دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 4
004
العلم الحصولي: التصور والتصديق
عرفنا في السابق أن العلم الذي نبحث عنه هو عبارة عن حصول صورة الشيء عند العقل، أو فقل هي الصورة التي تنطبع في الذهن عندما نواجه الخارج. يقع الكلام في تقسيم هذا العلم إلى قسمين. في البداية قلنا: العلم إما علم حضوري، وهذا عبارة عن حضور نفس المعلوم عند العالم؛ وإما علم حصولي، وهو عبارة عن حصول صورة المعلوم لدى العالم. فهذا التعريف الذي جئنا به هو تعريف لنوع مخصوص، هو العلم الحصولي.
هذا العلم الحصولي ينقسم إلى قسمين: إلى تصور، وإلى تصديق. توضيح ذلك أن أحدنا إذا نظر إلى حائط وقد رُسم على ذلك المثلث ما، فعندما تتوجه العين إلى هذا المثلث نجد أن صورة هذا المثلث قد حضرت إلى أذهاننا، إلا أن هذه الصورة عندما حضرت إلى الذهن حضرت لوحدها ولم يحضر معها شيء آخر. بعبارة أدق، هذه الصورة عندما حضرت إلى الذهن، فقد حضرت من غير أن تستتبع وأن تولد شيئا في النفس؛ مجرد مجيء هذه الصورة لم يولد أثرا نفسيا. فيقال لمثل هذه الصورة إنها صورة مجردة، لأنها صورة محضة خالية من أي انفعال أو فعل نفساني.
ولكن تارة ثانية يأتي المتكلم ويقول لي: زيد قائم. شوف، عندما يقول المتكلم: زيد قائم، هذه جملة إسمية مركبة من مبتدأ هو زيد، وخبر هو قائم، ويوجد نسبة بين زيد وبين قائم. توضيح ذلك عندما يقول المتكلم: زيد قائم، التفت الذهن كيف يتلقى هذه الجملة، فإن الإنسان أو المخاطب يقوم أولاً بتصور زيد، أي بإحضار صورة زيد إلى الذهن، ثم بعد ذلك يقوم بإحضار صورة القيام. ما معنى القيام؟ هذه هي التي يكون عليها أي قائم بمعزل عن القائم من هو. فالمخاطب عندما يسمع هذه الجملة يقوم أولاً بتصور الطرف الأول، أي بإحضار صورة زيد في ذهنه، ثم يقوم مرة ثانية بإحضار صورة القيام، ثم يقوم مرة ثالثة باستحضار صورة القيام الصادر من خصوص من؟ زيد.
في البداية في المرحلة الثانية تصور زيداً حتى لو لم يكن قائماً، ثانياً تصور القيام حتى لو لم يكن من زيد، وثالثاً تصور خصوص القيام الذي يكون من زيد. فيقال إنه قد تصور القيام المنسوب إلى زيد، أو فيقال إنه قد تصور النسبة، أي النسبة الكائنة بين الطرفين؛ نسبة القيام إلى زيد. ثم بعد أن يتصور زيداً والقيام وقيام زيد، ينظر هذا المخاطب إلى الخارج، فيبحث عن زيد فيجده. فإذا وجده قائماً فعلاً، فهذا يعني أن هذه النسبة، وهي القيام المنسوب إلى زيد التي استحضرها تطابق ذلك الواقع الخارجي. وإذا وجده غير قائم، فهذا يعني أن هذه النسبة لا تطابق الواقع الخارجي.
وعلى كلا التقديرين، سواء كانت هذه النسبة مطابقة للواقع الخارجي أو ليست مطابقة للواقع الخارجي، تماماً؟ على كلا التقديرين، فإن هذه النسبة التي استحضرها ثم بحث عن الخارج فوجد المطابقة أو عدم المطابقة تولد في النفس حالة، وهي حالة الإذعان، حالة الحكم بأن هذه النسبة واقعه أو ليست بواقعة. فنحن عندما استحضرت صورة المثلث حضرت إلى أذهاننا تلك الصورة لوحدها من غير أن تولد هذه الصورة حالة في النفس. ولكن عندما استحضرت صورة قيام زيد وبحثت في الخارج عن قيامه أو عدمه، فإنني أصدق بأن هذه النسبة واقعة أو لا أصدق، أو أصدق بأن هذه النسبة ليست بواقعة.
ويقال: إن التصور الأول، وهو تصور المثلث، كان تصوراً مجرداً، يعني خالياً عن الحكم؛ لم يكن هناك حكم بأن هذه الصورة تطابق الواقع أو ليست تطابقه. ولكن في الحالة في المثال الثاني، هذه الصورة التي استحضرناها ثم بحثنا في الخارج إلى آخره ووجدنا المطابقة، فنحن حكمنا بأن هذه الصورة الذهنية تطابق الواقع الخارجي.
ومن هنا ينقسم العلم الحصولي -الذي هو حصول الصورة- إلى قسمين؛ لأن الصورة التي تحصل في الذهن لا يخلو إما أن تكون صورة يأتي معها حكم، أو صورة لا حكم معها. فإن كان التصور تصوراً لصورة تولد حكما، فهذا هو الذي نسميه التصديق، وإذا كان التصور تصوراً لصورة لا حكم معها، فهذا هو الذي نسميه التصور. فصار العلم الحصولي على قسمين؛ لأن الصورة التي تحصل في الذهن إن كانت تستتبع حكماً، تولد حكماً أو يأتي بعدها حكم، فهذه الصورة تسمى تصديقاً، وإن كانت هذه الصورة صورة لا حكم معها، فتسمى هذه الصورة صورة مجردة، يعني تصوراً تسمى تصوراً، أو تصوراً محضا.
