دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 22
022
أقسام اللفظ المفرد: الاسم، والكلمة، والأداة
والحاصل أن اللفظ المفرد ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وهي: الاسم والكلمة والأداة. والمفرد كما عرفنا هو اللفظ الذي ليس له جزء يبين على جزء المعنى، فهو عبارة ثانية عن الكلمة؛ لأن الكلمة بحسب ما ذكر النحاة هي لفظ يكون مفردًا أيضًا. والكلمة في علم النحو تنقسم إلى اسم وفعل وحرف؛ فالاسم كزيد، والفعل كضرب ويضرب واضرب، والحرف كفي ومن وعن وعلى إلى أخرِه. نستطيع أن نقول بعبارة بدوية إجمالية غير تحقيقية: إن أقسام الكلمة في علم النحو هي عبارة عن أقسام المفرد في علم المنطق. هذا بعبارة سطحية ساذجة، فالكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف، والمفرد ينقسم أيضًا إلى اسم، وإلى فعل -ولكن الفعل في علم المنطق يقال له كلمة-، وإلى حرف -ولكن الحرف في علم المنطق يقال له أداة-.
ففي قولنا إن المفرد ينقسم إلى اسم وكلمة وأداة، لا يرد إشكال حاصله: أن الكلمة صارت قسيمًا للاسم مع أن الاسم يندرج تحت الكلمة، فالكلمة لجهة كونها قسيمًا للاسم، فالأقسام يجب أن تكون متباينة، فلا يصدق على شيء من الكلمة أنها اسم، ولا على شيء من الاسم أنه كلمة، ولكن الاسم نوع من أنواع الكلمة. هذا الاعتراض في غير محله؛ لأننا لا نريد من الكلمة هاهنا إلا ما كان فعلا، فهي مجرد اصطلاح، لا أننا نريد أن المفرد ينقسم إلى الكلمة النحوية، بل هو ينقسم إلى اسم وفعل وحرف، ولكن الفعل في علم المنطق يقال له كلمة، فالكلمة المنطقية تباين الاسم مباينة تامة، ولكن الكلمة النحوية لا تباين الاسم بل هي أعم منه؛ لأنها تنطبق عليه وعلى غيره كالحرف والاسم.
إذا اتضح ذلك، فإن اللفظ المفرد ينقسم بقسمة حاصرة إلى ثلاثة أقسام؛ وذلك لأن اللفظ المفرد لا يخلو إما أن يكون له معنى مستقل أو لا يكون له معنى مستقل، ووجود المعنى المستقل وعدم وجوده نقيضان لا يرتفعان، فالقسمة إلى هذين القسمين حاصرة. فالمفرد إما أن يكون له معنى مستقل أو لا يكون له معنى مستقل، والمراد من المعنى المستقل هو المعنى الذي لا يتوقف في تصوره على تصور شيء آخر، والمعنى غير المستقل هو المعنى الذي لا يمكن أن يتصور منفردا، بل لابد لكي يحصل تصوره أن نتصور شيئًا آخر. أو فقل: المعنى المستقل هو المعنى الذي يتصور في نفسه، والمعنى غير المستقل هو المعنى الذي لا يمكن تصوره إلا في ضمن تصور شيء آخر.
مثال المعنى المستقل: زيد، وكتاب، وحائط، ورجل؛ فإن هذه المفاهيم يمكن أن ندركها بنفسها، أن نتوجه إليها، هذه الصور بنفسها من غير أن نلحظها وهي في ضمن صورة أخرى. وهذا بخلاف المعنى غير المستقل، وذلك مثل لفظة «في»؛ شوف إذا قلنا: «زيد في الدار»، من الواضح أن هذا اللفظ وهو «في» له معنى بوضوح، أننا لو اختزلنا هذا اللفظ من الجملة ومن القضية لما عاد لها نفس المعنى الذي كان لها في السابق، ففرق بين أن نقول: «زيد في الدار»، وبين أن نقول: «زيد الدار». فلما كان وجود هذا اللفظ بحيث يضفي معنى زائدًا على الجملة، علم أن هذا اللفظ له معنى ويدل على معنى، فهو موضوع لمعنى، ولكننا عندما نريد أن نتصور معنى هذا اللفظ، فإننا لا يمكن أن نتصور هذا المعنى في نفسه. فإذا أخذنا لفظة «في» لوحدها، لا يمكننا أن نتصور معناها، وإنما يتضح لنا معناها عندما نلحظ هذا اللفظ في ضمن هذا التركيب.
