منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 37

تحميل Word

037

تقسيم العرضي إلى لازم ومفارق

وصلت نوبة البحث إلى تقسيم العرضي، سواء كان خاصّةً أو عرضيّاً عامّاً، إلى قسمين: إلى عرضيّ لازم وإلى عرضيّ مفارق.

والعرضي كما عرفنا هو كل كلي محمول يكون خارجاً عن حقيقة موضوعه؛ بمعنى أن حقيقة الموضوع، ماهية الموضوع، لا تتوقف على وجهه، ذلك المحمول الكلي، وإن كانت في بعض الأحيان قد لا تنفك عنه خارجاً، كما في مثل الضاحك بالنسبة إلى الإنسان؛ فإن ماهية الإنسان لما كانت تتقوم بالجنس وبالفصل، فقوام ماهية الإنسان حيوانيته وناطقحيته (حيوانيته وناطقنيته)، وهذا يعني أن أي شيء يكون خارجاً عن الحيوانية والناطقية فهو بحيث لا تتوقف ماهية الإنسان عليه. فماهية الإنسان، موضوع الإنسان، لا تتوقف على الضاحكية؛ لأنها مغايرة لكل من الحيوانية والناطقية. فيصدق على الضاحكية أنه عرضي؛ بمعنى أن حقيقة الإنسان لا تتوقف على وجود الضاحكية فيه، وإن كان في عالم الخارج لا ينفك الضاحك عن الإنسان، إذ كل إنسان فلا بد أن يكون ضاحكاً.

إذاً؛ فالمراد من العرضي هو ما لا تتوقف حقيقة الإنسان الموضوع عليه، لا ما لا يمكن أن ينفك عن موضوعه. وفرق بينهما؛ المراد من العرضي ما لا تتوقف حقيقة الموضوع عليه؛ بمعنى أن افتراض عدمه لا يوجب انعدام الموضوع، ولو كان ذلك على مستوى الافتراض. وأما الانفكاك وعدم الانفكاك خارجاً فهذه قضية أخرى ومسألة ثانية.

إذا اتضح ذلك، فإن العرضي لا يخلو: إما أن يمتنع انفكاكه عقلاً عن موضوعه، أو لا يمتنع انفكاكه عقلاً عن موضوعه؛ بمعنى أن العقل تارة يحكم بامتناع انفكاك هذا العرضي عن موضوعه، بحيث كلما انعدم ذلك العرضي أدى ذلك إلى انعدام موضوعه وإن كان عرضياً بالنسبة إليه، وتارة ثانية لا يحكم العقل بامتناع الانفكاك، بل يجيز الانفكاك من دون أن يلزم من انعدام ذلك العرضي انعدام لموضوعه.

مثال ما يحكم العقل بامتناع الانفكاك: الزوجية بالنسبة إلى الأربعة. الآن شوف، إذا أخذنا قضية وهي أن الأربعة زوج، وأن الثلاثة فرد، زوج يعني تقبل الانقسام إلى متساويين. جيد، إذا أخذنا هذه القضية فهذه القضية مركبة من موضوع ومحمول، موضوع القضية هو قولنا الأربعة، ومحمولها زوج. الزوجية بالقياس إلى الأربعة ليست ذاتية بالنسبة إليها، وإنما هي عرضي؛ وذلك لأن الزوجية عرض عام بالنسبة إلى الأربعة، إذ تكون في الأربعة وتكون في غيرها من الأعداد كالستة والثمانية والعشرة وهكذا. ولأن الأربعة إذا أخذناها كما هي، فهذه الماهية -ماهية الأربعة- لابد لها من جنس وفصل. وجنس الأربعة ما هو؟ العدد. وفصلها شيء آخر. جيد. الزوجية لا يمكن أن تكون دخيلة لا في الجنس ولا يمكن أن تكون دخيلة في الفصل.

أما امتناع أن تكون الزوجية دخيلة في الفصل، فلأن الفصل دائماً هو حيثية الافتراق، حيثية التمايز، والزوجية حيثية اشتراك؛ لأنها تكون في الأربعة وتكون في غيرها من الأعداد، فالزوجية لا يمكن أن تكون فصلاً ولا دخيلة في الفصل؛ لأن الزوجية وإن أخرجت الثلاثة ولكنها لا تخرج الثمانية والستة والعشرة والاثنين. جيد، فالزوجية لا يمكن أن تكون فصلاً لماهية الأربعة، تمام؟ ولا يمكن أيضاً أن تكون جنساً لماهية الأربعة؛ لأن الجنس القريب للأربعة ما هو؟ هو العدد، والعدد كما يكون زوجاً يكون غير زوج، فلا يمكن أن تكون الزوجية دخيلة في فصل ماهية الأربعة ولا في جنسها. وماهية الأربعة ليست إلا عبارة عن الجنس والفصل. فلما امتنع في الزوجية أن تكون دخيلة في ماهية الأربعة، علم أن هذا المحمول هو كلي خارج عن موضوعه، خارج عن حقيقة موضوعه، فيكون عرضاً عاماً في مثل هذا المثال؛ لأن الزوجية تكون في موضوع الأربعة وتكون في غيرها من الموضوعات كثيراً؛ الثمانية والعشرة.

وإذا كانت الزوجية عرضاً -يعني عرضياً عاماً- فهي من العرضيات. إلا أن هذا العرضي وإن كان خارجاً عن حقيقة موضوعه، ولكنه يمتنع انفكاكه عنه بحكم العقل؛ بمعنى أن العقل يحكم بامتناع أن تنفك الأربعة عن الزوجية، فلو جئنا وسلخنا الزوجية عن الأربعة ولو افتراضاً لبطلت كون الأربعة أربعة، وإنما تتحول حينئذ إما إلى خمسة وإما إلى ثلاثة. ليش؟ لأن نقيض الزوجية الفردية، فمعنى أننا نسلب الزوجية عن الأربعة أننا نثبت نقيض الزوجية للأربعة، فسلخ الزوجية عن الأربعة مساوق للحكم عليها بالفردية، والأربعة إذا صارت فرداً لم تعد أربعة، وإنما صارت إما ثلاثة وإما خمسة.

فيقال إن هذا المحمول -وإن كان خارجاً عن حقيقة موضوعه- إلا أنه لازم له بحكم العقل، ومعنى أن يكون لازماً له أن يكون العقل بحيث يحكم بامتناع الانفكاك، أو فقل بحيث يحكم العقل بأن هذا اللازم كلما فرض منتفياً فإن ذلك يفضي إلى انتفاء موضوعه، ويسمى الموضوع حينئذ ملزوماً، ويسمى المحمول لازماً.

