الشخص ولفظ زيد موضوع لشخص آخر، فالصورتان متغايران إذا فهما متباينان، ولكن هذان المتغايران -ولكن هذين المتغايرين مفهوما- يندرجان تحت ماهية نوعية مشتركة؛ لأنهما مشتركان في تمام الحقيقة، لأن كافة الآثار التي تصدر عن زيد يصح أن تصدر عن عمرو، فهما مشتركان في تمام الحقيقة.

وهذا بخلاف زيد وذاك الفرس -ليش قلت ذاك الفرس مش الفرس؟ لأن الفرس مفهوم عام، أريد هذا الفرس- فإن زيدا وهذا الفرس مشتركان في أنهما جسم، وجسمهما نام، وهما يتحركان بالإرادة أيضا، وهما حساسان، إلا أن أحدهما ناطق والآخر ليس ناطقا، جيد، فلم يشتركا في تمام الحقيقة. وتمام حقيقة زيد أنه حيوان ناطق، شو يعني حيوان؟ يعني جسم نام حساس متحرك بالإرادة، هذه الكلمة حيوان اختصار لكل هذه الأوصاف، تمام؟ ولذلك يقال حيوان ناطق يعني جسم نام حساس متحرك بالإرادة ناطق، تمام؟

فكل لفظين يوجد بينهما تغاير مفهومي إن كانا مشتركين في تمام الحقيقة أي في الماهية النوعية، بأن يكونا فردين لنوع واحد لحقيقة واحدة، فهما المثلان، ولذلك لا يقال إن زيدا مثل هذا الفرس، وإنما زيد مثل عمرو.

وأما إذا لم يكونا مشتركين في تمام الحقيقة، فلا يخلو إما أن يكون بينهما تنافر وعناد أو لا. أولا نريد أن نأتي بجملة من الأمثلة لمفهومين لا يوجد بينهما اشتراك في تمام الحقيقة: كزيد وذاك الفرس، وهذا الفرس أو ذاك الحصان مثلا. بعد، كالحلاوة والسواد، ليش؟ قالوا لأن السواد من الكيف المحسوس، أو فقل هو من الكيف المرئي هذا السواد، أما الحلاوة فهو من الكيف الواعي الذي يخضع للذائقة مثلا، جيد، فالحلاوة تندرج تحت نوع وحقيقة غير الحقيقة التي يندرج تحتها السواد مثلا. أو فقل كالسواد والبياض أيضا هما مشتركان في اللونية، إلا أن اللونية ليست هي تمام الحقيقة، ليش؟ لأن البياض يختص بخصوصية لا تكون في الأسود، وهي أن البياض مفرق للبصر مثلا، لذلك إذا نظرت إلى البياض تجد أنه يشتت البصر يفرقه، يعني يشتت يمنع من التركيز، ولذلك يقال إن الورقة الصفراء مثلا أريح للقلب من الورقة البيضاء، لأن البياض يوجب تشتتا في البصر فيصعب التركيز، وهذا لا يترتب على غيره من الألوان، وكل لون له من الخصوصيات ما لا يترتب على اللون الآخر، فهما وإن كانا مشتركين في بعض الحقيقة ولكنهما يختلفان في البعض الآخر.

فقولنا ما لا يكونان مشتركين في تمام الحقيقة يصدق أولا إذا لم يكن بينهما اشتراك أصلا، وكزيد والحلاوة، زيد يندرج تحت الجوهر والحلاوة تندرج تحت العرض، مثال ذلك أو توضيح ذلك: زيد موجود قائم بنفسه لا يحتاج إلى شيء حتى ينوجد فيه، ولكن الحلاوة تحتاج إلى قالب الحلوى حتى تنوجد فيه مثلا. أو لا، كالحائط والبياض، البياض لابد له من وجود شيء حتى يعرض عليه، ولذلك يقال العارض يعني يوجد في معروضه، البياض لا يمكن أن توجد بياضا في الخارج إلا بأن تأتي بذات أولا ثم تضع البياض عليها، وهذا بخلاف الإنسان فإنه موجود قائم بنفسه لا يحتاج إلى شيء حتى يعرض عليه، بل الأشياء تعرض عليه، شوف الآن كلون اللون الأبيض أو اللون الأسود الموجود في البشرة، هذا اللون لا يمكن أن ينوجد من دون وجود ذات تلك البشرة، تمام؟ فلا يوجد بينهما أي اشتراك، لأن أحدهما من مقولة الجوهر أي هو وجود قائم بنفسه، والآخر من مقولة العرض أي هو وجود قائم بغيره.

