دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 48
048
يقع الكلام في أقسام القضية الحملية. قد عرفنا أن القضية تنقسم إلى قسمين، قسمة ابتدائية لأنها تنقسم إلى حملية وشرطية؛ لأن النسبة بين الطرفين نسبة بين نسبتين، فعلى الأول القضية حملية، وعلى الثاني القضية شرطية. ثم إذا كانت القضية شرطية فلا يخلو، أو لا نستطيع أن نقول لا يخلو، فإما أن يكون مفادها الحكم بالاتصال أو عدمه، وهذه القضية المتصلة، وإما أن يكون مفادها الحكم بالانفصال وعدمه، وهذه هي القضية الشرطية المنفصلة.
ثم لما كانت أجزاء القضية في القضية الحملية تغاير أجزاء القضية في القضية الشرطية، فإن تقسيم كل واحد من هذين النوعين سوف يكون مختلفاً عن تقسيمات النوع الآخر من القضايا؛ وذلك لأن القضية عندما نقسمها فنحن سوف نقسمها باعتبار أجزائها، ففي القضية الحملية سوف يأتي أن القضية تارة تنقسم باعتبار جزئها الأول يعني باعتبار موضوعها، وتارة ثانية تنقسم باعتبار محمولها، وتارة ثالثة تنقسم باعتبار الحكم فيها. وهذه الأجزاء مغايرة لأجزاء القضية الشرطية، ولذلك كان لابد من تقسيم كل نوع من هذه القضايا على حدة.
كيف كان؟ يقع الكلام أولاً في تقسيم القضية الحملية. والحاصل أن القضية الحملية لها جملة من التقسيمات، واختلاف هذه التقسيمات ناتج ونابع من اختلاف أساس القسمة الذي يلحظه المقسم في تقسيمه.
أقسام القضية الحملية باعتبار الموضوع
التقسيم الأول للقضية الحملية هو تقسيمها باعتبار موضوعها إلى أربعة أقسام: إلى قضية شخصية، وقضية طبيعية، وقضية مهملة، وقضية محصورة. ثم المحصورة تنقسم إلى قسمين: إلى كلية وجزئية.
وذلك لأن أي قضية حملية فلا يخلو إما أن يكون موضوعها جزئياً حقيقياً، أو يكون موضوعها كلياً. والمراد من كون موضوعها جزئياً أن يكون الموضوع عبارة عن مفهوم يمتنع فرض صدقه على كثيرين، كما أن المراد من الموضوع الكلي ما لا يمتنع صدقه على كثير، أو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركاء.
جيد، إذاً فانقسام القضية الحملية باعتبار موضوعها إلى هذه الأقسام، انقسام منطقي ثنائي، يمكننا أولاً من حصر، ويمكننا ثانياً من تعريف كل واحد من هذه الأقسام، لأن هذه هي خصوصية القسم المنطقي الثنائي.
فنقول: كل قضية حملية فإننا إذا نظرنا إلى موضوعها فلا يخلو إما أن يكون موضوعها جزئياً كزيد وعمرو وهذا الفرس وذاك الفيل، وحينئذ تسمى القضية شخصية؛ لأن الحكم فيها على موضوع شخصي، أو أن يكون موضوعها كلياً.
والقضية الحملية إما أن يكون موضوعها جزئياً، ونريد من الجزء الجزء الحقيقي أو لا، والذي لا يكون جزئياً ليس إلا عبارة عن الكلي، لأن العلاقة بين الجزئي وبين الكلي والنسبة بينهما هي نسبة النفي والإثبات، إما أن يمتنع فرض صدقه أو لا يمتنع فرض صدقه. فهذه قسمة منطقية ثنائية.
ثم إذا كان الموضوع جزئياً كما يقال: زيد قائم مثلاً، وهذا إنسان أو هذا حيوان، دائماً الموضوع وقع جزئياً، فتسمى القضية حينئذ بالقضية الشخصية. ليش؟ قالوا لأن الحكم فيها على موضوع جزئي يعني على موضوع شخصي، على موضوع متشخص تماماً، لا يمكن أن ينطبق على أكثر من مصداق واحد.