إذا أردنا أن نأخذ مثالاً آخر للعرضي الذي يحكم العقل بامتناع انفكاكه عن موضوعه، فإن أوضح هذه الأمثلة الحرارة بالنسبة إلى النار. قد عرفنا في أبحاث سابقة أن الحرارة هي أثر من الآثار التي تفيضها النار، فالنار علة والحرارة معلول، ومن الواضح أن المعلول لا يمكن أن يكون دخيلاً في حقيقة العلة، وإلا توقف وجود العلة حينئذ على وجود المعلول مع أننا نفترض أن المعلول هو الذي يتوقف في وجوده على وجود علته.

إذاً؛ فالحرارة لما كانت أثراً تفيضه النار فلا بد أن تنوجد النار أولاً حتى تنوجد الحرارة بعد ذلك. إذاً؛ فلا يمكن أن تكون الحرارة دخيلة في ماهية النار وفي حقيقتها، فيقال إن الحرارة تحمل على النار، فهي كلي محمول ولكنها خارجة عن موضوعها، خارجة عن حقيقة موضوعها؛ لأنها لو كانت داخلة في حقيقة موضوعها لصارت إما عيناً، إما نوعاً، وإما فصلاً، وإما جنساً، ولا يمكن أن تكون نوعاً لأنه يلزم حينئذ أن تكون الحرارة عين النار، وهذا واضح البطلان، فإن الحرارة تصدر عن النار وليست عينه.

ولا يمكن أن تكون الحرارة فصلاً أو جنساً للنار؛ لأن كل من الفصل والجنس جزءان من أجزاء النار، فيلزم أن تكون الحرارة جزءاً من النار، فيلزم أن تتوقف النار على الحرارة توقف الكل على أجزائه، وإذا امتنع أن تكون الحرارة جنساً أو فصلاً فلا يمكن أن تكون من الذاتيات، وهي تحمل عليها بلا إشكال؛ إذ يقال: النار حارة.

جيد، فلابد أن تكون الحرارة واحدة من الكليات الخمسة، فلابد أن تكون عرضياً بالنسبة إلى النار. وهذا العرضي مع كونه خارجاً عن حقيقة موضوعه، إلا أن العقل يحكم بامتناع انفكاك هذا العرضي عن موضوعه؛ يحكم بامتناع انفكاك الحرارة عن النار، فلو فرضنا وجود نار ثم لا يكون لها حرارة، فهذا يعني أن تلك النار قد انتفت ناريتها وقد سلخت عن كونها ناراً، لا معنى لأن توجد نار ثم لا تكون حارة، لا يمكن ذلك، فيحكم العقل بأن انتفاء هذا اللازم موجب لانتفاء ملزومه، بأن انتفاء المحمول يوجب انتفاء الموضوع، لا تعود تلك النار ناراً، لا تعود تلك النار ناراً وإنما تتحول إلى حقيقة وإلى ماهية أخرى.

الآن بمعزل عن يا نار كوني بردا وسلاما ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ هذا محل بحث بين الفلاسفة وبين المتكلمين.

جيد. هذا بالنسبة إلى العرضي الذي يحكم العقل بامتناع انفكاكه عن موضوعه. ومن العرضي ما لا يحكم العقل بامتناع انفكاكه، سواء انفك خارجاً، سواء حصل الانفكاك خارجاً أو لم يحصل، وذلك كالزرقة اللاحقة للعين لمن كان له عين زرقاء؛ فإن هذه العين خارجة وإن كانت بحيث لا تنفك عنها الزرقة، إذ لا تتحول عينه من زرقاء إلى خضراء مثلاً، وهي خارجة عن حقيقة العين بلا إشكال، ولكن العقل لا يحكم بامتناع الانفكاك؛ بمعنى أنه لو وجد بين أيدينا وسيلة أو حيلة فيما بعد لانفكاك الزرقة عن العين، فلا يجد العقل ذلك أمراً مشكلاً ولا يلزم من انتفاء الزرقة انتفاء تلك العين، سواء حصل الانفكاك فعلاً أو لم يحصل.

مثال آخر لذلك: الحركة بالنسبة إلى كوكب الأرض، فإن كوكب الأرض في حركة دائمة ومستمرة، وهذه الحركة -وإن كانت مصاحبة للأرض دائماً- إلا أن هذه الحركة خارجة عن حقيقة الأرض وعن ماهيتها؛ فعندما يقال: الأرض متحركة، فالتحرك كلي محمول خارج عن حقيقة ماهية الأرض، ولكن العقل لا يحكم بأن انفكاك التحرك عن الأرض موجب لزوال كون الأرض أرضاً.

نعم -التفت- قد يوجب أن يفسد نظام الكون فتفسد الأرض، لا أنها لا تعود أرضاً من أول الأمر، تبقى أرضاً ولكنها تهوي مثلاً بحكم الجاذبية أو غير ذلك، فتصطدم الكواكب ببعضها فيحصل انفجار فيتلف هذا الكون، لنفترض هكذا، ولكن هذا شيء، وأن نفترض أن هذه الأرض بمجرد أن نزيل الحركة لا تعود أرضاً، هذا شيء آخر.

فالعقل لا يأبى من انفكاك، لا يمنع العقل من انفكاك التحرك عن الأرض، نعم هو يقول: إذا انفك التحرك عن الأرض فسوف تفسد الأرض؛ بمعنى أنها سوف يفسد النظام الكوني، ولكن هذا يعني أن الحركة يمكن أن تنفك أو لا؟ العقل لا يجد مانعاً من انفكاك الحركة عن الأرض، فالحركة كلي محمول خارج عن حقيقة الأرض فهو عرضي، وهذا العرضي لا يأبى العقل انفكاكه، أو فقل: يحكم العقل بأن انفكاك هذا العرضي لا يوجب انعدام الموضوع، ولذلك لا يسمى هذا العرضي لازماً حينئذ، وإنما يقال له عرضي مفارق.

