منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 35

تحميل Word

035

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْخَلْقِ وَأَعَزِّ الْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ (صلى الله عليه وآله)، وَسَلَّمَ.

وَصَلَتْ نَوْبَةُ الْكَلَامِ إِلَى الاعتراض الثاني، وَحَاصِلُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ أَنَّنَا فِي تَقْسِيمِنَا لِلْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَةِ إِلَى أَنْوَاعِهَا الْخَمْسَةِ؛ إِلَى نَوْعٍ وَجِنْسٍ وَفَصْلٍ وَخَاصَّةٍ وَعَرْضٍ عَامٍّ، لَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَقْسَمَ هُوَ الْكُلِّيُّ الْمَحْمُولُ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَخْتَلِفُ حَالُ هَذَا الْكُلِّيِّ بِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ الَّذِي يُقَاسُ إِلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ الْكُلِّيُّ مَحْمُولاً عَلَى شَيْءٍ هُوَ ذَاتِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَحْمُولاً عَلَى شَيْءٍ آخَرَ فَيُصْبِحُ عَرَضِيّاً لَهُ.

وَإِذَا كَانَ الْمَقْسَمُ هُوَ الْكُلِّيَّ الْمَحْمُولَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ كُلِّيٍّ مَحْمُولٍ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ؛ لِأَنَّ تَقْسِيمَ الْكُلِّيَّةِ إِلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ بِحَسَبِ الْفَرْضِ تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ. إِذَا اتَّضَحَ ذَلِكَ، فَإِنَّ حَاصِلَ الِاعْتِرَاضِ أَنَّ بَعْضَ الْمَحْمُولَاتِ هِيَ مَحْمُولَاتٌ كُلِّيَّةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَتَّصِفُ بِوَاحِدٍ مِنَ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ، وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ.

هَذِهِ الْجُمْلَةُ، هَذِهِ الْقَضِيَّةُ إِذَا مَا قِيلَتْ، فَإِنَّنَا نُعْرِبُ "الْإِنْسَانَ" مُبْتَدَأً، ثُمَّ إِنَّنَا نُخْبِرُ عَنِ الْإِنْسَانِ لَا بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ فَقَطْ، وَلَا بِأَنَّهُ نَاطِقٌ فَقَطْ، وَإِنَّمَا نُخْبِرُ عَنْهُ بِمَجْمُوعِ حَيْثِيَّتَيِ الِاشْتِرَاكِ وَالِافْتِرَاقِ، فَنَقُولُ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ. فَمَا حُمِلَ عَلَى الْإِنْسَانِ لَيْسَ عِبَارَةً عَنِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَحْدَهَا؛ إِذْ لَمْ نَقُلِ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَلَا عِبَارَةً عَنِ النَّاطِقِيَّةِ وَحْدَهَا؛ إِذْ لَمْ نَقُلْ: إِنَّ الْإِنْسَانَ نَاطِقٌ، وَإِنَّمَا مَا حُمِلَ عَلَى الْإِنْسَانِ هُوَ الْحَيَوَانِيَّةُ النَّاطِقِيَّةُ، الَّتِي لَيْسَتْ إِلَّا عِبَارَةً ثَانِيَةً عَنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ. فَقَوْلُنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، هُوَ فِي قُوَّةِ قَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ.

فَمَا مَعْنَى الْإِنْسَانِ؟ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ. جَيِّدٌ؟ فَقَدْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ وَيُسَمَّى بِالْحَدِّ التَّامِّ. لَيْشَ يُسَمَّى بِالْحَدِّ التَّامِّ؟ كُلَّمَا عُرِّفَ الشَّيْءُ بِجِنْسِهِ الْقَرِيبِ وَفَصْلِهِ الْقَرِيبِ فَيُسَمَّى حَدّاً تَامّاً عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدَّ هُوَ أَتَمُّ الْحُدُودِ، لِأَنَّ فِيهِ ذِكْراً لِكُلِّ الْمُشْتَرَكَاتِ وَلِكُلِّ الِافْتِرَاقَاتِ -جَيِّدٌ؟- أَوْ فَقُلْ: لِأَنَّهُ يَذْكُرُ جَمِيعَ الذَّاتِيَّاتِ -جَيِّدٌ؟-.

كَيْفَ كَانَ؟ عِنْدَمَا يُخْبَرُ عَنِ الشَّيْءِ، وَعِنْدَمَا يُعَرَّفُ الشَّيْءُ بِحَدِّهِ التَّامِّ الَّذِي لَيْسَ إِلَّا عِبَارَةً عَنْ نَفْسِ ذَلِكَ المُعَرَّفِ، فَحِينَئِذٍ يَرِدُ الْإِشْكَالُ؛ فِي أَنَّ هَذَا الْحَدَّ التَّامَّ الَّذِي وَقَعَ مَحْمُولاً فِي الْقَضِيَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاحِداً مِنْ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَةِ.

أَمَّا امْتِنَاعُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الذَّاتِيَّاتِ -يَعْنِي فِي قَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، هَذَا هُوَ الْمَحْمُولُ: الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ- هَذَا الْمَحْمُولُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الذَّاتِيَّاتِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّاتِيَّاتِ ثَلَاثَةٌ؛ إِمَّا الْجِنْسُ أَوْ النَّوْعُ أَوْ الْفَصْلُ. وَالْحَيَوَانُ النَّاطِقُ لَيْسَ نَوْعاً لِلْإِنْسَانِ، لَا يُقَالُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ أَنْوَاعٌ وَمِنْ أَنْوَاعِهِ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ؛ فَالْإِنْسَانُ لَيْسَ نَوْعاً مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ، هُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ مُطْلَقِ الْحَيَوَانِ، وَلَا الْحَيَوَانُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوجَدُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ تَحْتَهُ أَفْرَادٌ، فَالْحَيَوَانُ النَّاطِقُ لَيْسَ نَوْعاً لِلْإِنْسَانِ وَلَا جِنْساً لَهُ وَلَا فَصْلاً، لِأَنَّ الْجِنْسَ وَالْفَصْلَ أَجْزَاءُ الْمَاهِيَّةِ، وَالْحَيَوَانُ النَّاطِقُ هَا هُنَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَصْدُقُ أَنَّ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ هَا هُنَا مِنَ الذَّاتِيَّاتِ.

لَيْشَ؟ لِأَنَّ الذَّاتِيَّاتِ ثَلَاثَةٌ جَيِّدٌ، أَمَّا الْجِنْسُ وَالْفَصْلُ فَهُمَا أَجْزَاءُ الْمَاهِيَّةِ، وَالْحَيَوَانُ النَّاطِقُ هُوَ تَمَامُ مَاهِيَّةِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ عَيْنُ مَاهِيَّةِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا النَّوْعُ فَلِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ أَنَّ هَذَا الْمَحْمُولَ نَوْعٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قِيسَ إِلَيْهِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَوْضُوعِهِ، كَمَا فِي قَوْلِنَا: زَيْدٌ إِنْسَانٌ؛ الْإِنْسَانُ نَوْعٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْضُوعِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ هُنَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَوْعاً، بَلْ إِنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا الْمَحْمُولِ بِالذَّاتِيِّ مُشْكِلَةٌ، لِأَنَّ الذَّاتَ إِنَّمَا سُمِّيَ ذَاتِيّاً لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إِلَى الذَّاتِ، وَالشَّيْءُ لَا يُنْسَبُ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْحَيَوَانُ النَّاطِقُ هَا هُنَا لَيْسَ إِلَّا عِبَارَةً عَنِ الْإِنْسَانِ فَهُوَ نَفْسُهُ، وَالشَّيْءُ لَا يُنْسَبُ إِلَى نَفْسِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى نَفْسِهِ.

وَأَمَّا امْتِنَاعُ أَنْ يَكُونَ عَرَضِيّاً فَوَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ لَمَّا كَانَ هُوَ عَيْنَ الْإِنْسَانِ حَقِيقَةً، فَلَيْسَ خَارِجاً عَنْ مَوْضُوعِهِ، فَلَا يَصْدُقُ أَنَّ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ خَارِجٌ عَنْ مَوْضُوعِ الْإِنْسَانِ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ عَرَضِيٌّ. فَصَارَ هَا هُنَا مَحْمُولٌ كُلِّيٌّ وَهُوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَةِ.

وَلَا يُجْدِي فِي التَّخَلُّصِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ مَا ذَكَرْنَاهُ جَوَاباً فِي الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّنَا فِي الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ -حَتَّى نَتَخَلَّصَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ المشكلة، يعني كان الاشكال الاول هو عين الاشكال الثاني حقيقة، ولكن مع اختلاف في المصاديق، في أمثلة الاشكال، في الـ...- فِي الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ فَرَّقْنَا بَيْنَ الْحَمْلِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ وَبَيْنَ حَمْلِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ، تَارَةً نَقُولُ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَتَارَةً نَقُولُ: الْحَيَوَانُ إِنْسَانٌ. وَهُنَا الْحَمْلُ لَيْسَ حَمْلاً لِلْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، وَلَا حَمْلاً لِلْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ، وَإِنَّمَا هُوَ حَمْلٌ لِلْمُسَاوِي عَلَى الْمُسَاوِي، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُجْدِي فِي التَّخَلُّصِ مِنَ الْإِشْكَالِ أَنْ نَقُولَ إِنَّ هَذَا حَمْلٌ لِلْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ فَيَخْرُجُ عَنِ الدَّائِرَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَابُدَّ مِنْ جَوَابٍ آخَرَ فِي الْمَقَامِ.