تحليل عملية التصور والتصديق
طيب، الآن حتى يتضح هذا المطلب أكثر، نرجع إلى نفس هذا المثال، وهو: زيد قائم. التفت، قلنا إن هذه الجملة عندما يريد أن يتوجه إليها المخاطب، فلا بد أن يستحضر في ذهنه ثلاثة تصورات: لا بد أن يتصور أولاً صورة زيد لوحده، وثانياً صورة القيام لوحده، وثالثاً يستحضر صورة قيام زيد، يعني القيام الصادر من خصوص زيد.
هنا المخاطب عندما يقال له: زيد قائم، تارة تقال له هذه الجملة فيبحث فيتجه إلى عالم الخارج ويجد أن زيداً قائم فعلاً، أو أنه ليس قائماً فعلاً. وتارة لا يتجه إلى الخارج، فقط أخذت هذا الخبر منك وأنا لا أعرف صدقه أو كذبه. فإذا توجه المخاطب إلى الخارج وبحث عن حالة زيد في الخارج، فهنا يقال لمثل هذا التصور إنه تصور يولد الحكم. أما إذا قلت لي: زيد قائم وأنا لم أتوجه إلى الخارج ولا أعرف إذا كان كلامك كاذباً أو كان كلامك صحيحاً؛ تصورت زيداً وتصورت قيام زيد وتصورت القيام وحده، ومع ذلك أنا لا أعرف إذا كان زيد واقعاً قائم أو ليس بقائم، هنا يقال أن هذه التصورات تصورات شو ما؟ لا حكم معها.
فالعبرة في ولادة الحكم هو أن نبحث عن الخارج لنرى أن هذه النسبة التي حضرت إلى الذهن هل تطابق النسبة الواقعية التي عليها زيد في الخارج أو لا تطابق النسبة الواقعية التي عليها زيد في الخارج؟ واضح إلى الآن؟
فالحكم عبار، ما معنى أن يكون مع التصور حكم؟ الحكم عبارة عن إذعان النفس؛ النفس تجد من نفسها أنها تركن إلى هذا الخبر، تقبله، تأخذه أخذ القبول. هو قبول النفس، هو اعتراف النفس، هو سكون النفس وإذعانها بأن هذه النسبة التي جاء بها المتكلم وأحضرها في ذهني تطابق الواقع، أو هو الإذعان بأن هذه النسبة التي أحضرها في ذهني لا تطابق الواقع.
فالتصديق لا يسمى تصديقاً لأنك تصدق المخاطب أي تؤيده، أنت قد تحكم بكذبه ويسمى هذا تصديقاً. المناط في حصول التصديق هو أن يكون هناك حكم، وإنما يكون هناك حكم إذا أذعنت النفس بأن هذه النسبة التي جاء بها المتكلم وأحضرها إلى الذهن تطابق الواقع الخارجي أو الإذعان بأنها لا تطابق الواقع الخارجي. فيقال: قد صدقت، بمعنى أنني أذعنت إما بصدق كلامك أو أنني أذعنت بكذب كلامك.
ومن هنا يقال: التصور معه حكم، يعني يولد حكماً؛ التصديق تصور على وجه يكون معه حكم. وكيف يكون مع التصور حكم؟ إذا نظرنا إلى الخارج وبحثنا عن المطابقة أو عدم المطابقة، وذلك لأن هناك نوعين ونحوين من النسبة. الآن عندما نقول نسبة، ما معنى النسبة؟ هو نسبة شيء إلى شيء. عندما نقول تصور النسبة، أي تصور القيام المنسوب إلى زيد، والنسبة تتقوم بطرفين: منسوب ومنسوب إليه، فزيد هو المنسوب إليه لأنه نسب إليه القيام، وقائم هو المنسوب لأنه نسب إلى زيد. فالتصور أو التصديق تصور على وجه يتراجع يترتب عليه حكم، والمراد من الحكم إذعان النفس بمطابقة ما في الذهن لما في الخارج.
نرجع إلى أصل الكلام، قلنا: لأن هناك نوعين من النسبة؛ نسبة ذهنية ونسبة خارجية. أما النسبة الذهنية فهي عبارة عن هذا القيام الذي محله وين؟ الذهن، ولكنه خصوص القيام الصادر من زيد. فعندما يقول المتكلم: زيد قائم، فقد أحضر في ذهنه نسبة ذهنية، وهي نسبة مفهوم القيام إلى مفهوم زيد. ولكن هناك نسبة خارجية، وهي أن زيداً الذي في الخارج هل هو قائم أو ليس بقائم؟ فإذا كان قائماً فهذا القيام -أي قيام؟ القيام الخارجي منسوب إلى زيد، فهذه نسبة خارجية.
ولذلك يعرف الصدق بأنه مطابقة الواقع، شو يعني؟ مطابقة النسبة الذهنية للنسبة الواقعية. والكذب هو عدم مطابقة الواقع، أي عدم مطابقة النسبة الذهنية للنسبة الواقعية.
