منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 2

تحميل Word

002

لازال الكلام في الرأس الأول من الرؤوس الثلاثة وهو بيان الحاجة إلى علم المنطق. وقد عرفنا في الدرس السابق أن علم المنطق لا يعلمنا كيف نفكر وإنما يعلمنا التفكير الصحيح، أو فقل: المنطق يضبط لنا القواعد السليمة التي إذا ما روعيت فإنها سوف تجعلنا نفكر تفكيرا صحيحا.

كيف كان علم المنطق قد تعرض إلى جملة من الإشكالات، وقد ذكر منها الماتن ها هنا إشكالين ثم أجاب على كل واحد منهما:

1. الإشكال الأول: أن المنطق ليس علما؛ لأن العلم هو الذي يشتمل على مسائل يتعلقها الإنسان، وما دام الإنسان مفطورا على التفكير كما تقولون، إذا فالقواعد المنطقية ليست علما؛ لأن الإنسان مفطور عليها فهي موجودة عنده في جبلته، وإذا كانت موجودة في جبلته فهو لا يكتسبها اكتسابا، والعلم هو جملة من المسائل التي يكتسبها الإنسان. وبالجملة: لو كان المنطق علما لكانت مسائله مكتسبة، ولكن مسائله ليست مكتسبة؛ لأن الإنسان مفطور على التفكير، وإذا كان مفطورا على التفكير فهذه القواعد موجودة عنده، إذن فهو لا يكتسبها، فليس المنطق علما، وإذا لم يكن المنطق علما فلا نحتاج إلى دراسته، ولذلك لا يكون له حاجة.

2. الإشكال الثاني: أن المنطق لو سلمنا أنه علم، إلا أنه مع ذلك هو علم لا فائدة منه. ليش؟ وذلك لأنكم تقولون إن المنطق يفيد تصحيح الفكر، ونحن نجد أن الكثير من الناس يدرسون المنطق ومع ذلك يخطئون في تفكيرهم، فلو كان المنطق مصلحا للفكر لوجب أن يصلح فكر دارسي المنطق، ولكن الناس تدرس المنطق ولا تصلح أفكارها ولا تصح أفكارها، فنستنتج أن المنطق علم غير نافع.

إذن هذان إشكالان: الإشكال الأول ينفي كون المنطق علما وإذا لم يكن علما فنحن لا نحتاج إليه فلا حاجة إليه، والإشكال الثاني أن المنطق حتى لو كان علما ولكن هذا العلم لا فائدة منه فلا نحتاج إلى دراسته؛ لأنكم قررتم فائدته بأن المنطق يصحح أفكارنا، ونحن نجد أكثر الناس تدرس المنطق وما زالت تخطئ في تفكيرها، بل نجد الناس تدرس المنطق وكل واحد من الدارسين ينتهي إلى نتيجة تباين النتيجة التي ينتهي إليها المنطقي الآخر، فيدلنا ذلك على أن المنطق لو كان عاصما لأفكارنا مصححا لها لما وصلنا إلى نتائج متباينة، ولكننا نصل إلى نتائج مباينة، فالمنطق لا حاجة إليه.

فهذان اعتراضان ينفيان الحاجة إلى علم المنطق. الماتن (قدس سره) أجاب عن كل واحد من هذين الاعتراضين عن طريق إيجاد مقايسة لطيفة بين علم المنطق وبين علم النحو، وهذه المقايسة من شأنها أن ترد كل واحد من هذين الإشكالين.

حاصل هذه المقايسة أو المقاربة أن الله عز وجل خلق الإنسان مفطوراً على التكلم، على النطق، ولا نريد من النطق ها هنا النطق باللسان، بل النطق الفكري بمعنى التعقلي. الله عز وجل أوجد نعمة عند الإنسان وهي أنه جعل عنده قابلية النطق حتى يعبر عن المعاني التي يريد أن ينطقها إلى الآخرين، وأعطاه آلة لهذه التعبيرات ولهذا النطق فجعل له اللسان آلة في إيصال هذه المعاني إلى الأذهان. وهو مع كونه قد فطره على التكلم نجد أن الإنسان كثيرا ما يخطئ في كلامه، فيحتاج حينئذ رغم أنه مفطور على التكلم إلى قانون يضبط له هذه الآلة ويجعلها على طريق قويم.

فعلم النحو لا يعلم الإنسان كيف يتكلم؛ لأن الإنسان مفطور على التكلم، ولكنه يعلمه ويعطيه القواعد التي إذا راعاها فإنه سوف يتكلم بطريقة صحيحة مؤدية للمعاني المطلوبة. وكذلك علم المنطق؛ الله عز وجل وإن فطرنا على التفكير ولكننا مع ذلك نجد أنفسنا نخطئ في تفكيرنا، جيد؟ فنحتاج إلى قانون نحتكم إليه حتى نحرص على أن تكون أفكارنا الفطرية أفكاراً سليمة، جيد؟

إذًا كما أن الإنسان فطر على التكلم فهو فطر على التفكير، وكما أن الإنسان المفطور على التكلم يخطئ في كلامه فالانسان المفطور على التفكير يخطئ في أفكاره، وككما يحتاج الإنسان المتكلم إلى علم النحو لا ليعلمه الكلام وإنما ليعلمه كيف يتكلم بطريقة صحيحة، جيد؟ فكذلك يحتاج الإنسان إلى قانون لا ليعلمه التفكير وإنما ليعلمه كيف يفكر بطريقة صحيحة.