وأما إذا كان الموضوع كلياً كما يقال: الإنسان مثلاً ناطق، أو الإنسان نوع، أو كل إنسان فإنه في خسر. جيد؟ هذه القضايا وقع الموضوع فيها، وعندما يقع الموضوع كلياً فلا يخلو أيضاً إما أن يكون الحكم على هذا المفهوم الكلي حكماً عليه من حيث كونه مفهوماً لا نظر له إلى المصداق، وإما أن يكون حكماً عليه بما هو حاكٍ عن الأفراد والمصاديق، تماماً كما هي حالة المرآة؛ إما أن ننظر إلى المرآة بما هي مرآة وبمعزل عما تعكسه تلك المرآة، كما إذا كانت تلك المرآة متسخة فأردنا أن ننظر إلى تلك النقاط التي على المرآة مع غفلتنا التامة عما تعكسه تلك المرآة، فيقال إنه قد نظر إلى المرآة بما هي هي وبمعزل عما تحكيه وتعكسه من الأضواء. وتارة ثانية ننظر إلى هذه المرآة بما هي حاكية، أو بما نعم بما هي حاكية عن الأشياء التي تعكسها، فنذهل ونغفل عن كونها مرآة حتى كأننا ننظر إلى ذلك الجسم مباشرة، مع أننا لا ننظر إليه مباشرة، وإنما ننظر إلى المرآة وهي تعكس لنا صورته.
فالموضوع عندما يكون كلياً يعني المفهوم مفهوم الموضوع عندما يكون كلياً لا يخلو إما أن يكون الحكم على هذا المفهوم حكماً عليه من حيث كونه مفهوماً وبما هو هو وبمعزل عن مصادقه التي يحكيها في الخارج، على وجه لا يصح إرجاع هذا الحكم إلى الأفراد، وإنما الحكم حكم على المفهوم بما هو هو. وتارة ثانية يكون حكمنا على المفهوم لا من حيث كونه مفهوماً ولا من حيث هو هو، وإنما حكم على المفهوم بما هو واسطة تخولنا وتسمح لنا أن نحكم على الأفراد.
فالنظر حينئذ -فالموضوع إن كان كلياً- فإما أن يكون حكمنا على هذا المفهوم حكمنا عليه بما هو هو وبمعزل عن أفراده، وحينئذ فلا يصح إرجاع الحكم إلى الأفراد وإنما يقتصر الحكم على ذلك المفهوم. وتارة ثانية يكون حكمنا على المفهوم لا من حيث كونه مفهوماً ولا من حيث هو هو ومن دون النظر إلى الأفراد، بل حكمنا على المفهوم من حيث كونه جسراً يمكننا من الحكم على الأفراد، أو فقل: حكم على المفهوم بما هو حاكٍ عن أفراده، فالحكم على المفهوم ليس إلا حكماً على الأفراد حقيقة، ولكن الحكم على الأفراد يحتاج إلى أن نتصور كل فرد من هذه الأفراد في رتبة سابقة؛ لأن الحكم على شيء فرع تصوره، ونحن لم نتصور كل فرد من أفراد الأفراد الخارجية بعينه، وإنما تصورناه بذلك العنوان المشير، تصورنا جميع الأفراد بهذا المفهوم.
مثال الأول: أن يقال: الإنسان نوع. التفت، هذه قضية حملية حكم فيها بالنوعية على مفهوم الإنسان، إلا أن الحكم بالنوعية على مفهوم الإنسان لا يتعداه إلى أفراد، لأن أفراد الإنسان ليست أنواعاً. وكذلك في مثل قولنا: الإنسان كلي، الكلية لا يمكن أن تكون وصفاً لاحقا للمفهوم باعتبار أفراد، وإلا صارت أفراد الإنسان أيضاً أفراداً كلياً، والفرد لا يكون كلياً وإنما هي جزئيات.