فيقال إن «في» تدل على الظرفية، والظرفية عبارة عن الدخول، ولذلك يسمى الظرف ظرفًا والمظروف مظروفًا؛ لأن الورقة توضع في ذلك الوعاء، أو يعني هذا المكتوب أو الرسالة توضع في الوعاء فتصبح العلاقة علاقة ظرف ومظروف. ففي يقال إنها تدل على الظرفية، وهذه الظرفية حتى نتصورها لابد أن نتصورها في ضمن طرفين: الظرف والمظروف. فيقال إن «في» لها معنى لوضوح أننا لو اختزلناها من الجملة لما عاد للجملة نفس ذلك المعنى الذي كان لها في السابق، فلها معنى، إلا أن هذا المعنى لا يمكن تعقله بنفسه بنحو استقلالية؛ يعني إذا لاحظت الحرف بما هو هو لا تدرك معناه، وإنما تدرك معنى هذا الحرف عندما تلحظه في ضمن التركيب. فيقال إن لهذا اللفظ معنى إلا أن معناه غير مستقل، والمراد من عدم الاستقلال أن يتوقف تصوره على لحاظه في ضمن تركيب، أو فقل: هو الذي لا يمكن تصوره بمعزل عن طرفيه: الظرف والمظروف.
فالظرفية نسبة بين الداخل والمدخول؛ «زيد في الدار»، زيد هو الداخل، والدار هي المدخول فيها. فحتى أن نتصور ونعقل معنى «في»، فلا يمكن أن نعقلها بمعزل عن تصور الطرفين. وكذلك في مثل قولنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة»، فمن الواضح أن كلا من لفظ «من» و«إلى» له معنى، فهذه الألفاظ موضوعة لمعنى، لأننا لو اختزلنا هذه الألفاظ من الجملة لم تعد الجملة جملة؛ ولذلك عندما تقول: «سرت البصرة الكوفة»، هذا لا معنى له، وإنما يصبح لهذا التركيب معنى عندما تقول: «سرت من البصرة إلى الكوفة». و«من» تدل على ابتداء السير في هذه الجملة، و«إلى» تدل على نقطة انتهاء السير، فمبدأ السير كان من البصرة ومنتهاه الكوفة. فعندما نلحظ لفظ «من» له دلالة على الابتداء، ولكن الابتداء نسبة بين المبدأ والمنتهى، و«إلى» تدل على الانتهاء، والانتهاء نسبة بين المنتهى والمبدأ، ولذلك نجد أن هذه الألفاظ دائمًا تدل على معانٍ نسبية، والمراد من المعاني النسبية هي المعاني التي يتوقف تصورها على تصور طرفيها، أو فقل: هي المعاني التي لا تتصور بنفسها، بل يتوقف تصورها على أن تلحظها في ضمن المجموع.
فارق كبير عندما أقول -أو فقل: فارق كبير بين العبارتين، ولكن لا أريد أن أدخل في تفصيل أكثر-. مرة نحن كيف نقول: يتوقف تصورها على تصور طرفيها؟ ومرة ثانية نقول: يتوقف تصورها على أن تلحظها في ضمن الطرفين؟ هذه الألفاظ التي لها معانٍ غير مستقلة هي التي يقال لها في علم النحو: الحروف، ويقال لها في علم المنطق: الأداة. ونحن قد ظهر لنا مما تقدم أن المعنى المستقل هو المعنى الذي لا استقلالية له من جهة التصور، وليس عبارة عن المعنى الذي لا استقلالية له من ناحية الوجود؛ يوجد فارق كبير هاهنا.
المعنى المستقل هو المعنى الذي يتوقف تصوره على تصور طرفيه، لا المعنى الذي يتوقف وجوده على وجود طرفين؛ وإلا فإن لفظ «القتل» من الواضح أن القتل خارجًا لا ينوجد من دون وجود قاتل ومقتول، ولكن توقف وجود القتل على القاتل والمقتول لا يلزم منه توقف تصوره على تصور القاتل والمقتول، ولذلك نجد من أنفسنا أن لنا قدرة على أن نتصور مفهوم القاتل من دون أن نرجع إلى طرفين، ومن دون أن نضطر إلى ملاحظة هذا اللفظ في ضمن التركيب. فالمعنى المستقل هو المستقل تصورًا، والمعنى غير المستقل هو غير المستقل تصورًا، ولا نريد من المعنى المستقل أو المعنى غير المستقل ما يتوقف وجوده على وجود طرفين، بل ما يتوقف تصوره على تصور طرفين.
المعاني الإخطارية والمعاني الإيجادية للحروف والأسماء
هذه الألفاظ التي لها معانٍ غير مستقلة يقال لها في علم المنطق: الأداة، وإنما سميت أداة؛ لأن هذه الحروف حقيقة إنما يأتي بها المنطقي كوسيلة وأداة لإيجاد الارتباط بين طرفين. توضيح ذلك موقوف على مقدمة؛ حاصل هذه المقدمة: أن كل لفظ عندما يكون موضوعًا لمعنى، فإنه يلزم من سماع ذلك اللفظ -طبعا مع العلم بمعناه في رتبة سابقة- يلزم من سماع ذلك اللفظ انتقال الذهن إلى معناه وتصور ذلك المعنى. بعبارة ثانية: كل ما جيء باللفظ الموضوع لمعنى لزم منه أن يخطر في الذهن صورة لذلك المعنى، صح أو لا؟ الآن «زيد» موضوع لذلك الشخص، عندما يقال لزيد فإن هذا اللفظ يخطر في ذهني صورة لمعنى زيد، وكذلك لفظ «حائط»، ولفظ «الكتاب»، ولفظ «ضرب»، ولفظ «هرب»، وإلى أخرِه.