وبهذا يندفع الإشكال الأول. الإشكال الأول ماذا كان؟ أن المنطق ليس علما؛ لأن العلم هو ما يكتسب، والمنطق الإنسان فطر على التفكير، ومعنى أنه فطر على التفكير أن هذه القواعد موجودة عنده. فنقول: المنطق لا يعلمنا التفكير حتى يرد هذا الإشكال، يرد الإشكال فيما لو قلنا إن المنطق يعلمنا كيف نفكر فيرد الإشكال في أن الإنسان فطر على التفكير فلا حاجة إلى أن يكتسب كيفية التفكير، ولكن المنطق لا يعلمنا التفكير وإنما يعلمنا كيف نصحح أفكارنا عندما نفكر، ومثل هذه المسائل مسائل مكتسبة، وبالتالي صار المنطق علما.

وبالجملة: الإشكال يرد بناء على أن المنطق الذي هو علم يعلم التفكير. نعم، لا يمكن أن يكون التفكير علما؛ لأن التفكير معنى أن يكون علما أنه مكتسب، جيد؟ ومعنى أن يكون مفطورا عليه أنه غير مكتسب، ولا يكون الشيء الواحد مكتسبا وغير مكتسب في آن واحد.

أما الإشكال الثاني فقد أجاب عليه الماتن بجوابين. ماذا كان الإشكال الثاني؟ أن المنطق وإن كان علما ولكنه لا يفيد. ليش لا يفيد؟ قال: لأننا ما هي حاجتكم إلى المنطق؟ أن تصححوا أفكاركم، ونحن نجد أن الناس تدرس المنطق ولا زالت تخطئ في أفكارها، فلو كان هذا العلم نافعا لوجدنا أثرا له ولكننا نجد أن الناس تخطئ في أفكارها، إذن لا يوجد فائدة لعلم المنطق.

أجاب عليه الماتن (قدس سره) بجوابين: جواب نقضي وجواب حلي. والمراد من الجواب الحلي هو الجواب الذي يحل المشكلة ويرفعها من أساسها؛ وذلك لأن المعترض عندما يعترض فهو يرى مشكلة في المقام، فعندما يأتي المدافع فيرفع هذه الإشكالية ويحلها فيقال لمثل هذا الجواب إنه جواب حلي.

وأما الجواب النقضي فالمراد منه الجواب الذي لا يحل الإشكال وإنما يزيد الإشكال، هو لا يحل الإشكال وإنما يوسع دائرة الإشكال. إذن لماذا سمي جوابا؟ سمي جوابا لأن من خصائص الجواب أنه يسكت السائل، والجواب عندما يكون مسكتا يسمى جوابا، أما الجواب النقضي -فسوف يتضح ذلك جليا- فقد أجاب الماتن بأننا سلمنا أن الناس تدرس المنطق وما زالت تخطئ في أفكارها، ولكننا نجد أيضا أن الناس يدرسون النحو ولا زالوا إلى الآن يخطئون في كلامهم.

شوف هنا لم تنحل المشكلة وإنما توسعت دائرة الإشكال، صار الإشكال كان محصورا بالمنطق صار الإشكال عاما للمنطق وللنحو، يعني إذا كانت دراسة العلم وعدم حصول الفائدة دليلا على عدم الحاجة إلى هذا العلم، فكما لا نحتاج إلى المنطق كذلك لا نحتاج إلى النحو، وهذا يسمى جوابا نقديا. ليش؟ لأنك تنقض على المعترض وتنقض على المستشكل وتوسع له دائرة الإشكال، وسمي جوابا لأنه يسكت السائل؛ لأن هذا المعترض لا يريد أن يقول إن النحو لا فائدة له، وإنما يريد أن يخصص عدم الفائدة وين؟ بالمنطق، وأنت عندما تأتي وتوسع دائرة الإشكال فقد أوقفته على شيء لا يعترف به، ولذلك سمي جوابا؛ لأن من شأن الجواب أن يسكت السائل، وهذا الجواب لأنه مفحم للسائل يسمى جوابا نقضيا تنقض عليه ولا تحل الإشكال، جيد؟ إذن الجواب الأول ما هو؟ أن الناس تدرس النحو أيضا ونجدها تخطئ في كلامها، فلو كان الخطأ مبررا لعدم الحاجة في المنطق لكان مبررا لعدم حاجتنا إلى النحو، وأنت لا تقول أيها المستشكل بذلك، فهذا إشكال عليك.

وأما الجواب الحلي فحاصله أن الناس يدرسون المنطق ويخطئون في أفكارهم لا لان المنطق ليس نافعا بل لانهم لا يطبقون هذه الشروط بعد دراستها، كما أن دارس النحو إنما يخطئ في كلامه لأنه لم يتمرس في تطبيق هذه القواعد النحوية، فنحن عندما نقول إن النحو يعصم الكلام أو يعصم اللسان عن الخطأ في الكلام لا نريد أن نفس معرفة هذه المسائل، الآن من يعرف أن الفاعل مرفوع هذا لا يكفيه لكي يرفع الفاعل دائما، بل لابد من التطبيق، لابد من التمرس، لابد من مراعاة هذه القواعد، لابد من أن نلتفت عند إحضار الفاعل أنه لابد من رفعه، فكما النحو إنما يخطئ دارسوه بسبب أنه لم يراعي قواعده، والمنطق يخطئ دارسه لا لأن المنطق ليس مفيدا بل لأنه لم يراعي قواعده، ومن هنا يعلم أن عصمة الذهن عن الخطأ في الفكر تحتاج إلى أمرين: إلى دراسة القواعد المنطقية، وثانيا تحتاج إلى مراعاة هذه القواعد وإلى الحرص على تطبيق هذه القواعد.