التفت، سواء حصل الانفكاك خارجاً أو لم يحصل، كزرقة العين؛ فإن الانفكاك بين الزرقة وبين العين بحيث لا يحصل، ومع ذلك فإن العقل يحكم بأن هذا الانفكاك -على فرض حصوله- لا يوجب انعدام الموضوع، فيسمى العرضي حينئذ مفارقاً؛ لا لأنه يفارق موضوعه دائماً فقد لا يحصل تفارق، وإنما لأن العقل لا يحكم بضرورة الملازم.

فالعرضي المفارق هو العرضي الذي لا يحكم العقل بلزومه، هو العرضي الذي لا يرى العقل مانعاً من انفكاكه عن موضوعه، سواء حصل الانفكاك أم لم يحصل الانفكاك. ولذلك فإن الزرقة -التفت- العين إذا افترضناها تحولت من لونها الأزرق إلى لونها الأخضر، لا نجد أن هناك تناقضاً منطقياً على مستوى الذهن، هذه هي المسألة الفارقة؛ أن العرضي اللازم هو الذي يلزم من زواله -أو الذي يستبطن زواله- وجود تناقض منطقي على مستوى الذهن، ولذلك نحن لا نستطيع أن نتخيل الأربعة -لا مجرد تصور، لا نستطيع- لا نستطيع أن نتصور أن هناك أربعة ثم لا تكون تلك الأربعة زوجاً، ولا نستطيع أن نتصور أن هناك ناراً ثم لا تكون تلك النار حارة، على مستوى التصور هناك مشكلة.

هذا بخلاف العرضي المفارق، نعم يمكننا أن نتصور الأرض غير متحركة، وإن كان هذا قد لا يحصل خارجاً، أو وإن كان حصول هذا الانفكاك خارجاً بحيث يوجب فساد الكون، ولكن على مستوى الذهن لا نجد هذا الانفكاك مستبطناً لأي تناقض منطقي. نعم، قد يحدث هذا الانفكاك خارجاً، ولذلك معنى حدوثه أن العقل يجيز انفكاكه، والانفكاك بين الحركة وبين الأرض يوجب زوال الكون وفساد النظام، ولكن هذا شيء، ووجود تناقض منطقي على مستوى الذهن والتصور هذا شيء آخر.

وقد ظهر من ذلك أن العرضي على قسمين؛ بأن العرضي لا يخلو: إما أن يمنع العقل انفكاكه عن موضوعه، أو لا يمنع العقل من انفكاكه عن -التفت- فالذيي يمنع من الانفكاك ما هو؟ الذي يحكم بالانفكاك وعدمه، بإمكان الانفكاك وامتناعه، هو العقل. جيد؟ أما قد يكون العرضي بحيث لا ينفك لوجود عارض في الخارج، لوجود سبب في الخارج، ولكن هذا شيء وحكم العقل شيء آخر.

فالعرضي إن كان يمنع العقل من انفكاكه يسمى عرضياً لازماً، وهو الذي يلزم من انفكاكه انعدام موضوعه، ولذلك يقال: إن انعدام اللازم يوجب انعدام الملزوم؛ لأنه ما معنى اللازم؟ لأنه هو الشيء الذي يمنع العقل من انفكاكه عن موضوعه، ولذلك انعدام الحرارة في الخارج كاشف عن انعدام النار في الخارج، وانعدام الزوجية يستلزم بالضرورة انعدام الأربعة.

وأما العرضي الذي لا يمنع العقل من انفكاكه عن موضوعه، فيقال له العرضي المفارق، سواء حصل الانفكاك ووقعت المفارقة خارجاً -كالشباب بالنسبة إلى الجسم مثلاً؛ فإن الجسم قد يكون يافعاً، ثم بعد ذلك يزول ذلك الشباب ويتحول إلى إنسان هرم، فهذا عرض، أو كحالة القيام- جيد- حالة القيام بالنسبة إلى زيد، فالقيام عرضي بالنسبة إلى الإنسان وقد ينفك عنه، والعقل لا يحكم بامتناع الانفكاك، وقد يحصل الانفكاك خارجاً. وتارة ثانية العقل لا يحكم بضرورة اللزوم أو لا يحكم بامتناع الانفكاك، ومع ذلك لا يحصل الانفكاك خارجاً، كالحركة بالنسبة إلى الكوكب مثلاً، أو كالزرقة بالنسبة إلى العين، ويسمى هذا العرضي مفارقاً.

حتى لا نشتبه، سمي مفارقاً؛ مفارقاً لأن العقل يحكم بجواز المفارقة، سواء حصلت المفارقة فعلاً أو لم تحصل، وسواء كان هناك مانع من المفارقة خارجاً أو لم يكن هناك مانع منها خارجاً، أما على مستوى التصور، على مستوى العقل، فالعقل لا يجد في الانفكاك أي تناقض منطقي على مستوى التصور وعلى مستوى الذهن.

---

أقسام العرضي اللازم: البين وغير البين

إذا اتضح ذلك، فإن كلا من العرضي اللازم والمفارق -يعني غير اللازم، جيد- ينقسم إلى قسمين أو ينقسم إلى أقسام. يقع الكلام أولاً في تقسيم العرضي اللازم، وقد عرفنا أن اللازم هو الذي يمتنع انفكاكه عن موضوعه. شوفوا، والامتناع شو؟ والامتناع عقلي وليس خارجياً، تمام؟ هو الذي يمتنع انفكاكه عقلاً عن موضوعه.

ينقسم العرضي اللازم إلى ثلاثة أقسام؛ إلى عرضي لازم بالمعنى الأخص، وإلى عرضي لازم بين بالمعنى الأعم، وإلى عرضي لازم غير بين.

بعبارة ثانية: اللازم -يعني العرضي اللازم- اللازم إما أن يكون بيناً أو لا؛ يعني إما بين وإما غير بين، والبين إما بين بالمعنى الأخص وإما بين بالمعنى الأعم. فهذه أقسام ثلاثة.

اللازم -وهو ما يمتنع انفكاكه عقلاً عن موضوعه- ينقسم إلى قسمين: إلى بين وغير بين. وانقسام اللازم إلى هذين القسمين على أي أساس؟ إنما هو على أساس أن العقل عندما يحكم بالامتناع، فهل يحتاج في حكمه بالامتناع إلى شيء زائد على التصور أو يكتفي بالتصور؟

فيقال إن اللازم -وهو الذي يحكم العقل بامتناع انفكاكه عن موضوعه- لا يخلو: إما أن يكتفي العقل لكي يحكم بالامتناع على مجرد التصور، أو يحتاج مع التصور إلى التصديق. فإن كان العقل محتاجاً في حكمه بالامتناع إلى مجرد التصور، فيقال إن هذا اللزوم بين؛ لأنه يكون واضحاً لا يحتاج إلى إقامة الدليل. وأما إذا كان العقل محتاجاً للحكم بالامتناع -يعني بامتناع الانفكاك- إلى تصور القضية، ثم يحتاج أيضاً إلى إقامة الدليل عليها، جيد، فهذا يقال له لزوم غير بين؛ لأنه لا يكون واضحاً من أول الأمر، بل يحتاج بعد التصور إلى إقامة الدليل.

