دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 3
منطق المظفر - الشيخ حسين محسن العاملي — 003
مقدمة علم المنطق
في المقدمة، وقد عرفنا أنها تشتمل على أمور ثلاثة هي: الحاجة إلى المنطق، وتعريف المنطق، وبيان موضوعه. وقد فرغنا عن الكلام على كل واحد من هذه الأمور، ومن التعريف يقع الكلام في بيان موضوع علم المنطق.
مسألة ترتبط بمادة القياس
قبل أن ندخل في بيان الموضوع، بقي هناك مسألة أعتقد أنها لم تستوفِ حقها في البحث، وهي ترتبط بمادة القياس وهي: الهيئة.
تعريف المادة والهيئة في اللفظ
عندما نقول أن اللفظ له مادة وله هيئة، فما هو المراد من المادة ومن الهيئة؟ الآن إذا أخذنا لفظاً من الألفاظ وهو الفعل "لعب"، فهذا الفعل له مادة وله هيئة.
المادة هي نفس الحروف
مادة الفعل عبارة عن نفس الحروف التي يتكون منها هذا الفعل، وهي اللام والعين والباء، وإن شئت قلت الباء والعين واللام، أو قلت الباء واللام والعين، لا يهم. نفس هذه الحروف الثلاثة هي التي يقال لها أنها مادة اللفظ، مادة الفعل.
الهيئة هي الصياغة النهائية
ولذلك فإن كلمة "لعب" وكلمة "بلع" مادتهما واحدة، لأن الأول يتركب من اللام والعين والباء، والثاني يتركب من اللام والعين والباء، وإنما وقع الكلام أو وقع الخلاف الاختلاف في التقديم والتأخير بين هذه الحروف.
مادة اللفظ نفس الحروف التي يتكون منها اللفظ، أما هيئته فهي الصياغة النهائية التي تتشكل منها، أو التي تقع عليها هذه الحروف، أو يقال هي الترتيب النهائي بعد تقديم هذا وتأخير ذاك.
مثال على الهيئة
فقالوا أن هيئة "لعب" هي فعله، شوف بجعل اللام أولاً مفتوحة، والعين ثانياً مكسورة، والباء أخيراً، هذه هي هيئة فعله.
وأمّا هيئة "بلع" فهي فعل بجعل الباء أولاً، ثم اللام مفتوحة، ثم العين إلى آخره. فالمادة هي نفس الحروف التي يتركب منها اللفظ، والهيئة هي الصياغة النهائية مع ما معها من تقديم هذا وتأخير وتأخير ذاك.
الاستدلال يتألف من مادة وهيئة
إذا اتضح معنى المادة والهيئة في اللفظ، فإن الاستدلال عملية الاستدلال الفكري أيضاً تتألف من مادة ومن هيئة.
مثال على الاستدلال
الآن مثلاً عندما تقول: "العالمُ حادث، وكل حادث لابد له من محدث، فالعالم لابد له من محدث"، أو عندما تقول: "هذا حديد، والحديد يتمدد بالحرارة، إذاً هذا يتمدد بالحرارة"، أو كما تقول: "سقراط إنسان، وكل إنسان ناطق، فينتج أن سقراط ناطق"، تمام.
هذا الاستدلال يتركب من مادة ومن هيئة. ومادة الاستدلال هنا ليست عبارة عن الحروف لأن الكلام ليس في الألفاظ، الكلام في الاستدلال.
القضايا هي مادة الاستدلال
بل مادة الاستدلال هي نفس القضايا التي يتركب منها الاستدلال. يعني "هذا حديد" و"الحديد يتمدد بالحرارة"، هاتان قضيتان هما مادة الاستدلال.
مقدمة في هيئة الاستدلال وطبيعة المنطق الصوري
أما هيئة الاستدلال فهي طريقة ترتيب هذه القضايا، ولذلك شوف أنت عندما تريد أن تحدث استدلالاً لا تقول: "الحديد يتمدد بالحرارة وهذا حديد"، فهذا استدلال منعكس. هذه ليست هي الطريقة المنطقية في ترتيب القضايا، وإنما تقول: "هذا حديد، والـ شوف يجب أن يكون هناك تصاق وارتباط بين الحديد في القضية الأولى والحديد في القضية الثانية. هذا حديد، والحديد يتمدد بالحرارة، فهذا يتمدد بالحرارة".
الفرق بين المادة والهيئة في المنطق
يقال إن مادة الاستدلال هي نفس قضايا هي نفس القضايا التي يتألف منها، وأما هيئة الاستدلال فهي طريقة ترتيب هذه القضايا. أي من هاتين القضيتين نجعلهما في الأول يعني الصغرى، وأي منهما نجعله في الثاني يعني الكبرى تمام؟ فالمنطق لا يبحث عن المادة ولا يبحث عن تصحيح المادة، يعني المنطق ليس هو الذي يحدد لك أن هذا الذي بين يديك وقد لمسته هل هو حديد أو لا؟ هذا يبحث عنه في التجربة في الفيزياء. المنطق لا يحدد لك أن هذا هل هو حديد أو ليس بحديد. أنت تحدد كونه حديداً في الحس بالتجربة.
تعريف المنطق الصوري وهدفه
لكن المنطق بعد أن يأخذ هذه القضايا يقول لك: "أنا أعطيك الطرق الصحيحة التي إذا رتبت هذه القضايا على أساسها أنتجت لك نتيجة صحيحة"، ولذلك قلنا إن المنطق سمي بالمنطق الصوري أي لأن المنطق يبحث عن صورة القياس أو يبحث عن الصورة لا عن المادة، لا يبحث في أن الحديد هذا هل هو حديد أو لا، ولا يبين لنا أن سقراط هل هو إنسان أو لا. بعد أن نأخذ هذه القضايا، المنطق يعلمنا على أي ترتيب نضع هذه القضايا لتنتج نتيجة صحيحة، ولذلك سمي القياس قياساً صورياً أو سمي المنطق المنطق الصوري، لأنه يبحث عن الصورة أي يبحث عن الهيئة، عن الطريقة النهائية التي يجب أن تترتب عليها هذه القضايا.