ومن هنا فإن مراعاة القواعد شرط أساسي ضروري في ترتب فائدة علم المنطق. وقد تحصل بهذا البيان أن حاجتنا إلى المنطق ليست لأن نفكر وإنما لأن نصحح أفكارنا، وأن هذه الحاجة لا تتحقق بمجرد دراسة المنطق، فكثير هم الذين درسوا المنطق، السنة يدرسون المنطق والشيعة يدرسون المنطق، ومع ذلك يصلون إلى نتائج متباينة متضاربة، جيد؟ إذن هذه الحاجة لا تترتب على مجرد الدراسة بل لابد من المراعاة، فالمنطق يعصم الذهن عن الخطأ في الفكر ولكن بشرط المراعاة، فهذه هي الحاجة إلى المنطق.

تعريف المنطق وموضوعه وآليته

وإذ قد عرفنا الحاجة إلى المنطق صح أن نعرف علم المنطق بأنه يعصم الذهن عن الخطأ في الفكر بعد المراعاة؛ لأننا كلما عرفنا الحاجة إلى الشيء صح لنا أن نعرف ذلك الشيء بالحاجة إليه، وهذا بخلاف ما إذا عرفنا الشيء فقد لا نعرف الحاجة إليه.

التفت الآن مثلا: إذا أخبرتك عن أن الحاجة إلى السيارة هي التنقل في الأماكن المختلفة بسرعة، فأنت إذا سئلت عن السيارة تستطيع أن تعرفها بأنها آلة تمكنك من التنقل في الأماكن المختلفة بسرعة، تمام؟ ولكن إذا عرفت لك السيارة بأنها آلة مركبة من أربعة أبواب وأربعة دواليب وإلى أخرة، فإذا سئلت عن الحاجة قد لا تعرف هذه الحاجة. فكلما عرفنا الحاجة إلى الشيء تمكنا من تعريف ذلك الشيء بالحاجة إليه، ولكن ليس كلما عرفنا حقيقة الشيء تمكنا من أن نعرف الحاجة إليه، تمام؟

ولذلك قدم الماتن البحث عن الحاجة على البحث عن التعريف، حتى تكون معرفتنا للحاجة توطئة ومدخلا لتعريف المنطق، ولو أنه عرف المنطق أولا لما عرفنا الحاجة إليه، فقدم البحث عن الحاجة لتكون معرفتنا لهذه الحاجة توطئة ومدخلا للشروع وللتمكن من تعريف علم المنطق. ولذلك عرف المنطق في كلمات المنطقيين بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر. فالمنطق لا يصحح أخطاء الحواس -الآن قد تضع في فمك ملحا وتستشعر السكر مثلا هذا المنطق لا يبحث فيه؛ لأنه ليس خطأ فكريا وإنما هو خطأ من أخطاء الحواس- المنطق يصحح الأخطاء الجارية في العملية الفكرية، إذا هو يصحح أخطاء الفكر، ولكن حتى يصحح المنطق أخطاء الفكر لابد من المراعاة، جيد؟

يقع الكلام في شرح هذا التعريف، ما معنى أن تقول آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر؟ الآن قولنا "تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر" هذا صار واضحا، ولكن ما معنى قولهم آلة قانونية؟ يقع الكلام أولا في شرح معنى الآلة وثانيا في شرح معنى قانونية.

أما الآلة فيمكن أن نقسم العلوم إلى قسمين: العلوم المختلفة، جميع العلوم على اختلاف أنواعها من النحو والصرف والبلاغة والمنطق والفيزياء وعلم الجبر وعلم الهيئة -يعني الذي يقال له الجيومتري- وكافة العلوم من الفيزياء والكيمياء والبيولوجي والرياضيات إلى آخره، كل هذه العلوم يمكن أن نصنفها إلى قسمين: هي إما علوم ذاتية وإما علوم آلية.

والمراد من العلوم الذاتية: العلوم التي تُدرس لنفسها، لذاتها.

والمراد من العلوم الآلية: هي العلوم التي تُدرس لغيرها.

مثال العلوم الذاتية مثلا علم الفقه، الآن نحن ندرس علم الفقه لنفس معرفة الأحكام الشرعية، فندرس علم الفقه حتى نعرف أن السرقة حرام وأن الصلاة واجبة وأن القنوت مستحب إلى آخره، ولكن بعض العلوم -طبعا من أمثلة العلوم الذاتية أيضا علم العقائد، من أمثلة العلوم الذاتية علم الفلسفة، من أمثلة العلوم الذاتية الفيزياء، نحن لماذا نطلع على مسائل الفيزياء حتى نعرف أن الحديد يتمدد بالحرارة وغير ذلك من المسائل-.