فيقال على مستوى الخارج فهذه الألفاظ لا تحضر شيئًا، وإنما تحضر هذه المعاني إلى الذهن وتوقفنا على تصورها، فيقال إن لهذه الألفاظ معانٍ إخطارية أو إحضارية، لا فرق بينهما في التعبير. وهذا بخلاف الحروف، فإن الحروف عندما نسمع ألفاظها ينتقل ذهننا إلى المعنى، فهذه الألفاظ أيضًا لها معانٍ إخطارية، ولكن هذه الألفاظ لها معانٍ إيجادية أيضًا. فلفظ «زيد» يقتصر دوره على إحضار معناه في الذهن، فهذا اللفظ معناه إخطاري فقط. أما لفظ «في»، فهذه الألفاظ تقوم بعمليتين: العملية الأولى أنها تخطر وتحضر معنى هذا اللفظ في الذهن، والعملية الثانية أنها تقوم بإيجاد الارتباط بين الطرف الأول وبين الطرف الثاني واقعًا، ولذلك يقال إن الحروف لها معانٍ إخطارية وإيجادية، وأما الأسماء فلها معانٍ إخطارية فقط.
ولذلك -شوف- لفظ «زيد» أو دعك من زيد، «زيد في الدار»، زيد اقتصر دورها -التفت- لفظ «زيد» يقتصر دوره على إحضار معنى زيد، وهذا واضح، و«الدار» يقتصر دور هذا على إحضار صورته إلى الذهن، ولكن لفظة «في» لا يقتصر دورها على إحضار معنى الظرفية إلى الذهن؛ لوضوح أننا لو قلنا الآن: «زيد الظرفية الدار»، هل يحصل الارتباط؟ هل تشعر بالارتباط؟ مع أن -التفت- لفظ «في» ألا يدل على الظرفية؟ فما هو معنى «في»؟ الظرفية. لو قمنا بإبدال لفظة «في» بكلمة «ظرفية»، نجد أن هناك تغايراً واضحاً بين التركيبين؛ فإن قولنا: «زيد في الدار» يصح السكوت عليه، وقولنا: «زيد الظرفية الدار» نجد أن مثل هذا الكلام أو مثل هذا التركيب لا معنى له. ليش؟ لأن كلمة «ظرفية» اسم أو فعل أو حرف؟ كلمة «ظرفية» اسم، فلا توجد شيئًا، وإنما تخطر في الذهن، فحصل إخطار لثلاثة معانٍ متعاقبة في الذهن من غير أن نربط بينها. وهذا بخلاف ما إذا قلنا: «زيد في الدار»؛ ففي تحضر معنى الظرفية، إلا أنها بعد أن تحضر معنى الظرفية تقوم بإيجاد الارتباط واقعًا بين المفهومين المخطارين والمحضرين في رتبة سابقة.
وبهذا صار هناك فارق بين كلمة «في» وبين كلمة «ظرفية»، مع أن «في» موضوعة للظرفية، ولكن لفظ «في» له معنى إخطاري وإيجادي، ولفظ «ظرفية» هو اسم فله معنى إخطاري فقط. ولذلك فإن لفظة «في» وإن كانت تدل على الظرفية، ولكن الظرفية تفترق عن معنى «في» في أن هذه الظرفية لا توجد الربط. ليش؟ وذلك لأن كلمة «ظرفية» يلحظ معناها بلحاظ استقلالي، وهذا بخلاف لفظة «في»؛ فإن الواضع عندما وضع هذا اللفظ لمعناه شرط في الاستعمال أن لا يتعقل معناها إلا في ضمن التركيب.