حقيقة الحمل والاتحاد وأقسامه

حَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّ الْحَمْلَ، عِنْدَمَا نَقُولُ حَمْلُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ، فَمَعْنَى الْحَمْلِ هُوَ الِاتِّحَادُ؛ لِأَنَّ حَمْلَ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ شَيْئَيْنِ فِي رُتْبَةٍ سَابِقَةٍ ثُمَّ يَرْبِطُ الذِّهْنُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةٍ تُسَمَّى هَذِهِ النِّسْبَةُ الْحُكْمَ. فَالْحُكْمُ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرٍ نَفْسَانِيٍّ تُصْدِرُهُ النَّفْسُ لِتُوجِدَ اتِّحَاداً بَيْنَ شَيْئَيْنِ، كَمَا فِي مِثْلِ قَوْلِنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ؛ فَإِنَّ الذِّهْنَ يَسْتَحْضِرُ مَفْهُومَ زَيْدٍ وَيَسْتَحْضِرُ مَفْهُومَ الْقِيَامِ، ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِيجَادِ اتِّحَادٍ بَيْنَ مَفْهُومِ زَيْدٍ وَبَيْنَ مَفْهُومِ الْقِيَامِ، لَا بِإِيجَادِ وَحْدَةٍ؛ وَإِلَّا فَإِنَّ زَيْداً مَفْهُومٌ كَمَفْهُومِ زَيْدٍ غَيْرُ مَفْهُومِ الْقِيَامِ، مَا نَفْهَمُهُ مِنْ لَفْظِ زَيْدٍ غَيْرُ مَا نَفْهَمُهُ مِنْ لَفْظِ الْقِيَامِ، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ الْآخَرِ حَقِيقَةً، هُمَا اثْنَانِ وَلَيْسَا أَمْراً وَاحِداً، وَلَكِنَّهُ يُوجِدُ بَيْنَهُمَا اتِّحَاداً لَا وَحْدَةً، فَالْحُكْمُ لَا يُصَيِّرُ الشَّيْئَيْنِ شَيْئاً وَاحِداً وَإِنَّمَا يُوجِدُ بَيْنَهُمَا اتِّحَاداً فِي عَالَمٍ مِنَ الْعَوَالِمِ كَمَا سَوْفَ يَتَّضِحُ.

فَالْحَمْلُ عِبَارَةٌ عَنِ الْحُكْمِ عَلَى أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالْآخَرِ، أَوْ فَقُلْ: الْحَمْلُ عِبَارَةٌ عَنِ الِاتِّحَادِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. وَإِذَا كَانَ الْحَمْلُ عِبَارَةً عَنِ الِاتِّحَادِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَالِاتِّحَادُ يَحْتَاجُ إِلَى جِهَةِ مُنَاسَبَةٍ وَيَحْتَاجُ إِلَى جِهَةِ مُغَايَرَةٍ.

أَمَّا احْتِيَاجُهُ إِلَى جِهَةِ مُنَاسَبَةٍ؛ فَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَمَا صَحَّ الِاتِّحَادُ بَيْنَهُمَا، وَلِذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ الْمُبَايِنَ لَا يُحْمَلُ عَلَى مُبَايِنِهِ، فَلَا يُقَالُ: زَيْدٌ حَجَرٌ، أَوِ الْإِنْسَانُ حَجَرٌ مَثَلاً، وَإِنَّمَا يُقَالُ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ؛ لِوُجُودِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ؛ إِذْ أَحَدُهُمَا جُزْءُ مَاهِيَّةِ الْآخَرِ. فَالِاتِّحَادُ أَوِ الْحَمْلُ لَمَّا كَانَ اتِّحَاداً وَكَانَ هَذَا الِاتِّحَادُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، عُلِمَ أَنَّ كُلَّ حَمْلٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَمْرَيْنِ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: وُجُودُ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ حَتَّى يَصِحَّ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، حَمْلُ الْمُبَايِنِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنَاسَبَةٌ لَمَا... لَكَانَ هُنَاكَ تَبَايُنٌ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْمُبَايِنِ عَلَى مُبَايِنٍ. طَيِّبْ، هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَمْلَ هُوَ اتِّحَادٌ.

وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا الِاتِّحَادَ اتِّحَادٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جِهَةُ تَغَايُرٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَغَايُرٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَمَا كَانَا شَيْئَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَا شَيْئاً وَاحِداً؛ لِأَنَّ الِاثْنِيَّةَ فَرْعُ التَّغَايُرِ وَالِاخْتِلَافِ. فَإِذَا فَرَضْنَا أَنَّ شَيْئَيْنِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ مِنْ أَيِّ وَاجِهَةٍ، لَمْ يَكُونَا شَيْئَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَا شَيْئاً وَاحِداً، وَإِذَا كَانَا شَيْئاً وَاحِداً فَلَا مَعْنَى لِلْحَمْلِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا لَا يُفِيدُ.

إِذًا، الْحَمْلُ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ حُكْمِ النَّفْسِ وَإِذْعَانِهَا بِثُبُوتِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ، وَمَعْنَى هَذَا الثُّبُوتِ هُوَ الِاتِّحَادُ بَيْنَهُمَا، عُلِمَ أَنَّ كُلَّ حَمْلٍ فَهُوَ اتِّحَادٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. وَلِجِهَةِ كَوْنِ الْحَمْلِ اتِّحَاداً وَجَبَ وُجُودُ جِهَةِ تَنَاسُبٍ، وَلِجِهَةِ كَوْنِ الِاتِّحَادِ وَاقِعاً بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَجَبَ وُجُودُ جِهَةِ تَغَيُّرٍ.

ثُمَّ إِنَّ الْحَمْلَ -الَّذِي هُوَ الِاتِّحَادُ- تَارَةً يَكُونُ اتِّحَاداً فِي الْمِصْدَاقِ، وَأُخْرَى يَكُونُ اتِّحَاداً فِي الْمَفْهُومِ وَالْمِصْدَاقِ. تَارَةً يَكُونُ الِاتِّحَادُ اتِّحَاداً فِي الْمَفَاهِيمِ، وَتَارَةً يَكُونُ اتِّحَاداً فِي الْمَفْهُومِ وَالْمِصْدَاقِ.

اتِّحَاداً فِي الْمَصَادِقِ: أَمَّا إِذَا كَانَ الِاتِّحَادُ اتِّحَاداً فِي الْمِصْدَاقِ، فَكَمِثْلِ قَوْلِنَا: زَيْدٌ قَائِمٌ. شُفْ عَلَى مُسْتَوَى الذِّهْنِ، مَفْهُومُ زَيْدٍ مُبَايِنٌ لِمَفْهُومِ الْقِيَامِ أَوْ لَا؟ مُبَايِنٌ. يَعْنِي عَلَى مُسْتَوَى الْمَفَاهِيمِ، الْمَفَاهِيمُ إِمَّا مُتَرَادِفَةٌ وَإِمَّا مُتَبَايِنَةٌ. فَعَلَى مُسْتَوَى الذِّهْنِ، عَلَى مُسْتَوَى الْمَفْهُومِ، مَفْهُومُ زَيْدٍ يُغَايِرُ مَفْهُومَ الْقِيَامِ، إِذًا فَهُوَ مُبَايِنٌ لَهُ، فَلَا يُوجَدُ اتِّحَادٌ بَيْنَهُمَا عَلَى مُسْتَوَى الْمَفْهُومِ. نَعَمْ، عَلَى مُسْتَوَى الْمِصْدَاقِ يُوجَدُ اتِّحَادٌ بَيْنَهُمَا، بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا الَّذِي هُوَ زَيْدٌ فِي الْخَارِجِ، هُوَ بِنَفْسِهِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ إِنَّهُ قَائِمٌ، لَا أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ يُوجَدُ زَيْدٌ بِوُجُودٍ مُسْتَقِلٍّ وَيُوجَدُ قَائِمٌ آخَرُ بِوُجُودٍ مُسْتَقِلٍّ، بَلْ زَيْدٌ الَّذِي فِي الْخَارِجِ لَيْسَ هُوَ إِلَّا عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْقَائِمِ، غَايَةَ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّنِي تَارَةً أُلَاحِظُ هَذَا الْمَوْجُودَ الْخَارِجِيَّ وَأُقَارِنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقْرَانِهِ بِالتَّسْمِيَةِ فَأَنْتَزِعُ عَنْهُ مَفْهُومَ زَيْدٍ، وَتَارَةً أَنْظُرُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَأُقَارِنُ بَيْنَ الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ لَهُ وَبَيْنَ الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ لِغَيْرِهِ فَأَنْتَزِعُ مَفْهُومَ الْقِيَامِ.

إِذًا، فَتَعَدُّدُ الْمَفَاهِيمِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنْ تَعَدُّدِ النَّظَرِ إِلَى الْخَارِجِ وَاخْتِلَافِ طَرِيقَةِ مُلَاحَظَةِ الْخَارِجِ، فَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْخَارِجِ قَدِ انْتَزَعْنَا عَنْهُ مَفَاهِيمَ مُتَعَدِّدَةً فِي الذِّهْنِ. فَالِاتِّحَادُ إِذًا مَا هُوَ؟ اتِّحَادٌ مِصْدَاقِيٌّ، أَيْ أَنَّ الذِّهْنَ عِنْدَمَا يَحْكُمُ بِالْقِيَامِ عَلَى زَيْدٍ، فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ هُوَ الْحِكَايَةُ عَنْ وُجُودِ اتِّحَادٍ بَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ مِشْ فِي الذِّهْنِ، عَنْ اتِّحَادٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمِصْدَاقِ؛ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْخَارِجِ -وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الذِّهْنِ غَيْرَ الْآخَرِ-.