ولكن بعض العلوم لا تدرس لأجل نفسها وإنما تدرس لأجل غيرها، مثال ذلك علم الأصول، التفت! علم الأصول لماذا سمي أصولا أصولا؟ هو علم بمجموعة من مسائل التي تعد أصولا للاستنباط، يعني أنا إذا اردت أن استنبط حكما شرعيا فهناك مجموعة من القواعد لابد أن أحيط وألم بها حتى أتمكن من الاستنباط. أعطيك مثالا، الآن هناك قاعدة أصولية يقال لها مثلا الاستصحاب، وهو أنه إذا كان عندك يقين سابق وشك لاحق فإنك تحتكم إلى اليقين السابق، لا تنقض اليقين بالشك وإنما انقضه بيقين آخر، هذه القاعدة يقال لها قاعدة أصولية، ليش؟ لأن الفقيه عندما يريد أن يستنبط حكما شرعيا بوجوب إعادة الوضوء أو بوجوب عدم إعادته أو بعدم وجوبه فإنه يحتكم إلى هذه القاعدة، عندما يأتيه المكلف ويقول له: أنا توضأت وأشك في أنني أحدثت، فحتى يعطيه حكما شرعيا فلا بد أن يرجع إلى هذه القاعدة فيقول: كان له يقين سابق بالوضوء وعنده شك لاحق، على ماذا يبنيه؟ على اليقين السابق.

في علم الأصول عن ماذا نبحث؟ نبحث عن هذه القاعدة؛ قاعدة الاستصحاب. نبحث في الرواية وفي سندها وفي دلالتها وكيف دلت هذه الرواية على هذه القاعدة، ثم نأخذ هذه القاعدة من علم الأصول ونطبقها وين؟ في علم الفقه فنستنبط منها حكما شرعيا، فنحن لا ندرس الاستصحاب لمجرد أن نعرف معنى الاستصحاب، لا يهمنا معرفة الاستصحاب، وإنما ندرس الاستصحاب لأجل أن نستفيد منه وين؟ في علم آخر وهو علم الفقه. ولذلك لنفترض الآن أن علم الفقه انتفى -الآن لو أصدر الله عز وجل حكما بأنه لم نعد مكلفين بشيء- هل هناك حاجة إلى معرفة الاستصحاب؟ لا، لا تحتاج إلى معرفة الاستصحاب. ليش؟ لأن هذه المسألة لا تدرس لأجل نفسها تدرس من أجل غيرها، فلو انتفى ذلك الغير لم يعد هناك حاجة إلى دراسة مثل هذه المسألة، واضح؟

إذا، العلوم إن كانت تدرس لأجل نفسها يعني لأجل ذاتها فهي علوم ذاتية، تمام؟ وإذا كانت تدرس من أجل غيرها فهي علوم آلية، آلة؛ لأن الآلة إنما هي وسيلة للوصول إلى شيء آخر. إذا اتضح ذلك فيقال: إن المنطق ليس علما ذاتيا وإنما هو علم آلي، ليش؟ لأنك أنت عندما تدرس أن النقيضين لا يجتمعان مثلا، أنت لا تدرس أن النقيضين لا يجتمعان لمجرد معرفة أنهما لا يجتمعان، بل تأخذ هذه القاعدة حتى تستخدمها وين؟ عندما تريد أن تستخرج حكما فقهيا أو أن تستخرج حكما عقديا أو أن تستخرج حكما فيزيائيا أو غير ذلك من المسائل. فعلم المنطق تدرس مسائله من أجل أن تخدم في استنباط مسائل العلوم الأخرى، ولذلك قلنا إن المنطق يقع في الدرجة الأولى في العلوم؛ لأن أي علم تريد أن تستنبط منه مسألة -يعني تريد أن تجري عملية فكرية- فلا بد أن تحتكم إلى القوانين التي تؤهلك لإجراء العملية الفكرية الصحيحة، تمام؟ إذا، فالمنطق هو من قسم العلوم الآلية التي من شأنها أن تخدم في سائر العلوم.

طيب، بناء على هذا المعنى الذي شرحناه: فمن العلوم الآلية المنطق؛ لأن المنطق يخدم في استنباط مسائل أو أحكام من كافة العلوم. ومن العلوم الآلية أيضا الأصول؛ لأنه يدرس لأجل الفقه. ومن العلوم الآلية علم الجبر -شوف في طبعا الرياضيات نحن نقول الجبر والجيومتري، جيد؟ علم الجبر اللي هو علم الأعداد والأرقام وهذه الحسابات، وهذه لما نحتاجها لوين؟ نحتاجها لإجراء علوم الهيئة، واثبات أن هذه الزاوية تساوي تلك الزاوية أو لا تساويها- شوف فهذه عمليات الحسابية من الجمع والطرح والقسمة إلى آخره هذه نتعلمها لا لمجرد أن نطرح ونجمع وإنما لنطبق هذا الجمع وهذا الطرح وين؟ في المعادلات وفي الأمور التي نريد أن نثبتها.