طيب. مثال اللازم البين هو كالحرارة بالنسبة إلى النار؛ فإننا لا نحتاج، فإننا لا نحتاج أن نقيم أدلة وبراهين على أن النار محرقة، بل يكفي أن نتصور النار لنجزم مباشرة بأن الحرارة لا يمكن أن تنفك عنا. وكذلك الأربعة والزوج؛ فإن الزوجية لا نحتاج في حكمنا عليها بامتناع الانفكاك عن الأربعة أن نقيم برهاناً على ذلك، بل يكفي أن نتصور حقيقة الأربعة -التفت، في بعض الأحيان قد يكون التصور خاطئاً ولذلك فإن الحكم يكون أيضاً حكماً خاطئاً، ولكن الفرض أننا إذا تصورنا الأربعة تصورا صحيحاً لا خطأ فيه، فإن تصورنا لحقيقة الأربعة وتصورنا للزوجية كاف بأن نحكم على هذه الأربعة باستحالة انفكاك الزوجية عنها.

فمثل لزوم الحرارة للنار ولزوم الزوجية للأربعة والفردية للثلاثة، هذا اللزوم في هذه الأمثلة لزوم بين؛ لأن العقل لا يحتاج في حكمه على هذه اللوازم بامتناع الانفكاك إلى أي شيء زائد على التصور، يكفي أن نتصور الموضوع، أو أن نتصور الموضوع والمحمول تصوراً صحيحاً، فنحكم مباشرة باستحالة انفكاك هذا المحمول عن موضوعه. فاللازم إن كان يحتاج العقل في حكمه عليه باللزوم إلى مجرد التصور فهو لازم بين، وإن كان لا يكفي للحكم عليه باللزوم -لا يكفي مجرد التصور، بل نحتاج إلى إقامة الدليل على ذلك- فيقال لهذا اللزوم أو للازم إنه لازم غير بين.

مثال اللازم غير البين: كالتوحيد اللاحق لذات واجب الوجود. التوحيد أو الوحدانية عرض خاص أو عرضي خارج عن حقيقة موضوع واجب الوجود، ولذلك نجد من أنفسنا أننا قد نتصور واجب الوجود ونغفل عن وحدانيته، وكثير من القدماء آمنوا بوجود آلهة متعددة، تمام؟ إذاً فالوحدانية عرضي أو كلي محمول على واجب الوجود وهو خارج عن حقيقة موضوعه، والعقل يحكم باستحالة انفكاك الوحدانية عن واجب الوجود، إلا أن حكم العقل بامتناع الانفكاك بين الوحدانية وواجب الوجود ليس أمراً يظهر بمجرد تصور أطراف هذه القضية؛ فإننا قد نتصور واجب الوجود ونتصور معه وحدانيته، ثم لا نجد أن العقل يحكم مباشرة بلزوم الوحدانية لواجب الوجود، بل لابد للحكم بامتناع الانفكاك من إقامة الدليل على ذلك، فيقال إنه لازم ولكنه لازم غير بين. ولذلك وقع كثير من القدماء في هذه المشكلة، فآمنوا بوجود آلهة متعددة.

جيد، فواجب الوجود حقيقة لا يمكن أن يكون إلا واحداً، والعقل يجد تناقضاً منطقياً على مستوى الذهن لا على مستوى الخارج، يجد تناقضاً منطقياً في أن يكون هناك واجب وجود، ولكن هذا التناقض المنطقي لا يهتدي إليه العقل بمجرد تصور واجب الوجود وتصور الوحدانية، فتصور أطراف القضية لا يكفي للحكم بالملازمة، بل لابد مع تصور أطراف القضية أن نقيم الحكم -يعني أن نقيم الدليل على ذلك-.

فاللازم إن كان بحيث يكفي في الحكم في حكم العقل بلزومه مجرد التصور فهو لازم بين، وإن كان لا يكفي مجرد التصور بل لابد مع التصور من إقامة الدليل فهو لازم غير بين.

---

تفصيل اللازم البين: بالمعنى الأخص والأعم

ثم اللازم البين -وهو الذي يكفي في الحكم باللزوم مجرد التصور- ينقسم أيضاً إلى قسمين؛ أنه لا يخلو: إما أن يكون التصور الموجب للحكم بالملازمة عبارة عن تصور الموضوع فقط، أو لابد من تصور الموضوع والمحمول والنسبة بينهما.

مثال الأول: النار؛ فإنه للحكم بالتلازم بين الحرارة وبين النار يكفينا أن نتصور مفهوم النار وهذا كافٍ؛ لأننا بمجرد أن نتصور النار نجد أن هناك تداعياً ذهنياً هو لوحده يسوقنا إلى تصور الحرارة، ثم نحكم بعد ذلك بضرورة لزوم الحرارة للنار، فيقال إن هذا اللزوم يكفي للحكم به مجرد تصور الموضوع، وهو النار؛ موضوع يعني في القضية: (النار حارة). يكفي أن نتصور الموضوع لننتقل من هذا التصور مباشرة إلى تصور الحرارة والحكم بلزومها لموضوعها.

وهذا بخلاف الزوجية بالنسبة إلى الأربعة؛ فإن الزوجية بالنسبة إليها -وإن كانت أيضاً لزوماً، يعني تلزمها لزوماً بيناً إذ لا نحتاج إلى إقامة الدليل يكفي مجرد التصور- ولكن مجرد تصور الأربعة لا يكفي للحكم بالملازمة بينها وبين الزوجية. ليش؟ لأننا كثيراً ما نتصور الأربعة ثم لا نستحضر معها الزوجية، فكيف نحكم بملازمة الزوجية للأربعة، والحكم على شيء فرع تصوره؟

إذاً؛ في بعض الأحيان يكون هناك علاقة واقتران ذهني بين اللازم والملزوم كالاقتران الذهني الحاصل وين؟ بين النار والحرارة، وحينئذ فمجرد تصور النار سوف يكون سبباً لأمرين: سوف يكون سبباً أولاً لتصور الحرارة، وثانياً للحكم بأن الحرارة لا تنفك عن النار، يعني للحكم بالملازمة.

