دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 27
027
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
الكلام في المفهوم والمصداق وهذان المصطلحان قد تقدم بيانهما في الدروس السابقة؛ فإننا قلنا إن المفهوم ليس إلا عبارة عن الصورة الذهنية. وهذه الصورة الذهنية، باعتبار أنها تحصل في الذهن، يقال لها مفهوم، وإذا لوحظت لجهة أنها تستفاد من اللفظ فتسمى مدلولاً، وإذا لوحظت لجهة أن اللافظ يقصدها ويعنيها بتلفظه فإنها تسمى معنى. فالمفهوم والمدلول والمعنى معانٍ ثلاثة في حقيقة واحدة، وهي تلك الصورة التي ترتسم في الذهن.
ثم إن هذه الصورة التي ترتسم في الذهن دائماً لها خصوصية الحكاية عن شيء، ولذلك فإن المفهوم دائماً يقال له حاكٍ، له خصوصية الحكاية عن شيء وراءه، فيقال للمفهوم إنه حاكٍ، ويقال لمحكيه أي للشيء الذي يحكى بذلك المفهوم إنه المصداق. ونحن في الدروس السابقة عندما شرحنا المصداق قلنا إن الصورة التي في الذهن هي المفهوم ومحكيها الذي في الخارج هو الذي يقال له مصداق؛ لأن ذلك المفهوم يصدق وينطبق على ذلك الشيء الموجود خارجاً، فيسمى الفرد الخارجي مصداقاً، ويسمى المفهوم الحاكي عن هذا المصداق مصداقاً أو عن هذا الفرد مصداقاً.
إلا أن هذا التعبير لا يخلو من قصور، وذلك لأنه لا يشترط في المصداق أن يكون فرداً خارجياً دائماً، بل قد يكون المصداق فرداً ذهنياً، أي قد يكون المصداق عبارة عن مفهوم بدوره؛ وذلك أننا تارة نأخذ مفهوم زيد، وهذه الصورة التي في الذهن وهي صورة زيد تحكي عن شيء وتنطبق عليه، وهي أنها تحكي عن ذلك الفرد الخارجي وعن ذلك المصداق الذي في الخارج، فيقال إن مصداق هذا المفهوم فرد خارجي.
ولكننا إذا نظرنا إلى مفهوم الحيوان، ولاحظنا حكايته عن الإنسان والفيل والفرس وغير ذلك من الأنواع، فيقال إن مفهوم الحيوان هاهنا لا يحكي عن أفراد خارجية، وإنما يحكي عن أفراد ذهنية، أو فقل يحكي عن مفاهيم أخرى هي بدورها مفاهيم كلية، وإذا كانت كلية فلا وجود لها بما هي كليات في الخارج، فيقال إن مفهوم الحيوان مصداقه مفهوم الإنسان ومفهوم الفرس ومفهوم الأسد وغير ذلك من الأنواع، وإن كان مفهوم الحيوان أيضاً قد ينظر إليه من جهة أنه يحكي عن زيد وعمرو وذاك الأسد وهذا الفرس في الخارج؛ لأن زيداً في الخارج يصدق عليه أنه حيوان. فإذا لاحظنا مفهوم الحيوان من جهة كونه حاكياً عن مفهوم الإنسان فيقال لمفهوم الإنسان إنه مصداق –التفت– هو وإن كان مفهوماً بدوره ولكنه مصداق لمفهوم آخر. وإذا لاحظنا مفهوم الحيوان لجهة أنه يحكي عن زيد في الخارج فيقال إن مصداقه زيد.
وبهذا يتضح أن المصداق لا يُشترط فيه أن يكون فرداً خارجياً وأن يكون موجوداً في عالم الخارج، بل قد يكون المصداق أمراً ذهنياً أيضاً؛ لأننا لا نريد من المصداق إلا ما يصدق عليه المفهوم، ومفهوم الحيوان صادق على مفهوم الإنسان، فيصدق ويصح أن يقال إن مفهوم الإنسان مفهوم صدق عليه مفهوم الحيوان فهو مصداق له.
ومن هنا يظهر أن المراد من المفهوم ما فيه خصوصية الحكاية أو ما يكون حاكياً، وأن المراد من المصداق ما يكون محكياً أي ما يحكى عنه بالمفهوم. وما يحكى عنه قد يكون فرداً خارجياً، وقد يكون مفهوماً ذهنياً كلياً كما في مثل مفهوم الحيوان أو مفهوم الجسم الذي يحكي عن مفهوم الحيوان أو يحكي عن سائر الصور الذهنية التي هي أجسام.
ولذلك نجد أن مفهوم العدم يحكي عن شيء، إذ لو لم يكن مفهوم العدم حاكياً عن شيء لما كان مفهوماً؛ لأننا لا نريد من المفهوم إلا الصورة الذهنية التي تحكي عن شيء وراءها. لا توجد أي صورة ذهنية وليس لها خصوصية الحكاية عن شيء. فلو لم يكن لمفهوم العدم شيء وراءه يحكي ذلك المفهوم عنه -يعني لو لم يكن لمفهوم العدم مصداق يحكي عنه ذلك المفهوم- لما أمكن أن يكون العدم مفهوماً، لأن المفهوم لا نريد منه إلا ما كان حاكياً عن شيء.
ونحن بالوجدان يوجد صورة للعدم في ذهننا أو لا؟ يوجد صورة، فمفهوم العدم موجود في الذهن، وإذا كان مفهوم العدم موجوداً وكان مفهوماً فلا بد أن يحكي عن شيء، أي لا بد أن يكون له مصداق. ومن الواضح أن مفهوم العدم لا يمكن أن يكون مصداقه خارجياً وإلا انقلب العدم وجوداً فاجتمع النقيضان. ومن هنا فإن للعدم مصداقاً أيضاً، ولكن مصداقه ليس في العالم الخارج، بل مصداقه الآن يقال في الذهن، لكن هو مصداقه في نفس الأمر والواقع لا في الذهن، ولكن لا نأخذ ما قيل هاهنا له فرد يحكي عن فرد في الذهن، هو يحكي عن فرد في نفس الأمر والواقع لا في الذهن؛ لأن هذا الفرد الذهني أليس صورةً؟ إذاً فهو وجودي أيضاً.