من جهة ثانية، يتضح أن التصديق عبارة -هذا التعبير ليس دقيقاً ولكن نأخذه في هذه المباحث- عبارة عن... أو حتى يكون الكلام دقيقاً، حتى يتحقق التصديق لا بد أن تتحقق أمور أربعة:
1. تصور الطرف الأول، يقال له تصور الموضوع.
2. تصور الطرف الثاني، يقال له المحمول.
3. تصور النسبة.
4. الإذعان بأن هذه النسبة -أي نسبة ثالثة يعني الأمر الثالث، نعم النسبة الذهنية- الإذعان بأن النسبة الذهنية مطابقة للنسبة الواقعية أو ليست مطابقة له.
فالتصديق حتى يتحقق لا بد أن تتحقق هذه الأمور الأربعة، فإذا ما اختل كل واحد من هذه الأربعة انتفى التصديق وإنما يكون حينئذ تصوراً محضا.
من جهة ثالثة، إذا رجعنا إلى هذه الأمور الأربعة، الأمر الأول منها كان عبارة عن تصور الموضوع، يعني تصور مفهوم زيد، استحضار صورة لزيد. هذا التصور هل هو تصور محض أو تصور معه حكم؟ هو تصور محض.
التصور الثاني، وهو تصور القيام، هو تصور محض أيضاً.
التصور الثالث، وهي استحضار النسبة، هذه الصورة هي التي يكون معها حكم، وهي التي يتعلق بها الحكم؛ الحكم إنما هو حكم على الصورة أو على النسبة الذهنية بأنها تطابق النسبة الواقعية. فالالحكم إنما يتعلق بالنسبة، ولا يتعلق بالمفردات؛ صورة زيد لوحدها لا يتعلق بها الحكم، لا تحكم على هذه الصورة تحكم عليها بأنها أي شيء، ولا تحكم على القيام، وإنما تحكم على القيام المنسوب إلى زيد بأنه مطابق للقيام المنسوب إلى زيد وين؟ في الخارج.
وخلاصة المطلب قبل أن ندخل في بعض الإشكالات: أن العلم الحصولي والذي هو حصول صورة الشيء عند العاقل أو في العقل، هذا التصور ينقسم إلى قسمين؛ لأنه إما تصور لا حكم معه أي تصور محض، وإما تصور معه حكم وهذا الذي يقال له التصديق. فصار العلم منقسماً إلى تصور وإلى تصديق، وقد عرفنا أن المراد من الحكم إذعان النفس واعترافها وسكونها إلى أن النسبة الذهنية تطابق النسبة الواقعية أو لا تطابقها.
أحكام التقسيم والاعتراضات على تقسيم العلم الحصولي
إذا اتضح ذلك، فلا بد أن نتعرض إلى جملة من المقدمات لكي تكون مدخلاً للشروع في بعض الإشكالات وبيان أجوبتها.
المقدمة الأولى: أننا عندما نقسم شيئاً إلى قسمين أو أكثر فنقول: العلم الحصولي ينقسم إلى تصور وإلى تصديق، فإن هذا الشيء الذي نقسمه -أي نجعل تحته أقساماً- يسمى مَقْسَماً. فالمقسم هو ما ينقسم إلى أشياء، وهذا هو الذي يكون جامعا بين كل الأقسام، يصدق عليه أنه علم حصولي أو لا، والتصديق أيضاً علم حصولي.
فعندما نقسم شيئاً إلى قسمين أو أكثر، فهذا الذي نقسمه يسمى مقسماً في الاصطلاح، والأشياء التي تندرج تحت المقسم ماذا تسمى؟ أقساماً. فالتصديق قسم من أقسام العلم الحصولي، والعلم الحصولي مقسم للتصديق. ثم هذه الأقسام تارة نقيسها إلى ما هو أعلى منها، أي إلى المقسم، فيقال لها أقسام، وتارة نقيسها إلى ما هو واقع في جنبها، يعني إلى قسم آخر، فيقال له قسيم.
هنا قيل: علي قسيم الجنة والنار؛ لأنه لا تجد علياً في النار ولا تجد علياً في الجنة، وإنما تجده بين النار والجنة، يفرق الناس ويدخل هذا ويخرج ذاك. كيف كان؟ العلم الحصولي إذاً، عندما قسمناه إلى تصور وتصديق، فهذا الذي انقسم يقال له مقسم، وما انقسم إليه يقال له قسم، والقسم بالنسبة إلى ما فوقه يقال له قسم، وبالنسبة إلى ما في جنبه يقال له قسيم.
ولذلك الآن، شوف، عندما تقول: الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف، فالمقسم ها هنا ما هو؟ الكلمة. والاسم والفعل والحرف أقسام. وإذا لاحظت الحرف بالنسبة وقايسته إلى الفعل يققال: الحرف قسيم الفعل. ما معنى القسيم؟ القسيم هو الذي يشارك، أي هو شريك الفعل في كونه مندرجاً تحت الكلمة. فصار عندي قسم ومقسم وقسيم.