جيد، وفي بعض الأحيان قد يكون هناك تلازم بين شيئين، ولكن لا يكون هناك اقتران ذهني بينهما، كالأربعة والزوجية؛ يوجد اقتران بينهما، إلا أن هذا الاقتران ليس اقتراناً مؤكداً في الذهن، ولذلك نجد من أنفسنا أننا كثيراً ما نستحضر مفهوم الأربعة ولا نستحضر مفهوم الزوجية معها، وإن كانت يلزمها، ولو انفكت الزوجية عن الأربعة لبطل كونها أربعة، ولكن مجرد استحضار الأربعة قد لا يؤدي إلى تصور مفهوم الزوجية، فكيف نحكم حينئذ على الزوجية بأنها ملازمة للأربعة؟ والحكم على شيء فرع تصور الطرفين، فرع تصور الزوجية وفرع تصور الأربعة.

ولذلك يقال: إن الزوجية بالنسبة إلى الأربعة لازم بين؛ بمعنى أن الحكم بالملازمة لا يحتاج إلى إقامة الدليل، ولكن الحكم بالملازمة لا يكفي فيه تصور الموضوع وحده، بل لابد أن نتصور الموضوع ثم نتصور المحمول، ثم بعد ذلك ننسب أحدهما إلى الآخر -أي أن نتصور النسبة بينهما- فيكون ذلك كافياً للحكم بالملازمة، وكل من هذه الأمور الثلاثة من سنخ التصورات؛ لأنها تصور للموضوع، وتصور للمحمول، وتصور للنسبة الكائنة بين الموضوع والمحمول، فهو ليس لازماً غير بين؛ لأنه لم يحتج إلى إقامة دليل وإلى إجراء برهان. وليس لازماً بيناً بالمعنى الضيق لللزوم؛ لأنه يتوقف على تصور أمور ثلاثة، بخلاف اللازم البين بالمعنى الأخص، فإنه يكفي فيه تصور الموضوع.

وقد ظهر من مجموع ما تقدم أن العرضي إن كان يحكم العقل بامتناع انفكاكه عن موضوعه -شوف، إن كان يمتنع انفكاكه عن موضوعه بحكم العقل- فهو العرضي اللازم، وإلا فإن لم يمتنع انفكاكه عقلاً فهو عرضي غير لازم ويقال له مفارق، سواء حصلت المفارقة خارجاً أو لم تحصل، وسواء كان هناك لزوم خارجي أو لم يكن هناك لزوم خارجي، الكلام في اللزوم العقلي.

ثم اللازم بحكم العقل -ويسمى لازماً عقلياً، جيد- اللازم بحكم العقل لا يخلو: إما أن يكفي لحكم العقل بهذا اللزوم مجرد التصور، أو لابد مع التصور من التصديق، يعني من إقامة البرهان، من إقامة الدليل. جيد، فإن كان يكفي في الحكم بالملازمة مجرد التصور فهذا هو اللازم البين، جيد، وإنما سمي بيناً لأنه لا يحتاج إلى البحث عن الدليل. وإلا فهو لازم غير بين، كالوحدانية بالنسبة إلى ذات واجب الوجود.

ثم اللازم البين -وهو ما يكفي لحكم العقل بالملازمة مجرد التصور- إما أن يكفي تصور الموضوع وحده، فهذا لازم بين بالمعنى الأخص؛ لأنه أضيق دائرة من كل ما عداه، أو لا يكفي مجرد تصور الموضوع، بل لابد مع تصور الموضوع من تصور المحمول والنسبة بينهم، ولذلك عندما نتصور الأربعة لا نحكم مباشرة بأن الأربعة زوج، وبأن الزوجية لا تنفك. نعم، عندما نتصور الأربعة تصوراً صحيحاً، ونتصور بعد ذلك الزوجية تصوراً صحيحاً، وننسب أحد المفهومين إلى الآخر -يعني نحمل أحدهما على الآخر- نحكم بهذه الملازمة ونحكم بامتناع الانفكاك. وبهذا ينتهي الكلام في العرضي اللازم.

---

إشكال تقابل القسيمين (البين بالمعنى الأخص والأعم) والجواب عنه

وقبل أن ننتقل إلى العرضي المفارق، لابد أن نشير إلى مسألة ههنا، وهي أنهم قالوا إن اللازم لازم بين وغير بين، وهذا لا مشكلة فيه. ثم بعد ذلك قسموا اللازم إلى قسمين: إلى بين بالمعنى الأخص، وإلى بين بالمعنى الأعم.

فاللازم البين بالمعنى الأخص -شوف- قسيم لأي نوع؟ قسيم لأي قسم؟ اللازم البين بالمعنى الأعم. وحينئذ يورث إشكال في المقام، وهو أن اللازم البين بالمعنى الأخص لما كان قسيماً للازم البين بالمعنى الأعم، فالأقسام ماذا يجب أن تكون؟ متباينة. والتباين في قبال التساوي والعموم والخصوص المطلق والعموم والخصوص من وجه. فكيف يكون البين بالمعنى الأخص قسيماً للبين بالمعنى الأعم، ثم يكون أحدهما أخص والآخر أعم؟

هل يمكن وهل يصح أن نقسم الكلمة مثلاً إلى اسم ومرفوع ومنصوب؟ لا يصح ذلك؛ لأنه سوف تتداخل الأقسام، مع أن التقسيم دائماً يجب أن يكون على أساس الإثبات والناتي (والنافي)، والمثبت والمنفي لا يجتمعان، ولذلك فإن الأقسام دائماً يجب أن تكون متباينة؛ بمعنى أنه لا شيء من القسم الأول بحيث يصدق عليه القسم الثاني، فنقول: الكلمة اسم وفعل وحرف، فلا شيء من الاسم بفعل ولا بحرف، ولا شيء من الفعل باسم أو بحرف، وهكذا.