هَذَا النَّحْوُ مِنَ الِاتِّحَادِ لَا إِشْكَالَ فِي إِمْكَانِهِ؛ لَيْشَ؟ لِأَنَّ الِاتِّحَادَ لَمَّا كَانَ عَلَى... عَفْواً، لِأَنَّ الِاتِّحَادَ لَمَّا كَانَ اتِّحَاداً وَالْحَمْلَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ كَمَا عَرَفْنَا عَنْهُ لَابُدَّ لَهُ مِنْ جِهَةِ اتِّحَادٍ وَجِهَةِ افْتِرَاقٍ، فَلَمَّا كَانَ الِاتِّحَادُ وَالتَّنَاسُبُ مِنْ جِهَةِ الْمِصْدَاقِ، صَحَّ أَنْ نَفْرِضَ -أَوْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَغَايُرٌ وَيْنَ؟- مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ، فَصَارَ بِحَيْثُ يَصِحُّ مِثْلُ هَذَا الْحَمْلِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى جِهَةِ تَنَاسُبٍ تُمَكِّنُ مِنَ الِاتِّحَادِ، وَعَلَى جِهَةِ تَغَايُرٍ اثْنِيَّةٍ. جَيِّدٌ؟ تَحَقَّقَتِ الِاثْنِيَّتَانِ فَيَصِحُّ الْحَمْلُ، وَلِذَلِكَ صَحَّ الْحَمْلُ؛ لِأَنَّ الِاتِّحَادَ لَمَّا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمِصْدَاقِ فَقَطْ جَيِّدٌ صَحَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَغَايُرٌ مِنْ جِهَةِ -مِشْ صَحَّ يعني وَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّغَايُرُ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْحَمْلُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ كَمَا يَقْتَضِي جِهَةَ اشْتِرَاكٍ يَقْتَضِي جِهَةَ افْتِرَاقٍ، كَمَا يَقْتَضِي جِهَةَ تَنَاسُبٍ وَاتِّحَادٍ يَقْتَضِي جِهَةَ تَغَايُرٍ وَافْتِرَاقٍ-.

إِذًا، النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ الِاتِّحَادِ أَنْ يَكُونَ الِاتِّحَادُ فِي الْمِصْدَاقِ، وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّغَايُرُ وَيْنَ؟ فِي الْمَفْهُومِ. وَمِثْلُ هَذَا الِاتِّحَادِ -يَعْنِي الِاتِّحَادَ الْمِصْدَاقِيَّ مَعَ التَّغَايُرِ الْمَفْهُومِيِّ- هَذَا الْحَمْلُ هُوَ الْحَمْلُ الشَّائِعُ فِيمَا بَيْنَنَا، وَهُوَ الْحَمْلُ الَّذِي نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الدَّوَامِ، وَهُوَ الَّذِي نَسْتَعْمِلُهُ فِي الصِّنَاعَاتِ وَفِي الْعُلُومِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ إِنَّهُ حَمْلٌ شَائِعٌ صِنَاعِيٌّ. وَهَذَا الْمَعْنَى لِلْحَمْلِ الشَّائِعِ الصِّنَاعِيِّ غَيْرُ مَعْنَى الْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ وَالْحَمْلِ الشَّائِعِ الَّذِي تَقَدَّمَ وَيْنَ؟ عِنْدَمَا كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ أَنَّنَا تَارَةً نَحْكُمُ عَلَى مَفْهُومِ الْمَوْضُوعِ وَتَارَةً نَحْكُمُ عَلَى مِصْدَاقِهِ، سَوْفَ نُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاصْطِلَاحَيْنِ بَعْدَ أَنْ نَنْتَهِيَ مِنَ الْبَحْثِ.

طَيِّبْ، هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَمْلِ مِنَ الِاتِّحَادِ. وَتَارَةً ثَانِيَةً: لَا يَكُونُ الِاتِّحَادُ عَلَى مُسْتَوَى الْمِصْدَاقِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ الِاتِّحَادُ عَلَى مُسْتَوَى الْمَفْهُومِ. وَعِنْدَمَا يَكُونُ الِاتِّحَادُ عَلَى مُسْتَوَى الْمَفْهُومِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اتِّحَادٌ أَيْضاً عَلَى مُسْتَوَى الْمِصْدَاقِ؛ إِذِ الْمَفْهُومُ لَيْسَ إِلَّا تَعْبِيراً -تَأْثِيراً ذِهْنِيّاً- عَنْ ذَلِكَ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ. جَيِّدٌ؟ فَإِذَا كَانَ الْحَاكِي وَاحِداً فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكِيُّ وَاحِداً، وَمِنْ هُنَا كُلَّمَا كَانَ هُنَاكَ اتِّحَادٌ فِي الْمَفْهُومِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اتِّحَادٌ وَاحِدٌ فِي الْمِصْدَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ إِلَّا صُورَةً تَحْكِي عَنِ الْوَاقِعِ الْخَارِجِيِّ، فَإِذَا كَانَتِ الصُّورَتَانِ شَيْئاً وَاحِداً فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمِصْدَاقُ حِينَئِذٍ شَيْئاً وَاحِداً.

وَمِنْ هُنَا يُشْكِلُ حِينَئِذٍ مِثْلُ هَذَا الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ لَا يُوجَدُ فِيهِ جِهَةُ افْتِرَاقٍ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ جِهَةُ اتِّحَادٍ وَتَنَاسُبٍ، وَذَلِكَ كَمَا يُقَالُ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ؛ فَإِنَّ الْحَيَوَانِيَّةَ النَّاطِقِيَّةَ مَفْهُوماً هِيَ عَيْنُ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُعَرِّفَ لِيَ الْإِنْسَانَ فَلَا تَقُولُهُ فِي تَعْرِيفِهِ إِلَّا الْحَ... إِلَّا حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، فَالْحَيَوَانِيَّةُ النَّاطِقِيَّةُ هِيَ عَيْنُ مَفْهُومِ الْإِنْسَانِ حَقِيقَةً. وَإِذًا فَيُوجَدُ اتِّحَادٌ بَيْنَهُمَا عَلَى مُسْتَوَى الْمَفْهُومِ، حَتَّى لَا يُوجَدَ اتِّحَادٌ -يُوجَدُ وَحْدَةٌ- وَإِذَا وُجِدَ اتِّحَادٌ وَوَحْدَةٌ بَيْنَهُمَا بَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ وَحْدَةٌ بَيْنَهُمَا مِصْدَاقاً أَيْضاً، إِنَّهُ إِذَا كَانَ مَا نَفْهَمُهُ مِنْ لَفْظِ الْإِنْسَانِ هُوَ نَفْسَ مَا نَفْهَمُهُ مِنْ لَفْظِ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ، فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ الْأَوَّلُ هُوَ عَيْنُ مَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ الثَّانِي.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَمْلِ لِكَيْ يَصِحَّ لَابُدَّ أَنْ نَفْرِضَ فِيهِ جِهَةَ افْتِرَاقٍ وَتَغَايُرٍ. وَمِنْ هُنَا أَنَّ الَّذِي صَحَّحَ الْحَمْلَ هَا هُنَا وَأَجَازَ أَنْ نَقُولَ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، هُوَ وُجُودُ جِهَةِ تَغَايُرٍ بَيْنَهُمَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّغَايُرَ لَيْسَ عَلَى مُسْتَوَى الْمَفْهُومِ وَلَا عَلَى مُسْتَوَى الْمِصْدَاقِ، وَإِنَّمَا التَّغَايُرُ هَا هُنَا عَلَى مُسْتَوَى الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ؛ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ وَإِنْ كَانَ هُوَ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ فِيهِ تَفْصِيلٌ لِجُزْئِيَّاتٍ وَلِذَاتِيَّاتِ الْإِنْسَانِ، وَالْإِنْسَانَ تَعْبِيرٌ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ عَنْ هَذَا الْمَفْهُومِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ التَّغَايُرِ كَافٍ لِتَصْحِيحِ الحَقِّ... الْحَمْلِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ أَقْصَى مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ وُجُودُ جِهَةِ تَغَايُرٍ وَجِهَةِ اتِّحَادٍ، وَالْمَفْهُومَانِ وَإِنْ كَانَا مُتَّحِدَيْنِ -يَعْنِي كُلٌّ مِنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَإِنْ كَانَا مُتَّحِدَيْنِ مَفْهُوماً وَمِصْدَاقاً- وَلَكِنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ إِجْمَالاً وَتَفْصِيلاً؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ وَلَكِنْ مُجْمَلاً، وَالْحَيَوَانَ النَّاطِقَ هُوَ الْإِنْسَانُ وَلَكِنْ مُفَصَّلاً. وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ التَّغَايُرِ وَإِنْ كَانَ تَغَايُراً اعْتِبَارِيّاً -لَيْسَ تَغَايُراً وَاقِعِيّاً، لَا يُوجَدُ تَغَايُرٌ فِي الْوَاقِعِ وَفِي الْحَقِيقَةِ، هَذَا لَيْسَ تَغَايُراً، هُوَ تَغَايُرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَتَغَايُرٌ تَحْلِيلِيٌّ. جَيِّدٌ؟- وَإِيجَادٌ لِلْمُغَايَرَةِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّحْلِيلِ، وَإِلَّا فَفِي الْوَاقِعِ زَيْدٌ أَوِ الْإِنْسَانُ الَّذِي فِي الْخَارِجِ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ، وَالْمَفْهُومُ الَّذِي فِي الذِّهْنِ أَحَدُهُمَا عَيْنُ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا الْفَارِقُ فَارِقٌ اعْتِبَارِيٌّ، تَغَايُرٌ اعْتِبَارِيٌّ، وَهَذَا كَافٍ فِي تَصْحِيحِ الْحَمْلِ.