أهمية البحث عن موضوع علم المنطق
نرجع إلى أصل بحثنا يقع الكلام في موضوع علم المنطق، وحتى نبين موضوع علم المنطق لابد أن نتعرض إلى أبحاث ثلاثة مطولة. وهي:
1. البحث عن العلم وتقسيماته.
2. البحث عن التصور والتصديق.
3. البحث عن الضروري والنظري.
علاقة الأبحاث الثلاثة بموضوع المنطق
هذه الأبحاث الثلاثة سوف نتعرض إليها من أجل أن تسوقنا لمعرفة موضوع المنطق، ومن هنا يعلم أن هذه الأبحاث الثلاثة ليست داخلة في صميم المنطق، يعني ليست عبارة عن قواعد منطقية وإنما هي أبحاث لأجل أن نعرف موضوع علم المنطق حتى يصح لنا فيما بعد أن نشرع في دراسة القواعد المنطقية. ومن هنا فإن البعض لما لم يلتفت إلى أن هذه الأبحاث إنما تسوق إلى موضوع علم المنطق توهم أن هذا الكتاب
مقدمة في تعريف العلم والحاجة
اعترض على الماتن قدس سره بأن المقدمة يجب أن تشتمل على رؤوس ثلاثة، وهي هنا لم تشتمل إلا على راسين، والجواب أن الماتن قدس سره كما بين الحاجة والتعريف، وكذلك بين موضوع علم المنطق، ولكنه بين الموضوع من خلال
التعريف الأول: مفهوم العلم
للتعرض إلى مباحث ثلاثة ضرورية لا يمكن معرفة موضوع العلم موضوع المنطق من دون أن نعرفها، يقع الكلام في البحث الأول من هذه الثلاثة وهو بحث في مفهوم العلم.
العلم له اصطلاحات متعددة تزيد على العشرين، يعني يوجد عشرون اصطلاحاً حقيقة للعلم، فلا بد أن نحدد أي اصطلاح منها أي اصطلاح من هذه العشرين هو الذي نريد أن نبحث عنه.
عنه والحاصل أن الإنسان عندما لا يكون قد شاهد النار ولا يعرف ما معنى النار، ثم يتعرف بعد ذلك مثلا على النار، فإنّه يجد أن هناك حالة في النفس لم تكن موجودة ثم وجدت. فحالي وأنا أستفهم عن معنى النار تغاير حالتي وقد عرفت أن هذه هي هي النار. الإنسان عندما يكون جاهلا بالشيء فيقال له هذا هو الشيء الذي تبحث عنه فيتعرف عليه. نجد أن هناك حالة في النفس قد وجدت لم تكن موجودة قبل الاطلاع على على هذه النار. هذه الحالة الجديدة التي وجدت ولم تكن هي التي يقال لها العلم، ويقع الكلام في شرح هذه الحالة وفي بيانها.
التعريف الثاني: العلم الحسي
الحاصل أن الإنسان عندما ينظر إلى حائط، ثم بعد أن يتوجه جهازه العصبي إلى الخارج فيلاحظ ذلك الحائط يغمض عينيه، وبعد أن يغمض عينيه نجده لا زال قادرا على أن يُحضر صورة لذلك الحائط الذي شاهده في الذهن. فهذه الصورة وجدت في الذهن حتى مع انقطاع شبكة العين عن الاتصال الخارجي. فيقال: إن هذا الإنسان صار عالما بالحائط، علمت بالحائط.
أو مثلا عندما تقول علمت بوجود زيد، هذا يعني أنك نظرت إلى زيد الذي في الخارج فانطبعت صورة زيد هذا وين؟ في الذهن. ولذلك نجدنا نستطيع أن نستحضر هذه الصورة وأن نلتفت إليها حتى بعد ذهاب زيد، وحتى بعد إغماض أعيننا وعدم الارتباط في الخارج.
في مثل هذه الحالة، يقال إن صورة زيد، هذه الصورة التي تستطيع أن تراها وأنت مغمض لعينيك، صورة زيد قد وجدت وين؟ في الذهن. فأنت عندما تعلم بوجود زيد، هذا لا يعني أن زيداً صار موجوداً في دماغك، موجود في الخارج، وإنما الذي ينوجد في الخارج ما هو؟ صورة زيد تمام؟ فيقال إن هذا النحو من العلم هو علم حصولي، يقال له العلم الحصولي، ويُعرَّف هذا العلم بأنه حصول صورة الشخص
الفرق بين العلم الحاصلي والعلم الحضوري
الشيء في الذهن لا حصول نفس الشيء؛ أنا عندما ألاحظ زيدًا وأنظر إليه وأعلم بوجوده، هذا لا يعني أن زيدًا قد جاء وجلس في الدماغ. زيد لا يزال في الخارج، ولكن حضرت صورته عنه انطبعت في الدماغ. علمي بوجود زيد هو حضور لصورته زيدًا في ذهني، وفرق بين صورته زيدًا وبين زيد نفسه.
يقال لهذا العلم العلم الحاصلي، ويوجد نوع آخر من العلم يقال له العلم الحضوري، وهو العلم الذي لا تحضر فيه نفس الصورة أو لا تحضر فيه صورة الشريك.
تعريف العلم الحاصلي والعلم الحضوري
لا، بل هو العلم الحضوري هو العلم الذي يحضر فيه نفس الشيء عند العالم. مثال ذلك الإنسان عندما يجوع، فإن نفس هذه الحالة التي يعيشها قد حضرت عنده.
شوف الإنسان عندما يجوع، يعلم بأنه جائع أو لا، يعلم بأنه جائع. ولكن علمه بالجوع ليس بمعنى أن صورة للجوع، الإنسان كيف يجوع؟ لا، بل بمعنى أنه يجوع عندما تحضر صورة الجوع في ذهنه، لا. بل نفس هذه الحالة التي يعيشها ويستشعرها هي التي تسمى الجوع.
الذي حضر عند العالم ليس عبارة عن صورة للجوع، بل عن نفس الجوع. فالعلم الحضوري، قالوا: هو حضور نفس المعلوم عند العالم.