فالقسمة لما كانت دائماً تبتني على أساس الإثبات والنافي فلا بد أن تكون الأقسام متباينة بحيث لا تجتمع في مورد واحد، ولو في مورد واحد، فقسيم الشيء لا يجامعه في مورد. وأنتم تقولون إن اللازم البين ينقسم إلى بين بالمعنى الأعم وإلى بين بالمعنى الأخص، فقد جعلتم أحدهما أعم والآخر أخص، والأخص يجامع الأعم أو لا؟ بلا إشكال، لأنه كلما صدق الأخص صدق الأعم، فإن الإنسان يجامع الحيوان، يجتمعان في مورد واحد وهو زيد.

ليش؟ لأن نسبة العموم والخصوص المطلق كما عرفنا تنحل إلى موجبة كلية موضوعها الأخص (كل إنسان حيوان)، وإلى سالبة جزئية موضوعها الأعم (بعض الحيوان ليس إنساناً). جيد، فيلزم من وجود عموم وخصوص بين القسيمين أن يكونا بحيث يجتمعان، وهذا ينافي كونهما قسيمين، فاجتمع النقيضان؛ لأنهما لجهة كونهما قسيمين فلا بد من التباين، ولجهة أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص فلا مكان للتباين. واضح الإشكال؟

والجواب: طبعا أجيب بجملة من الأجوبة على ذلك، ولكن لا أرى أن هذه الأجوبة بحيث نحتاج إليها من أول الأمر، لأن الجواب على ذلك هو أنه لا يوجد نسبة العموم والخصوص بين اللازم البين بالمعنى الأخص واللازم البين بالمعنى الأعم، وإنما سمي -طبعا وإنما يوجد بينهما تباين- لأنه ما هو المراد من اللازم البين بالمعنى الأخص؟ ما يكفي فيه تصور الموضوع. وما هو المراد من البين بالمعنى الأعم؟ ما لا يكفي فيه تصور الموضوع، بل يحتاج إلى زيادة. وما يكفي وما لا يكفي النسبة بينهما هي التباين.

نعم، لما كان تصور الموضوع داخلاً -يعني لما كان هو كل الشرط في اللازم البين بالمعنى الأخص- وكان بعض الشروط الثلاثة في اللازم البين بالمعنى الأعم؛ لأنه في اللازم البين بالمعنى الأعم إلى كم من شيء نحتاج؟ نحتاج إلى تصور الموضوع، وإلى تصور المحمول، وإلى تصور النسبة بينهما، تمام؟

جيد، لما كان شرط اللازم البين بالمعنى الأخص موجوداً في اللازم البين بالمعنى الأعم ومعه زيادة، سمي هذا أخص وذاك أعم للمناسبة في التسمية، وإلا من حيث المورد -يعني التفت- لا يوجد عموم وخصوص، وإنما يو لأن العامة والخاصة يجامعان -يتجامعان- في مورد واحد، وإنما سمي اللازم البين بالمعنى الأخص أخص؛ لأنه أخذ فيه شرط واحد، وهذا الشرط بنفسه أخذ وين؟ في اللازم البين بالمعنى العام، ولكن أخذ معه زيادة، ولكن هذا لا يعني أنه كلما صدق اللازم بالمعنى الأخص فقد صدق اللازم بالمعنى الأخص [كذا] لا شيء من خارجاً، لا شيء مما يصدق عليه أنه لازم بالمعنى الأخص بحيث يصدق عليه أنه لازم بالمعنى الأعم.

نعم، قد أخذ في اللازم بالمعنى الأخص شرط، وأخذ في اللازم بالمعنى الأعم شروط، ثم كان ذلك المأخوذ في الأخص مأخوذاً بنفسه في الأعم وأخذ معه زيادة زيادة، فسمي أحدهما أخص والآخر أعم لذلك. ولذلك لا يوجد بينهما إلا نسبة التباين حقيقة، ولا يوجد بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق.

بعبارة أدق: العموم والخصوص المطلق حتى يتحققا فلا بد من أمرين: الأمر الأول: الاجتماع في المصاديق؛ لما عرفنا من أن النسبة الأربعة إنما هي نظر إلى المفهوم باعتبار الانطباق على مصاديقه، فالعموم والخصوص المطلق أخذ فيه أن يكون هناك نظر إلى المصداق، هذا أولاً. وثانياً: الخاص أخذ في الخصوص أن يكون عبارة عن العام وزيادة، كالإنسان الذي هو عبارة عن الحيوان وزيادة الناطقية عليه. فإذا انتفى أحد الأمرين لم يعد الحديث عن العموم والخصوص المطلق الذي هو واحد من النسب الأربعة.

وفي مقامنا نحن قد تحققت واحدة من هاتين الخصوصيتين، وهي أنه قد شرط في اللزوم بالمعنى الأعم ما شرط بالمعنى الأخص وزيادة، ولكن لا نظر في هذا العموم والخصوص إلى المصداق، وإنما هذه الشروط تحقق مفهوم اللازم بالمعنى العام ومفهوم اللازم بالمعنى الأخص، ولذلك فإن التسمية كانت لوجود هذه الخصوصية، ولكن هذا لا يحقق نسبة للعموم والخصوص بينهما، إذ لا نظر إلى المصداق من هذه الجهة؛ يعني أنا -التفت، أنا لا أقول أن- لا نقول هذا المفهوم حتى ينوجد لابد أن ينوجد أمور ثلاثة، فهذا المفهوم لا ينوجد إلا بوجود الأمور الثلاثة -يعني التصورات الثلاثة- وإذا عدم واحد من التصورات الثلاثة فينعدم ذلك المفهوم، لا أن هذا المفهوم ينطبق على مصاديق ثلاثة.

التفتوا إلى هذا، نحن لا نقول إن اللزوم البين بالمعنى الأعم ينطبق على تصور الموضوع وينطبق على تصور المحمول وينطبق على تصور النسبة، حينئذ تكون النسبة هي عموم الخصوص بينهما، وإنما نقول إن اللزوم البين بالمعنى العام حتى يتحقق مفهومه لابد أن نجمع بين أمور ثلاثة، وفرق فارق بين هذين الأمرين.

نقرر هذا المقدار، قال قدس سره: العرضي ملازم ومفارق.

اللازم: ما يمتنع انفكاكه عقلاً -يعني التفت، لا مطلق ما يمتنع انفكاكه، قد يمتنع الانفكاك ولكن خارجاً، المراد من الانفكاك الانفكاك العقلي، وما هو مناط الانفكاك العقلي؟ هو أن العقل يجد تناقضاً منطقياً على مستوى التصور، أصل التصور فيه مشكلة- ما يمتنع انفكاكه عقلاً عن موضوعه، كوصف الفرد للثلاثة، والزوج للأربعة، والحارة للنار.