وَيُقَالُ لِمِثْلِ هَذَا الْحَمْلِ إِنَّهُ حَمْلٌ ذَاتِيٌّ أَوَّلِيٌّ. أَمَّا تَسْمِيَتُهُ بِأَنَّهُ ذَاتِيٌّ مِشْ فَلَأَنَّهُ يَأْتِي أَوَّلاً وَبِالذَّاتِ مِثْلَ مَا كُنَّا نَقُولُهُ فِي الِاصْطِلَاحِ الْمَاضِي -سَوْفَ نُعِيدُ التَّذْكِيرَ بِالِاصْطِلَاحِ الْمَاضِي وَسَوْفَ نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا-: لِمَ يُسَمَّى حَمْلاً ذَاتِيّاً؟ لِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ دَائِماً يَكُونُ فِي الذَّاتِيَّاتِ لَا فِي الْعَرَضِيَّاتِ، يَعْنِي لَيْشَ؟ لِأَنَّهُ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ حَقِيقَةً، جَيِّدٌ؟ وَحَمْلُ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ عَلَى نَوْعِهِمَا، وَالْجِنْسُ وَالْفَصْلُ ذَاتِيَّانِ لِلنَّوْعِ، فَيُسَمَّى ذَاتِيّاً لِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ مَوْرِدُهُ الذَّاتِيَّاتُ، وَلَا يَكُونُ فِي الْعَرَضِيَّاتِ، لِأَنَّ الْعَرَضِيَّاتِ دَائِماً سَوْفَ يَكُونُ هُنَاكَ تَغَايُرٌ مَفْهُومِيٌّ وَاتِّحَادٌ مِصْدَاقِيٌّ.

وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ بِأَنَّهُ أَوَّلِيٌّ، فَلِأَنَّ الْأَوَّلِيَّ بِمَعْنَى الْبَدِيهِيِّ هَا هُنَا، وَهَذَا الْحَمْلُ بَدِيهِيٌّ؛ لَيْشَ؟ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتٍ. هَلْ أَنَا أَقُولُ مَثَلاً: أَنَا لَسْتُ أَنَا؟ تَقُولُ: لَا لَسْتَ أَنْتَ أَوْ لَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ أَنْتَ، إِذًا أَنَا أَنَا. هَلْ إِذًا تَقُولُ: الْإِنْسَانُ حَجَرٌ؟ جَيِّدٌ؟ تَنْفِي الْحَجَرِيَّةَ عَنْهُ وَتَنْفِي كُلَّ شَيْءٍ مَا عَدَا عَنْهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ تُثْبِتَ نَقِيضَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَنَقِيضُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ هِيَ نَفْسُ إِنْسَانِيَّتِي. فَإِذَا سُئِلْتَ: هَلِ الْإِنْسَانُ لَيْسَ إِنْسَاناً؟ فَمَاذَا سَوْفَ يَكُونُ الْجَوَابُ؟ بِالنَّافِي، وَنَفْيُ النَّافِي إِثْبَاتٌ، إِذًا فَقَدْ أَخْبَرْتَ عَنِ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ إِنْسَانٌ. فَقَوْلُنَا: الْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ، هُوَ حَمْلٌ لِلشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ حَقِيقَةً.

إِذَا اتَّضَحَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَاتِنَ (قَدَّسَ سِرَّهُ) يُعَالِجُ الْإِشْكَالَ الْمُتَقَدِّمَ -وَهْوَ حَمْلُ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ عَلَى الْإِنْسَانِ-. مَاذَا كَانَ الْإِشْكَالُ؟ أَنَّ حَمْلَ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ عَلَى الْإِنْسَانِ هُوَ كُلِّيٌّ مَحْمُولٌ وَلَيْسَ وَاحِداً مِنَ الذَّاتِيَّاتِ وَلَا مِنَ الْعَرَضِيَّاتِ.

إِذَا اتَّضَحَ ذَلِكَ، فَالْمَاتِنُ (قَدَّسَ سِرَّهُ) يُعَالِجُ هَذَا الِاعْتِرَاضَ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى قِسْمَيْنِ:

١- حَمْلٌ ذَاتِيٌّ أَوَّلِيٌّ: وَهُوَ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا الْحَمْلُ لِجِهَةِ كَوْنِهِ حَمْلاً فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ جِهَةِ اتِّحَادٍ وَجِهَةِ افْتِرَاقٍ، غَايَةَ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّ الِاتِّحَادَ مَفْهُومِيٌّ -وَمِصْدَاقِيٌّ أَيْضاً، جَيِّدٌ؟- وَالتَّغَايُرَ اعْتِبَارِيٌّ وَعَلَى مُسْتَوَى الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ.

٢- وَحَمْلٌ آخَرُ وَهُوَ الْحَمْلُ الشَّائِعُ الصِّنَاعِيُّ: وَهُوَ حَمْلُ الْمُتَغَايِرَيْنِ مَفْهُوماً وَالْمُتَّحِدَيْنِ مِصْدَاقاً.

إِذَا اتَّضَحَ أَنَّ هُنَاكَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْحَمْلِ، فَإِنَّ الْمَقْسَمَ إِلَى هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَةِ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ كُلِّ كُلِّيٍّ مُحْكَمٍ مَحْمُولٍ بِأَيِّ حَمْلٍ مِنْ هَذَيْنِ النَّحْوَيْنِ، بَلِ الْمَقْسَمُ هُوَ الْكُلِّيُّ الْمَحْمُولُ بِالْحَمْلِ الشَّائِعِ الصِّنَاعِيِّ. وَأَمَّا الْمَحْمُولُ بِالْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ فَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمَقْسَمِ، وَحِينَئِذٍ إِذَا انْتَفَى الْأَعَمُّ -يَعْنِي انْتَفَى الْمَقْسَمُ- انْتَفَتِ الْأَقْسَامُ مِنْ غَيْرِ مُشْكِلَةٍ. فَالْمَاتِنُ (قَدَّسَ سِرَّهُ) يَلْتَزِمُ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ لَيْسَ وَاحِداً مِنَ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَةِ إِذَا مَا حُمِلَ عَلَى أَيِّ مَوْضُوعٍ عَلَى الْإِنْسَانِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى إِشْكَالاً فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ أَسَاسَ الْمَقْسَمِ لَمْ يَكُنْ عِبَارَةً عَنْ كُلِّ كُلِّيٍّ مَحْمُولٍ حَتَّى وَلَوْ حُمِلَ بِالْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ، بَلِ الْمَقْسَمُ هُوَ الْكُلِّيُّ الْمَحْمُولُ حَمْلاً طَبِيعِيّاً -حَتَّى نَدْفَعَ الِاعْتِرَاضَ الْأَوَّلَ- بِالْحَمْلِ الشَّائِعِ الصِّنَاعِيُّ هُوَ الَّذِي يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةٍ إِلَى خَمْسَةٍ -عَفْواً- إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَةِ.

وَاضِحٌ صَارَ الْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ أَوْ لَا؟ جَيِّدٌ.

أنحاء التغاير الاعتباري في الحمل الأولي

إِذَا اتَّضَحَ ذَلِكَ، فَهَا هُنَا جُمْلَةٌ مِنَ الْأُمُورِ:

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: أَنَّنَا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ الْحَمْلَ الْأَوَّلِيَّ أَوِ الْحَمْلَ الذَّاتِيَّ الْأَوَّلِيَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ اتِّحَادٌ مَفْهُومِيٌّ، وَيَلْزَمُ مِنَ الِاتِّحَادِ فِي الْمَفْهُومِ الِاتِّحَادُ فِي الْمِصْدَاقِيَّةِ، فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ وُجُودِ جِهَةِ تَغَايُرٍ، وَقَدْ قَرَّرُوا أَنَّ التَّغَايُرَ اعْتِبَارِيٌّ وَعَلَى مُسْتَوَى الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ. وَلَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَحْصُرَ التَّغَايُرَ الِاعْتِبَارِيَّ بِالتَّغَايُرِ عَلَى مُسْتَوَى الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ، بَلْ لِلتَّغَايُرِ الِاعْتِبَارِيِّ أَنْحَاءٌ وَأَشْكَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَوْ حَصَرْنَا التَّغَايُرَ الِاعْتِبَارِيَّ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ لَمَا صَحَّ أَنْ نَقُولَ: الْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ، وَإِنَّمَا صَحَّ أَنْ نَقُولَ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ.