إذا اتضح ذلك، فإنه من أحكام هذه القسمة أن الأقسام يجب -طبعاً هناك جملة من الأحكام التي تترتب على هذه القسمة، خلينا نبلش- من أحكام التقسيم أن الأقسام يجب أن تكون متباينة. فإذا قسمنا الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، فهذا يعني أن الكلمة أو أن الاسم يباين الفعل ويباين الحرف، بمعنى أنه لا يوجد كلمة ينطبق عليها أنها اسم ثم ينطبق عليها أيضاً أنها حرف أو أنها فعل؛ لأنه بحسب الفرض نحن نقول: الكلمة إما كذا فهي اسم، وإما ليست كذا فهي فعل. فلو كان هناك كلمة هي اسم وفعل في نفس الوقت لاجتمع النقيضان. لأنك مثلاً تقول: الإنسان أو الحيوان إما مفكر وإما غير مفكر. المفكر هو الإنسان، وغير المفكر إما صاهل أو لا. الصاهل هو الفرس مثلاً. فإذا أوجدت فرداً في الخارج وقلت هذا هو إنسان في عين الوقت الذي هو فرس، فيجب أن يكون هذا الفرد حينئذ مفكراً وغير مفكر في نفس الوقت. ولذلك قالوا: إن الأقسام يجب أن تكون متباينة، وكلما لم تكن الأقسام متباينة فالقسمة باطلة وفاسدة. هذا هو الحكم الأول من أحكام التقسيم.
الحكم الثاني: أن القسم يجب أن يكون مشتملاً على المقسم وزيادة. شوف، الآن تعال نجري هذا التقسيم: الحيوان إما أن يكون ناطقاً أو لا. الناطق ماذا سميناه؟ الإنسان. إذا أردنا أن نعرف الإنسان فالإنسان عبارة عن أي شيء؟ عبارة عن الحيوان زائد ناطق، فيقال له: حيوان ناطق. فتجد أن هذا القسم -اللي هو الإنسان- عبارة عن المقسم وزيادة. ونضم إليه زيادة الناطق، ثم نقول: الذي لا يكون ناطقاً إما أن يكون صاهلاً أو لا. الصاهل نقول له فرس. إذا أردنا أن نعرف الفرس ماذا نقول؟ هو حيوان صاهل. فتجد دائماً أن القسم عبارة عن المقسم وزيادة. وعندما تقول: الكلمة اسم وفعل وحرف، الاسم كلمة وليس بكلمة؟ اه، ولكنه كلمة مع زيادة، والفعل كلمة معها زيادة. ليش؟ نقول لأن هذا القسم إنما يندرج تحت المقسم، فلا بد أن يكون هذا المقسم منخفظاً فيه.
بعبارة ثانية، شوف الآن أنت عندما تقول: الحيوان عبارة عن إنسان وفيل وفرس وإلى آخره، واستعرضنا كل أفراد الحيوانات، هذا يعني أنك عندما تريد أن توجد حيواناً في الخارج فأنت سوف توجد إنساناً أو فرساً أو فيلا، لا أنك توجد حيواناً لا يكون لا فرساً ولا فيلا ولا إنساناً ولا أي فرد من أفراد الحيوان. هذا المفهوم لا وجود له إلا في الذهن، أما في الخارج فلا وجود إلا للأفراد. الآن الحيوان، هذا المفهوم الذي ننتزعه لهذا المعنى، لا وجود له في الخارج؛ ما له وجود في الخارج ما هو؟ هو زيد، عمرو، بكر، هذا الفرس، ذاك الفيل، هذه هي الأمور التي لها وجود في الخارج. وكذلك عندما تقول: الكلمة، الآن إذا قلت لك: أوجد لي كلمة، تقول لي مثلاً: زيد؛ أنت لم توجد كلمة، أنت أوجدت اسماً، لأن هذا الاسم هو عبارة عن الكلمة ومعها زيادة.
فالقسْم إذن لا يمكن أن يكون عبارة عن المقسم وحده، ولا يمكن أن يكون عبارة عن الزيادة وحدها، بل هو عبارة عن المقسم والزيادة. فلا يمكن مثلاً أن نقسم الكلمة إلى اسم وفعل وكلمة، هذا التقسيم باطل. ليش؟ قالوا: لأن هذا القسم -وهو الكلمة- حتى يكون قسماً يجب أن يكون عبارة عن المقسم وزيادة، ولكنه عبارة عن المقسم من دون زيادة، ولذلك لا معنى لأن يقال: الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وكلمة. هذا باطل. ليش باطل؟ لأنه يلزم حينئذ أن يندرج الشيء تحت نفسه، ومعنى أن يندرج الشيء تحت نفسه أن يدخل الشيء في نفسه، فيكون هو الداخل وهو المدخول فيه، وهذا واضح التناقض.
إذاً، فلا يمكن أن يكون القسم عبارة عن نفس المقسم، بل يجب أن يكون عبارة عن المقسم وزيادة. بعبارة ثانية: لا يجوز أن ينقسم الشيء إلى نفسه. واضح صار المطلب أو لا؟
بعد، لا يمكن أن يكون القسم عبارة عن الزيادة من دون المقسم. فلا يمكنك مثلاً أن تقول إن الحيوان ينقسم إلى إنسان وفرس وحجر؛ لأن الحجر ليس فيه المقسم، أي ليس حيواناً. فيقال: لا يمكن أن ينقسم الشيء إلى مباينه، حجر، لا شيء من الحجر بحيوان. ليش؟ لأن معنى أن تجعل الحجر تحت الحيوان أن يكون داخلاً فيه، وقد فرضنا أن الحجر غير داخل، مباين للحيوان.