طبعاً لماذا جاء بمثالين: الزوجية للنار والزوجية للأربعة والحرارة للنار ليش؟ نعم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لأن اللزوم إما لزوم للوجود الذهني أو لزوم للوجود الخارجي أو لزوم للماهية، هذا يأتي إن شاء الله. ولكن التفت: الحرارة لازمة للنار، ولكن لازمة له خارجاً أو ذهناً؟ خارجاً، والنار التي في الذهن لا تحرق، جيد، فهذا يقال له لازم للوجود. وعندنا هذا لازم للماهية مثل الزوجية، لأن الأربعة -سواء في الذهن أو في الخارج- لابد أن تكون زوجاً، جيد، ولذلك هذا اللزوم يقال لزوم للماهية من حيث هي، والماهية من حيث هي ليست إلا هي، موجودة في الذهن وفي الخارج بوجود واحد كما قيل. جيد.

ما يمتنع انفكاكه عقلاً عن موضوعه كوصف الفرد للثلاثة، والزوج للأربعة، والحارة للنار.

المفارق، قال: ما لا يمتنع انفكاكه عقلاً عن موضوعه، كأوصاف الإنسان المشتقة من أفعاله وأحواله مثل قائم وقاعد -ليش لم يقل القيام والقعود؟ لأن القيام والقعود ليس كلياً محمولاً، لا تقول: الإنسان قيام، تقول: الإنسان قاعد، قائم، والكلام في العرضي، يعني في الكلية المحمول، وهذه لا يريد أن يوقعنا في الشبهة التي ذكرها بالأمس- قال: مثل قائم وقاعد ونائم وصحيح وسقيم وما إلى ذلك، وإن كان لا ينفك أبداً -مش يعني دائماً لا ينفك، قد ينفك- قال: وإن كان قد لا ينفك أبداً، فإنك ترى أن وصف العين بالزرقاء لا ينفك عن وجود العين، ولكنه مع ذلك يعد عرضياً مفارقاً؛ لأنه لو أمكنت حيلة ولو فرضاً لو أمكنت حيلة لإزالة الزرقة لما امتنع ذلك وتبقى العين عيناً، جيد، وإن صارت عيناً بيضاء مثلاً، وهذا لا يشبه اللازم.

فلو قدرت -فلو قدرت حيلة لسلخ وصف الفرد عن الثلاثة، لما أمكن أن تبقى الثلاثة ثلاثة، وإلا قلبت أربعة أو اثنين. ولو قدر سلخ وصف الحرارة عن النار لبطل وجود النار. وهذا معنى امتناع الانفكاك عقلاً.

ولذلك كثير من المفسرين في قصة إراهيم (عليه السلام) قالوا: لا يمكن أن تكون هذه النار ناراً عندما قيل لها: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ فالله عز وجل عندما أراد أن يعدم اللازم لا يعدم اللازم، وإنما يعدم الملزوم فينعدم اللازم بتبعه. البعض قال: إذا أعدم النار لم يكن في ذلك أي معجزة. جيد، طبعاً إشكالات وردود.

قال: ليش يوجد معجزة؟ أن الأسباب المنطقية لوجود النار موجودة. البعض قال: لا، بقيت النار ناراً، ولكن أوجد مانعاً وحائلاً بين النار وبين إبراهيم، فحصل بسبب ذلك البرد، لا أن الحرارة قد انفكت عن النار. البعض الثالث قال: إن النار هاهنا قد سلبت عنها الحرارة، ولكن في هذا الوقت لابد أن تكون الحرارة قد سلخت عن كل نار في هذا الكون. ليش قالوا؟ لأن حتى يعني تنسلخ عن ماهية -لأن سلخ الحرارة عن ماهية النار يوجب أن لا تعود النار ناراً- فلا بد أنها تحولت إلى حقيقة أخرى في كل الكون في هذه اللحظة الواحدة، على تفصيل كثير في هذه الأقوال تأتي في مباحث التفسير وفي علم الفلسفة. كيف كان؟

قال: اللازم بين وغير بين، البين بين بالمعنى الأخص وبين بالمعنى الأعم.

البين بالمعنى الأخص، قال: ما يلزم من تصور -بس الملزوم ما هو؟ الملزوم هو الموضوع، هو حقيقة العلة، احفظوا ذلك، كثير من الطلبة يشتبه عليه الأمر، الملزوم هو العلة، واللازم هو المعلول. ولذلك عندما ينعدم المعلول فلا بد أن تنعدم تنعدم العلة، جيد؟ ليش؟ لأنه إذا عدمت الحرارة فلا يمكن أن تكون النار موجودة؛ لأنها لو كانت موجودة لاستدعت وجود الحرارة، والفرض أن الحرارة منعدمة.

ولكن التفت: انعدام الملزوم لا يوجب انعدام اللازم، انعدام العلة لا يوجب انعدام المعلول، أنا نلتفت: لا يوجد نار هنا، وقد تنوجد الحرارة كما إذا نادت الحرارة بعلة ثانية وهي الاحتكاك مثلاً، جيد، فقد تنوجد -التفت- فوجود المعلول أو انعدام المعلول يكشف عن انعدام كل علة لها قطعاً، ولكن انعدام هذه العلة لا يوجب انعدام المعلول، لاحتمال أن ينوجد من علة أخرى. نعم، انعدام كل علة بلا إشكال يوجب انعدام المعلول، يعني لو فرضنا أنه لا يوجد لا نار ولا احتكاك ولا غير ذلك من موجبات الحرارة. على كل حال، قال: ما يلزم من تصور ملزومه تصوره بلا حاجة إلى توسط شيء أكثر من تصور الموضوع.

البين بالمعنى الأعم، قال: ما يلزم من تصوره وتصور الملزوم لزوم، وتصور النسبة بينهما، يلزم من هذه التصورات الثلاثة الجزم بالملازمة مباشرة، يعني من دون دليل. مثل: الإنسان -نصف الإنسان- الاثنان نصف الأربعة، وكثيراً ما نتصور الاثنين ونغفل عن نصفيتها الأربعة، أو ربع الثمانية؛ فإنك إذا تصورت الاثنين قد تغفل عن أنها نصف الأربعة، فكيف تحكم بالملازمة والحكم على شيء فرع تصوري؟ أو ربع الثمانية.