فمن العلوم الآلية علم المنطق، ومن العلوم الآلية علم الأصول، ومن العلوم الآلية أيضا علم الجبر. هذا بشكل بدوي، ولكن التحقيق أن المنطق ليس في مستوى علم الأصول ولا في مستوى علم الجبر بل هو أولى من علم الأصول ومن علم الجبر أيضا؛ لأنك حتى عندما تريد أن تطبق مسائل الجبر فأنت تحتاج إلى علم المنطق، وحتى عندما تريد أن تطبق علم الأصول فأنت تحتاج إلى القواعد المنطقية. والحاصل أن هذا المعنى للآلة الذي شرحناه هو المعنى الظاهري الساذج، ولكن هناك معنى آخر دقيق جدا لتعريف الآلة، والحاصل أن الآلة يمكن أن نعرفها بواحد من تعريفات ثلاثة:

التعريف الأول: أن نقول ما معنى العلم الآلي؟ أن نقول: هو العلم الذي يدرس لغيره. وهذا التعريف يرد عليه إشكال. ليش؟ نقول: لأن كل علم يترتب عليه غرض أو لا؟ أعطيك مثالا: علم الفقه يترتب عليه غرض، ما هو علم الفقه؟ علم الفقه هو المسائل مثل السرقة حرام، الصلاة واجبة، هذه هي مسائل علم الفقه، هذا هو علم الفقه، وهذه المسائل يترتب عليها غرض، ما هو الغرض؟ معرفة الحكم الشرعي، معرفة إرادة الله تمام؟ طيب، علم النحو، علم النحو هو عبارة عن أن الفاعل مرفوع، المفعول منصوب، المجرور أو المضاف إليه مجرور، وما هو الغرض المترتب عليه؟ عصمة اللسان عن الخطأ في الكلام. فنقول: كل علم فيترتب عليه غرض أو لا؟ وهذا الغرض غير العلم، هذا الغرض غير المسائل، نفس قولنا "الفاعل مرفوع" هذا غير "عصمة اللسان عن الخطأ في الكلام"، نفس قولنا "السرقة حرام" هذه المسألة شيء ومعرفة الحكم الشرعي شيء، أو تطبيق الحكم الشرعي شيء آخر. فنقول: كل علم يشتمل على جملة من المسائل ويترتب على هذه المسائل غرض وهذا الغرض غير المسائل، وإلا كيف يترتب الشيء على نفسه؟ تمام؟ أنت إذا درست النحو عصم لسانك عن الخطأ، إذن فالنحو شيء والعصمة شيء آخر، وإلا كيف يترتب الشيء على نفسه؟ فيرد الإشكال بناء على تعريف العلم الآلي بأنه العلم الذي يدرس لغيره، نقول: يرد إشكال لا يمكن الالتزام به، وهو أن كل علم هو عبارة عن مسائل يترتب عليها الغرض، والعلم إنما يدرس لأجل ذلك الغرض، وهذا الغرض غير المسائل أو نفسها غيرها، فيصدق على كل علم حينئذ بأنه علم يدرس لغيره، فيلزم أن تنقلب جميع العلوم علومآ آلية، وهذا واضح البطلان؛ لأننا الآن قبل قليل أحصينا علوما ثلاث فقط على أنها علوم آلية.

ومن هنا عدل العلماء عن هذا التعريف فجاؤوا بتعريف آخر للعلم الآلي: قالوا العلم الآلي ليس هو العلم الذي يدرس لغيري، لا، هو العلم الذي يدرس -التفت- لأجل علم غيري، كل علم يدرس -التفت- لأجل الغرض المترتب عليه، ولكن هذا الغرض المترتب عليه ليس علما، فلا يصدق أنه علم آلي، وإنما العلم الآلي هو الذي يدرس لعلم آخر غيره. واضح صار؟ جيد. التفت: الفقه وإن كان يدرس لغيره أي غير الغرض المترتب عليه، ولكن الفقه لا يدرس لعلم آخر وهذا الغرض ليس علما آخر، فصار هذا التعريف مقبولا ويندرج تحته علم الجبر، ويندرج تحته المنطق، ويندرج تحته علم الأصول. هذا هو الذي انتهى إليه العلماء.

والتحقيق أن هذا التعريف للعلم الآلي ليس كافيا أيضا، بل التعريف الدقيق للعلم الآلي هو ما جاء به العلامة الحلي (قدس سره) حيث عرف العلم الآلي بهذا التعريف قال: هو واسطة بين الفاعل ومنفعله القريب منه في انتقال الأثر منه إليه. سوف نشرح: واسطة بين الفاعل ومنفعله -صح- القريب منه -شوف- في انتقال منه إليه.

التفت، الآن مثلا إذا أراد المتكلم أن يصدر صوتا، فهذا الصوت الذي يصدره أثر، وهذا الصوت هو بحسب الفرض يريد للمخاطب أن يسمعه، فمعنى أن يصدر المتكلم الصوت أنه هو الذي فعل الأثر، ومعنى أن يسمع المخاطب الصوت أنه انفعل بهذا الأثر، أو أعطيك مثالا آخر كما تقول مثلا: أحرقت الخشبة فاحترقت، هناك فرق بين "أحرق" و"احترق"، أحرقتها ما معنى؟ أوجدت فيها هذا الأثر فاحترقت يعني قبلت هذا الأثر فاستجابت له فاحترقت، تمام؟

الآن إذا أراد المتكلم أن يصدر صوتا فهو الذي فعل الصوت أو لا؟ هو الذي أخرج هواء من الرئتين وجعله يحتك بالأوتار الصوتية فخرج الصوت، تمام؟ فهو الذي فعل الأثر، وهذا الأثر يريد أن ينقله وين؟ إلى سمع المخاطب، يريد للمخاطب أن يسمعه أي أن يتأثر بهذا الصوت فتنفعل نفسه فيستجيب لهذا الأثر، فالمتكلم فاعل للأثر والمخاطب منفعل بالأثر، وهذا الأثر وهو الصوت حتى ينتقل من الأول إلى الثاني لابد له من واسطة، وهذه الواسطة ما هي؟ الهواء؛ لأنه إذا لم يكن هناك هواء لا ينتقل الصوت، فيصدق على الهواء أنه واسطة بين الفاعل وبين المنفعل في انتقال الأثر من الأول يعني من الفاعل إلى الثاني إلى الثاني يعني إلى المنفعل. صار واضح التعريف أو لا؟ جيد؟ تمام.