بعبارة أدق: عندما نقول: «زيد في الدار»، نجد أن هذه الجملة يصح السكوت عليها، ومعنى أنه يصح السكوت عليها أنها مركب تام خبري، ومعنى أنها مركب تام خبري أنها تشتمل على نسبة كلامية ونسبة ذهنية ونسبة خارجية، و«في» هي التي أوجدت النسبة الذهنية. وهذا بخلاف لفظة «ظرفية»؛ لفظ ظرفية «زيد ظرفية دار»، هذا التركيب ليس كلامًا ولا يصح السكوت عليه، ومعنى ذلك أنه لا يشتمل على نسبة بين الأطراف. فدلنا ذلك على أن الحروف إنما يؤتى بها لإيجاد النسب بين الأطراف، وهذا بخلاف الأسماء والأفعال فإنه يؤتى بها لإخطار صورها في الذهن لتكون هي الأطراف؛ فالاسم والفعل يكونان طرفًا من أطراف الجملة، أما الحروف فيؤتى بها لإيجاد الارتباط، لإيجاد النسبة بين الطرفين، فهي تربط بين الطرفين، ولذلك يقال للحروف في علم المنطق إنها أدوات؛ لأن المنطقي دائمًا يبحث عن التصديق، وإذا كان يبحث عن التصديق فلا بد أن ينحصر بحثه فيما يكون متعلقًا للتصديق، ومتعلق التصديق منحصر بالمركب التام الخبري، والمركب التام الخبري يجب أن يشتمل على نسبة ذهنية بين الطرفين تحكي عن تلك النسبة الخارجية أو الواقعية الكامنة وراءها. جيد، ومن هنا فإن المنطقي نظره إلى هذه الحروف هي بقدر ما هي موجدة لتلك النسب بين الأطراف. واضح المطلب أو لا؟
إذا اتضح ذلك، فقد علم أن هناك فرقًا كبيرًا بين الأداة في علم المنطق وبين الحرف في علم النحو. ليش؟ لأنه قد ظهر لنا أن كل ما يوجد ارتباطًا -التفت- أن كل ما يوجد ارتباطًا بين الطرفين، كل ما يوجد النسبة، كل ما له معنى إيجادي، فيجب أن يكون أداة في علم المنطق. هذا الضمير اسم أو فعل أو حرف؟ الضمائر كلها اسماء، تمام؟ الآن إذا قلنا: «زيد هو الفاضل» في علم النحو، يعرب زيد مبتدأ، وهو يعرب مبتدأ ثانياً أو يعرب ضمير فصل على الخلاف، والفاضل يعرب خبر للمبتدأ الثاني، والجملة الاسمية خبر للمبتدأ الأول. في علم المنطق، جيد؟ النسبة إنما هي نسبة الفضل إلى من؟ إلى زيد، والذي أوجد هذه النسبة هو لفظ «هو»، فهو تكون أداة وليست اسما؛ لأن هذا الضمير هو الذي أوجد الارتباط بين الفضل وبين زيد، هو الذي أوجد واقع النسبة فأوجد نسبة تحكي عن نسبة خارجية. واضح إلى الآن؟
طيب، هذا من جهة. ومن جهة ثانية فإن الأفعال الناقصة -يعني كان وأخواتها- هذه الأفعال الناقصة وإن كانت في علم النحو أفعالاً، ولكنها في علم المنطق تكون أدوات. ليش؟ قال: لأن قولك: «كان زيد قائمًا»، حقيقة المنطقي ينظر إلى المعنى، ارجع إلى المعنى، ما هو المراد من هذه الجملة؟ هو الإخبار عن قيام زيد، فالنسبة إنما هي نسبة القيام إلى زيد، غاية ما في الأمر أن لفظ «كان» يضفي على هذه النسبة معنى بسيطًا، وهو أن انتساب القيام إلى زيد كان في الزمن الماضي، أو في قولك: «أصبح زيد قائمًا»، ولا فرق بين كان زيد قائمًا وبين أصبح زيد قائمًا في أن المراد هو نسبة القيام إلى زيد، إلا أن انتساب القيام إلى زيد في قولنا أصبح زيد قائمًا، هو انتساب القيام إلى زيد ونسبة هذا القيام إلى أي شيء؟ إلى زمان الصبح. وكذلك أمسى وبات وبارح وإلى أخرِه.
فهذه الأفعال ليس لها معنى مستقل حقيقة إذا رجعنا إلى «كان»، ولذلك سميت ناقصة، وليس لها معنى مستقل، لذلك إذا أردت أن تستحضر معنى «كان»، فلا يمكنك أن تلحظها إلا في ضمن ذلك التركيب، في ضمن ذلك التركيب. وهذا بخلاف سائر الأفعال العادية كما تقول: «ضرب». «ضربت» لا تستطيع أن تتصور معنى الضرب من دون أن تلحظها في شيء آخر، أما «كان» فلا بد لكي نتصور معناها أن نلحظها في ضمن تركيب؛ لأن «كان» هي التي أوجدت انتساب القيام إلى زيد في فترة المضي، و«أصبح» هي التي أوجدت واقع الانتساب بين القيام وبين زيد في فترة الصبح، أو إلى أخرِه من الأفعال. فنجد أن هذه الأفعال في نظر المنطقي وبالنسبة إلى غرضه تكون حروفًا أي تكون أدوات، وهذا بخلاف نظر النحوي؛ لأن النحوي إنما يبحث في الإعراب والبناء، فالفعِل عنده ما قبل علامات الأفعال، والحرف ما قبل علامات الحروف، والاسم ما قبل علامات الاسم. وعلامات الفعل أن تقبل الكلمة تاء التأنيث الساكنة، وكان تقبل تاء التأنيث الساكنة أو لا؟ تقبل، تقول: «كانت هند قائمة». فلما كان الغرض النحوي إنما هو في الإعراب والبناء وهما من أحوال اللفظ، فالمعرب عنده ما قبل علامات الإعراب، والفعل عنده ما قبل علامات الأفعال، ومن علامات الأفعال قبول التاء: بتا فعلت وأتت ويفعل ونون أقبلن فعل ينجلي. سواهما الحرف كهل وفي ولم فعل مضارع يلي لم كيشم كما يأتي ربما في الألفية. فهذه هي أدوات وعلامات الأفعال، والتاء تدخل على «كان» فتكون فعلاً.