طيب، فقولنا إن المفهومين لا يكونان مشتركين في تمام الحقيقة يصدق في موردين: فيما إذا لم يكن بينهما اشتراك أصلا، أو كان بينهما اشتراك ولكن في بعض الحقيقة، كما في مثل الأبيض والأسود فإنهما مشتركان في اللونية وإن اختلفا في سائر الآثار المترتبة على كل لون من هذه الألوان.

فنقول إن المفهومين المتغايرين إذا لم يكن بينهما اشتراك في تمام الحقيقة، طبعا هذا الفرس وذاك الفرس شو؟ مثلان، هذا الفرس وذاك الفرس، هذه النار وتلك النار هذان مثلان يندرجان تحت ماهية نوعية.

جيد، إن لم يكن بين المفهومين المتغايرين تماثل فلا يخلو إما أن يكون بينهما تعاند وتنافر أو لا. وما هو المراد من التعاند والتنافر؟ المراد من التعاند والتنافر أن يكون أحد الشيئين كارها بذاته لوجود الآخر، حتى كأن أبعد شيء عن الأول هو ذلك الثاني بحيث لا يمكن أن تفرض ما هو أبعد عن الأول من الثاني.

ولذلك نجد أن البياض إنما ينافر ويعاند السواد، ولا ينافر ولا يعاند الحمارة مثلا، ليش؟ قالوا لأن البياض هو أبعد شيء عن السواد، فإنه لا يوجد ما هو أبعد من الأسود عن الأبيض، حتى كأن أي لون آخر تفرضه فيكون واقعا بين اللونين، ولذلك يقال إنه بين البياض والحمرة لا نجد أن أحدهما كأنه بذاته يكره وجود الآخر، وإن كان البياض لا يجامع الحمرة، لا يمكن أن يكون الشيء الواحد أبيض وأحمر في آن واحد.

إذا فعندما نقول إنها متغايران، فمعنى تغايرهما أنهما لا يجتمعان، ولكن عدم اجتماعهما تارة يكون على نحو التنافر، وتارة ثانية يكون لا على نحو التنافر، فمثال كونه على نحو التنافر هو كالبياض والسواد، كالعمى والبصر، نجد أن العمى بذاته كاره لوجود البصر، فإن أبعد شيء عن البصر هو العمى، ولا يوجد تنافر مثلا بين العمى وبين النعومة وإن كان -التفت- وإن كان العمى لا يجتمع مع النعومة في يعني في شيء واحد من جهة واحدة، طبعا ممكن أن يكون الإنسان ناعما وأعمى، جيد، ولكن نعومته من جهة والعمى من جهة ثانية، العمى لجهة فقد البصر، النعومة لجهة نعومة الملمس مثلا، فهما لم يجتمعا من جهة واحدة، جيد؟

فكل متغايرين لا يمكن أن يجتمعا من جهة واحدة في محل واحد في مكان واحد في زمان واحد، ولكن عدم اجتماعهما قد لا يكون على نحو التنافر، لا نشعر أن العمى بنفسه يكره وجود النعومة، ولكن نشعر أن العمى يكره وجود البصر، ولذلك يقال إن العمى لا يجامع البصر على نحو التنافر والعناد، أحد الطرفين يكون كارها لوجود الآخر، فيقال إن بين العمى وبين البصر تقابل؛ لأن المتقابلين هما المتغايران اللذان لا يجتمعان على أن يكون عدم اجتماعهما على نحو التنافر والعناد.

وأما بين النعومة والعمى فهما أيضا معنيان لا يمكن أن يجتمعا في جهة واحدة، يعني من نفس الحيثية، ولكن لا يوجد بينهما تنافر وعناد فهما متخالفان. فبين السواد والحلاوة وإن اجتمعا في قالب الحلوى، تخالف، جيد، تخالف.

طب تقول اجتمعا وأنت تقول الآن هما متغايران لا يجتمعان؟ نقول لا يجتمعان من جهة واحدة، نعم يمكن أن يجتمعا في شيء واحد ولكن لا من نفس الحيثية ومن نفس الجهة، تمام؟ السواد هو من جهة اللون، جيد، والحلاوة من جهة الطعم، تمام؟ والطعم شيء واللون شيء آخر، فلم يجتمعا في جهة واحدة من حيثية واحدة، وإلا صار أحدهما عينا للآخر، فصار بينهما ترادف، والفرض أننا نريد أن نقسم المتغايرين، تمام؟

فظهر أن كلا متباينين فلا يمكن أن يجتمعا في جهة واحدة من جهة واحدة، وإن صح في بعض الأحيان أن يجتمعا في مكان واحد أو في شيء واحد.