إذا اتضح ذلك تعال لنطبق هذا التعريف على ما نحن فيه. الآن أنت النفس، النفس الإنسانية هي التي تدرك المعلومات، فهي التي تفعل الأثر، هي التي تصدر الأحكام، فهي التي تفعل الأثر. فنقول النفس الإنسانية هي التي نسميها الفاعل. وهذه النفس الإنسانية تريد أن تستنبط حكما لنفترض فقهيا، يعني أنا أريد كفقيه أن أصدر حكما شرعيا، فأنا المؤثر والمسألة الفقهية هي المنفعل، هي المتأثر، فنقول علم الفقه، علم الفقه ما هو؟ هو المتأثر.

النفس عندما تجري عملية فكرية فتضم هذه المقدمة إلى تلك وتركب هذه من تلك وتستنتج قضية توجب استنباط حكم شرعي فالنفس هي الفاعل وعلم الفقه هو المتأثر يعني هو المنفعل، تمام؟ ولكن النفس لا يمكن أن تؤثر وأن تستنبط حكما شرعيا من دون وجود علم أصول، فععلم الأصول ماذا صار؟ واسطة بين الفاعل والمنفعل، ولكننا نحن لم نعرف الآلة بأنها واسطة بين الفاعل ومنفعله في انتقال الأثر من الأول إلى الثاني -قريب- أضفنا قيدا قلنا: الآلة واسطة بين الفاعل ومنفعله، أي منفعل؟ القريب.

شو يعني؟ التفت! النفس حتى تستنبط حكما شرعيا فقهيا لابد أن تحتكم إلى علم الأصول، ولكن النفس أيضا حتى تستنبط علم الأصول لابد أن تحتكم إلى علم المنطق؛ لأن علم الأصول أيضا لا يمكن أن تستنبط قواعده من دون رعاية قواعد المنطق، فصار المنطق أيضا واسطة بين الفاعل ومنفعله، ولكن التفت يوجد واسطة قريبة ويوجد واسطة بعيدة، فعلم الأصول واسطة بين هذا الفاعل الذي هو النفس الإنسانية وبين هذا المنفعل الذي هو علم الفقه، ولكن هذا المنفعل بعيد أو قريب؟ بعيد. والمنطق واسطة بين هذا الفاعل الذي هو النفس الإنسانية وبين المنفعل الذي هو علم الأصول، وهذا المنفعل قريب أو بعيد؟ قريب. نعم، بعيد بالنسبة إلى علم المنطق، ولكنه قريب بالنسبة إلى علم الفقه. فصار هذا التعريف لا يصدق إلا على علم المنطق.

ومن هنا يتضح أن العلوم الآلية بالتعريف الأول أو الثاني يمكن أن تنطبق على علم الأصول وعلى علم الجبر، ولكن بالدقة العلم الآلي لا ينطبق إلا على المنطق؛ لأنه حتى الجبر وحتى علم الأصول يحتاجان إلى علم المنطق، ومن هنا اكتسب المنطق أهمية وشرفا على هذه العلوم، لانه صار هو الآلة حتى كان غيره ليس بآلة، وهذا معنى قول الماتن -شوف الماتن عندما أراد أن يبين لنا كيف يكون المنطق آلة، شبه المنطق بعلم الجبر، ولكنه في آخر البحث ذكر أن هذا التشبيه مجرد، أن هذا التشبيه مجرد مقايسه، وإلا فإن الجبر أيضا يحتاج إلى علم المنطق-. وهذا التعريف الدقيق للآلة وهي أنها واسطة بين الفاعل ومنفعله القريب منه في انتقال الأثر منه إليه لا ينطبق إلا على علم المنطق، وبهذا يتم الكلام في الآلة في القيد الأول.

القيد الثاني: قانونية

القيد الثاني: قوله قانونية. طيب، التفت! القواعد أو المسائل التي يحصل عليها الإنسان في الذهن تارة تكون، أو لا يمكن أن تكون قواعد... المسألة التي يحصل عليها الإنسان ويدركها الإنسان تنقسم إلى قسمين: إلى مسائل كلية وإلى مسائل جزئية، وسوف يأتي توضيح هذا المطلب بشكل مفصل عندما نصل إليه؛ لأنه هذا من جملة القواعد المنطقية: كل مسألة فهي إما مسألة كلية وإما مسألة جزئية.