فالقسْم عبارة عن المقسم وزيادة، وليس عبارة عن المقسم وحده وإلا انقسم الشيء إلى نفسه، وليس عبارة عن الزيادة وحدها وإلا انقسم الشيء إلى مباين، وكلاهما ممنوعان.
الإشكالات على التقسيم والجواب عنها
إذا اتضح ذلك، فقد يعترض على هذا التقسيم: أنكم عندما قسمتم العلم الحصولي إلى قسمين، إلى تصور وتصديق، ماذا تريدون من التصور؟ قالوا: الصورة التي لا حكم معها. طيب، فإذا أردتم أن تعرفوا لي هذه الصورة، التصور، ماذا تعرفونه؟ هو حصول صورة الشيء في العقل. وماذا تعرفون المقسم الذي هو العلم الحصولي؟ هو حصول صورة الشيء في العقل. فيلزم أن ينقسم الشيء إلى نفسه! وإذا صار القسم عبارة عن نفس المقسم، فقد فسدت وبطلت القسمة؛ لأن القسم يندرج تحت المقسم فيكون داخلاً فيه، فلو كان هذا القسم عين المقسم للزم أن يصير الشيء داخلاً في نفسه، فيكون داخلاً وخارجاً في نفس الوقت، وهو تناقض بين. ومن هنا يكون هذا التقسيم باطلاً. واضح صار المطلب أو لا؟ لأنكم ماذا أردتم من التصور؟ قلتم: التصور الذي لا يكون معه حكم إذا هو مجرد تصور. وماذا أردتم من العلم الحصولي الذي قسمتموه إلى تصور وإلى تصديق؟ قالوا: نريد من العلم الحصولي حضور صورة الشيء في الذهن. فصار ما جعل مقسماً عين ما جعل قسماً.
والجواب عن هذا الإشكال: بأن التصور ها هنا ليس عبارة عن حصول صورة الشيء في الذهن فقط هكذا، بل إن التصور هو عبارة عن صورة ليس معها حكم، أو فقل هي صورة بشرط أن لا يكون معها حكم، وهذه هي الزيادة، هي الشرطية ألا يكون معها حكم. وأما التصور الذي هو المقسم فهو عبارة عن التصور بغض النظر عما إذا كان معه حكم أو لم يكن معه حكم.
ولذلك شوف، الآن عندما تقول: الكلمة اسم وفعل وحرف، ما هو المراد من الكلمة؟ الكلمة بمعزل عن كونها اسماً أو فعلاً أو حرفاً، يعني لا بشرط كونها اسماً أو فعلاً أو حرفاً، وإن كانت في الخارج سوف لا تكون إلا إما اسماً أو فعلاً أو حرفاً. وأما القسم -وهو الاسم- فهو كلمة أيضاً، ولكن كلمة بشرط كونها مثلاً غير دالة على... أو بشرط كونها لها معنى مستقل في نفسي غير دالة على الزمن.
وها هنا نحن وإن كنا نطلق على العلم الحصولي بأنه تصور أيضاً، الآن في الدرس السابق دائماً كنا نطلق على هذا العلم بأنه تصور؛ لأنه حصول صورة في الذهن، وهذا التصور أيضاً حصول صورة في الذهن بطبيعة الحال هو لاندراجه تحت العلم الحصولي. ولكن التصور الذي هو المقسم يقال له: التصور لا بشرط الحكم. ما معنى لا بشرط الحكم؟ يعني لا بشرط أن... يعني سواء كان معه حكم أو لا يكون معه حكم، فنحن لا نشترط وجود الحكم كما لا نشترط عدمه. فالعلم الحصولي حتى يكون علماً حصولياً لا يشترط فيه أن يكون معه حكم، ولا يشترط فيه أن يكون خالياً من الحكم، وعلى كل تقدير نسميه علماً حصولياً، كما أن الكلمة حتى نسميها كلمة لا نشترط أن تكون مثلاً دالة على الزمان، كما لا نشترط أن لا تكون دالة على الزمان. ولذلك كان الفعل كلمة، لأنه وإن كان يدل على الزمان، والاسم كلمة، وإن لم يكن له دلالة على الزمان.
فالتصور المقسم هو التصور -شوف- لا بشرط الحكم، وأما التصور القسم فهو التصور بشرط عدم الحكم، والتصديق بشرط الحكم. واضح لنا؟ جيد، وبهذا يندفع الإشكال الأول.
الإشكال الثاني: أنكم أيها المناطقة عندما قسمتم العلم الحصولي إلى قسمين، إلى تصور وتصديق، ثم عرفتم التصديق قلتم: إن التصديق هو الحكم. ما معنى أن تصدق؟ أي أن تحكم بأن النسبة الذهنية مطابقة للنسبة الواقعية أو ليست مطابقة لها. فصار العلم الحصولي منقسماً إلى تصور وتصديق، أو فقل إلى تصور وحكم. فيرد إشكال آخر على التقسيم، وهو أن الحكم هل هو تصور؟ الحكم هل يصدق عليه أنه تصور؟ نفس الإذعان؛ الإذعان يحتاج إلى وجود تصورات، ولكن نفس الإذعان، نفس هذه الحالة النفسانية التي يدركها الإنسان من نفسه، هل هذه صورة؟ هذه ليست صورة، ليست الحكم ليس تصورا. وحينئذ يلزم أن يكون القسم عبارة عن الزيادة من دون المقسم. ليش؟ قالوا: لأنه ما معنى أن تصدق بالشيء؟ أي أن أحكم، النفس تحكم بأن النسبة الذهنية مطابقة للنسبة الواقعية، ونحن قلنا يوجد أربع مراحل، المرحلة الأخيرة هي الحكم هي التصديق، فيلزم حينئذ أن يكون التصديق عبارة عن الإذعان، والإذعان ليس تصورا، فيلزم حينئذ أن يكون التصديق الذي هو قسم من التصور -يعني من التصور المطلق- يلزم أن يكون هذا التصديق عبارة عن الزيادة من دون المقسم؛ لأن المقسم ما هو؟ هو التصور لا بشرط.