جيد، على كل حال كيف كان؟ قد ظهر أن المراد من المفهوم الصورة الذهنية، وهذه الصورة الذهنية دائماً لها خصوصية الحكاية، ولذلك يسمى المفهوم حاكياً، وما يحكى بذلك المفهوم يسمى محكياً ويسمى مصداقاً لأن المفهوم ينطبق عليه ويصدق عليه، ويسمى المفهوم أيضاً عنواناً؛ لأن العنوان دائماً يشير إلى حقيقة المطلب، فهذا المفهوم لأنه يعكس الواقع الخارجي أو يحكي عن أفراده فهو عنوان مشير إلى الأفراد الواقعة تحته، وتسمى تلك الأفراد معنوناً؛ لأن المعنون هو ما يشار إليه بالعنوان.
فشوف هذه الألفاظ كلها تسميات مختلفة باعتبارات مختلفة ولكن المعنى واحد؛ فالمفهوم يقال له صورة ذهنية، ويقال له مدلول، ويقال له معنى، ويقال له حاكٍ، ويقال له عنوان لأنه يشير إلى ما تحته، ويسمى المصداق مصداقاً، ويسمى محكياً لأنه يحكى بذلك المفهوم، ويسمى أيضاً معنونا لأنه يشار إليه بالعنوان.
حتى لا يقع الاشتباه، الاعتبارات مختلفة كالفارق بين الجلوس والقعود، وإن كانا في الخارج شيئاً واحداً ولكن الاعتبار أن هذه الهيئة هل حصلت من قيام أو أنها حصلت من حالة نوم؟ جيد؟ هل كان قائماً فاتخذ هذه الهيئة فقعد أو جلس؟ جيد؟ أو كأنه كان نائماً فقعد أو أنه كان نائماً فجلس؟ ولذلك يقال جلس من نومه وقعد من قيامه ولا يقال قعد من نومه. على كل حال إذا اتضح ذلك فيوجد في المقام اعتراض فني على المصنف (قدس سره).
اعتراض فني على تقدم بحث الجزء والكل على بحث المفهوم والمصداق
وحاصل هذا الاعتراض أنه كان الأحرى أن يقدم المصنف (قدس سره) بحث المفهوم والمصداق على بحث الجزء والكل. وذلك لأن الجزء والكل قسمان من أقسام المفهوم، والمقسم حقه أن يتقدم تصوره على تصور أقسامه؛ وذلك لأن تقسيم الشيء حكم عليه بأنه منقسم.
فإنك إذا قسمت الحيوان إلى انسان وفيل وفرس فقد حكمت على الحيوان بأنه منقسم إلى هذه الثلاثة، فالتقسيم دائماً حكم على المقسم. وقد عرفنا في باب التصور والتصديق أن الحكم على شيء فرع تصوره، فلما كان التقسيم حكماً على المقسم، وكان الحكم على الشيء فرعاً عن تصوره في رتبة سابقة، فكان الأحرى أن نتصور المقسم في رتبة سابقة، ثم بعد ذلك ندخل في الحكم عليه وفي تقسيمه إلى جزئي وكلي. فكان الأحرى أن يقدم البحث عن المفهوم حتى إذا ما تصورناه على حقيقته صح لنا بعد ذلك أن نحكم عليه بانقسامه إلى جزئي وإلى كلي.
وبعبارة وببيان آخر: إن المفهوم ينقسم إلى جزئي وكلي، فالجزئي قسم من أقسام المفهوم، وقد عرفنا أن القسم عبارة عن المقسم والزيادة، فيتوقف تصور القسم على تصور كل من المقسم ومن الزيادة، ولذلك فإنه لا يمكن الإحاطة بالقسم على الوجه الأكمل إلا بعد تصور أجزائه التي يتركب منها ذلك القسم؛ لأن المركب موقوف في وجوده على أجزائه وفي تصوره على أجزائه، فلما كان القسم مركباً يعني حقيقته مركبة من المقسم وزيادة، فكان تصوره موقوفاً على تصور أجزاء حقيقته، فيكون تصور القسم دائماً موقوفاً على تصور المقسم.
ولذلك مثلاً في علم النحو يعرفون الكلمة أولاً ثم بعد ذلك يقسمونها ويحكمون عليها بانقسامها إلى الثلاث، ولذلك إذا أردت أن تعرف الاسم تقول كلمة تدل بهيئتها، تدل لها معنى مستقل، لا تدل بهيئتها... إلى آخره. فالكلمة مأخوذة في حقيقة كل قسم من أقسامها، وهذا يعني أن المقسم يجب أن يتصور أولاً ليصح بعد ذلك أن يتصور القسم.
كيف كان؟ المصنف (قدس سره) ربما اعتمد على وضوح معنى المفهوم ولو إجمالاً، ولذلك تجد عندما عرف الجزء قال: «ما لا يمتنع» أو «ما يمتنع»، وعندما عرف الكل قال: «ما لا يمتنع»، هذه «ما» اسم موصول تخاع على شيء، شو يعني؟ يعني الذي لا «ما»، والذي لا يمتنع، أي المفهوم الذي لا يمتنع أو يمتنع.
جيد، كيف كان؟ هذا ليس إلا اعتراضاً فنياً على المطلّع.