الفرق بين الحضور المباشر والحضور عبر الصورة
لا حضور صورة عنه اه، التفت نعم، عندما أجوع، نفس حالة الجوع التي أعيشها هي علم حضوري، بمعنى أن نفس الجوع هو الذي حضر عندي اه.
ولكن قد أشبع جوعي هذا، واجلس متخماً، وأريد أن أتذكر حالة الجوع التي كنت عليها قبل قليل، فحينئذ ماذا أفعل؟ استحضر صورة للجوع.
فحالة كوني جائعاً يكون علمي بالجوع علماً حضورياً، لأن نفس الجوع هو الذي حصل، لا أن صورة عن الجوع هي التي طبعت في الذهن.
بعد أن انقضت حالة الجوع هذه وأردت أن أتذكر الحالة التي كنت عليها، فإنني استحضر أحضر الصورة التي كنت عليها، فأتذكر صورة الجوع في الذهن، أوجد صورة للجوع في الذهن.
يقال إن علمي بالجوع ها هنا صار علماً حاصلياً، ولذلك الجائع متى يكون علمه، أو الإنسان متى يكون علمه بالجوع علماً حضورياً؟ عندما يكون جائعاً.
وأما عندما ينقضي جوعه، فعلمه بالجوع علم حاصلي.
تطبيق الفروقات على الحالات الواقعية
ولذلك إذا كنت أنت جائعاً، وأنا علمت بجوعك، فعلمي بجوعك أنت علم حاصلي، وعلمك بجوعك أنت علم حضوري، لأن الجوع حاضر عندك، وأما عندي فلم يحضر إلا صورة عن هذا.
الخلاصة النهائية للفروقات
ثم إذا أردنا أن نفارق بين هذين النحوين من العلم، العلم الحاصلي والعلم الحضوري، نجد أن العلم الحضوري الذي ينوجد عند العالم هو نفس المعلوم، لا صورة عنه.
العلم الحضوري والعلم الحصولي
وبالتالي، فليس هناك إلا شيء واحد هو ذات المعلوم، وهو إما أن ينوجد عند العالم فيكون عالماً بالعلم الحضوري، أو لا ينوجد فلا يكون عالماً بالعلم الحضوري. أما في العلم الحصولي، فالذي يحضر عند العالم ليس عبارة عن نفس المعلوم، بل هو صورة عنه.
فهناك أمران: هناك الصورة، وهناك ذو الصورة (يعني صاحب الصورة). عندما أعلم بوجود زيد أمامي، يوجد صورة زيد في الذهن، ويوجد نفس زيد هذا الموجود وين؟ أمامي في الخارج. فالعلم الحصولي يشتمل على شيئين، أو فيه اثنينية بين الصورة وبين ذو الصورة.
ولذلك كان العلم الحصولي قابلاً للصحة والخطأ، ولم يكن العلم الحضوري قابلاً للصحة والخطأ، بل يكون صحيحاً دائماً. ليش؟ لانه ما معنى أن يكون الاعتقاد صحيحاً؟ أن يكون هذا الذي في الذهن مطابقاً لأي شيء للذي في الخارج.
الآن، انت ماذا تخبرني؟ تخبرني بقيام زيد، ماذا ينطبع في ذهني؟ صورة لزيد القائم. هذه الصورة أذهب وأتحرى عنها في الخارج. فإذا وجدت زيدا الذي في الخارج قائماً فعلاً، فأقول: هذه الصورة ماذا طابقت؟ طابقت الذي الشيء الذي في الخارج. هذا الحاكي محكيه في الخارج، إذا فهو صواب، وهو صدق، وهو صحيح.
أما إذا تحريت عن زيد فوجدته جالساً، فأقول: هذه الصورة التي في الذهن لا تطابق الحالة التي عليها زيد في الخارج، إذا فهي خاطئة. فحتى نحكم بالصحة وبالخطأ، لابد أن يكون هناك اثنينية. حتى إذا طابق الأول الثاني فهو صحيح، وإن خالفه فهو كذب وهو خاطئ.
طبيعة العلم الحصولي والخطأ
وهذا في العلم الحصولي متوفر، لأننا قلنا إننا في العلم الحصولي لا يحضر عندنا نفس المعلوم، وإنما الذي يحضر عندنا صورة ذلك المعلوم. فهناك الصورة وذو الصورة، والصورة تغاير ذو الصورة.
ولما كان العلم الحصولي فيه فرض الاثنينية والتغاير بين الصورة وذو الصورة، جيد؟ فكان هذا العلم قابلاً للخطأ. لانه ان لانه يحتمل حينئذ أن تطابق الصورة ذو الصورة، ويحتمل أن لا تطابقها.
العلم الحضوري وعدم قابليته للخطأ
وهذا بخلاف العلم الحضوري، فانه ليس هناك إلا شيء واحد وهو المعلوم، ويحضر بنفسه عند العالم، لا أن صورة عنه هي التي تنطبع وين؟ في الذهن.
لما كان العلم الحضوري خالياً من الاثنين والاثنينية، علم أنه لا يتصف بالخطأ، بل يقع صحيحاً دائماً. واذا كان العلم الحضوري بحيث لا يقبل الخطا، فالمنطق لا يبحث عن مثل هذا العلم. ليش؟ لان المنطق انما يدرس لاجل تصحيح الخطأ، والخطأ في الفكر.
والعلم الحضوري لا يقبل الخطأ، فلا معنى لأن نبحث عن تصحيحه، لانه يكون صحيحاً دائماً. وانما نبحث عن نوع مخصوص من العلم وهو العلم الحصولي، اذا اتضح ذلك. يقع الكلام اولا في بيان كيفية تكون هذا العلم عند الإنسان منذ طفولته، وإلى أن يهرم. كيف يتكون هذا العلم عند الإنسان؟
الطفل يولد خالياً من أي علم فعلي
نقول إن الطفل عندما يولد فإنه يولد خالياً من أي علم فعلي، لا يوجد عنده أي معلومة بالفعل. وليس عنده، ليش لا يوجد عنده؟ لأن الله قال: والله خلقكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا.