وأما عند المنطقي، فلما كان نظره إنما هو إلى المعنى ووجد أن ضمير الفصل هو في قولنا: «زيد هو الفاضل»، ووجد أن هذا الضمير وإن كان في قولنا: «كان زيد قائمًا»، وجد أن هذه الألفاظ بحيث توجد واقع النسبة وأنها لا معنى، إذا كانت توجد واقع النسبة فمعناها معنى نسبي، جيد؟ فهي تخطر المعنى النسبي وتوجده بين الطرفين، فلما وجد أن لهذه الألفاظ معانٍ نسبية، فهذه من شأنها أن توجد الارتباط بين الطرفين، فجعلها أدوات ولم يجعلها أفعالاً ولا أسماء. ولكن عندما نقول إن الضمائر هي من الأدوات عند المنطقي، هذا ليس على إطلاقه، وإنما الضمائر تكون أدوات عندما تكون بحيث توجد الارتباط بين الطرفين، أما إذا كان الضمير هو أحد طرفي الجملة كما في قولنا: «هو قائم»، كما إذا سألتك: كيف حال أو أين هو زيد؟ تقول: «هو قائم»، أنت تريد أن تنسب القيام إلى هو، فهو هنا لها معنى إخطاري وليس لها معنى إيجادي؛ لأنها هي أحد الطرفين، واضح؟
وبالجملة، فإن المركب التام الخبري دائمًا يدل على أمور ثلاثة: يدل على تصور زيد ويقال له تصور الموضوع، ويدل على تصور القيام في قولنا: «زيد قائم» -التفت- زيد قائم فيه دلالة على أمور ثلاثة أو نحن نفهم من هذا التركيب أمورًا ثلاثة: تصور زيد وتصور -أو صورة زيد- وصورة القيام -التفت- وصورة القيام المنسوب إلى زيد. فلما كنا نفهم من هذا التركيب أمورًا ثلاثة، وجب أن يكون في هذا التركيب دوال ثلاث؛ لأن كل معنى لا يمكن أن يحضر إلى الذهن إلا بعد أن يكون هناك دال قد دل عليه. ففي الجملة الخبرية دائمًا نستحضر الموضوع -بس نقول الموضوع يعني هو الطرف الأول المحكوم عليه- ونستحضر المحمول وهو الطرف الثاني الذي حمل على الطرف الأول، جيد؟ يعني المحكوم به. طيب، ونستحضر النسبة بين الموضوع والمحمول، ففي كل مركب تام خبري نفهم معاني ثلاثة، وإذا كان هناك معانٍ ثلاثة تتوارد إلى الذهن فلا بد أن هناك دوالاً ثلاثة هي التي أحضرت هذه المعاني الثلاثة.
أما الذي يدل على صورة زيد فهي لفظة «زيد»، تمام، وأما الذي يدل على صورة القيام فهي لفظة «قائم» -آه التفت- وأما الذي يدل على نسبة القيام إلى زيد، فقالوا في اللغة العربية لم يوضع للنسبة لفظ مخصوص، ولذلك نقول: الدال أمر معنوي، وإن كنا نستطيع أن نوجد لفظًا يدل على هذه النسبة كما إذا قلت: «زيد هو قائم». ولكن في اللغة العربية لم يشترط الواضع دائمًا أن يكون هناك لفظ يدل على هذه النسبة بين الطرفين، ولذلك في كثير من الأحيان نجد أن الجملة مركبة من لفظين فقط وتدل على معانٍ ثلاثة، نقول لأن الدال على النسبة يكون أمرًا معنويًّا، هو نفسه إلصاق أحد الطرفين بالآخر يكفي للدلالة على الإسناد، وإن كنا نستطيع في بعض الأحيان أن نأتي بألفاظ تدل على هذه النسبة كما في قولنا: «كان زيد قائمًا»، وكما في قولنا: «زيد هو قائم».
وهذا بخلاف اللغة الفارسية؛ اللغة الفارسية دائمًا لابد أن يكون هناك لفظ يدل على واقع النسبة بين الطرفين وهو لفظ «أست»، ولذلك عندما تقول: «زيد قائم أست» مثلاً -جيد كما يقولون- يقال: «زيد موجود أست» يعني موجود أست، هذه «أست» هي عبارة ولذلك لا تتم الجملة عند الفارسي إذا قلت له: «زيد موجود»، لابد أن تأتي له بكلمة «أست»؛ لأن «أست» هذه بمعنى بمعنى «هو»، أي: زيد هو موجود، فاذا لم تأتي له بهذه الكلمه وهي كلمة «أست» فهو كأنما قلت له: «زيد الموجود»، وتريد أن تضيف حُكمًا، ولذلك يظل واقفا ينتظر سماع شيء جديد. ففي اللغة الفارسية يوجد لفظ مخصوص يشترط المجيء به دائما عند إرادة إيجاد الربط بين الطرفين، وأما في اللغة العربية فلم توضع -التفت- فلم توضع كلمة مخصوصة لإيجاد الربط، فاستعار لها المناطقة ضمير الفصل، واستعار لها المناطقة «كان» وأخواتها، ولذلك صارت هذه الأفعال والحروف أدوات في نظر المنطقي بحسب اللغة العربية. واضح؟ جيد، كيف كان، هذا تمام الكلام في تقسيم اللفظ إلى ما له معنى مستقل وإلى أداة، يعني ما ليس له معنى مستقل.