الفرق بين الحكم على المفهوم والحكم على المصداق
إذا اتضح أن هناك مفهوماً وأن هناك مصداقاً، أو فقل: إذا اتضح أن هناك عنواناً وأن هناك معنونا، حاكياً ومحكياً، فإن الحكم في القضية تارة يكون حكماً على المفهوم وتارة ثانية يكون حكماً على المصداق.
قلنا إن القضية دائماً تشتمل على نسبة كلامية، وهي نسبة هذا اللفظ إلى ذاك، وهذه النسبة الكلامية دائماً تولد نسبة ذهنية، وتلك النسبة الذهنية تحكي عن نسبة خارجية بين زيد وبين القيام مثلاً. فنحن في الحقيقة إنما يوجد حكماً وربطاً بين الصور الذهنية، أنت تأخذ صورة القيام وتأخذ صورة زيد ثم تنسب أحدهما إلى الآخر، هذا هو الحكم، جيد؟ فتحكم بصورة ذهنية على صورة ذهنية أخرى، وهذه الصور لأنها تحكي عن الخارج فينعكس هذا الارتباط ليحكي عن ارتباط موجود وين؟ في عالم الخارج.
تمام، الصورة الذهنية أي المفهوم وإن كان له دائماً خصوصية الحكاية عن مصداقه، ولذلك سمي حاكياً وعنواناً، ولكن في بعض الأحيان قد ننظر إلى المفهوم ونجرده عن خصوصية الحكاية، كما ننظر إلى المرآة تارة بغرض أن ينعكس جسمنا وينطبع جسمنا فيها فنرى أنفسنا، وتارة ثانية ننظر إلى المرآة لا بقصد رؤية ما تعكسه، بل ننظر إلى المرآة بما هي هي لنرى أن فيها خدشاً ما أو فيها مثلاً فسخاً ما أو غير ذلك.
المرآة وإن كانت دائماً تعكس صور الأجسام التي تنطبع فيها بلا إشكال -لا توجد مرآة لا تعكس، طبعا مع وجود الشروط أعني امتداد الضوء وإلى آخره، لا توجد مرآة لا تنعكس صور الأجسام فيها- ولكننا نحن تارة عندما ننظر إلى المرآة ننظر إليها بقصد رؤية ما ينعكس فيها من الصور، وتارة ثانية نجردها عن خصوصية الحكاية فلا ننظر إليها بما هي حاكية -وإن كانت تحكي دائماً وتعكس صور الأجسام دائماً- ولكن ننظر إلى هذه المرآة لا بقصد الإراءة، لا نريد أن نرى من خلالها شيئاً، وإنما نظرنا إلى نفس المرآة بما هي جسم: هل فيه خدش؟ هل فيه فسخ؟ هل فيها اتساخ أو لا؟
وكذلك المفهوم كالمرآة، هو وإن كان دائماً يحكي عن مصداقه ودائما يعكس مصداقاً وفرداً ما، ولكننا عندما ننظر إلى المفهوم تارة ننظر إليه بما هو حاكي عن مصداقه حتى كأنه عين مصداقه. ولذلك عندما تنظر إلى المرآة بغرض الإراءة فأنت لا تلتفت إلى كونها مرآة وتتعامل مع الصورة المنعكسة في هذه المرآة على أنها ذلك الشخص الموجود أمامك مع أنه واقف وراءك وليس أمامك، تمام؟ فإذا ما لوحظت المرآة بما هي حاكية لا يلتفت إلى المرآة أصلاً، وإنما ينظر إليها بما هي فانية في هذه الصورة التي تعكسها، ولذلك نتعامل كأن معاملتنا مع صاحب الصورة مباشرة.
وكذلك عندما ننظر إلى المفهوم، إذا نظرنا إليه بما هو حاكم عن مصداقه فكأن المفهوم عين مصداقه. ولذلك تجد أنني عندما أنظر إليك وأوجه الكلام إليك، أنا وإن كنت حقيقة إنما أنظر أو إنما أتوجه إلى صورتك الذهنية، ولكن لأن هذه الصورة الذهنية قد لحظتها بما هي حاكية عن المصداق فكأنني لم ألتفت إلى المفهوم بما هو مفهوم، بل نظرت إليه بما هو فانٍ في مصداقي فكان المفهوم عين المصداق، فهنا يكون الحكم حكماً على المفهوم من جهة حكايته عن مصداقي فيقال إن الحكم هاهنا حكم على المعنون.
التفت! هو حكم على المفهوم حقيقة، ولكن حكم على المفهوم بما هو حاكي عن مصداقه ولذلك صار يقال حكم على المصداق. وهذا بخلاف ما إذا نظرنا إلى المرآة بما هي هي، فيقال المرآة متسخة، ولا يقال إن صاحب الصورة أو الصورة المنعكسة في المرآة صورة متسخة. التفت! تارة يكون الاتساخ اتساخاً على بدن ذلك الشخص الذي تظهر صورته في المرآة، وتارة يكون الاتساخ على نفس المرآة، يوجد فارق بينهما، جيد؟
إذا نظرت إلى المرآة بما هي هي يقال إن المرآة متسخة، حتى كأنك لم تلتفت إلى الصورة التي انعكست في هذه المرآة، ولذلك يقال إن الحكم هاهنا اقتصر على المفهوم ولم يتعداه إلى المصداق -وإن كانت- أو اقتصر على المرآة ولم يتعداها إلى صاحب الصورة.
وكذلك في المفهوم تارة نحكم على المفهوم من جهة كونه حاكياً عن مصداقه فيقال إن هذا الحكم حكم على المصداق -وإن كان في الحقيقة هو حكم على المفهوم وعلى المصداق، أو حكم على المفهوم بما هو فانٍ في مصداقه- وتارة ثانية يكون الحكم حكماً على المفهوم من غير نظر إلى المصداق، وإن كان المفهوم دائماً يحكي مصداقه، ولكن النظر هاهنا إنما هو إلى المفهوم، كما أن المرآة دائماً تعكس صورة الأجسام المواجهة لها.