الطفل يولد خالياً من أي علم فعلي
تمام؟ ولكنه مع كونه فاقداً لأي معلومة بالفعل عنده قابلية لأن يتلقى العلوم. ثم يبدا هذا الطفل بالنمو حتى تكتمل حواسه وحتى ينشط جهازه العصبي فيصبح قادراً بعد أيام على الرؤيا وبعد أيام على السمع إلى آخره.
تكتمل حواس الطفل فيبدأ الإدراك
عندما تكتمل حواسه الخمسة فإن عملية الإدراك تبدأ، بس نقول الإدراك يعني التعلم عملية تحصيل العلم.
الحواس هي رأس مال العلم
تبدأ عملية الإدراك والتعلم عند اكتمال الحواس الخمسة، ولذلك فإن الحواس الخمسة يقال لها إنها رأس مال العلم أو فقل يقال: من فقد حسه فقد فقد علماً.
الحواس هي رأس مال العلم
لان الذي لا يرى سوف لا يستطيع أن يدرك الأمور المرئية، والذي لا يسمع لا يدرك الأمور المرئية فيستحضر صور المرئيات ولكنه لا يستحضر صور المسموعات، والذي لا يشم لا يستحضر المشمومات إلى آخره.
مراحل الإدراك
بعد أن تكتمل حواس الطفل فانه يبدأ بعملية الإدراك، وهذه العملية الإدراكية يمكن أن نقسمها إلى عدة مراحل.
المرحلة الأولى: الارتباط بين الحواس والخارج
المرحلة الأولى هي المرحلة التي تتصل هذه الحواس الظاهرة بالخارج، عندما أفتح عيني ينعكس الضوء فيصبح هناك ارتباط بين شبكة العين وبين ذلك الشيء الموجود أمام عيني.
المرحلة الأولى: الارتباط بين الحواس والخارج
فتنطبع في الذهن صورة لهذا الشيء المحسوس، لأننا قلنا الإنسان يتوجه بحواسه وإذا كان يتوجه بحواسه فالحس لا يدرك إلا ما كان محسوساً.
المرحلة الثانية: المفاهيم المحسوسة
جيد، فالمرحلة الأولى هي إذا، ما المرحلة الأولى إذا هي المرحلة التي يدرك الإنسان فيها المعاني، أو دعك من كلمة المعاني، المفاهيم المحسوسة.
المرحلة الثانية: المفاهيم المحسوسة
ويقال إن هذه المرحلة أو هذه المرتبة من العلم يحصلها الإنسان بواسطة قوة الحس المشترك.
قوة الحس المشترك
قالوا إن الدماغ فيه جملة من القوى، القوة الأولى يقال لها قوة الحس المشترك، وهي قوة من شأنها أن تدرك صور الجزئيات المحسوسة عن طريق ارتباط الحواس الخمس بالخارج.
قوة الحس المشترك
ولذلك سميت بقوة الحس المشترك، لان هذه القوة انما تدرك صور الجزئيات المحسوسة بواسطة الحواس الخمسة.
قوة الحس المشترك
ولكن القوة متى تدرك صورة الشيء؟ عندما تكون العين مرتبطة بذلك الشيء المرئي، وعندما تكون الأذن موجهة لذلك الصوت المسموع.
قوة الحس المشترك
ولكننا نجد أن العين حتى بعد إغماضها، نجد أن هذه الصورة لا زالت موجودة في الذهن. وقد فرضنا أن القوة الأولى، كيف تدرك صور الجزئيات المحسوسة؟ تدرك هذه الصور عن طريق الحواس الخمسة.
قوة الحس المشترك
جيد؟ طيب إذا فهذه القوة انما تدرك الصور بواسطة الحواس، فاذا انتفت الحواس يفترض أن تنتفل الإدراك.
هذا المشهد لا يعود موجودا في الذهن
اه، ولذلك قالوا: هناك قوة ثانية من شأنها أن تحفظ صور الجزئيات المحسوسة التي حصل عليها الإنسان بالـقوة الأولى.
قوتان: الحس والخيال
فصار عندنا قوتان، القوة الأولى تدرك الصور المحسوسة بواسطة الحواس الخمسة. هذه الصور عندما تأتي إلى الذهن وتستقر فيه، لابد أن تحفظ في هذا الذهن. فتأتي القوة الثانية، ومن شأنها أن تحفظ صور الجزئيات التي ادركت بها القوة الأولى. فيقال لهذه القوة الثانية أنها قوة الخيال. فصار عندنا إلى الآن قوتان:
القوة الأولى: وهي قوة الحس المشترك، ومن شأنها أن تدرك صور الجزئيات المحسوسة بواسطة الحواس الخمس.
القوة الثانية: وهي قوة الخيال، وهذه القوة ليس من شأنها أن تدرك، بل دورها الحفظ فقط. هي قوة تحفظ صور الجزئيات التي أدركتها قوة الحس المشترك.
قوة ثالثة: الوهم
القوة الثالثة. نحن نجد أن الأمور التي ندركها ليست دائماً أموراً محسوسة. فإن الصوت والمشهد الذي أمامي محسوس، ولكن مثل الحب والبغض ليس محسوساً، ومثل الجوع والخوف والغضب ليس أمراً محسوساً. لا يمكن أن نستشعر الغضب لا بالعين ولا بالسمع، وإنما نستشعر أو نشاهد الشكل الذي ينبئ عن الغضب.
ولكن نفس هذه المفاهيم أو هذه المعاني لا يمكن أن ندركها بالحس، ولذلك فإن هذه الأمور التي ندركها من الغضب والخوف والجوع وغير ذلك، هذه الأمور لا يمكن أن نكون قد ادركناها بـقوة الحس المشترك، لأن قوة الحس المشترك انما تدرك صور المحسوسات بواسطة الحواس الخمس. فلا بد إذاً من وجود قوة ثالثة من شأنها أن تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة، من قبيل حبي لأمي وبغضي لفلان، حتى يكون المعنى شواذاً حتى يكون المفهوم جزئياً.