شُفْ، الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ يُوجَدُ اتِّحَادٌ فِي الْمَفْهُومِ وَاتِّحَادٌ فِي الْمِصْدَاقِ، وَلَكِنْ يُوجَدُ تَغَايُرٌ عَلَى مُسْتَوَى الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ هُوَ تَفْصِيلٌ لِأَجْزَاءِ الْإِنْسَانِ، وَالْإِنْسَانَ هُوَ إِجْمَالٌ لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ. وَلَكِنْ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ، وَيْنَ الْإِجْمَالُ وَالتَّفْصِيلُ؟ لَا يُوجَدُ إِجْمَالٌ وَتَفْصِيلٌ؛ لِأَنَّكَ لَمْ أَقُلِ الْإِنْسَانَ ثُمَّ فَصَّلْتَ... فَصَّلْتَ أَجْزَاءَ مَاهِيَّتِهِ وَذَكَرْتَ تِلْكَ الذَّاتِيَّاتِ، لَا! قُلْتَ الْإِنْسَانَ ثُمَّ أَخْبَرْتَ عَنْ هَذَا الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ إِنْسَانٌ، فَلَا يُوجَدُ إِجْمَالٌ وَتَفْصِيلٌ، وَمَعَ ذَلِكَ الْوِجْدَانُ شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَمْلِ صَحِيحٌ، وَإِلَّا ارْتَفَعَ النَّقِيضَانِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ إِنْسَاناً فَقَدْ سُلِبَ الشَّيْءُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَصِحُّ سَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَصِحَّ سَلْبُ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنْ لَا... إِذَا صَحَّ إِثْبَاتُهُ أَيْضاً فَيَرْتَفِعُ النَّقِيضُ عَنْهُ. فَبِإِذَا كَانَ قَوْلُنَا: الْإِنْسَانُ لَيْسَ إِنْسَاناً، قَضِيَّةً كَاذِبَةً، فَلَا بُدَّ أَنْ يَصْدُقَ نَقِيضُهَا، وَنَقِيضُ "الْإِنْسَانُ لَيْسَ إِنْسَاناً" هُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنْسَانٌ. إِذًا فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ لَا إِشْكَالَ فِي صِدْقِهَا وَفِي صِحَّتِهَا، مَعَ أَنَّهَا لَا تَشْتَمِلُ عَلَى تَغَايُرٍ عَلَى مُسْتَوَى الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ.

وَمِنْ هُنَا ذَكَرَ صَدْرُ الْمُتَأَلِّهِينَ (قَدَّسَ سِرَّهُ) أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّغَايُرِ فِي الْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ وَالتَّوَهُّمُ الْمُغَايِرُ. مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ (صلى الله عليه وآله): ⟦فَاطِمَةُ هِيَ فَاطِمَةُ⟧، وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ فَاطِمَةَ إِلَّا بِكَوْنِهَا فَاطِمَةَ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَأْتِ بِخَبَرٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الشَّيْءَ إِلَى... إِلَى نَفْسِهِ. وَلَكِنَّ الْحَامِلَ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ، الْحَامِلَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ هُوَ دَفْعُ تَوَهُّمِ الْمُغَايِرِ؛ وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَأْتِي أَحَدُنَا وَيُعَامِلُ فَاطِمَةَ لَا كَمَا تَسْتَحِقُّ فَاطِمَةُ (عليها السلام)، فَيَأْتِي الْمُتَكَلِّمُ لِيَدْفَعَ تَوَهُّمَ الْمُغَايِرِ، لِأَنَّنَا تَوَهَّمْنَا أَنَّ فَاطِمَةَ هَذِهِ غَيْرُ تِلْكَ الَّتِي يَنْبِي... يَنْبَغِي تَقْدِيسُهَا، فَيُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ تَوَهُّمَ هَذِهِ الْمُغَايَرَةِ، فَيَقُولُ: فَاطِمَةُ هِيَ فَاطِمَةُ، أَيْ إِنَّ فَاطِمَةَ الَّتِي أَنْتَ تُعَامِلُهَا لَا عَلَى أَسَاسِ قُدْسِيَّتِهَا، يَجِبُ أَنْ تُعَامِلَهَا عَلَى أَسَاسِ أَنَّهَا فَاطِمَةُ! أَوْ فَقُلْ: فَاطِمَةُ الَّتِي تَرَاهَا امْرَأَةً عَادِيَّةً لَيْسَتْ... شُفْ يَعْنِي الَّتِي تَتَوَهَّمُ أَنَّهَا امْرَأَةٌ عَادِيَّةٌ، فَأَنْتَ تَوَهَّمْتَ مُغَايَرَتَهَا لِحَقِيقَتِهَا، فَيَأْتِي الْمُتَكَلِّمُ وَيَرُدُّ لَكَ ذَلِكَ الْوَهْمَ بِأَنْ يُسْنِدَ الشَّيْءَ إِلَى نَفْسِهِ، أَيْ أَنَّ فَاطِمَةَ هَذِهِ الَّتِي تَوَهَّمْتَ أَنَّهَا غَيْرُ تِلْكَ الَّتِي لَهَا تِلْكَ الْقُدْسِيَّةُ الْعَظِيمَةُ، أَنَّ لَهَا تِلْكَ الْقُدْسِيَّةَ الْعَظِيمَةَ فَتُسْنِدُ الشَّيْءَ إِلَى نَفْسِهَا.

أَوْ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَدِّبُ لِلْمُتَأَدِّبِ: ⟦أُمُّكَ هِيَ أُمُّكَ⟧، وَذَلِكَ عِنْدَمَا تَكُونُ تَصَرُّفَاتُ الْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ غَيْرَ لَائِقَةٍ بِتَصَرُّفِ الْوَلَدِ مَعَ الْأُمِّ -غَيْرَ... غَيْرَ لَائِقَةٍ بِحَقِّ الْأُمُومَةِ- كَمَا إِذَا أَقْدَمَ الْوَلَدُ عَلَى ضَرْبِ أُمِّهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهَا أُمُّهُ -التَفِتْ!- هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أُمُّهُ وَلَكِنَّهُ لَا يُعَامِلُهَا بِمُقْتَضَى الْأُمُومَةِ، فَكَأَنَّمَا تَوَهَّمَ ذَلِكَ الْوَلَدُ وُجُودَ مُغَايَرَةٍ بَيْنَ الْأُمِّ وَبَيْنَ هَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي أَمَامَهُ حَتَّى كَأَنَّهَا لَيْسَتْ أُمّاً فَأَسْقَطَ عَنْهَا حَقَّ الْأُمُومَةِ، فَيُؤْتَى بِالْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الْمُغَايَرَةِ.

إِذًا، فَالْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ هَا هُنَا يُوجَدُ فِيهِ تَغَايُرٌ، مَا هُوَ التَّغَايُرُ؟ التَّغَايُرُ عَلَى مُسْتَوَى أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ تَوَهَّمَ أَنَّ هُنَاكَ تَغَايُراً، وَإِلَّا لَوْ الْتَفَتَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَغَايُرٌ حَقِيقَةً، وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَامَلَ أُمَّهُ بِغَيْرِ مُقْتَضَى الْأُمُومَةِ فَأَقْدَمَ عَلَى ضَرْبِهَا، فَكَأَنَّمَا الْتُفِتَ... كَأَنَّمَا مِنْ تَصَرُّفِ هَذَا يُسْتَكْشَفُ وُجُودُ اعْتِقَادٍ عِنْدَهُ بِمُغَايَرَةِ هَذَا الْإِنْسَانِ الْوَاقِفِ أَمَامَهُ وَالَّذِي أَقْدَمَ عَلَى ضَرْبِهِ لِلْأُمِّ الْحَقِيقِيَّةِ، فَكَأَنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى ضَرْبِهَا بَعْدَ أَنْ أَسْقَطَ حَقَّ الْأُمُومَةِ عَنْهَا فَصَارَتْ غَيْرَ أُمِّهِ وَلَوْ تَوَهُّماً، فَيُؤْتَى بِالْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ لِيَدْفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ، فَيُقَالُ: أُمُّكَ هِيَ أُمُّكَ؛ أَيْ أَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ الَّذِي ضَرَبْتَهُ تَوَهُّماً مِنْكَ بِسُقُوطِ وَصْفِ الْأُمُومَةِ عَنْهَا، هِيَ أُمُّكَ الَّتِي لَهَا وَصْفُ الْأُمُومَةِ. شُفْ صَارَ فِي تَغَايُرٍ أَوْ لَا؟ صَارَ وَاضِحاً، صَارَ التَّغَايُرُ بِالْمَحْمُولِ وَبِ... وَبِالْمَوْضُوعِ، فَيُقَالُ: أُمُّكَ هِيَ أُمُّكَ.