مثال ذلك حتى يتضح البحث: أنك إذا قلت: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: 2) فقد حكى بالخسران على الإنسان، وقد عرفنا أن الحكم دائماً عبارة عن نسبة ذهنية تحكي عن نسبة خارجية، فهذا الحكم حقيقة إنما هو حكم بمفهوم على آخر، إلا أننا عندما حكمنا بالخسران على مفهوم الإنسان قد حكمنا بالخسران على مفهوم الإنسان بما هو حاكي عن زيد وعمرو وبكر في الخارج، فالخسران إنما هو حكم على مصاديق الإنسان، ولا نريد أن مفهوم الإنسان في خسر، هذه الصورة الذهنية ليست في خسر، جيد؟
فحكمنا هاهنا لم يقتصر على المفهوم، بل هو حكم توجه إلى المفهوم بما هو حاكم عن مصاديقه، فهو حكم على المعنون؛ لأن الصورة الذهنية للإنسان لا تخسر وليست في خسر، وإنما الذي هو في خسر مصاديق هذا المفهوم الذي يحكي المفهوم عنه.
وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، الذئب له صورة ذهنية، ولكن هذه الصورة لا تأكل، الذي يأكل هو الفرد الخارجي، فهنا وإن كنا دائماً ننسب لفظاً إلى آخر -يعني ننسب صورة ذهنية إلى أخرى- ولكن الحكم في مثل هذه الأمثلة حكم على المفاهيم من حيث هي حاكية عن مصاديقه، فهو حكم حقيقة على المصداق.
أنا فقط أريد ألا تقع في اشتباه، لا نريد أن تارة نحكم على المصداق وتارة نحكم على المفهوم، الحكم دائماً على المفاهيم، ولكن مرة نحكم على المفهوم بما هو هو، ومرة نحكم على المفهوم من حيث إنه فانٍ في مصداقه، فللتفرقة قيل إن هذا الثاني هو حكم على المصداق.
الحكم أمر ذهني، أمر نفسي، ولذلك لا مكان للحكم إلا بين المفاهيم وبين الصور الذهنية، ولكننا عندما نحكم على المفهوم، إذا كنا نحكم عليه من حيث حكايته عن المصداق فإن هذا الحكم يكون حكماً على المصداق، وإن كنا نحكم عليه بما هو هو من دون أن نتعداه إلى المصداق فهذا حكم على المفهوم.
طيب، مثال الحكم على المصداق أو على المفهوم من حيث كونه فانياً في المصداق: قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: 2)، أو قوله تعالى مثلاً حكاية عن إخوة يوسف (عليه السلام): إني أخاف أن يأكله... أو حكاية عن يعقوب (عليه السلام): ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، حكم بخوف الأكل على الذئب، حكم بمفهوم على آخر ولكن النظر إلى هذا المفهوم لا من حيث هو مفهوم؛ لأن مفهوم الذئب لا يأكل، هذه الصورة التي في الذهن بما هي صورة لا تأكل، الحقيقة لا تأكل، الماهية لا تأكل، وإنما الذي يأكل هو ذلك الفرد الخارجي، فهو حكم على المصداق.
وتارة ثانية يكون الحكم على المفهوم من دون نظر إلى المصداق، فيكون حكماً على المفهوم من حيث هو، كما يقال: «الإنسان كلي»، الإنسان كلي أو جزئي؟ كل، جزئي إضافي، كلي، تمام؟ ومن الواضح أن الحكم بالكلي هاهنا ليس حكماً بالكلية على أفراد الإنسان؛ لأن أفراد الإنسان جزئيات، أو فقل هي مصادق لا جزئيات ولا كلية، صحيح؟ يعني هي مصداق خارجي، تمام؟
جيد، فهنا عندما نقول إن الإنسان كلي فقد حكمنا بالكلية على المفهوم، على مفهوم الإنسان، أي الصورة الذهنية للإنسان هي التي تتصف بالكلية. أما مصاديق الإنسان من زيد وعمرو وبكر فلا يقال لها كلي؛ لأن الكلي لا وجود له في الخارج، ولا يقال لها أيضاً جزئي؛ لأنها مصادق، والجزئيات من أوصاف المفاهيم. نعم. واضح صار المطلب؟
ومن هنا كثيراً ما يقع الخلط في المنطق -أو مش في المنطق- كثيراً ما يقع الخلط في القضايا ويكون منشأ الخلط هو الاشتباه بين الحمل أي الحكم على العنوان وبين الحكم على المعنون؛ فإن مثلاً يقال: «الحرف لا يخبر عنه»، الذي يخبر عنه هو الاسم؛ لأن كل جملة في النحو لابد لها من مبتدأ وخبر، خبر ومخبر عنه، والحرف يوجد الارتباط بين الطرفين، وليس له معنى مستقل حتى يقع مخبراً عنه.
عندما يقال: «الحرف لا يخبر عنه»، قد يرد اعتراض في المقام: إن نفس قولك إن الحرف لا يخبر عنه هو إخبار عن الحرف بأنه لا يخبر. نعم، شوف، إذا أردت أن تعرب هذه الجملة: الحرف لا يخبر عنه، ماذا تعرب كلمة الحرف؟ مبتدأ، فقد أخبرت عنه، جيد؟
فعندما يقال: «الحرف لا يخبر عنه»، ويأتي المستشكل فيعترض بأن نفس قولنا إن الحرف لا يخبر عنه هو إخبار عن الحرف بأنه لا يخبر عنه، فقد اجتمع النقيضان، وهو أنك تقول «لا يخبر عنه» وفي نفس الوقت قد أخبرت عنه بأنه لا يخبر عنه.