ففي قولنا: الإنسان نوع، أو الإنسان كلي، أو الحيوان جنس، هذه الأحكام موضوعاتها كلية، وفي قولنا: الإنسان نوع، الإنسان مفهوم كلي، ولكن الحكم في هذه القضية لم يتجه إلى هذا المفهوم من حيث كونه ناظراً إلى أفراد أو حاكياً عنه، وإنما هو حكم على المفهوم الكلي من حيث أنه مفهوم كلي في الذهن، ولا نظر ها هنا لهذه المفاهيم إلى الأفراد، ولذلك لا يصح إرجاع الحكم إلى الأفراد، وإلا صارت أفراد الإنسان أنواعاً، وصارت أفراد الإنسان كلية، وهذه الأفراد ليست كلية كما لا يخفى.
وأما الحكم الذي يكون حكماً على المفهوم الكلي ولكنه لا بما هو مفهوم، وإنما من حيث كونه حاكياً عن الأفراد، فكمثل قولنا: الإنسان في خسر، لأن الخسران ليس حكماً لاحقاً للمفهوم بما هو؛ المفاهيم لا تخسر، وإنما الذي يخسر هو الفرد الخارجي من أفراد هذا المفهوم. أو كما يقال مثلاً: الذئب يأكل، فإن الأكل ليس من صفات المفاهيم، المفاهيم لا تأكل، وإنما الذي يأكل هو مصداق وفرد ذلك المفهوم. فيقال: إن الحكم هنا وإن كان حكماً على المفهوم الكلي ولكنه ليس حكماً عليه بما هو مفهوم كلي، وإنما هو حكم عليه بما هو حاكٍ عن تلك الأفراد، على وجه يكون الحكم حقيقة على الأفراد لا على المفهوم، وإنما اتخذ المفهوم جسراً ومعبراً ليصح الحكم على هذه الأفراد.
ولذلك نكمل التقسيم فنقول: القضية الحملية إما أن يكون موضوعها جزئياً فهذه القضية الشخصية، أو أن يكون موضوعها كلياً، وحينئذ فإما أن يكون الحكم على المفهوم بما هو هو يعني بما هو مفهوم يعني بمعزل عن كونه حاكياً عن أفراده -شو يعني بمعزل؟ يعني لا يصح إرجاع الحكم إلى الأفراد، فيكون الحكم حقيقة حكماً على الطبيعة وليس حكماً على الأفراد- ولذلك تسمى هذه القضية حينئذ بقضية الطبيعية -مش الطبعية- القضية الطبيعية؛ لأن الحكم فيها حكم على الطبيعة الموجودة أين؟ في الذهن، ولا يسري إلى الأفراد التي تنطبق تلك الطبيعة عليها، لأن النظر إلى الطبيعة لم يكن نظراً إليها بما هي حاكية وعاكسة لأفرادها، وإنما نظرنا إليها بما هي هي، فالحكم حينئذ لا يمكن أن يطال [الأفراد]؛ لأننا لم نتصور الأفراد ولم نتصور حكاية الطبيعة عن الأفراد.
وأما إذا -طبعاً- إما أن يكون الحكم على المفهوم بما هو هو أو حكم عليه لا بما هو هو -شو يعني؟ بل بما هو- يعني يكون حكماً عليه بما هو حاكٍ عن أفراده ومصاديقه، فيكون الحكم حقيقة على الأفراد بحسب الفرد وليس على الطبيعة. ومن هنا قد يتساءل أحدنا: إذا كان الحكم ها هنا على الأفراد لا على الطبيعة، فلماذا توجه الحكم إلى المفهوم أولاً ليسري بعد ذلك إلى الأفراد؟ ولماذا لم نحكم ابتداء على الأفراد كما فعلنا في القضية الشخصية؟
والجواب على ذلك: أننا قد عرفنا أن الحكم على شيء فرع تصوره، فكلما أردنا أن نحكم على فرد فلا بد أن نتصوره في رتبة سابقة وإلا لم يصح الحكم، ومن هنا فإننا إذا أردنا أن نحكم على فرد بعينه، فإننا نتصور ذلك الفرد ونجعله موضوعاً في القضية ثم نحكم عليه بقضية شخصية. ولكن في بعض الأحيان قد يتعلق الغرض باثبات حكم لجميع الأفراد، وهذا يعني أن الحكم في القضية حكم على كل فرد فرد من أفراد هذه الحقيقة أو هذا المفهوم، وهذا يستلزم أن نتصور كل فرد فرد من الأفراد حتى يصح لنا أن نحكم عليها؛ لأن الحكم على شيء فرع تصوره، ونحن بحسب الفرد نريد أن نحكم على كل فرد من أفراد الإنسان بأنه في خسر. ومن الواضح أن تصور جميع الأفراد في غاية من الاستحالة، لأنك حتى تتصور جميع الأفراد فلا بد أن تتصور الأفراد التي كانت ثم انعدمت، والأفراد الكائنة والموجودة حالياً، والأفراد التي لم تنوجد بعد وسوف تنوجد، بل لابد أن تتصور الأفراد التي لن تنوجد وإن كان يمكن وجودها كأخيك الخامس عشر مثلاً. وهذا واضح الاستحالة.