أقسام اللفظ المفرد ذي المعنى المستقل: الفعل والاسم
وأما الألفاظ التي لها معنى مستقل -أي الألفاظ التي لا يتوقف تصورها على لحاظها في ضمن طرفيها- التفت بهذا طبعا صار عندنا فارق بين كلمة «في» وبين «ظرفية»، كلمة «ظرفية»، وبين كلمة «من» وكلمة «ابتداء»، مع أن «من» موضوع للابتداء، ولكن لفظ «من» له معنى إيجادي، لا أنه يخطر المعنى فقط بل يوجدها، جيد؟ وهذا بخلاف كلمة «ظرفية»، لها معنى إخطاري ولذلك كانت اسمًا ولم تكن حرفًا أو أداة. جيد، اللفظ الذي له معنى مستقل أي يمكن تصوره من دون لحاظه في ضمن طرفيه، لا يخلو إما أن يكون دالاً بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة أو لا يكون دالاً بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة، وهذان القسمان نقيضان لا يرتفعان كذلك.
بيان ذلك موقوف على مقدمة؛ حاصل هذه المقدمة أن كل لفظ فإن له مادة وهيئة، سواء كان هذا اللفظ فعلًا أو اسمًا أو حرفًا أو حتى إذا لم يكن كلمة موضوعة لمعنى، أي لفظ من الألفاظ فله مادة وله هيئة. والمراد من مادة اللفظ نفس الحروف التي يتكون منها هذا اللفظ، فضرب مادتها الضاد والراء والباء، وربض مادتها الضاد والراء والباء، فالمادة واحدة؛ لأن المراد من المادة نفس الحروف التي تكون منها اللفظ بمعزل عن ترتيبها وعن طريقة تشكيلها. والمراد من الهيئة هي الطريقة النهائية والصياغة النهائية التي تكون عليها هذه الحروف، ولذلك يقال للهيئة إنها صيغة كمان -يعني صيغة أيضًا- يقال للهيئة صيغة؛ لأن المراد من الهيئة هي الصياغة النهائية، أو فقل: هي الطريقة النهائية التي تكون عليها تلك الأحرف بتقديم هذا وتأخير ذاك، وكون الأول مرفوعًا أو مفتوحًا أو -يعني- مضمومًا أو مفتوحًا أو مكسورًا، ثم الآخر يكون ساكنًا أو مفتوحًا إلى أخرِه. فمادة اللفظ عبارة عن نفس حروفه، وهيئته عبارة عن الطريقة أو الترتيب النهائي التي تكون عليها التي تكون عليه تلك الحروف.
إذا اتضح ذلك، فنقول: إن اللفظ قد يشترك مع لفظ آخر مادة ويختلف هيئة، وقد يتفق معه هيئة ويختلف عنه مادة، وقد يختلفان مادة وهيئة -طبعا ولا يمكن أن يتفقا مادة وهيئة، لم يعد هناك فرق بينهما، والاثنينية فرع التمايز-. فمثلا إذا اخذنا لفظة «بلع»، بلع مادتها الباء واللام والعين، وإذا أخذنا لفظًا آخر وهو «لعب»، فنجد أن الحروف الأصلية أو الحروف التي يتشكل منها اللفظ الأول هي عين الحروف التي تتشكل منها اللفظ الثاني، فهما مشتركان مادة، ولكن نجد أن هناك اختلافًا بينهما، وسر هذا الاختلاف في الاختلاف في طريقة ترتيب هذه الحروف.
وفي بعض الأحيان قد يتوافق اللفظان هيئة ولكن يختلفان مادة، كما تقول: «ضرب» و«قتل» -التفت- طريقة ترتيب الحروف هي أن ضرب على وزن فعل، وقتل أيضًا هي على وزن فعل، فيوجد توافق في الهيئة مع أن ضرب لا تدل على نفس المعنى الذي يدل عليه قتل، فدلنا ذلك على أن كلا من المادة والهيئة له معنى؛ فالمادة لها معنى والهيئة لها معنى. الدليل على أن للمادة معنى على أنه عندما تتفق الهيئتان وتختلف المادة نجد اختلافًا في المعنى فلا بد أن مرجع هذا الاختلاف إلى المادة، فالمادة صار لها معنى. والدليل على أن للهيئة معنى هو أنه في كثير من الأحيان تتفق الكلمتان مادة وتختلفان هيئة، فدلنا ذلك على أن مرجع الاختلاف إلى الهيئة؛ لأن ما به الاختلاف لا يمكن أن يكون بما به الاشتراك. بعبارة ثانية: اللفظ إما أو مركب من مادة وهيئة ولا ثالث لهما، فعندما يختلف معنى اللفظين ويكونان متوافقين مادة، فلا بد أن سر هذا الاختلاف إنما هو إلى الهيئة، وعندما يختلف معناهما ويختلفان هيئة فلا بد ويتفقان هيئة فلا بد أن سر هذا الاختلاف إلى الهيئة، فصار لكل من المادة والهيئة معنى.