تعريف الكلي والجزئي
نحن قلنا في الدروس السابقة:
الكل هو الذي ينطبق على كثيرين.
الجزء هو الذي يختص بمصداق مصداق واحد.
تمام، مفهوم الحب هذا، الحب يمكن أن ينطبق على هذا الحب وعلى ذاك الحب وعلى ذلك الحب. ولكن حبي لآبي هذا الحب لا ينطبق إلا على الحب الصادر مني أنا والمتوجه إلى آبي خاصة. تمام، فهذا المعنى أو هذا المفهوم مفهوم غير محسوس، لأنه لا يمكن إدراكه بالحواس، وهو مفهوم جزئي أيضاً، لأنه لا ينطبق إلا على مصداق واحد.
قوة الوهم
فيقال أن هناك قوة ثالثة مودعة في الدماغ، ويقال لها قوة الوهم. الوهم بالمعنى الذي نستعمله أنت، أي أنه مخطئ، لا. قوة الوهم هي اصطلاح جيد. قوة الوهم هي قوة من شأنها أن تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة.
الذهن كخزانة
ثم إن هذه المعاني المدركة أيضاً تحتاج إلى حافظة، تحتاج إلى خزانة. جيد؟ في الذهن نضع فيها هذه المعلومات.
القوة الرابعة: القوة الحافظة
وهي القوة الرابعة، وقد سموها الحافظة، وهي قوة من شأنها أن تحفظ صور الجزئيات غير المحسوسة.
وقد سميت هذه القوة الحافظة، بينما سميت القوة التي تدرك الجزئيات غير المحسوسة قوة الوهم، فبينما تدرك قوة الوهم المعاني الجزئية غير المحسوسة، فإن القوة الرابعة هي قوة حافظة بحتة.
التمييز بين القوتين المدركتين والحافظتين
فصار عندي قوتان مدركتان، وقوتان حافظتان.
فإن عندي قوة تدرك الجزئيات المحسوسة، وهذه لها خزانة تسمى الخيال.
وعندي قوة تدرك الجزئيات غير المحسوسة، وهذه لها خزانة تسمى الجيد، ويقال لها الحافظة، وهي التي تدرك الجزئيات غير المحسوسة، وتسمى قوة الوهم.
القوة الخامسة: القوة المتصرفة
ثم إن عملية تحصيل العلم لا تقتصر على هذه القوى الأربعة، لأننا نجد من أنفسنا أننا ندرك معاني كلية، أو لا ندرك بعض المفاهيم الكلية، كما تقول إنسان وإنسان، وهذا ليس أمراً جزئياً.
وقوة الحس وقوة الحس المشترك إنما تدرك أموراً جزئية، وقوة الوهم إنما تدرك معاني جزئية أيضاً، غاية الأمر أنها لا تكون محسوسة.
تعريف القوة المتصرفة
والقوة الخامسة، ويقال لها القوة المتصرفة، وهي قوة من شأنها أن تتصرف في تلك الصور الجزئية التي أدركها الإنسان في رتبة سابقة، فتركب بعضها من بعض.
مثال على التصرف في الصور
مثال ذلك: عندما أنظر إلى زيد، فإن يندرج وينطبع في ذهني صورة لزيد، وهذه الصورة قد انتزعتها بقوة الحس المشترك، ثم تودع في خزانة هي قوة الخيال.
ثم بعد ذلك، إذا أنظر إلى عمر، فإن يندرج وينطبع في ذهني صورة لعمرو، وتنحفظ أيضاً في خزانه الخيال.
الآن، بعد أن استحضر صورة زيد، وينطبع في ذهني صورة عمرو، ياتي دور القوة المتصرفة، فتقوم هذه القوة بالتصرف في هاتين الصورتين.
فتنتزع صورة ثالثة لا وجود لها في الخارج، وهي عبارة عن إنسان له رأس زيد وبدن عمرو.
يمكن هؤلاء؟ أو كما إذا نظرت إلى زيد، فإن يندرج في ذهني صورته، ثم نظرت إلى عمر، فإن يندرج كذلك، فركبت صورة لشخص له رأسان، أحدهما رأس زيد، والأخر رأس بكر.
طبيعة الصور المتصرفة
فإن مثل هذه الصور لا وجود لها في الخارج، وإذا كان لا وجود لها في الخارج، فلا يمكن أن يحصل عليها الإنسان بواسطة الحواس، لأن الحاسة لا إلا ما كان موجوداً محسوساً في الخارج.
فلا بد أنها قد حصل عليها قد حصل عليها الذهن عن طريق التصرف، فيقال إن القوة المتصرفة تارة تتصور، تتصرف في صور الجزئيات المحسوسة، فيقال لهذه القوة إنها قوة متخيلة.
وتارة تتصرف في صور الجزئيات غير المحسوسة، فيقال لها المتوهمة.
فإن كان التصرف في صور الجزئيات غير المحسوسة، يعني إن كان تصرفاً في الصور المودعة في قوة الخيال، فهذا يقال.
التخيل والتوهم والتعقل
يقال له التخيل، ولذلك يقال: يجب أن يكون عنده متخيله واسعه، ليش؟ لأنه إذا كان قادراً على أن يركب صوراً من صور، كما إذا ركب مثلاً ثغر محبوبه صورة لثغر محبوبته وهي عبارة عن بحر من النفط في وسطه جمر جيد مشع، هذه الصورة لا يمكن أن توجد في الخارج، كيف توجد جمرة في بحر من النفط؟ اصلاً لا يوجد بحر من النفط.
من النفط تمام؟ وثانياً، إذا قرب الجمر من النفط، فسوف يشتعل ذلك النفط مثلاً. تمام؟ ولكن لأن النفط له ذلك اللون الداكن والجمر له ذلك اللون المشع، فقد يصور الشاعر ثغر محبوبته بأنه جمر وسط بحر من النفط. هذه الصورة إنما يحصل عليها الإنسان بواسطة القوة المتخيلة، لأنه تصرف في صور الجزئيات المحسوسة، فانتزع منها صورة لأمور لم يكن موجوداً.