ومعنى أن تكون المسألة كلية أنها تقبل لأن نطبقها على أكثر من مصداق وعلى أكثر من فرد، ومعنى أن تكون المسألة جزئية أنها لا تقبل لأن تنطبق إلا على فرد واحد. أعطيك مثالا: الآن إذا قلت مثلا جاء، أو إذا قلت مثلا زيد قائم، أو إذا قلت مثلا زيد خلق في أحسن تقويم، فهل يكشف هذا عن أن عمرا خلق في أحسن تقويم؟ هذه القضية لا تنطبق إلا على زيد. إذا قلت لك: زيد خلق في أحسن تقويم تمام؟ جيد، هذا يعني أن زيد هو الذي ولد في أحسن تقويم، لا أعرف إذا كان عمرا ولد في أحسن تقويم أو لا، هذه القضية لا تنطبق إلا على زيد، فهي تنطبق على فرد واحد، فهذه مسألة شخصية يقال لها مسألة جزئية.

ولكن مرة تارة ثانية آتي وأقول ها: ﴿خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (التين: 4). هذا ينطبق على زيد وعلى عمرو وعلى بكر وعلى خالد وعلى علي وعلى حسن؛ لأنهم كلهم من أفراد الإنسان. إذا كانت المسألة بحيث تنطبق على كثيرين فهذه يقال لها مسألة كلية، وإذا كانت تنطبق على فرد واحد فحسب فيقال إنها مسألة جزئية.

طيب، إذا اتضح ذلك فإن المسائل الجزئية لا نفع لها في العلوم. ليش؟ قالوا: لأن الجزئيات متباينة، زيد مباين لعمرو، عمرو مباين لبكر، ومعرفة حال المباين لا تدل على حال مباينه. الآن أنا إذا عرفت أن زيداً قائم، هذه القضية لا تمكنني أن أعرف أن عمراً قائم، قد يكون قائماً وقد يكون قاعداً، ولكنني إذا عرفت أن الإنسان قائم فأستطيع أن أعرف أن زيداً قائم وأن عمراً قائم وأن بكراً قائم، صحيح؟ جيد.

إذا فالمسائل الجزئية لا نفع لها في العلوم؛ لأن الجزئيات متباينة ومعرفة المباين لا تكشف حال مباينه، لا تدل على وجود هذه الحالة ولا على عدمه. ولذلك أنت ماذا تجد في النحو؟ في النحو يقولون: الفاعل مرفوع. مع أن العرب لم تأتي -التفت العربي لا نتحدث عن النحاة، العرب الذين جاء وضعوا اللغة لم يقولوا أبدا هذه الجملة لم تصدر عنهم، أصلا لم يكن عندهم شيء اسمه فاعل، كانوا يقولون: جاء زيد، جاء عمرو، جاء بكر، هكذا العرب كانت تنطق- ولكن معرفتي بأن العربي قال جاء زيد لا تدلني على أن عمرا في قولهم جاء عمرو سوف تكون مرفوعة، ربما يرفعون وينصب هناك، ولكن إذا أخذت قاعدة كليا وهي أن الفاعل مرفوع، هذه القاعدة هي التي تنفع في العلوم.

إذا اتضح ذلك فإن المنطق لما كان علما فالغرض منه هو الاكتساب، اكتساب المعلومات، ومعرفة الجزئيات لا تفيد الاكتساب؛ لأن الجزئيات متباينة ومعرفتي للمباين لا تكسبني أي شيء عن مباينه، فلذلك العلوم الجزئية لا تفيد أو المسائل الجزئية لا تفيد في العلوم، وإنما الذي يفيد ما هي؟ المسائل الكلية. والمسائل الكلية هي التي تسمى قانونا. فقوله: آلة قانونية، أي آلة يعني جملة من المسائل الآلية الكلية، جيد؟ تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر.

تطبيق النص

نكتفي بهذا المقدار، ولكن لابد أن نطبق على المطلب، نقرا حتى نطبق.

قال: خلق الله الإنسان مفطورا على النطق -التفت المراد من النطق ها هنا النطق باللسان- وجعل بقريبه، أي قرينه؟ قال: وجعل اللسان آلة ينطق بها، ولكنه أو ولكن مع ذلك -شوف مع كونه مفطورا على النطق- يحتاج إلى ما يقوم نطقه ويصلحه ليش؟ ليكون كلامه على طبق اللغة التي يتعلمها من ناحية هيئات الألفاظ وموادها، قد بينا ذلك في الدرس السابق؛ المادة يعني نفس الحروف، الهيئة هي هذا الوزن الذي يتركب منه الفعل أو الاسم، فيحتاج أولا إلى المدرب الذي يعوضه على ممارستها وثانيا إلى قانون يرجع إليه يعصم لسانه عن الخطأ، وذلك هو النحو والصرف.

وكذلك خلق الله الإنسان مفطورا على التفكير بما منحه من قوة عاقلة مفكرة لا كالعجماوات -التفت مش لا كالأعاجم، العجماوات هو الذي لا يفكر، جيد؟ يعني سائر الحيوانات غير الإنسان، الأعاجم هو جمع لأي شيء؟ لأعجمي، أي الذي لا ينطق باللغة العربية، تمام؟- ولكن مع ذلك نجده كثير الخطأ في أفكاره. كيف؟ فيحسب ما ليس بعلة علة -قد جئنا بمثال لذلك في الدرس السابق، قلنا الذي يتكرر حضوره للعبة كرة عند أحد أصدقائه ويخسر ذلك الفريق، قد يتوهم أن حضوره سبب لخسارة الفريق- وما ليس بنتيجة لأفكاره نتيجة -كما في المغالطات التي جئنا بها في الدرس السابق- وما ليس ببرهان برهانا، وقد يعتقد بأمر فاسد أو صحيح من مقدمات فاسدة، وهكذا، فهو إذن بحاجة إلى ما يصحح أفكاره ويرشده إلى طريق الاستنتاج الصحيح ويدربه على تنظيم أفكاره وتعديلها.