ومن هنا نقع في مشكلة؛ لأننا لجهة أننا نريد أن نحكم على جميع الأفراد فلابد لنا أن نتصور جميع الأفراد؛ لأن الحكم على شيء فرع تصوره، ونحن نحكم على كل فرد من هذه الأفراد، ولجهة ثانية فإن تصور جميع هذه الأفراد ممنوع، فلا يصح الحكم على جميع الأفراد. ومن هنا فإننا وإن كان لا يسعنا أن نتصور هذه الأفراد بعينها، ولكن يصح لنا أن نتصورها بعنوان مشير إليها، وهذا كافٍ في تصحيح الحكم عليها؛ وذلك لأن الماهية النوعية لما كانت محفوظة في كل فرد من أفرادها، فيصدق على تصورنا للماهية النوعية أننا قد تصورنا أفرادها ولو تصورا مشيراً. نعم، أنت إذا تصورت مفهوم الإنسان فهذا لا يعني انك تصورت زيداً بعينه ولا عمراً بعينه ولا بكراً بعينه، ولكنك تصورتهم بوجه، تصورتهم بالعنوان المشير؛ لأن هذا العنوان ينطبق عليهم، فهو تصور لهم ولو بوجه، وبهذا صح تصحيح الحكم على مثل هذه الأشياء أو على جميع الأفراد، بأن تتصور المفهوم المشير والحاكم حاكية عن هذه الأفراد، ثم تحكم عليه بما هو حاكٍ عن أفراده، فيكون حكمك حكماً على جميع الأفراد.
كيف كان؟ الموضوع إذا كان كلياً فلا يخلو إما أن يكون الحكم على هذا الموضوع بما هو هو ومن دون نظر إلى أفراده، وحينئذ لا يصح إرجاع الحكم إلى الأفراد، وتسمى القضية حينئذ قضية طبيعية؛ لأن النظر في هذه القضية والنظر في الحكم إنما هو إلى الطبيعة لا إلى الأفراد. أو يعني أن لا يكون الحكم على الموضوع الكلي بما هو كلي، بل بما هو حاكٍ عن أفراده ومصاديقه في الخارج، وحينئذ يصح رجوع الحكم إلى الأفراد. وحينئذ فعندما يكون الحكم على المفهوم حكماً عليه بما هو حاكٍ عن أفراده فلا يخلو؛ إما أن يبين في القضية كمية الأفراد التي يلحقها الحكم أو لا، شو يعني أو لا؟ أو لا يبين كمية الأفراد التي يطالها الحكم.
مثال ما يبين فيه كمية الأفراد، كما تقول: كل إنسان ناطق، ففي هذه القضية قد بينت كمية الأفراد وهي أنها جميعهم، أو كما يقال: بعض الإنسان ناطق، فقد بينت الكمية أيضاً وهي أنها بعض.