وإذا كان التصرف في الصور المودعة في القوة الحافظة، فهذا يقال له توهم، ولا نريد من التوهم هنا المعنى الخطأ، نريد المعنى الاصطلاحي. طيب، ثم إن كلا من التخيل والتوهم تارة يكون تصرفاً من أجل الحصول على صورة جزئية أخرى، وتارة يكون تصرفاً من أجل الحصول على صورة كلية.
مثال التصرف في المحسوسات أو في الجزئيات لإنتاج جزئي، كما قلنا: تصورت زيداً، ثم اتصور عمراً، ثم ركب صورة لشخص له رأس زيد وبدن عمرو. التفت هذه الصورة، وإن لم يكن لها وجود في الخارج، ولكن لو وجد إنسان في الخارج له رأس زيد وبدن عمرو، هل يكون هذا الموجود جزئياً أو كلياً؟ جزئياً لا ينطبق إلا على فذ، ولكن تارة ثانية قد يكون التصرف في هذه الجزئيات من أجل انتزاع كلي.
كيف؟ كما إذا أخذت صورة زيد، وأخذت صورة عمرو، ثم قارنت بين زيد وبين عمرو، فوجدت أن زيداً وعمراً يشتركان في الرجولة مثلاً، فأنتزع مفهوم رجل، ومفهوم الرجل كما ينطبق على زيد في الخارج، كذلك ينطبق على عمرو.
فالتصرف، إن كان في صور الجزئيات المحسوسة أو غير المحسوسة من أجل الحصول على صورة محسوسة، فهذا يبقى ضمن دائرة التخيل والتوهم. وأما إذا كان التصرف في هذه الجزئيات من أجل العثور على كلي أو على صورة كلية، فهذا هو الذي يقال له التعقل.
ونحن عندما نقول إن الإنسان يتميز عن غيره من أفراد الحيوانات في أن الإنسان يكون مفكراً وعاقلاً، لا نريد أن يعني الإنسان لا يدرك الجزئيات المحسوسة، ولا يدرك الجزئيات غير المحسوسة. الشات الكلب يدرك حبه لابيه، ويدرك حب أبيه له، والكلب يرى ويسمع، ولكن الحيوان عاجز عن الإدراك الكلي. وهذا بخلاف الإنسان، فإنه إنما تميز عن الحيوان في هذه المرتبة الأخيرة من الإدراك، وهي الإدراك الكلي.
القوة المتعقلة المفكرة
القوة المتعقلة المفكرة هي القوة المتصرفة من حيث أنها تنتزع صوراً كلية من صور تلك الجزئيات المحسوسة. وهكذا نعرف أن الكليات انما تنتزع من الجزئيات، والجزئيات انما تنتزع من الحواس الظاهرة الخمسة. ولذلك قيل: «من فقد حساً فقد فقد علماً».
وعلى ذلك كانت الحواس الخمسة رأسمال لجميع هذه الإدراكات.
طبيعة البحث المنطقي
إذا اتضح ذلك، فيقع البحث في أن المنطق هل يبحث في كل هذه القوى، أو أنه يبحث عن بعضها دون بعض. فنقول: أن المنطق لا يبحث في قوة الخيال، ولا يبحث أيضاً في قوى الحافظة. وذلك لأن كلا من الخيال والحافظة قوتان ليس من شأنهما الإدراك، وإنما هما قوتان لتخزين المعلومات.
فإذا ما وقع الخطأ فيهما، فمرجع هذا الخطأ إلى القوة التي ادركت، لا إلى نفس هذه الحافظة. ولذلك من يبتلى بهاتين القوتين هو الذي يبتلى بالنسيان، أو بمرض الزهايمر، أو غير ذلك من الأمراض. هذا لا يعني أنه لا يفكر بطريقة صحيحة، ولكنه لا قدرته على الاحتفاظ بهذه المعلومات التي ادركها.
مجال المنطق في تصحيح الفكر
فالمنطق لما كان يصحح الفكر، فهو انما يبحث عن طريق الإدراك الصحيح. والقوة الخيال لما لم تكن قوة إدراك، بل كانت مجرد حافظة، فلا يبحث المنطق عنها. وانما يختص بحث المنطق في القوة في القوى المدركة، وهي قوة الخيال المفكرة، وقوة الوهم، وقوة القوى المتصرفة.
أما قوة الخيال المفكرة، فهي المتصرفة بشكل عام طيب. أما قوة الخيال، فهذه القوة أيضاً لا يبحث فيها المنطق، لما عرفنا من أن هذه القوة انما تدرك بواسطه الحواس الخمسة. فمنشاها فاذا ما وقع الخطأ فيها، فسوف يكون مرجع هذا الخطأ إلى خطأ في الحواس.
أمثلة على الخطأ الحسي والعضوي
فإذا ما وضعت شيئا في فمك واستطعمت الحلاوة مع كونه مالحاً، هذا الخطأ ممكن ويقع، ولكنه ناتج عن اختلال في الذائقة. والاختلال في الذائقة ليس خطأ فكرياً، وإنما هو خطأ عضوي.
والمنطق انما يبحث لا عن تصحيح كل خطأ، حتى الأخطاء الحسية. يبحث عن تصحيح الخطأ الواقع في الفكر. فهو يبحث عن تصحيح الأخطاء التي مجالها الفكر، والاستدلال، وليس عن الأخطاء التي مجالها الحس.
نعم قد يقع الخطأ في المحسوسات، ولكن هذا مرجعه إلى وجود خلل عضوي في واحدة من الحواس الخمس.
قوة الوهم
وأما القوة الوهمه، فالمنطق انما لا يبحث عن تصحيحها، ليش؟ لما سيأتي أو لما ياتي ان شاء الله في مباحث أوسع من ذلك في نظرية المعرفة.
الكليات والجزئيات
وطيب انما يختص المنطق بالبحث عن الكليات، ولا يبحث المنطق عن الجزئيات. طبعا هذا ليس هداً لقيمة المنطق، لان العلوم حتى تكون كاسبه ومكتسبه يجب ان تكون كليه كما اسلفنا في الدروس السابقة.
تمام؟ ولذلك فان الاستدلال لا قيمة له اذا كان جزئياً.