والجواب: أن التصديق ليس عبارة عن الإذعان، ولا عبارة عن الحكم؛ التصديق هو نفس التصور الذي ينتج عنه حكم، ولكن فكان حقه أن يسمى تصوراً أيضاً؛ تصور معه حكم. ولكن لأنهم أرادوا أن يميزوا بين هذا التصور الذي يولد حكماً وبين التصور الذي لا يولد حكماً، كيف ميزوا بينهما؟ بأن سموا هذا تصديقاً؛ لأنه يستتبع التصديق، يستتبع الحكم، فسمي الشيء باسم ما يترتب عليه، باسم لازمه كما سياتي في العبارة.
فالتصديق ليس عبارة عن الحكم، بل هو عبارة عن التصور أيضاً، ولكن الصورة إذا كانت تولد حكماً ويأتي بعدها حكم يقال لهذا التصور أنه تصديق، يسمى هذا التصور الذي معه تصديق تصديقاً، تسمية للشيء باسم ما يترتب عليه حتى نفرق بين التصديق وبين التصور.
وقد ظهر أن القسمة إلى الآن هي على الشكل التالي: أن التصور المطلق -شو يعني المطلق؟ يعني غير المقيد بكونه مع حكم أو من دون حكم- ينقسم إلى تصورين: إلى تصور مشروط بعدم الحكم، وهذا هو الذي نقول له تصور محض أو تصور، وإلى تصور مشروط بالحكم، وهذا هو الذي نسميه التصديق.
ففي هذه المراحل الأربعة التي كنا نتحدث عنها، شوف: تصور زيد، تصور القيام، تصور قيام زيد، وماذا عندنا هنا؟ الإذعان. التصديق ما هو؟ وهذا الثالث، تصور معه إذعان. أما نفس الإذعان فلا يقال له تصديق، وإلا كان المقسم منقسماً إلى الزيادة وكان القسم عبارة عن الزيادة من دون المقسم.
وتصور زيد لوحده نقول هذا مقدمة لحصول التصديق، يعني مقدمة لحصول تصور قيام زيد؛ لأنني حتى أتصور قيام زيد فلا بد أن أتصور زيداً أولاً والقيام ثانياً، ثم أتصور قيام زيد. فتصور زيد لوحده أيضاً هذا ليس من التصديق في شيء، ولكنه مقدمة إعدادية لحصول التصديق. تصور القيام وحده أيضاً ليس تصديقاً، ليس معه حكم، وجد وإنما هو مقدمة إعدادية لحصول تصور هذه النسبة. وأما تصور قيام زيد وهي صورة في الذهن لأنها تستتبع حكماً، يقال لهذه الصورة أنها تصديق. واما الحكم فهو الإذعان، والاذعان ما هو؟ اعتراف النفس أو ميل النفس -ليش عم بقول ميل النفس؟ لأنه سيأتي ميل النفس إلى الاعتراف بوقوع النسبة أو إلى الاعتراف بعدم وقوع النسبة، يعني بأن هذه النسبة التي في الذهن هل تطابق الواقع أو لا تطابق الواقع-.
هذا تمام الكلام في تقسيم العلم الحصولي إلى قسمين، إلى تصور ونريد منه الصورة المحضة المشروطة بعدم الحكم، وإلى تصديق ونريد منه التصورة المشروطة بالحكم. فالتصديق ليس عبارة عن نفس الحكم، بل هو عبارة عن التصور الذي يستتبع حكماً. فصار القسم عبارة عن المقسم وزيادة، فالتصور -أي تصور؟ تصور القسم- هو تصور مطلق ولكن زيد عليه اشتراط عدم الحكم، والتصديق تصور مطلق زيد عليه اشتراط الحكم. فصار العلم الحصولي منقسماً إلى هذين القسمين.
تتمة البحث والفوارق بين التعبيرات
نقرأ هذا المقدار لنرى إن كان ما زال هناك وقت للمزيد. قال قدس سره -طبعا نحن وقفنا في الدرس السابق على قوله: لا فرق بين التعبيرين وين؟ في المقصود، وقلنا إنه يوجد فارق في المعنى إذا وإن لم يكن هناك فارق في المقصود- والحاصل أن بين هاتين العبارتين، وهما قوله: حضور صورة الشيء عند العقل، وقوله: انطباعها في العقل، يوجد سبعة فوارق، إلا أننا سوف نكتفي ببيان واحد من هذه السبعة؛ لأن البقية تحتاج إلى الخوض في بعض الأبحث الفلسفية.