هذا أولا، وثانيا أن الفارق الأساسي والجوهري بين المتقابلين والمتخالفين، مش أن أحدهما مش أن المتقابلين لا يجتمعان والمتخالفين يجتمعان كما يتوهم كثير من الطلبة هذا المعنى، لا، لا فرق بين المتخالفين وبين المتقابلين في أن كليهما لا يمكن أن يجتمعان، وإنما الفارق في أن عدم الاجتماع في المتقابلين ناشئ من التنافر والعناد، ومرادنا من التنافر والعناد أن يكون أحدهما بحيث ينفر بذاته ويأبى عن وجود الآخر، أو فقل أن يكون أحدهما طاردا للآخر بحيث لا يمكن أن نفرض ما هو أبعد عن أحدهما من الآخر.

وهذا بخلاف المتخالفين، فإن عدم اجتماعهما ناشئ أو غير ناشئ من وجود تعاند وتنافر بينهما. فزيد وهذا الفرس لا يجتمعان، لا يمكن أن توجد مصداقا في الخارج يكون عبارة عن زيد الذي هو من أفراد الناطق وعبارة عن فرس، لا يمكن ذلك، إلا أن زيدا لا نشعر بأنه بذاته كاره لوجود الفرسية، وإن كانا لا يمكن أن يجتمعا، لا يمكن، يوجد استحالة عقفية -عقلية- في اجتماعهما، ولكن لا على نحو التعاند والتنازع؛ إذ لا نشعر بأن أبعد شيء عن ذلك الإنسان هو ذلك الفرس.

نعم، أبعد شيء عن وجود زيد ما هو؟ عدمه. إذا أخذت وجود زيد وعدم زيد تجد أن أحدهما يأبى الآخر؛ لأن أبعد شيء عن النقيض هو نقيضه، ولذلك تجد كأنما بين المتقابلين أحد الوصفين يستدعي تصور الوصف الآخر، ولذلك عندما تتصور العمى تجد نفسك ملزما بتصور البصر. وعندما تتصور البياض تجد نفسك ملزما بتصور السواد لا الحمار. وعندما تتصور الأبوة تجد نفسك ملزما بتصور البنوة، فالأبوة والتفت، الأبوة والبنوة وإن كانا يجتمعان في شيء واحد في رجل واحد -الآن أنا أبو وأنا ابن- إلا أن الاجتماع ليس من جهة واحدة؛ لأن أبوتي إنما هي بالنظر إلى من تحتي، وبنوتي إنما هي بالنظر إلى من فوقي، فلم يجتمعا ويوجد بينهما تعاند.

فإذا نحن لا نريد من الاجتماع وعدم الاجتماع اجتماع المفهومين في مصداق واحد، لا، بل نريد من الاجتماع اجتماع المفهومين في مصداق واحد من جهة واحدة، في محل واحد، في مكان واحد وزمان واحد، أي هو الاجتماع مع من سائر الحيثيات، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا عند المترادفين.

فكل متباينين وكل متغايرين مفهوما، لا يوجد، لا يمكن اجتماعهما في مكان واحد من جهة واحدة وزمان ومكان وحيثية واحدة، إلا أن عدم الاجتماع تارة يكون على نحو التنافر، وتارة ثانية يكون لا على نحو التنافر.

إذا اتضح ذلك، فإن المثلين أيضا لا يمكن أن يجتمعان؛ لأنهما داخلان ومندرجان تحت المتباينين، والقسم عبارة عن المقسم المقسم وزيادة، فتثبت له أحكام المقسم وأحكام زائدة، ومن جملة أحكام المقسم أن المتباينين لا يجتمعان، فالمتماثلان أيضا لا يمكن أن يجتمعا؛ لأن زيدا وعمرا لا يمكن أن يتحققا في شخص واحد من جهة واحدة إلى آخره.

هذا تمام الكلام في تقسيم المتغايرين أي المتباينين، ونريد من التغاير هاهنا التغاير المفهومي لا المصداقي كما سوف يتضح.

يقع الكلام غدا في حكم كل واحد من هذه الأقسام أولا، وثانيا في تقسيم المتقابلين إلى أقسامه الأربعة ثانيا، وثالثا في طريقة الماتن (قدس سره) في شرح هذا المطلب وتقسيمه، فإنها طريقة مغايرة جدا، ثم سوف نقف على الصحيح من هذه المطالب. يأتي إن شاء الله غدا والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.