والجواب على ذلك بأنه لا تناقض في المقام؛ لأن الحرف الذي لا يخبر عنه هو مصداق الحرف في «من» و«في» و«على» وهذه الأمور، وأما مفهوم الحرف فيخبر عنه بأنه لا يخبر عنه. هذا المفهوم له معنى مستقل، نعم مصداق الحرف أفراد الحرف في الخارج هذه لا يخبر عنها لأنها ليست لها معانٍ مستقلة.
ومن هنا نلتفت، عندما يقال الجزئي -إذا أخذنا الجزئي، شوف الجزئي له مفهوم وله مصداق- ما هو مفهوم الجزئي؟ شو يعني مفهوم الجزئي؟ ما هي الصورة الذهنية للجزئي؟ إذا أردت، شو يعني؟ إذا قلت لك عرف لي الجزئي ماذا تعرفه لي؟ «لا ينطبق على كثير»، جيد، لا ينطبق، نعم، لا ينطبق على كثير، ما لا ينطبق على كثير. التفت، هذا هو مفهوم الجزئي، يعني ما تفهمه من سماع لفظ الجزئي في هذه الصورة أنه مفهوم يمتنع صدقه على كثيرين. هذا هو مفهوم الجزئي، تمام؟
جيد، وأما مصداق الجزئي، أعطني مصداقاً للجزئي: زيد، مفهومه زيد، تمام؟ مفهومه زيد. خلينا نقول زيد. بعد، أعطني: كتاب مثلاً. أعطني غير زيد: هذا الكتاب. أعطني غير عمر: هذا الفارق لا يهم، جيد، تمام.
التفت! هذا المفهوم الذي لا ينطبق على كثيرين، أليس ينطبق على زيد وعلى هذا الكتاب وعلى عمر وعلى بكر وعلى خالد وعلى... إلى آخره؟ نفس المفهوم فيصدق أن الجزء قد انطبق على كثيرين فصار الجزء الجزئي كلياً -يعني صار الجزئي كلياً- ولذلك يقال إن الجزء بالنظر إلى مفهومه -شو هو المفهوم؟ ما لا ينطق- التفت! بالنظر إلى مفهوم هذا «ما لا ينطق» ألا يصدق على زيد وعلى عمر وعلى بكر؟ فبالنظر إلى مفهوم الجزء -بالنظر إلى مفهومه- كلي، يعني هذه الصورة وهي ما يمتنع انطباقه على كثيرين تصدق عليك وتصدق علي وتصدق على كثيرين، جيد؟ فيقال إن الجزء كلي، ولكن كحكم على المفهوم كحكم على العنوان.
أما المعنون اللي هو مين؟ خذ زيداً لوحده، هذا هو المصداق، صورة زيد، صورة زيد تنطبق على كثيرين؟ لا تنطبق على كثيرين، فيصح أن يقال إن الجزئي جزئي، ويصح أن يقال إن الجزئي كلي، وكلتا القضيتين صادقتان من دون تناقض؛ لأنه حتى يكون هناك تناقض لابد أن يكون التناقض من جهة واحدة، وهنا عندما قلنا «الجزئي كلي» أي مفهوم الجزئي كلي، وعندما قلنا «الجزئي جزئي» قلنا يعني مصداق الجزئي يكون جزئياً تمام.
مصداق المفهوم كيف؟ مصداق الجزئي اللي هو مفهوم زيد، مفهوم زيد لا ينطبق على كثير، لا ينطبق إلا على فرد واحد في الخارج وهو زيد. ولكن مفهوم الجزئي، شو هو مفهوم الجزئي؟ ما يمتنع صدقه على كثير، هذه القضية تنطبق على مفهوم زيد وعلى مفهوم عمرو وعلى مفهوم بكر. واضح صار المطلب أو لا؟
جيد. إذا كان الحكم على المفهوم من حيث هو هو وبمعزل عن حكايته عن مصداقه يقال له إنه الحمل الأولي. ليش؟ لما عرفنا؛ لأن الحكم حقيقة إنما هو حكم على المفهوم دائماً، فأول ما يحكم يحكم على المفهوم ولكن بعد ذلك يسري ذلك الحكم من المفهوم إلى مصداقه. جيد؟ فدائما الحكم هو حكم بين المفاهيم ولكنه قد يتعداه إلى مصداقه وقد يقتصر عليه، فأول ما يكون الحكم يكون حكماً على المفهوم، ولذلك عندما يكون الحكم على المفهوم وحده يقال إنه حمل أولي؛ لأنه أول ما يحصل الحمل، الحمل يعني الحكم، حمل شيء على شيء يعني إسناده إليه، يعني الحكم به عليه.
وأما إذا كان الحكم على المفهوم من حيث كونه فانياً في مصداقه وحاكياً عنه كما في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: 2)، فيسمى الحمل حملاً شائعاً. ليش؟ لأن هذا هو الحمل الذي -يعني هذا هو الحمل الشائع والمنتشر بين الناس- لأن الناس والعوام غالباً ما يستعملون هذا النوع من الحكم، وهو الحكم على المصاديق، يعني الحكم على المفاهيم من حيث كونها فانية في مصداقها، فسمي شائعاً لأنه هو الشائع والمنتشر عند السواد الأعظم من الناس، فقط أهل المعقول وأهل الدقة وأهل الفلسفة هم الذين يتعرضون إلى مثل هذه القضايا العقلية.