وَلِذَلِكَ خَالَفَ صَدْرُ الْمُتَأَلِّهِينَ (قَدَّسَ سِرَّهُ) جَمِيعَ النُّحَاةِ فِي إِعْرَابِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. النُّحَاةُ كَيْفَ يُعْرِبُونَ؟ النُّحَاةُ: "السَّابِقُونَ" الْأُولَى مُبْتَدَأٌ، "السَّابِقُونَ" الثَّانِيَةُ قَالَ: هِيَ تَوْكِيدٌ لِلسَّابِقُونَ الْأُولَى، "أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ" هِيَ خَبَرٌ لِلسَّابِقُونَ. صَدْرُ الْمُتَأَلِّهِينَ (قَدَّسَ سِرَّهُ) قَالَ: لَا! قَالَ: "السَّابِقُونَ" الْأُولَى مُبْتَدَأٌ جَيِّدٌ، وَالثَّانِيَةُ خَبَرٌ؛ أَيْ إِنَّ السَّابِقِينَ جَيِّدٌ الَّذِينَ رُبَّمَا قَدْ يَسْرِي إِلَى أُذَيْنِ... أَذْهَانِكُمُ الْوَهْمُ -جَيِّدٌ؟- بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا سَابِقِينَ حَقِيقَةً فَتَزْهَدُوا بِمَا فَعَلُوا، فَلَا تُقَدِّمُوا عَلَى مَا ارْتَكَبُوا حَتَّى تَصِلُوا إِلَى مَا وَصَلُوا. لَا! هَؤُلَاءِ هُمُ السَّابِقُونَ حَقِيقَةً -جَيِّدٌ؟- فَفِي ذَلِكَ... فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ حِينَئِذٍ مِنَ الْحَثِّ عَلَى أَنْ نَكُونَ مِنَ ال... مِنَ السَّابِقِينَ -جَيِّدٌ؟- لِأَنَّ السَّابِقَ هُوَ الَّذِي سَاعَدَتْ أَعْمَالُهُ عَلَى السَّبْقِ، فَعِنْدَمَا لَا نُقَدِّمُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ الَّتِي تُوجِبُ السَّبْقَ فَكَأَنَّنَا قَدْ تَوَهَّمْنَا أَنَّ مَا فَعَلُوهُ لَيْسَ سَبْقاً وَلِذَلِكَ زَهَدْنَا بِمَا فَعَلُوا فَلَمْ نَرْتَكِبْهُ -جَيِّدٌ؟- فَيُؤْتَى حِينَئِذٍ لِدَفْعِ... يُؤْتَى بِالْمَحْمُولِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ هَذِهِ الْمُغَايَرَةِ. أَعْرِفْ، صَارَ وَاضِحاً الْمَطْلَبُ؟

وَمِنْ هُنَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ: الْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ عِنْدَمَا نَجِدُ أَنَّ شَخْصاً... الْإِنْسَانُ بِمُقْتَضَى إِنْسَانِيَّتِهِ، فَيُقَالَ: هَذَا إِنْسَانٌ، هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْسَانٌ -جَيِّدٌ؟- هَذَا إِنْسَانٌ يَعْنِي الْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي التَّغَايُرِ الِاعْتِبَارِيِّ. جَيِّدٌ؟ تَمَامٌ.

إِذًا، الْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ يُصَحِّحُهُ وُجُودُ تَغَايُرٍ وَلَوْ عَلَى مُسْتَوَى الِاعْتِبَارِ -شُو يَعْنِي؟- وَلَوْ تَوَهُّمُ التَّغَايُرِ كَافٍ! مِشْ يَعْنِي وُجُودُ تَغَايُرٍ، يَعْنِي التَفِتْ! التَّغَايُرُ مَثَلاً عَلَى مُسْتَوَى الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ صَحَّ وَإِنْ كَانَ تَغَايُراً اعْتِبَارِيّاً، وَلَكِنَّ هَذَا التَّغَايُرَ وَاقِعِيٌّ عَلَى مُسْتَوَى الِاعْتِبَارِ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ قَدْ يَكُونُ التَّغَايُرُ شُو؟ تَغَايُراً عَلَى مُسْتَوَى التَّوَهُّمِ، يَعْنِي أَنَا أَتَوَهَّمُ الْمُغَايِرَ وَهَذَا كَافٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَغَايُرٌ أَصْلًا وَلَا حَتَّى عَلَى مُسْتَوَى الِاعْتِبَارِ، وَلَكِنْ أَنَا أَتَوَهَّمُ هَذِهِ الْمُغَايَرَةَ -طَبْعاً الزَّعْمُ مِنْ أَيْنَ يُسْتَكْشَفُ؟ يُسْتَكْشَفُ مِنْ طَرِيقَةِ مُعَامَلَتِي فِي الْخَارِجِ، جَيِّدٌ؟- وَالْحَامِلُ عَلَى الْحَمْلِ الذَّاتِيِّ الْأَوَّلِيِّ هُوَ دَفْعُ تَوَهُّمِ الْمُغَايَرَةِ فِي الْبَيْنِ.

الفرق بين اصطلاحي الحمل والحكم على المفهوم والمصداق

هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الِاعْتِرَاضِ الثَّانِي وَفِي جَوَابِهِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَتِنَا بِهَذَا الْبَحْثِ وَبِتَقْسِيمِ الْحَمْلِ إِلَى ذَاتِيٍّ وَأَوَّلِيٍّ تَارَةً وَإِلَى شَائِعٍ صِنَاعِيٍّ تَارَةً ثَانِيَةً، أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْنَا هَذَا الْبَحْثُ بِالْبَحْثِ الَّذِي سَبَقَ فِي دُرُوسٍ مُتَقَدِّمَةٍ، حَيْثُ قُلْنَا: إِنَّ الْحَمْلَ تَارَةً يَكُونُ أَوَّلِيّاً وَهُوَ الْحُكْمُ عَلَى الْمَفْهُومِ، كَمَا تَقُولُ مَثَلاً: الْفِعْلُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ -عَفْواً- كَمَا تَقُولُ مَثَلاً: الْفِعْلُ يُخْبَرُ عَنْهُ، أَنَّ مَفْهُومَ الْفِعْلِ يُخْبَرُ عَنْهُ، وَتَارَةً يَكُونُ حَمْلاً شَائِعاً عِنْدَمَا نَحْكُمُ عَلَى الـ... مِصْدَاقِ، كَمَا تَقُولُ: الْفِعْلُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ، لِأَنَّ مِصْدَاقَ الْفِعْلِ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَفْهُومُهُ بِحَيْثُ يُخْبَرُ عَنْهُ. تَذَكَّرْتُمُ الْبَحْثَ أَوْ لَا؟ جَيِّدٌ.

يَقَعُ الْكَلَامُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاصْطِلَاحَيْنِ. فَنَقُولُ: الِاصْطِلَاحُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الدُّرُوسِ السَّابِقَةِ عِنْدَمَا كُنَّا نَبْحَثُ عَنْ مِثْلِ "الْفِعْلُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ"، حَيْثُ كَانَ يَرِدُ الِاعْتِرَاضُ: إِنَّ نَفْسَ... إِنَّ نَفْسَ قَوْلِكُمُ: "إِنَّ الْفِعْلَ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ" وَإِخْبَارٌ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ، فَقَدِ اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ، وَهُوَ أَنَّكُمْ أَخْبَرْتُمْ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ! فَقُلْنَا: لَا يُوجَدُ تَنَاقُضٌ فِي الْمَقَامِ؛ لِأَنَّ مَا يُخْبَرُ عَنْهُ هُوَ مَفْهُومُ الْفِعْلِ، وَمَا لَا يُخْبَرُ عَنْهُ هُوَ مِصْدَاقُهُ... مِصْدَاقُهُ. وَمِنْ هُنَا قُلْنَا: إِنَّ الْحُكْمَ إِمَّا حُكْمٌ عَلَى الْمِصْدَاقِ وَإِمَّا حُكْمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، فَإِذَا كَانَ حُكْماً عَلَى الْمِصْدَاقِ فَهَذَا هُوَ الْحَمْلُ الشَّائِعُ، وَإِذَا كَانَ حُكْماً عَلَى الْمَفْهُومِ فَهَذَا هُوَ الْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ. وَاضِحٌ هَذَا كَانَ الْبَحْثُ لَكَ.

هَذَا الِاصْطِلَاحُ الَّذِي تَقَدَّمَ مَعَنَا الْحَمْلُ فِيهِ -يَعْنِي الْأَوَّلِيَّةَ وَالثَّانَوِيَّةَ- وَصْفٌ لِلْمَوْضُوعِ، لِمَوْضُوعِ الْقَضِيَّةِ، لَا لِلنِّسْبَةِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ الـ... بَيْنَ الْمَوْضُوعَيْنِ، بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ، لَا لِلنِّسْبَةِ الْمَوْجُودَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ! التَفِتْ! كُلُّ قَضِيَّةٍ فِيهَا مَوْضُوعٌ وَمَحْمُولٌ وَ... وَنِسْبَةٌ، وَالْحُكْمُ حُكْمٌ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ دَائِماً؟ الْحُكْمُ حُكْمٌ عَلَى الْمَوْضُوعِ، وَلِذَلِكَ نَحْنُ مَاذَا كُنَّا نَقُولُ؟ الْحُكْمُ إِمَّا حُكْمٌ عَلَى الْمِصْدَاقِ وَإِمَّا حُكْمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، يَعْنِي الْحُكْمُ إِمَّا حُكْمٌ عَلَى مَوْضُوعٍ هُوَ الْمِصْدَاقُ وَإِمَّا حُكْمٌ عَلَى مَوْضُوعٍ هُوَ الـ... هُوَ الْمَفْهُومُ، فَنَجِدُ أَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ وَالثَّانَوِيَّةَ وَصْفٌ لِمَوْضُوعِ الْقَضِيَّةِ.