قيمة الاستدلال والمنطق
يكون للاستدلال قيمة إذا كان كلياً، والمنطق إنما يبحث عن تصحيح الخطأ الفكري، والفكر ليس إلا عبارة عن ادراك الكليات. هذا تمام الكلام في الشق الأول من المبحث الأول.
الفرق بين العلم الحوزي والعلم الحصولي
إذا اتضح ذلك، فالعلم الذي نبحث نحن عنه هو العلم الحوزي، لأن الحوزي لا يقبل الخطأ، والمنطق يبحث عن تصحيح الخطأ وهذا لا خطأ فيه. فما نبحث عنه إنما هو العلم الحوزي، ثم العلم الحوزي.
يتكون عند الإنسان عن طريق هذه المراحل وهذه القوى التي بيناها، ونحن لا نبحث في المنطق عن كل هذه القوى، وإنما نبحث عن خصوص القوة الأخيرة منه التي بها يميز الإنسان عن غيره من أفراد أنواع الحيوان.
تعريف العلم الحوزي
إذا اتضح ذلك، فإن هذا العلم الحوزي الكلي ينقسم إلى قسمين: إلى تصور وإلى تصديق.
نستطيع أن نعرف العلم بأنه حصول صورة الشيء، فلا يرد الإشكال بأن من أفراد العلم ومن أنواع العلم ما لا يحضر صورة الشيء بل يحضر نفس الشيء. نعم، سلمنا، يعني لقال: إنتم عندما تعرفون العلم بأنه حصول صورة الشيء في الذهن، فإنتم قد فُسرت، فهذا التعريف ليس جامعاً وليس شاملاً لكل العلم.
علم، لأن بعض العلم لا يحصل فيه صورة شيء بل يحضر نفس المعلوم. نقول: نعم، سلمنا، ولكن هذا التعريف ليس تعريفاً لكل علم، وإنما هو تعريف للعلم الحوزي. ليش؟ لأننا في المنطق إنما نبحث عن العلم الذي يقبل الخطأ حتى نصححه، وما يقبل الخطأ هو العلم الحوزي، ولذلك عرف العلم الحوزي بأنه حصول صورة الشيء عند العاقل.
نكتب:
نكتفي بهذا المقدار ليومنا هذا.
التناقض بين الشرح والماتن
لا بد أن نطبق على العبارة، ولكن قبل أن نطبق على العبارة، سوف نجد تهافتاً بين ما ذكرناه في الشرح، وبين ما ذكره الماتن قدس سره، ففي العبارة بعض اشتباه منه أعلى الله مقامه.
سوف نشير إلى ذلك عند التطبيق. قال قدس سره: "قلنا إن الله خلق الإنسان مفطوراً على التفكير".
معنى "مفطور على التفكير"
"مفطور على التفكير"، ما معنى؟ يعني أوجد عنده القابلية فقط، الاستعداد. مستعداً لتحصيل المعارف بما أعطي من قوة عقله مفكره. يمتاز بها عن العجماء. ولا بأس ببيان موطن هذا الامتياز.
علاقة المنطق بالعلم
لا بأس ببيان موطن هذا الامتياز من أقسام العلم الذي نبحث عنه، مقدمة لتعريف العلم ولبيان علاقة المنطق به. إذا هو لا بد، إذا إلى الآن يريد أن يبين علاقة المنطق بالعلم.
قال: "إذا ولد الإنسان يولد وهو خالي النفس من كل فكرة وعلم فعلي"، يعني لا يوجد عنده علم موجود بالفعل، سوى هذا الاستعداد الفعلي.
فإذا نشأ وأصبح ينظر ويسمع ويسمع ويذوق ويشم ويلمس، شو يعني يعني اكتملت حواسه الخمسة؟ اكتمالاً عضوياً. نراه يحص حينئذ بما حوله من الأشياء، هذه أي قوة؟ قوة الحس المشترك.
العلم الحسي
نراه يحص بما حوله من الأشياء ويتأثر بها التأثر المناسب، فتنفعل نفسه بها. إذا رأى أباه ارتاح لرؤيته، وإذا وجد إنسانا عابسا في وجهه انزعج منه وبكى. فنعرف أن نفسه التي كانت خالية أصبحت مشغولة بحالة جديدة نسميها العلم، صار عنده حالة جديدة لم تكن موجودة وهي العلم الحسي.
تعريف العلم الحسي
شو يعني الحس؟ هو الحس المشترك الذي هو ليس إلا حس النفس بالأشياء التي تنالها الحواس الخمسة: الباصرة، والسامعة، والشامّة، والذائقة، واللامسة. وهذا العلم الحسي هو أول درجات العلم وهو رأس المال لجميع العلوم التي يحصل عليها الإنسان، ويشاركه فيها سائر الحيوانات التي لها جميع هذه الحواس أو بعضها.
أمثلة على الحواس والحيوانات
بعض الحيوانات ليس لها أذن، مثل الوطواط، ليس له باصره، وهكذا.
تطور مدارك الطفل
ثم تترقى مدارك الطفل فيتصرف ذهنه في صور المحسوسات المحفوظة عنده. ففرض أن قوة الخيال صارت موجودة، يعني القوة الحافظة، يعني الخيال الحافظة للمحسوسات.
قوة الخيال
طيب، فينسب بعضها إلى بعض، هذا أطول من ذاك، وهذا الضوء أنور من الآخر يعني أشد نورا منه، أو مثله. يتصرف ذهنه في صور المحسوسات المحفوظة عنده فينسب بعضها إلى بعض، هذا أطول من ذاك، وهذا الضوء أنور من الآخر. يعني أشد نورا منه، أو مثله ويؤلف بعضها من بعض تأليفا قد لا يكون له وجود في الخارج.
تعريف المتخيلة
صار يتحدث عن القوة التي تتصرف بصور الجزئيات المحسوسة، وهذه ماذا سميناها نحن؟ المتخيلة. المتخيلة، لأن تصرفها في صور الجزئيات المحسوسة. كتالي من صور الأشياء التي يسمع بها ولا يراها، فيتخيل البلدة التي لم يراها.