ولذلك مثلاً شوف المصنف ذكر جملة من التطبيقات، مثلاً لو قال القائل: شوف الحكم على الشيء فرع وجودي أو لا؟ فرع وجودي، والعدم لا يمكن أن يكون موجوداً لأنه نقيض الوجود، والنقيضان لا يجتمعان، ولذلك يقال إن العدم لا يحكم عليه، تمام؟ ليش؟ لأن الحكم على شيء فرع وجودي، الحكم فرع وجودي ولو ذهناً، هذا نوع من أنواع الوجود، فالحكم على الشيء فرع وجودي والعدم لا يمكن أن يكون أمراً موجوداً، فكيف تحكمون عليه؟ إذاً العدم لا يحكم عليه، ونفس قولكم إن العدم لا يحكم عليه هو حكم عليه بأنه لا يحكم عليه!
فنقول إن العدم الذي لا يحكم عليه هو مصداق العدم؛ لأنه ليس أمراً... لا يوجد له مصداق في الخارج فلا يحكم عليه، ولكن مفهوم العدم يحكم عليه لأنه ما دام مفهوماً فهو صورة ذهنية فهو وجودي، فهو أمر وجودي. واضح؟ كل هذه الإشكالات أتصور أنها صارت واضحة.
أعطنا مثالاً آخر، جيد. التفت! الآن العلية والمعلولية، العلة والمعلول بتعبير المصنف (قدس سره)، أي نوع من أنواع التقابل يوجد بينهما؟ التضايف، تمام؟ فالعلة والمعلول متضايفان، تمام؟ والمتضايفان يوجدان معاً، مع أن العلة تنوجد قبل وجود المعلول. يأتي الجواب مفاهيم! هما متضايفان، التضايف في المفاهيم، الحكم عليهما بأنهما يوجدان معاً هو حكم على مفهومهما، أنهما -أن مفهومهما- يحضر إلى الذهن معاً، وأما في الخارج فوجود أحدهما سابق على وجود الآخر، جيد؟
وإن كان العلة ليس وجودها سابقاً على وجود المعلول وإلا تخلف المعلول عن علته حتى في الخارج، وجود العلة تنوجد مع المعلول في درجة واحدة. الآن إذا كانت حركة يدي سبباً وعلة لانفتاح الباب، فهذا لا يعني أنني أحرك يدي ثم ينفتح الباب بعد فترة من الزمن وإلا لزم تخلف المعلول عن علته، ولذلك يقال إن زمان وجود المعلول هو بنفسه زمان وجود العلة من غير تخلف.
عجيب! ولكننا ناخذ حبة الأسبيرين ونشفى بعد نصف ساعة؟ لا، ليس كذلك، طيب، يأتي في محله. نقرا هذا المقدار:
قراءة النص وشرحه
«المفهوم: نفس المعنى بما هو، أي نفس الصورة الذهنية المنتزعة من حقائق الأشياء. والمصداق -شوف- ما ينطبق عليه المفهوم» -ولم يقل إنه الفرد الخارجي؛ لأن المفهوم قد ينطبق على أمر ذهني- «ما ينطبق عليه المفهوم».
فقط اريد أن نلتفت إلى هذه المسائل حتى لا نقع في اشتباهات فيما بعد: المفهوم دائماً له خصوصية الحكاية، والحكم دائماً حكم على المفهوم، لا أننا نحكم تارة على المفهوم وتارة على المصداق، هذه عبارة تسامحية، نحن نحكم دائماً على المفهوم لأن الحكم أمر ذهني، أمر نفسي، جيد؟ لا وجود للحكم في الخارج، الحكم أمر ذهني، ولذلك هو نسبة مفهوم إلى آخر. غاية الأمر أننا عندما نحكم على المفهوم، تارة نحكم عليه من دون أن نتعداه إلى المصداق، وتارة نحكم عليه بما هو فانٍ في مصداقه حتى كأن المفهوم ليس إلا مرآة لمصداقه، فكأن الحكم كان على المصداق وحده، وإنما هو حكم على المفهوم بما له من مصداق، تمام؟
والمصداق لا يشترط أن يكون فرداً خارجياً، وإنما المراد من المصداق ما يصدق عليه المفهوم، ولذلك قد يكون المصداق أمراً ذهنياً، وإن كان سيأتي معكم في الفلسفة لا يوجد أفراد ذهنية.
«المفهوم نفس المعنى بما هو أي نفس الصورة الذهنية المنتزعة من حقائق الأشياء. والمصداق ما ينطبق عليه المفهوم» أو حقيقة الشيء «يعني ما ينطبق عليه حقيقة الشيء الذي تنتزع منه الصورة الذهنية يعني المفهوم يعني ما ينطبق عليه المفهوم، فالصورة الذهنية لمسمى محمد هذه الصورة مفهوم جزئي والشخص الخارجي الحقيقي مصداقه، والصورة الذهنية -شوف جاء لنا بمفهوم والمصداق مصداق في الخارج، الآن شوف المثال الثاني، قال:- والصورة الذهنية لمعنى الحيوان مفهوم كلي» جيد، وين أفراده؟ قال: «وأفراده الموجودة وما يدخل تحته من الكليات كالإنسان والفرس والطير هي مصاديقه» فهنا المصاديق ذهنية.
«والصورة الذهنية لمعنى العدم مفهوم كلي، وما ينطبق عليه» -شو على أي شيء ينطبق؟ العدم الحقيقي- «العدم الحقيقي لا وجود له في الخارج، هلا صار العدم وجودياً؟ قال هذا مصداق» جيد، مصداق العدم وين موجود؟ في نفس الأمر والواقع. ما هو المراد من نفس الأمر والواقع؟ يأتي، هو وعاء أوسع من وعاء عالم الخارج وعالم الذهن.