وهذا الفارق هو في قوله تارة: في العقل، وفي قوله تارة ثانية: عند العقل. فإن هناك فرقاً بين التعبير بـ(في) وبين التعبير بـ(عند). ليش؟ وذلك لأن التعبير بـ(في) يدل على الظرفية، تقول: زيد في الغرفة، فهذا يعني أن أحدهما داخل والآخر مدخول فيه، أو فقل هذا يعني أن الغرفة وعاء مكاني لحلول وين؟ لحلول زيد. أو تقول مثلاً: صمت في شهر رمضان، فهذا يعني أن شهر رمضان كان وعاء زمانياً لحصول الصوم. فكلمة (في) لما كانت تدل على الظرفية فهي تستلزم دخول شيء في شيء، فيلزم أن يكون العلم حينئذ عبارة عن صورة وين تحصل؟ في داخل الذهن، فكأن الصور وين تنوجد؟ في هذا الدماغ. كيف هذا؟ لا أعرف ماذا يسمى قديماً عندما كانوا يأخذون الصور فلاش أو فيلم، هذا الفيلم جيد كيف يصغر بهذه الطريقة؟ كان العلم عبارة عن صور صغيرة تنطبع وين؟ في الدماغ. هذه تناسب مقولة مين؟ مقولة الغربيين؛ لأنهم ينكرون المجردات ويقولون إن الصور مادية، أو كل شيء مادياً حتى العلم مادي، وأن هذا الدماغ مودع بأخاديد دماغية، ويعني خلينا نقول مثلاً أنفاق دماغية، وأنك كلما تلقيت صورة فإن هذه الصورة بمثابة الغبار الذي يلتصق على هذا في هذا النفق هنا أو هناك مثلاً.
التعبير بـ(في) يناسب أن تكون الصورة وين؟ تنوجد في داخل الذهن، وحينئذ فمثل هذا التعريف لا ينطبق على علم الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله عز وجل مجرد عن المادة فليس له دماغ وهذه الأشياء التي تناسب البدن والأمور المادية. وهذا بخلاف ما إذا قلنا: عند العالم، حصل عنده، ليس بالضرورة أن يكون وجد شيء في داخل شيء. ولذلك عندما نقول: حصول الصورة في العقل، فهذا لا ينطبق على علم المولى سبحانه وتعالى. وعندما نقول: حصولها عند العقل، حتى كان العقل يشاهدها، لا أنها تنوجد وين؟ فيه.
وعلى كلا التقديرين، فإن الماتن لا يقصد هذا المعنى، وإن كان هذا المعنى موجوداً. ليش لا يقصده؟ نقول: لأن علم المولى سبحانه وتعالى خارج عن بحث المنطق؛ لأن المنطق إنما يبحث عن تصحيح الأخطاء الواقعة في الفكر، وعلم المولى لا خطأ فيه فلا نبحث عن تصحيحه. هذا من جهة، ومن جهة ثانية لأن علم المولى ليس علماً حصولياً على ما سيأتي هذا في محله. طيب نرجع إلى أصل المطلب نكتفي بهذا المقدار من البيان. طيب، الفوارق البقية هي الفوارق الدقيقة حقيقة ولكن تحتاج إلى أبحاث.
قال -طبعا إلى أبحاث هي من علم نظرية المعرفة-: إنه حقيقة الإدراك كيف؟ ما هو الإدراك؟ هل الإدراك واقعاً هو عبارة عن شيء مادي؟ كيف أنت عندك خلايا عندما تنطبع؟ هل الصورة التي تأتي إلى الذهن، هل تأتي من الخارج فعلاً؟ هل عندما أنظر إليك فإن هذه الصورة هي التي تنطبع بطريقة السكانر أو الفوتوكوبي فتحصل هذه الصورة في الذهن تنعكس في شبكة العين فيقوم الذهن برسم هذه الصورة على طبق ما رأيته؟ لا، هذه مقولة الغربيين، أما مقولة الفلاسفة فهي أنك عندما تنظر إلى زيد الذي في الخارج، فإنه تحصل لك مقدمة إعدادية تخول نفسك أن تتصل وين؟ بعالم المثال، فتبدع نفسك صورة أو تشاهد نفسك هذه الصورة الموجودة وين؟ في عالم المثال الذي هو العالم إلى آخره.
قال: إذا رسمت مثلثاً تحدث في ذهنك صورة له، هي علمك بهذا المثلث، ويسمى هذا العلم بالتصور. إلى الآن عن أي تصور عم يحكي؟ لنشوف. قال وهو تصور مجرد، آه إذا تحدث عن تصور القسم، لا يستتبع جزماً واعتقاداً. وإذا تنبهت إلى زوايا المثلث، إذا نظرت، تأملت في هذه الزوايا، تحدث لك أيضاً صورة في ذهنك وهي أيضاً من التصور المجرد، أنا أتصور هذه الزاوية، نظرت إليها فانطبعت في ذهني. وإذا رسمت خطاً أفقياً وفوقه خط... يعني وفوقه رسمت خطاً عمودياً بهذه الطريقة جيد مقاطعاً له، تحدث زويتان قائمتان فتنتقش إذا رسمنا هذا تحدث زاويتان قائمتان فتنتقش صورة الخطين والزاويتين في ذهنك، هذا واضح، وهي من التصور المجرد أيضاً. كلها أمثلة للتصور الذي لا حكم معه.