إذا اتضح ذلك، نرجع إلى أصل التقسيم: كل لفظ له معنى مستقل، فلا يخلو إما أن تكون هيئته بحيث تدل على أحد الأزمنة الثلاثة أو لا. الآن إذا اخذنا لفظ «زيد»، شوف زيد على وزن شو؟ فعل. تمام؟ طيب، إذا أخذنا المادة، المادة هي الزاي والياء والدال وهذه تدل على ذلك الشخص الموجود خارجًا، لا ربط لنا بالمادة، نأخذ هيئة زيد «فعل»، نجد أن فعل لا تدل على زمان، لا معنى للدلالة فيها على أي زمان. وهذا بخلاف ما إذا أخذنا -أو قبل أن نأخذ- إذا أخذنا كلمة «حائط» على وزن «فاعل»، تمام، ضارب على وزن لا كلمة ضارب، حائط على وزن فاعل، وهذه لا دلالة لها على الزمن.
وهذا بخلاف ما إذا أخذنا اللفظ «ضرب» على أي وزن «فعل»، فإنه يدل على أن هذا الضرب قد حصل في الزمن الماضي، وإذا أخذت «يضرب» على وزن «يفعل» فتدل على نسبة هذا الحدث إلى أي زمان؟ إلى زمان الحال أو إلى زمان المستقبل: يضرب الآن أو يضرب غدًا، وكذلك عندما تقول: «اضرب»، اضرب متى؟ اضرب البارحة، اضرب غدًا، جيد؟ فتدل على وقوع على وجود زمن لهذا الحدث وهو الزمن المستقبل. فيقال إن اللفظ إذا كان يدل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة وهي الماضي أو الحاضر أو المستقبل، فهذا اللفظ هو الفعل في النحو، وهنا يقال له كلمة. وأما إذا كان هذا اللفظ بحيث لا تدل هيئته على أحد الأزمنة الثلاث، فهو الاسم.
ومن هنا -التفت- فشرط الفعل أن تكون الدلالة على الزمان ناشئة من وين؟ ناشئة من الهيئة، أما لو كان هناك دلالة على الزمان كما في مثل -شوف- «ماضي»، الآن لفظ ماضي هذا اسم أو فعل أو حرف؟ اسم، ويدل على أحد الأزمنة وهو المضي، ولكن دلالته ناشئة من المادة وليست من الهيئة؛ لأن نفس الحروف الميم والضاد -جيد- والألف المقصورة هي التي دلت على زمان المضي. وكذلك لفظ «مستقبل»، هذا اللفظ يدل على زمان، إلا أن دلالته على الزمان ناشئة من المادة لا من الهيئة. وكذلك عندما تقول: «أمس» -أمس جئتك- أمس أي اليوم الذي قبل يومك هذا، فهذا اللفظ يدل على زمان من الأزمنة الثلاثة يدل على زمان المضي، أو كلمة «الآن»، إلا أن دلالة هذه الألفاظ على الأزمنة إنما نشأت من المادة لا من الهيئة.
هذا بخلاف «ضرب» و«يضرب» و«اضرب»، شوف المادة واحدة ومع ذلك يوجد بينها اختلاف في الأزمنة، فمنشأ الاختلاف لابد أن يرجع إلى الهيئة، إلى الصيغة، صيغة «فعل» أو صيغة «يفعل» أو صيغة «افعل». فيقال: كلما كان اللفظ الذي له معنى مستقل دالاً بهيئته -يعني شوف هذه الباء باء السببية- دالاً بسبب الهيئة، تمام، كلما كان دالاً بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة فيقال إنه فعل أي كلمة، وكلما لم يكن له دلالة على أحد الأزمنة بالهيئة -سواء كان له دلالة بالمادة أو لا- فهو الفعل، عفوا، هو الاسم. نعم، هذا تمام المطلب مجملًا.