وَأَمَّا فِي هَذَا الِاصْطِلَاحِ فَنَحْنُ لَمْ نَكُنْ نَقُولُ هَكَذَا: "الْحُكْمُ إِمَّا حُكْمٌ عَلَى الْمَوْضُوعِ أَوْ عَلَى الْمِصْدَاقِ"، لَا! نَقُولُ: إِنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنِ الِاتِّحَادِ -جَيِّدٌ؟- إِمَّا هِيَ اتِّحَادٌ -شُفْ!- النِّسْبَةُ الْكَائِنَةُ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَالَّتِي تُوجِدُ الِاتِّحَادَ بَيْنَهُمَا إِمَّا تُوجِدُ الِاتِّحَادَ بَيْنَهُمَا مَفْهُوماً وَمِصْدَاقاً فَلَابُدَّ مِنَ التَّغَايُرِ الِاعْتِبَارِيِّ، وَإِمَّا تُوجِدُ الِاتِّحَادَ بَيْنَهُمَا مِصْدَاقاً لَا مَفْهُوماً فَيَكُونُ التَّغَايُرُ مَفْهُومِيّاً. فَالْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ وَالشَّائِعُ هَا هُنَا حَمْلاً أَوْ وَصْفاً يَكُونُ وَصْفاً لِلنِّسْبَةِ. جَيِّدٌ، هَذَا مِنْ جِهَةٍ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَمْ نَعُدْ... لَكِنِ التَّفْرِقَةُ بَعْدُ غَيْرُ غَيْرُ وَاضِحَةٍ.

طَيِّبْ، وَلِذَلِكَ كَانَ هُنَاكَ اخْتِلَافٌ فِي التَّسْمِيَةِ أَيْضاً: فِي الْمِصْطَلَحِ الْأَوَّلِ مَاذَا كَانَ الْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ؟ حُكْمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ. هَذَا فِي الْمِصْطَلَحِ الْأَوَّلِ. مَاذَا كَانَ الْحَمْلُ الشَّائِعُ؟ حُكْمٌ عَلَى الْمِصْدَاقِ عَلَى الْمِصْدَاقِ. طَيِّبْ، لِمَ سُمِّيَ هَذَا "الْحُكْمُ عَلَى الْمَفْهُومِ" أَوَّلِيّاً هُنَاكَ؟ قُلْنَا: يُسَمَّى حَمْلاً أَوَّلِيّاً لِأَنَّ الْحَمْلَ مَا مَعْنَاهُ؟ هُوَ نِسْبَةُ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، الْحُكْمُ، وَالْحُكْمُ أَوَّلَ مَا يَكُونُ فِي الذِّهْنِ أَوْ فِي الْخَارِجِ، وَلَا يُوجَدُ حُكْمٌ فِي الْخَارِجِ، الْحُكْمُ أَمْرٌ نَفْسِيٌّ وَلِذَلِكَ أَمْرٌ ذِهْنِيٌّ -جَيِّدٌ؟- النَّفْسُ تَصْطَنِعُهُ فِي الذِّهْنِ، وَلِذَلِكَ وَيْنَ مَحَلُّ وُجُودِهِ؟ الذِّهْنُ -جَيِّدٌ؟- فَهُوَ رَبْطٌ بَيْنَ الْأَطْرَافِ الْخَارِجِيَّةِ أَوْ بَيْنَ الْأَطْرَافِ الذِّهْنِيَّةِ أَهْ! فَلِأَنَّ الذِّهْنَ أَوَّلَ مَا يَنْظُرُ، يَنْظُرُ إِلَى الْمَفَاهِيمِ، إِلَى الْمَفَاهِيمِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَوَّلِيّاً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ حُكْمٌ بِمَفْهُومٍ عَلَى آخَرَ، أَوْ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حَتَّى عِنْدَمَا يُرِيدُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْخَارِجِيَّةِ إِنَّمَا يَحْكُمُ عَلَى الْخَارِجِ عَنِ طَرِيقِ الـ... الْمَفَاهِيمِ عَنْ طَرِيقِ الذِّهْنِ، وَلِذَلِكَ هُوَ حُكْمٌ عَلَى -يَعْنِي أَوَّلَ مَا يَنْوَجِدُ الْحُكْمُ يَنْوَجِدُ بَيْنَ الْمَفْهُومِ... بَيْنَ الْمَفَاهِيمِ، ثُمَّ يُعَبِّرُ عَنْ عَلَاقَةٍ خَارِجِيَّةٍ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، فَهُوَ يَنْوَجِدُ أَوَّلاً بَيْنَ الْمَفَاهِيمِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَوَّلِيّاً-.

وَهَذَا لِمَ يُسَمَّى ثَانَوِيّاً؟ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمِصْدَاقِ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ عَلَى مَفْهُومِهِ فِي رُتْبَةٍ سَابِقَةٍ، فَيَأْتِي الْحُكْمُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا هُنَاكَ أَنَّ الْحُكْمَ أَوَّلَ مَا يَنْوَجِدُ يَنْوَجِدُ بَيْنَ الْمَفَاهِيمِ، وَلَكِنَّنَا تَارَةً نُوجِدُ الْحُكْمَ بَيْنَ الْمَفَاهِيمِ مِنْ دُونِ أَنْ نَتَعَدَّاهُ إِلَى الْمِصْدَاقِ، كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى الْمِرْآةِ وَيَقْصُرُ النَّظَرَ عَلَى الْمِرْآةِ مِنْ دُونِ أَنْ يَتَطَلَّعَ إِلَى مَا يَنْعَكِسُ بِهَذِهِ الْمِرْآةِ، وَتَارَةً نُسَلِّطُ الْحُكْمَ... الْحُكْمَ عَلَى الْمَفْهُومِ أَيْضاً وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ حِكَايَتِهِ عَلَى الْمِصْدَاقِيَّةِ عَنْ... عَنْ مِصْدَاقِيَّتِهِ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا دَائِماً الْحُكْمُ حُكْمٌ بَيْنَ الْمَفَاهِيمِ، وَلَكِنَّهُ تَارَةً حُكْمٌ بَيْنَ الْمَفَاهِيمِ لَا يَتَعَدَّاهَا إِلَى مَا تَحْكِي عَنْ... وَتَارَةً نَقْصُرُ النَّظَرَ عَلَيْهِ -عَفْواً- وَتَارَةً نَتَعَدَّاهَا إِلَى مَا تَحْكِي عَنْهُ، وَشَبَّهْنَا هَذَا الْبَحْثَ بِالْمِرْآةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ الثَّانِي جَيِّدٌ؟ -التَفِتْ، هَذَا هُوَ الِاصْطِلَاحُ الْأَوَّلُ-. الْمَاتِنُ (قَدَّسَ سِرَّهُ) كَيْفَ فَرَّقَ بَيْنَ الِاصْطِلَاحَيْنِ؟ عَبَّرَ عَنْ هَذَا الِاصْطِلَاحِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَكُونُ الْحَمْلُ فِيهِ وَصْفاً لِلْمَوْضُوعِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعُنْوَانِ وَالْمَعْنَى -الْكَلَامُ لَيْسَ فِي الْحَمْلِ، الْحَامِلُ هُوَ النِّسْبَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الِاتِّحَادِ، تَمَامٌ!- عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعُنْوَانِ وَالْمَعْنَى، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يُسَمَّى حَمْلاً أَوَّلِيّاً لِأَنَّكَ تَحْمِلُهُ عَلَى الْمَفْهُومِ الـ... -يَعْنِي الَّذِي يَقَعُ أَوَّلاً- أَوْ تَحْمِلُهُ عَلَى مَا يَسْرِي إِلَيْهِ الْمَفْهُومُ وَهُوَ الْمِصْدَاقُ ثَانِيَ. هَذَا هُوَ الِاصْطِلَاحُ الْأَوَّلُ.

طَيِّبْ، الِاصْطِلَاحُ الثَّانِي مَا يَكُونُ وَصْفاً لِلنِّسْبَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، لَا لِلْمَوْضُوعِ، جَيِّدٌ؟ مَا مَعْنَى الْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ؟ قَالَ: الِاتِّحَادُ الْمَفْهُومِيُّ وَالتَّغَايُرُ الْمِصْدَاقِيُّ -كَيْفَ بَدَّوْ يَكُونُ الِاتِّحَادُ مَفْهُوماً وَالتَّغَايُرُ؟ التَّغَايُرُ مِشْ مَفْهُومٍ الاعتباري! إِي! مِشْ مَفْهُومِ التَّصَوُّرِ-. طَيِّبْ، لِمَ لَمْ نَقُلْ طَيِّبْ عِنْدَمَا قُلْتُ أَنَا اتِّحَادٌ مَفْهُومِيٌّ لِمَ لَمْ أَقُلْ وَمِصْدَاقِيٌّ أَيْضاً؟ هَذَا وَاضِحٌ، كُلَّمَا كَانَ هُنَاكَ اتِّحَادٌ فِي الْمَفْهُومِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ اتِّحَادٌ فِي الْمِصْدَاقِ. إِذًا، الْمِصْطَلَحُ الثَّانِي الْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ فِيهِ وَصْفٌ لِلنِّسْبَةِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: الِاتِّحَادُ الْمَفْهُومِيُّ -يَعْنِي وَالْمِصْدَاقِيُّ- وَالتَّغَايُرُ الِاعْتِبَارِيُّ.

طَيِّبْ، الْحَمْلُ الشَّائِعُ مَا هُوَ؟ قَالَ: هُوَ الِاتِّحَادُ الْمِصْدَاقِيُّ وَالتَّغَايُرُ الْمَفْهُومِيُّ، نَعَمْ! وَالتَّغَايُرُ الْمَفْهُومِيُّ.