وإذا أردت أن تقارن بين القائمتين -الآن بدأ الاحتكاك بالخارج، بدأت مواجهة الخارج، هذا الذي في الذهن هل يطابق الذي في الخارج أو لا؟- قال: وإذا أردت أن تقارن بين القائمتين ومجموع زوايا المثلث، نحن نعرف أن زوايا المثلث تساوي 180 درجة، والزاوية القائمة تساوي 90 درجة، فقائمتان تعادلان مجموع زوايا المثلث. فكأن المتكلم جاء وقال لك: زيد قائم، كأنه جاء وقال لك: زاوي... الزوايا، مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين. حصل عندك تصور لمجموع زوايا المثلث، لتصور زيد. حصل عندك تصور للقائمتين، يعني للقيام. ثم حصل عندك تصور للنسبة، أي للمساواة بين الزاويتين. ثم تتوجه إلى الخارج فتحاول أن تقيم البرهان على ذلك.
قال: وإذا أردت أن تقارن بين القائمتين ومجموع زوايا المثلث فتسأل في نفسك: هل هما متساويان؟ إذاً قبل أن تدرك التساوي أو تدرك عدم التساوي أنت تشك، وشكك هذا عبارة عن تصور مجرد، وتشك في تساويهما، تحدث عندك صورة لنسبة التساوي بينهما وهي من التصور المجرد أيضاً. حتى النسبة عندما تتصورها ولا يكون بعدها حكم فهي تصور محض.
فإذا برهنت على تساويهما تحصل لك حالة جديدة مغايرة للحالات السابقة، كل الحالات السابقة كانت تصور وهي إدراكك لمطابقة النسبة للواقع الذي هذا الإدراك يستلزم حكم النفس وأذعانها وتصديقها بالمطابقة. وهذه الحالة -أي الصورة المطابقة للواقع التي تعقلتها وأدركتها- هي التي تسمى بالتصديق؛ لأنها إدراك، شوف، لا تسمى بالتصديق مش لأنها حكم، قال: لأنها إدراك، شو يعني إدراك؟ يعني تصور يستلزم تصديق النفس وأذعانها. فمش التصديق هو الإذعان، التصديق هو التصور الذي يستلزم الإذعان، وإلا انقسم أو كان القسم عبارة عن الزيادة دون المقسم. لأنها إدراك يستلزم تصديق النفس. إذا كانت إدراكاً يعني هي تصور، نعم. فلما سميتموها تصديقاً؟ قال: تسمية للشيء باسم لازمه الذي لا ينفك عنه، للتفرقة؛ هذا التصور دائماً يستلزم تصديقاً، يعني حكماً، فسميناه تصديقاً، فسمينا هذا التصور تصديقاً لهذه الخصوصية.
إذاً إدراك زوايا المثلث وإدراك الزاويتين القائمتين -يعني الموضوع والمحمول- وإدراك نسبة التساوي بينهما، كلها تصورات مجردة لا يتبعها حكم وتصديق. أما إدراك أن هذا التساوي صحيح واقع مطابق للحقيقة في نفس الأمر فهو تصديق. وكذلك إذا أدركت أن النسبة في الخبر غير مطابقة للواقع، فهذا الإدراك أيضاً يقال له تصديق؛ لأن المراد من التصديق هو الإذعان، الآن سواء أذعنت بوقوع النسبة أو أذعنت بعدم وقوعها وبكذبها.
طبعاً يوجد في العبارة شيء، وهو أن الماتن فرض أربعة تصورات وليس ثلاثة: تصور الموضوع، تصور المحمول، تصور النسبة، تصور مطابقة الواقع. أنا أعرف أن هذا تقوم فقط أذكر هذا لوجود التسجيل الأمانة العلمية، أنا أعرف أنه ذكر ذلك ولكن ما ذكرناه هو الصحيح ولا أريد أن أدخل في نقاش في ذلك. يأتي إن شاء الله تتمة البحث.
لا، قبل أن نختم، قال: إذا لاحظت ما مضى يظهر لك أن التصور والإدراك والعلم كلها ألفاظ لمعنى واحد. بس تقول إدراك يعني تصور، علم يعني تصور، وهو حضور صور الأشياء عند العقل. فالتصديق أيضاً تصور، ولكنه تصور يستتبع الحكم وقناعة النفس وتصديقها. هذا إلى الآن هو يجيب عن الإشكال شو؟ الثاني.
الإشكال الأول قال: وإنما لأجل بعد... وإنما لأجل التمييز بين التصور المجرد -أي غير المستتبع للحكم- وبين التصور المستتبع له، سمي الأول تصوراً؛ لأنه تصور محض ساذج مجرد، فيستحق إطلاق لفظ التصور عليه مجرداً من كل قيد. وسمي الثاني تصديقاً؛ لأنه يستتبع الحكم والتصديق، كما قلنا، تسمية للشيء باسم لازمه. أما إذا قيل: التصور المطلق -بدأ بالجواب عن الإشكال الأول- فإنما يراد به ما يساوق العلم والإدراك، فيعم كلا التصورين: التصور المجرد، والتصور المستتبع للحكم. إذاً التصور لا بشرط هو المقسم، التصور بشرط لا هو التصور، التصور بشرط شيء هو التصديق.
هذا تمام الكلام في هذا المقدار، يأتي إن شاء الله تتمة البحث. والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