طيب، قال: «لفت نظر: يعرف من المثال الأول أن المفهوم قد يكون جزئيا كما يكون كلياً». جيد. طيب، «ويعرف من المثال الثاني أن المصداق يكون جزئياً حقيقياً ويكون جزئياً إضافياً» يعني قد يكون فردا خارجياً وقد يكون فرداً ذهنياً. شو مكتوب عندكم؟
«ويعرف من المثال الثالث أن المفهوم قد يكون جزئياً حقيقياً وإضافياً» -لا لا هذا هذا اشتباه- «ويعرف من المثال الثالث أن المصداق لا يجب أن يكون من الأمور الموجودة والحقائق العينية، بل المصداق هو كل ما ينطبق عليه المفهوم وإن كان أمراً عدمياً لا تحقق له في الأعيان».
طبعاً له، إذا كان مصداق لابد له من تحقق، وين؟ تقرر في نفس الأمر والواقع، يأتي هذا إن شاء الله في الفلسفة.
قال: «إذاً العنوان والمعنون» يعني المفهوم والمصداق تعبير آخر، أو دلالة المفهوم على مصداقه. «إذا حكمت على شيء بحكم قد يكون نظرك في الحكم مقصوراً على المفهوم وحده بأن يكون هو المقصود في الحكم كما تقول: الإنسان حيوان ناطق».
طيب، التفت! الإنسان حيوان ناطق، هذا المثال ليس على... ليس دقيقاً، لأن هذا يصلح أن يكون حملاً أولياً ويصلح أن يكون حملاً شائعاً، يصلح أن يكون حكماً على المفهوم بما هو هو، ويصلح أن يكون حكماً على المصداق أيضاً، لأنه زيد حيوان ناطق، جيد؟ ومفهوم الإنسان أيضاً حيوان ناطق، ليش؟ لأن هذا شرح للماهية، والماهية من حيث هي ليست إلا هي، هي واحدة في الوجودين، في الخارج وفي الذهن، جيد.
شطحنا! نعم.
قال: «فيققال للإنسان حينئذ: الإنسان بالحمل الأولي». واضح ليش سمي حملاً أولياً؟ لأنه أول ما يحمل الشيء يحمل على المفهوم ثم هل يتعداه إلى المصداق أو لا؟ فأول الحمل يكون على المفهوم، فهو حمل أولي يعني بالأول، جيد؟ وفي المقابل الحمل الثانوي -حتى إذا اردنا أن نتسامح في التعبير، لأنه حكم على المفهوم من حيث حكايته عن مصداقه، ولكنه لم يسمى في الاصطلاح حملاً ثانياً، وإنما سمي حملاً شائعاً، لأنه هو الشائع والمنتشر ويكفي في التسمية أدنى مناسبة-.
قال: «وقد يتعدى نظرك في الحكم إلى أبعد من ذلك، فتنظر إلى ما وراء المفهوم بأن تلاحظ المفهوم لتجعله حاكياً لمصداقي ودليلاً عليه كما تقول: الإنسان ضاحك».
حتى هذا التعبير، حتى مفهوم الإنسان ضاحك أيضاً، يعني يتصف بالضاحكية. أو نعم، عندما تقول: «الإنسان في خسر»، هذا هو المثال الدقيق؛ الخسران ليس وصفاً للحقيقة، طبعا الضحك إذا أراد منه هذه الهيئة التي تحصل من التبسم وغيرها نعم، هذه لا تكون إلا للمصداق، ولكن لا يراد من الضاحكية في قولهم «الإنسان ضاحك» هذا المعنى، مثل الناطقية، لا يراد النطق بالصورة، لا تنطق، جيد؟
على كل حال، «فتشير بمفهوم الإنسان إلى أشخاص أفراده وهي المقصودة في الحكم. فأنت حكمت على المفهوم ولكن من حيث كونه فانياً في مصداقه. وليست ملاحظة المفهوم في الحكم وجعله موضوعاً إلا للتوصل إلى الحكم على الأفراد. فيسمى المفهوم حينئذ عنواناً ويسمى المصداق معنونا، ويقال لهذا الإنسان: الإنسان بالحمل الشائع».
ولأجل التفرقة بين النظريات نلاحظ الأمثلة الآتية؛ دائماً النظر إلى المفهوم كالنظر إلى المرآة، جيد؟ يعني أتصور أن المقايسة بينهما قريبة إلى حد كبير:
إذا قال النحاة: «الفعل لا يخبر عنه»، فقد يعترض عليهم في بادئ الرأي، فيقال لهم هذا القول منكم إخبار عن الفعل، أخبرتم عنه بأنه لا يخبر عنه، فكيف تقولون لا يخبر عنه؟
والجواب: أن الذي وقع في القضية مخبراً عنه وموضوعاً في القضية هو مفهوم الفعل، المفهوم هو الذي أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه، أما مصداق الفعل يعني «ضرب»، «ضرب» لا تقع مبتدأ في الجملة، وإنما تقع دائماً خبراً.
طيب، والجواب أن الذي وقع في القضية مخبراً عنه وموضوعاً في القضية هو مفهوم الفعل، ولكن ليس الحكم له بما هو مفهوم، بل جعل عنواناً وحاكياً لمصداقه وآلة لملاحظاته، والحكم في الحقيقة راجع للمصداق نحو «ضرب» و«يضرب». فالفعل الذي له الحكم حقيقة هو الفعل بالحمل الشائع.
شوف! الفعل لا يخبر عنه، هذا حمل أولي أو شائع؟
أولي! خليك، شو يعني أولي أو شائع؟ نأخذها مفهومه، شو هو مفهومه؟ كلمة... إلى آخره، كلمة لها معنى مستقل تدل بهيئتها على أحد الأزمنة الثلاثة. مصداقه: «ضرب».