تَعَالَ شُفْ كَيْفَ يَخْتَلِفُ! صَارَ عِنْدِي أَرْبَعُ مَعَانٍ حَقِيقَةً: إِذَا رَحْتَ إِلَى الْحُكْمِ عَلَى الْمَوْضُوعِ، فَالْحُكْمُ عَلَى الْمَوْضُوعِ إِمَّا حُكْمٌ عَلَى مَفْهُومِهِ أَوْ عَلَى مِصْدَاقِهِ. إِذَا رَحْتَ إِلَى النِّسْبَةِ، فَالْحُكْمُ هَا هُنَا إِمَّا هُوَ اتِّحَادٌ، فَالِاتِّحَادُ هَا هُنَا إِمَّا اتِّحَادٌ فِي الْمَفْهُومِ وَالتَّغَايُرُ اعْتِبَارِيٌّ، أَوْ اتِّحَادٌ فِي الْمِصْدَاقِ وَالتَّغَايُرُ مَفْهُومِيٌّ.

كَيْفَ يَخْتَلِفُ هَذَا فِي مِثَالٍ وَاحِدٍ؟ شُفْ! الْآنَ سَوْفَ آتِي لَكَ أَقُولُ لَكَ: الْجُزْئِيُّ، الْجُزْئِيُّ لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ. هَذَا تَعَالَ نَقُودُ هَذَا الْمِثَالَ: إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُطَبِّقَ -التَفِتْ!- بِالنَّظَرِ إِلَى الِاصْطِلَاحِ الْأَوَّلِ، وَهْوَ مَا يَكُونُ الْحَمْلُ وَصْفاً فِي شُو؟ لِلْمَوْضُوعِ، يَعْنِي الْبَحْثُ الْعُنْوَانُ وَالْمَعْنُونُ. جَيِّدٌ؟ فَشُو يَعْنِي؟ مَا هُوَ جُزْئِيٌّ؟ هُوَ مَفْهُومُ الْجُزْئِيِّ أَوْ مِصْدَاقُهُ؟ شُو مَفْهُومُ الْجُزْئِيِّ؟ مَفْهُومُ الْجُزْئِيِّ يَعْنِي تَعْرِيفُهُ، هَا؟ مَفْهُومُ الْجُزْئِيِّ يَعْنِي "مَا يَمْتَنِعُ صِدْقُهُ عَلَى كَثِيرِينَ وَلَوْ بِالْفَرْضِ"، هَذَا الْمَفْهُومُ يَنْطَبِقُ عَلَيَّ وَيَنْطَبِقُ عَلَيْكَ وَيَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، إِذًا فَهَذَا الْمَفْهُومُ انْطَبَقَ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ لَا؟ فَمَفْهُومُ الْجُزْئِيِّ جُزْئِيٌّ أَوْ لَا؟ جُزْئِيٌّ! مَفْهُومُ الْجُزْئِيِّ، هَذَا الْمَفْهُومُ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى كَثِيرِينَ، مَفْهُومُ الْجُزْئِيِّ شُو؟ كُلِّيٌّ! لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ.

فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ صَادِقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ "الْجُزْئِيَّ لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ". وَلَكِنْ عَلَى أَيِّ مُسْتَوَى؟ حُكْمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ. شُو يَعْنِي؟ يَعْنِي عَلَى مُسْتَوَى الْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ أَيُّ حَمْلٍ أَوَّلِيٍّ؟ الَّذِي يَكُونُ وَصْفاً لِلْمَوْضُوعِ، مِشْ هَذَا الْمِصْطَلَحُ الثَّانِي، وَصْفاً لِلْمَوْضُوعِ تَمَاماً! وَأَمَّا مِصْدَاقُ الْجُزْئِيِّ -وَهُوَ أَنَا وَأَنْتَ، يَعْنِي الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ الْمُنْتَزَعَةُ عَنِّي وَالصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ الْمُنْتَزَعَةُ عَنِّي- فَهَذِهِ لَا تَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَى... لَا تَنْطَبِقُ عَلَى كَثِيرِينَ، فَهَذِهِ الْجُزْئِيَّةُ... الْجُزْئِيَّةُ. جَيِّدٌ؟

إِذَا أَخَذْنَا الِاصْطِلَاحَ الْأَوَّلَ -وَهُوَ بَحْثُ الْعُنْوَانِ وَالْمَعْنُونِ- جَيِّدٌ؟ فَالْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ هُوَ قَوْلُنَا: "الْجُزْئِيُّ لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ"، وَالْحَمْلُ الشَّائِعُ هُوَ قَوْلُنَا: "الْجُزْئِيُّ جُزْئِيٌّ"؛ لِأَنَّ مَا مُرَادُنَا مِنَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِيِّ هُنَاكَ؟ هُوَ الْحُكْمُ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَمَفْهُومُ الْجُزْئِيِّ كُلِّيٌّ لِأَنَّهُ يَنْطَبِقُ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَإِبْرَاهِيمَ. نَعَمْ، مِصْدَاقُ الْجُزْئِيِّ جُزْئِيٌّ، جُزْئِيٌّ! وَاضِحٌ هُونَ؟

وَلَكِنَّنَا إِذَا أَخَذْنَا الِاصْطِلَاحَ الثَّانِيَ سَوْفَ تَنْعَكِسُ الْقَضِيَّةُ! شُفْ، فِي الِاصْطِلَاحِ الْأَوَّلِ كَانَ الْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ مَا هُوَ؟ "الْجُزْئِيُّ لَيْسَ... لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ" تَمَاماً! طَيِّبْ، فِي الِاصْطِلَاحِ الثَّانِي مَاذَا يَنْقَلِبُ الْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ؟ "الْجُزْئِيُّ جُزْئِيٌّ"! كَمَا تَقُولُ: "الْإِنْسَانُ إِنْسَانٌ"، أَلَيْسَ... أَلَيْسَ الْحَمْلُ الذَّاتِيُّ الْأَوَّلِيُّ هُوَ عِبَارَةً عَنْ حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ؟ جَيِّدٌ؟ وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحْمِلَ عَلَى الْجُزْئِيِّ نَفْسَهُ مَاذَا تَقُولُ؟ "الْجُزْئِيُّ الْجُزْئِيُّ"، فَهَذِهِ صَارَتْ هِيَ الْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ. وَلَكِنِ الْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ حِينَئِذٍ، يَعْنِي أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ الْجُزْئِيَّ لَيْسَ شَيْئاً آخَرَ غَيْرَ ال... غَيْرَ نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَسْلُبَ الشَّيْءَ عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَنَاقُضٌ. وَاضِحٌ صَارَ؟ هَذَا صَارَ الْحَمْلُ الْأَوَّلِيُّ.

إِذًا، جَيِّدٌ، وَاضِحٌ الْمَطْلَبُ صَارَ أَوْ لَا؟

طَيِّبْ، وَالْحَمْلُ الشَّائِعُ مَا هُوَ؟ "الْجُزْئِيُّ لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ"! يَعْنِي الْجُزْئِيُّ لَيْسَ... شُو يَعْنِي الْجُزْئِيُّ لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ؟ يَعْنِي الْجُزْئِيُّ كُلِّيٌّ! تَمَاماً! الْجُزْئِيُّ كُلِّيٌّ. يُوجَدُ... يُوجَدُ اخْتِلَافٌ فِي الْمَفْهُومِ أَوْ لَا؟ يُوجَدُ اخْتِلَافٌ فِي الْمَفْهُومِ. طَيِّبْ، تَقُولُ لِي: وَلَكِنْ أَيْنَ الِاتِّحَادُ فِي الْمِصْدَاقِ؟ أَقُولُ لَكَ: إِذَا فَسَّرْتَ الْجُزْئِيَّ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ -أَحْسَنْتَ!- "مَا يَمْتَنِعُ أَنْبَاقُهُ... أَنْ يَمْتَنِعَ انْطِبَاقُهُ عَلَى كَثِيرِينَ"، هَذَا الْمَفْهُومُ أَلَا يَتَّحِدُ مِصْدَاقاً مَعَ الْكُلِّيِّ فِي أَنَّهُ دَائِماً كُلُّ مَا لَا... أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ دَائِماً هَا؟ يَتَّحِدُ مِصْدَاقاً مَعَ الْكُلِّيِّ أَوْ لَا؟ يَتَّحِدُ مِصْدَاقاً؛ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْكُلِّيِّ أَوْ لَا؟ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْكُلِّيِّ، فَقَدِ اتَّحَدَ مَعَهُ، فَقَدِ اتَّحَدَ مَعَهُ مِصْدَاقاً، يَعْنِي كُلَّمَا وُجِدَ هَذَا الْمَفْهُومُ وَهُوَ مَا لَا... مِشْ مِشْ كُلَّ مَا وُجِدَتْ صُورَةٌ زَائِدٌ كُلَّ مَا وُجِدَ مَفْهُومُهُ الْجُزْئِيُّ فَهَذَا الْمَفْهُومُ دَائِماً نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كُلِّيٌّ، فِي اتِّحَادٍ بَيْنَهُمَا مِصْدَاقاً -طَبْعاً الْمُشْكِلَةُ هُنَا أَنَّ الِاتِّحَادَ الْمِصْدَاقِيَّ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّ الْكُلِّيَّ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ، فِي الذِّهْنِ فَرْدٌ مِنَ الْأَفْرَادِ الذِّهْنِيَّةِ عَلَى مَا قِيلَ-.

طَيِّبْ، هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الِاعْتِرَاضِ الثَّانِي وَفِي جَوَابِهِ. بَقِيَ عِنْدَنَا الِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ التَّطْبِيقِ غَداً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.