مثال على التخيل
نحن لم يذهب منا أحد إلى الصين، وعندما يقال الصين نستحضر صورا، ركبناها حقيقة من صور لجزئيات محسوسة قد شاهدناها. لم يرها فيتخيل البلدة التي لم يراها، مؤلفها من الصور الذهنية المعروفة عنده من مشاهداته للبلدان. وهذا هو العلم الخيالي. عجيب كان يفترض أن يقول التخيلي، الخيال حافظه.
الخيال والوهم
فهذا سهو منه يحصل عليه الإنسان بقوة الخيال، والخيال ليست إلا حافظه، وقد يشاركه فيها بعض الحيوانات حسب الطاقة.
التوسع في الإدراك
الموجود، ثم يتوسع في إدراكه إلى أكثر من المحسوسات، فيدرك المعاني الجزئية التي لا مادة لها ولا مقدار، لا تخضع للحواس الخمس. مثل: شوف، حب أبويه له حتى يكون جزئيًا. ما قال مثل الحب، الحب أمر كلي، هذا يحتاج إلى متصرفه. كلام في إدراك صور الجزئيات المحسوسة أو في الجزئيات غير المحسوسة.
الفرق بين الإنسان والحيوان
لابد أن يكون جزئيًا، حب أبويه له يعني الحب الصادر منه لأبيه وعداوه مبغضيه وخوف الخائف وحزن الثاقل وفرح المستبشر. وهذا هو العلم الوهمي يحصل عليه الإنسان كغيره من الحيوانات بقوة الوهم، وهي هذه القوة موضع افتراق الإنسان يعني يشترك مع الحيوان ولكن يفترقان هنا جيد فيترك وهي هذه موضع افتراق الإنسان عن الحيوان.
فيترك الحيوان، يعني يترك الإنسان الحيوان وحده يدبر إدراكاته بالوهم فقط ويصرفها بما يستطيعه من هذه القوة والحول المحدود، ثم يذهب هو أي الإنسان في طريقه وحده متميز عن الحيوان بقوة العقل والفكر التي لا حد لها ولا نهاية، فيدبر بها دفة مدركاته الحسية والخيالية والوهمية، ويميز الصحيح منها عن الفاسد، وينتزع المعاني الكلية من الجزئيات التي إدراكها، فيتعقلها ويقيس بعضها على بعض، وينتقل من معلوم إلى آخر، ويستنتج ويحكم ويتصرف ما شاءت له قدرته العقلية والفكرية.
تعريف العلم الأكمل
وهذا العلم الذي يحصل الإنسان يحصل للإنسان بهذه القوة هو العلم الأكمل الذي كان به الإنسان إنسانًا، فالذي لا يصرف طاقته ووقته على مثل هذا الإدراك الكلي لم يفترق عندنا عن الحيوان في أنه لم يستغل ما انفرد وما تفرد به وما به كان إنسانًا.
ولذلك يقول الله تعالى: {بَلْ هُمْ كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ أَضَلُّوا سَبِيلًا}.
العلوم والمنطق
ولأجل نموه وتكامله وضعت العلوم وألفت الفلسفات، وبه تفاوتت الطبقات واختلفت الناس، وعلم المنطق وضع من بين العلوم لاجل تنظيم تصرفات هذه القوى خوفا من تأثير الوهم.
الوهم والخيال
مش القوى الوهمية الآن، الوهم هذا الذي هو الخطأ، جيد؟ والخيال عليها، تمام؟ هو الوهم بهذا المعنى، هو يرجعان إلى بعضهما البعض، ولكن بطريقة لا نريد نعرفها في الجزء الثالث من هذا الكتاب. طيب، والخيال عليها ومن ذهابها في غير الصراط المستقيم لها.
قد تسأل على أي نحو تحصل للإنسان هذه الإدراكات؟
مقدمة في كيفية حصول الإدراكات
ونحن قد قربنا لك فيما مضى نحو حصول هذه الإدراكات، بينا لك كيف تحصل بعض الشيء، ولزيادة التوضيح نكلفك أن تنظر إلى شيء أمامك ثم تطبق عينيك موجها نفسك نحوه، فستجد في نفسك كأنك لا تزال مفتوح العينين تنظر إليه، وكذلك إذا سمعت دقات الساعة مثلا ثم سددت أذنيك موجها نفسك نحوه نحوها، فستحس من نفسك كانك لا تزال تسمعها.
تعريف الإدراك والعلم
وهكذا في كل حواسك، إذا جربت مثل هذه الأمور ودقتها جيدا، يسهل عليك أن تعرف أن الإدراك أو العلم انما هو انطباع صور الأشياء في نفسك. لا فرق بين مدركاتك في جميع مراتبها كما تنطبع صور الأشياء، وين؟ في المراه، ولذلك عرفوا العلم بانه حضور صوره الشيء عند العاقل.
تحليل الفروق بين التعبيرين
طيب، أو فقل: انطباع صور الأشياء، وين؟ في العقل. طيب، التفت إلى هذه العبارة الأخيرة: لا فرق بين التعبيرين في المقصود. التفت، العبارة الأولى: ما هي؟ حضور صوره الشيء عند العقل. العبارة الثانية: ما هي؟ انطباع صوره الشيء في العقل.
استنتاج الفارق المعنوي
ثم قال: لا فرق بين هذين التعبيرين في المقصود. عندما اقول لا يوجد مغايرة في المقصود، فهذا يعني أنه يوجد مغايرة في المعنى، أو لا. ولكن انا لا اقصد هذه المغايرة، لو كان هذا التعبير الاول هو نفس التعبير الثاني لقال لا فرق بينهما في المعنى، يعني هما مترادفان.
توضيح الفارق بين المقصود والمعنى
وهو عندما قال لا فرق بينهما في المقصود، اذا فبين هذين التعبيرين يوجد فارق معنوي، ولكن الماتم لا يقصده. ما هو هذا الفارق المعنوي؟ يقع الكلام في بيان الفوارق بين هذين التعبيرين، ان شاء الله ياتي، والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وال محمد.