الذي لا يخبر عنه هو المفهوم أو المصداق؟
مصداق! إذاً هذا حمل شائع، أنك حكمت على الفعل بما له من مصداق وليس حملاً أولياً. اتفقتم إلى المسألة؟
الآن عندما تقول -شوف- «الجزئي كلي»، جيد؟ مفهوم الجزئي ما هو؟ ما يمتنع انطباقه على كثير من الآخرين. مصداقه: صورة زيد. صورة زيد هي الكلي أو أن هذا المفهوم ينطبق على... أي هو الذي ينطبق على كثيرين، صورة زيد أو ما يمتنع... آه، إذاً هذا حمل أولي، واضح المطلب كيف؟
جيد، عندما تقول: «الفعل لا يخبر عنه»، ما هو مفهوم الفعل؟ كلمة لها معنى مستقل في نفسها تدل بهيئتها على أحد الأزمنة الثلاثة، هذا المفهوم يخبر عنه؟ لا يخبر. فإذا حكمنا بأنه لا يخبر عنه، ليس حكماً لمفهوم الفعل، مصداقه ما هو؟ ضارب، إذاً هذا حكم على مصداقه، فهذا حمل شائع. قولنا «الفعل لا يخبر عنه» هذا حمل شائع. نعم، قولنا «الجزئي كلي» هذا حمل أولي؛ لأن الذي يتصف بالكلي وينطبق على كثير هو المفهوم لا المصداق. واضح؟
طيب، اثنين، قال:
«وإذا قال المنطقي: الجزئي يمتنع صدقه على كثيرين. فقد يعترض فيقال: الجزئي يصدق على كثيرين، يصدق على زيد وعلى عمر وعلى بكر؛ لأن هذا الكتاب جزئي ومحمد جزئي وعلي جزئي ومكة جزئي، جيد، فكيف قلتم يمتنع صدقه على كثيرين؟»
الجزئي الذي يمتنع صدقه على كثير ما هو؟ المصداق! إذاً هذا بالحمل الشائع، طبعا هذه غير هيك، جيد، هذا يمتنع صدقه على كثير، هنا قلنا كلي، يعني لا يمتنع صدقه على كثيرين، تمام؟
جيد، فكيف قلت؟
والجواب: مفهوم الجزئي أي الجزئي بالحمل الأولي -يعني المفهوم بما هو- مفهوم كلي لا جزئي، فيصدق على كثير. ولكن مصداقه أي حقيقة الجزئي يمتنع صدقه على الكثير، مصداق يعني صورة زيد هذه لا تنطبق على كثير، فهذا الحكم بالامتناع للجزئي بالحمل الشائع لا للجزئي بالحمل الأولي الذي هو كلي. ونحن عكسنا القضية. واضح؟ هنا قال الجزئيات... هنا قلنا الجزء لا يمتنع ولذلك يحصل اختلاف.
وإذا قال الأصولي: «اللفظ المجمل ما كان غير ظاهر المعنى». اللفظ المجمل، ما هو اللفظ المجمل؟ هو الذي ليس له معنى ظاهر. فقد يعترض في بدء الأمر: أنتم أوضحتم معناه! ألستم حكمتم على اللفظ المجمل بأنه غير ظاهر المعنى؟ إذاً فقد أوضحتم معناه! فكيف جاز تعريفه والتعريف لا يكون إلا لما كان ظاهراً معناه؟
والجواب: مفهوم المجمل أي المجمل بالحمل الأولي مبين ظاهر المعنى، لكن مصداقه أي المجمل بالحمل الشائع -كاللفظ المشترك مثلاً المجرد عن القرينة- هذا هو الذي لا يكون ظاهرا المعنى، وهذا التعريف للمجمل بالحمل الشائع.
هذا تمام الكلام في هذا المطلب. وليعلم أن الحمل الأولي والحمل الشائع سوف يأتي لهما اصطلاح في القسم الثاني من الكتاب، وهو اصطلاح مغاير لهذا الاصطلاح الذي مر هاهنا؛ فإن الحمل الأولي والحمل الشائع هاهنا هو بالنظر إلى المفهوم والمصداق، أو فقل هو بالنظر إلى موضوع القضية -كل قضية مركبة من موضوع ومحمول ونسبة بينهما، جيد- الحمل الأولي والشائع هاهنا وصفان للموضوع؛ لأن موضوع القضية إما أن يراد منه المفهوم من حيث هو أو المفهوم من حيث كونه فانياً في مصداقه.
أما هناك في القسم الثاني فسوف يأتي معنا تقسيم واصطلاح آخر للحمل الأولي والحمل الشائع، وسوف يكونان وصفين -مش للموضوع- للنسبة، يعني النسبة الكائنة بين الموضوع والمحمول، وسوف يكون هناك فارق شاسع بين الاصطلاحين. واضح صار المطلب أو لا؟
فالحمل الأولي هو الحكم على المفهوم من حيث هو هو ومن دون سراية هذا الحكم إلى مصداقه، والحمل الشائع هو حكم على المفهوم أيضاً من حيث كونه فانياً في مصداقه فصار حكماً على المصداق، ويسمى شائعاً لأنه هو المنتشر عند السواد الأعظم من الناس. والحمل الأولي والشائع كلاهما هاهنا وصفان لموضوع القضية؛ لأن الحكم دائماً حكم على الموضوع، فإما أن تحكم على مفهوم الموضوع وإما أن تحكم على مصداقه.
أما في القسم الثاني من الكتاب فسوف يأتي معنا اصطلاح آخر للحمل الأولي وللحمل الشائع وهو ما يكون وصفاً للنسبة لا للموضوع. وكثير من الطلاب بل والأساتذة قد خلطوا بين هذين الاصطلاحين فتوهموهما اصطلاحاً واحداً.
هذا تمام الكلام في المفهوم والمصداق وفي العنوان والمعنون. يقع الكلام غدا إن شاء الله في النسب الأربع في مطلب... وأنا أعرف أن هذا الجديد يأتي إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين.