دلالات الفعل الثلاث: المادة والهيئة ونسبة الحدث
وأما تفصيل ذلك، فإننا إذا أخذنا الفعل «ضرب»، فنجد أن الفعل ضرب لا يدل بمادته على الحدث وهو الضرب، وبهيئته على الزمان وهو الماضي فقط، لا، بل الفعل يدل على أمور ثلاثة؛ فيدل بمادته -الضاد والراء والباء- على الحدث، ويدل بهيئته على الزمان -حتى هذا فيه تسامح- ويدل ثالثًا على ضرورة وجود فاعل لذلك الحدث، وذلك لأن العقل يحكم بضرورة وجود فاعل لكل فعل، وبضرورة وجود محدث لكل حدث. فصار في الفعل دلالات ثلاث: الدلالة الأولى الدلالة على نفس الحدث وهذه مستفادة من المادة بلا إشكال، الدلالة الثانية الدلالة على الزمان وهذه كما قلنا بشكل سطحي إنها مستفادة من الهيئة، الدلالة الثالثة دلالة على ضرورة وجود الفاعل. فيقع السؤال: أن هذه الدلالة الثالثة من أين نشأت إذا كان عندنا دلالات ثلاث فلا بد أن يكون عندنا كم دال؟ دالان، مع أنه لا يوجد إلا دالان المادة والهيئة، فمن أين نشأت الدلالة على الفاعل؟
ولذلك قال المناطقة إن الفعل يدل بمادته على الحدث، الضاد والراء والباء هي التي دلت على الضرب، الباء واللام والعين هي التي دلت على البلع، اللام والعين والباء هي التي دلت على اللعب. فهذه الألفاظ أو المادة هي التي تدل على الحدث، ولكن الهيئة لا تدل على الزمان؛ لأن الزمان أمر مستقل. قالوا: الهيئة تدل على نسبة ذلك الحدث إلى محدث ما لا بعينه في أحد الأزمنة الثلاثة، فالهيئة هي التي توجد انتسابًا بين الحدث وبين محدث مجهول، وزمان هذا الحدث هو واحد من الأزمنة الثلاثة. فيقال إن الفعل يدل بمادته على الحدث، ويدل بهيئته على نسبة ذلك الحدث -شوف- إلى محدث ما لا بعينه، يعني تدل على فاعل ولو لم تحدد هوية هذا الفاعل، نسبة هذا الحدث إلى محدث ما لا بعينه في أحد الأزمنة الثلاثة.
فصارت الدلالة على الفاعل والدلالة على الزمان متضمنة في دلالة الهيئة، ولذلك تجد أن الفعل دائمًا لا يخلو عن فاعل، وأنه حتى لو لم ينوجد فاعل صريح في اللفظ فإننا نقدر ضميرًا مستترًا. ليش؟ قالوا: لأن نفس الفعل هو الذي يدل على الفاعل، فالفعِل جزء من الفعل، أقصى ما في المقام أنه قد يؤتى بعد ذلك باللفظ الذي يصرح بهوية الفاعل، فإذا لم يؤتى باللفظ الذي يصرح بهوية الفاعل، فهذا لا يعني أن الفعل قد خلى عن فاعل، بل يكون الفاعل مستترًا في ضمنه، ولذلك المبتدأ لا يكون مستترًا والخبر لا يكون مستترًا، ولكن الفاعل يكون مستترًا أي مختبئًا -يعني موجودًا مختبئًا- في اللفظ. طبعا يوجد تفريعات كثيرة في علم النحو على هذا المطلب، ولكن لا أُريد أن أدخل في تفصيلها. كيف كان، فالفعِل يدل على الحدث بمادته ويدل بهيئته على نسبة هذا الحدث إلى فاعل ما لا بعينه وهو وجود ضارب ما لا أعرف من هو الضارب في أحد الأزمنة الثلاثة.
الآن سأضيف نسبة تامة؛ بيان ذلك: الآن أنتم تقولون إن الفعل هو الذي يدل بمادته على الحدث ويدل بهيئته على الزمان، أو فقل لأن العقل يحكم بأن كل حدث فلابد له من وجود محدث ما. يمكن لسائل أن يسأل وأن يعترض باسم الفاعل حينئذ؛ فإن اسم الفاعل وهو: الضارب، قاتل، لاعب، آكل، جاي، غارق، كل هذه الأسماء يقال لها اسم فعل؛ لأنها على وزن «فاعل»، وهذه الألفاظ أسماء بلا خلاف بين النحويين وبين المنطقيين، مع أننا نجد أن هذه الأسماء تدل على وجود تدل على أحد الأزمنة الثلاثة بهيئتها. ليش؟ قالوا: لأن العقل يحكم أيضًا بأن الضارب لما كان صانعًا للضرب فلا بد أن يكون هذا الضارب قد أحدث ضربة في زمن من الأزمنة الثلاثة، فكما أن الحدث هو الذي اقتضى وجود زمن لوقوع الحدث كذلك الضارب -ولا نريد من الضارب إلا من وقع منه الضرب- فهذا الضرب أيضًا يحتاج إلى زمان يقع فيه الضرب. فصار اسم الفاعل يدل على الزمان أو يقتضي الزمان كما يقتضيه الفاعل.
قالوا: الفرق بينهما أن نسبة الحدث إلى محدثه في أحد الأزمنة في الفعل نسبة تامة، وفي اسم الفاعل نسبة ناقصة. بيان ذلك يأتي إن شاء الله غدا والحمد لله رب العالمين.