ولكن إذا تصورت أيضاً أيضاً -شو يعني أيضاً؟ يعني مع تصور الاثنين تصورت الثمانية- هذا خطأ، كان يفترض أن يقول: تصورت ربع الثمانية، ما هو المحمول ما هو؟ ربع الثمانية، مش الثمانية. يعني الآن أتصور الاثنين وأتصور الثمانية ولا أحكم بملازمة، لابد أن أتصور الاثنين وربع الثمانية، أو الاثنين ونصف الأربعة -مش الأربعة مثلاً- وتصورت النسبة بينهما، يعني قست أحدهما إلى الآخر، وإلا قد أتصور الأربعة هاهنا ثم بعد قليل أتصور الزوجية مثلاً ولا التفت إلى التصور، فلا بد أن أقرن أحد التصورين بالآخر وتصورت النسبة بينهما تجزم أنها ربعها، وكذا إذا تصورت الأربعة -يعني نصف الأربعة- والنسبة بينهما تجزم أنها نصفها، وهكذا في نسبة الاعداد بعضها إلى بعض.

ومن هذا الباب: لزوم وجوب المقدمة لوجوب ذي المقدمة. التفت لنا، الآن كثيراً ما نتصور الصلاة ثم نغفل عن تصورها الوضوء معه، ولكن إذا تصورنا الصلاة وتصورنا الوضوء وعرفنا أنه مقدمة للصلاة الواجبة نحكم مباشرة بوجوب الوضوء، جيد، فإنك إذا تصورت وجوب الصلاة وتصورت الوضوء وتصورت النسبة بينه وبين الصلاة -شو هي النسبة؟ وهي توقف الصلاة الواجبة عليه- حكمت بالملازمة بين وجوب الصلاة ووجوبه.

هذه الفقرة التي جاء بها الماتن فقرة لها بحث أصولي واسع، وهي أن الشرع هل نحتاج إلى أن يأتي الشارع ويوجب الوضوء بوجوب شرعي؟ أم أن الشارع يكفيه أن يقول لنا إن الصلاة واجبة، ثم يبين لنا أن الوضوء مقدمة للصلاة؟

التفت، مرة يأتي الشارع ويقول لك: الصلاة واجبة، ثم يقول لك: الوضوء مقدمة للصلاة، ثم لابد أيضاً أن يقول: فأنا أوجب الوضوء عليك. فهل يحتاج الوضوء إلى وجوب شرعي؟ هل المقدمة تحتاج إلى وجوب شرعي أو لا؟ يكفي أن يبين لك الشارع أن هذه قد جعلها مقدمة للواجب وأنت تنتزع الوجوب بحكم العقل.

البحث طويل وواسع وقد صنف نصف كتاب الشيخ المظفر في هذه القضية، ولذلك أدرجها هاهنا. كيف كان؟ قال: وإنما كان هذا القسم من البين الأعم لأنه لا يفرق فيه بين أن يكون تصور الملزوم كافياً في تصور اللازم وانتقال الذهن إليه، وبين أن لا يكون كافياً بل لابد من تصور اللازم وتصور النسبة للحكم بالملازمة. وإنما يكون تصور الملزوم كافياً في تصور اللازم عندما يؤلف الذهن الملازمة بين الشيئين على وجه يتداعى عنده المتلازمات، يعني شو عم بيقول؟ عم بيقول: متى يكون التصور لازماً بالمعنى الأخص؟ قال: إذا كان هناك اقتران ذهني بين النار والحرارة بحيث تصور أحدهما يكفي لتصور الآخر فللحكم بالملازمة؛ فإن إذا وجد أحدهما في الذهن وجد الآخر تابعاً له، فتكون الملازمة حينئذ ذهنية.

غير البين، قال: وهو ما يقابل البينة مطلقاً؛ بأن يكون التصديق والجزم بالملازمة لا يكفي فيه تصور الطرفين، ولا تصور النسبة بينهما، بل يحتاج إثبات الملازمة إلى إقامة الدليل عليها، مثل الحكم بأن المثلث زواياه تساوي قائمتين -يعني 180 درجة؛ فإن الجزم بهذه الملازمة يتوقف على البرهان الهندسي، ولا يكفي تصور زوايا المثلث وتصور القائمتين وتصور النسبة للحكم بالتساوي.

الآن أنا أتصور المثلث وأتصور ما معنى زاويتين قائمتين، يعني أتصور الـ 180 درجة، ثم لا أحكم بالملازمة، مع أني تصورت الطرفين وتصورت النسبة بينهما، لابد من إقامة البرهان الهندسي. البرهان الهندسي -يلتفت- مش يعني قياسها خارجاً، هذا لا يسمى برهاناً حينئذ، هذه عملية غير فكرية، نعم هذه تجربة، ولذلك يمكن أن نقيم برهاناً عقلياً على أن المثلث يجب أن تكون زواياه عبارة عن مجموع قائمتين.

والخلاصة: معنى البَيّن مطلقاً ما كان لزومه بديهياً لا يحتاج إلى أعمال النظر، وغير البَيّن ما كان لزومه نظرياً، جيد، ولذلك هذه التجربة بالمسطرة -يعني أن نعرف حجم الزاوية- ليس هذا برهاناً طيب وليس أمراً نظرياً، عملية غير فكرية.

قال: المفارق.

---

أقسام العرضي المفارق

مفارق ينقسم إلى دائم وسريع الزوال وبطيئه -لا يوجد فيه شيء- نقرأ.

قال: الدائم؛ المفارق ينقسم إلى العرضي المفارق يعني إما دائم -يعني لا ينفك خارجاً وإن كان العقل لا يأبى انفكاكه- كوصف الشمس بالمتحركة، لم يتفق يوماً أن توقفت الشمس عن التحرك، جيد. طيب. ووصف العين بالزرقاء، طيب.

وعندنا مفارق يزول، وزواله يكون -يعني يفارق ولكن زواله يكون سريعا- كالخجل وصفرة الخوف (كحمرة الخجل وصفرة الخوف)؛ فإنهما ينعدمان بانعدام الخجل وبانعدام الخوف، وعندنا -مش ينعدمان بانعدام، قد يبقى الخوف وتزول الصفرة- طيب. وعندنا بطيء الزوال، قال: كالشباب بالنسبة إلى الإنسان، جيد.

الكلي المنطقي والطبيعي والعقلي هذا إن شاء الله غدا.

والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.