وقد ذكروا أن علم المنطق هو الأداة التي يستعين بها الإنسان على العصمة -شوف ذكروا أن علم المنطق هو الأداة في حصر تمام، طيب- على العصمة من الخطأ وترشده إلى تصحيح أفكاره. فكما أن النحو والصرف لا يعلمان الإنسان النطق وإنما يعلمانه تصحيح النطق، فكذلك علم المنطق لا يعلم الإنسان التفكير بل يرشده إلى تصحيح التفكير، وبهذا أجاب عن الإشكال الأول.

طيب، الإشكال الثاني سوف يأتي، إذن فحاجتنا إلى المنطق هي تصحيح أفكارنا، وما أعظمها من حاجة. طيب، هذا انتهى الإشكال الأول إذن المنطق علم.

ثم بدأ ببيان الإشكال الثاني قال: ولو قلتم إن الناس تدرس المنطق ويخطئون في تفكيرهم فلا نفع فيه، قلنا لكم إن الناس تدرس علمي النحو والصرف أيضا فيخطئون في نطقهم. هذا الاشكال، هذا الجواب النقدي تمام؟

وليس ذلك -بدأ بالجواب الحلي- قال: وليس ذلك إلا لأن الدارس للعلم لا يحصل على ملكة العلم أو لا يراعي قواعده عند الحاجة أو يخطئ في تطبيقها فيشذ عن الصواب. شوف شوف قال: ولذلك انظر إلى لام التعليل ها هنا، يا دي ولذلك أي ولأننا عرفنا الحاجة صح لنا أن نعرف المنطق ولذلك قدم البحث عن الحاجة على البحث عن التعريف، ها؟ فما ذكره بعض المعاصرين من أنه كان لابد أن يبين التعريف أولا مما لا مجال له.

قال: ولذلك عرفوا علم المنطق بأنه آلة قانونية تعصم مراعاتها -أضاف قيد المراعات، جيد؟ لابد من تحصيل الآلة ومن مراعاة هذه الآلة- الذهن عن الخطأ في الفكر، فانظر إلى كلمة مراعاتها واعرف السر فيها كما قدمناه، فليس كل من تعلم المنطق عصم عن الخطأ في الفكر، كما أنه ليس كل من تعلم النحو عصم عن الخطأ في اللسان، بل لابد من مراعاة القواعد وملاحظتها عند الحاجة ليعصم ذهنه أو لسانه.

وانظر إلى كلمة آلة في التعريف وتأمل معناها، هذا الأمر بتأمل المعنى لمعرفة هذه الفوارق الدقيقة، فتعرف أن المنطق إنما هو من قسم العلوم الآلية التي تستخدم لحصول غاية يعني لحصول غرض هي غير معرفة نفس مسائل العلم، فهو يتكفل ببيان الطرق العامة الصحيحه التي يتوصل بها الفكر إلى الحقائق المجهولة -شوف إلى الإل هو كأنه يعرف لنا الآلة بأنه علم يدرس لغيره أو لعلم غيره- قال: كما يبحث علم الجبر عن طرق حل المعادلات التي بها يتوصل الرياضي إلى المجهولات الحسابية. كأنه إلى الآن جيد يجعل لنا المنطق في رتبه علم الجبر.

ثم قال: وببيان أوضح علم المنطق يعلمك القواعد العامة للتفكير الصحيح حتى ينتقل ذهنك إلى الأفكار الصحيحة في جميع العلوم، يعني حتى في علم الجبر، فيعلمك على أي هيئة وترتيب فكري تنتقل من الصور الحاضرة في ذهنك إلى الأمور الغائبة عنك. ولذا سموا هذا العلم الميزان؛ لأنه كل مسألة نحكمها إلى نجعلها تحتكم إلى الميزان، فإن طابقته فهي صحيحة وإلا فلا، والمعيار من الوزن والعيار، وسموه أيضا بأنه خادم العلوم؛ لأنه يخدم في جميع العلوم، حتى علم الجبر الذي شبهنا -شوف شبهنا، عندما تقول "زيد كالأسد" هذا يعني أن زيداً ليس بأسد، وعندما تقول "علم المنطق كعلم الجبر" إذا علم المنطق ليس نفس علم الجبر، تمام؟ إذن حتى الآلية بينهما فيها فارق- الذي شبهنا هذا العلم به يرتكز حل مسائله وقضاياه عليه -يعني على المنطق- فلا بد لطالب هذا العلم من استعمال التمرينات لهذه الأداة وإجراء عمليتها في أثناء الدراسة، شأن العلوم الرياضية والطبيعية.

هذا تمام الكلام في بيان الحاجة إلى المنطق وفي تعريف علم المنطق. بقي عندنا الرأس الثالث والأخير وهو موضوع علم المنطق، وهو ما سوف نتعرف عليه في خلال الدروس الآتية. والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.