وهذا بخلاف مثل قولنا: الإنسان في خسر، لأنه لم تبين كمية الأفراد، فيحتمل أن يكون الخسر أو الخسران لاحقاً لجميع الأفراد، ويمكن أن يكون لاحقاً للبعض دون الآخر. فإذا كانت القواعد بحيث لم يبين فيها كمية الأفراد التي يطالها الحكم تسمى القضية قضية مهملة؛ لأن المتكلم قد أهمل بيان الكمية، وإن كانت هذه القضية المهملة دائماً تستلزم أن يكون هناك بعض الأفراد الذين لحقهم الحكم كقدر متيقن؛ إذ الفرض أن القضية المهملة قسم من أقسام القضية التي يكون الحكم فيها ناظراً إلى المفهوم من حيث هو حاكي عن مصاديق وأفراد، فلا بد أن يطال الحكم ولو فرداً واحداً على الأقل، ولكن هل يطال أكثر من ذلك أو لا يطال أكثر من ذلك؟ هذا قد غض النظر عنه، فقد أهملت بيان كمية الأفراد في القضية فيقال إن القضية مهملة.
وأما التي يبين فيها كمية الأفراد فتسمى القضية المحصورة؛ لأن المتكلم قد حصر الأفراد في كلامه، وهذه المحصورة إما أن تكون كلية وإما أن تكون جزئية؛ لأن الكمية التي تبين في القضية إما أن تكون هي عبارة عن جميع الأفراد فهذه الكلية، أو لا فهذه هي الجزئية. فصارت القضية باعتبار موضوعها: شخصية، وطبيعية، ومهملة، ومحصورة، والمحصورة: كلية وجزئية. هذا تمام الكلام في بيان التقسيم.
ثمرة التقسيم وأحكام الأقسام
وهذا التقسيم إنما يحسن في كلام المناطقة إذا كان بحيث يترتب عليه ثمرة، ومن هنا كان لابد على الماتن قدس سره أن يبين لنا ثمرة هذا التقسيم، ومن ثم شرع قدس سره في بيان حكم كل واحد من هذه الأقسام.
أما القضية الشخصية فهذه القضية ليست معتبرة في العلوم، بمعنى أنها قضية لا أهمية لها في العلوم، وذلك لأن القضايا التي تعتبر في العلوم هي القضايا التي تنفع للاستدلال، والقضية الشخصية لا تنفع للاستدلال. بيان ذلك: أن كل علم فإنه يشتمل على مجموعة من المسائل التي إذا ما ركب بعضها مع بعض فإنه ينتج معرفة مسألة جديدة، فينتقلنا من معلوم تصوري إلى معرفة مجهول تصوري، أو من معلوم تصديقي إلى معرفة مجهول تصديقي، فالمسائل التي يشتمل عليها العلم هي المسائل التي تنفع لأن يكتسب منها مسألة جديدة، والقضية الشخصية موضوعها جزئي، والجزئي لا ينطبق إلا على فرد واحد في الخارج، فتكون هذه القضية منحصرة دائماً بذلك الفرد الذي تحكي عنه، فلا يمكن أن يستدل بها على قضية أخرى.
بعبارة ثانية: القضية الشخصية موضوعها جزئي، والجزئيات دائماً متباينة، ولا يمكن الانتقال من معرفة أحدهما إلى معرفة الآخر؛ لأن هذه الجزئيات ما دامت متباينة، فمعرفة المباين لا تكشف عن وجود مباينة، كما لا تكشف عن عدمه، ومن هنا قيل إن الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً.
ويمكن أن نبين الوجه في عدم اعتبار هذا النحو من القضايا بطريق آخر، وحاصله أن هناك فرقا بين الموضوع بين الجزئي وبين الكلي، وهذا الفارق هو أن الكليات تتصف بالثبات، وهذا بخلاف الجزئي، فإنه دائما يكون محلا للحركة والانتقال والتغير، فرب حديدة في الخارج تعرض عليها ظروف توجب تآكلها حتى تتحول إلى ماهية وإلى حقيقة أخرى، ورب حبة من حبات التراب تتحول إلى نطفة بفعل تقادم الأزمنة واختلاف الظروف؛ لأن هذا التراب يدخل حقيقة في صنع أو في يعني في طلوع نبت من النبات، ثم النبات يصبح ثماراً، ثم الثمر يؤكل، ثم عندما يؤكل يحلل إلى مواد وعناصر في الجسم، ثم بعد ذلك يصبح نطفة، والنطفة تصبح مضغة وعلقة وجنيناً وإنساناً إلى آخره.
فالجزئيات لوجودها في الخارج جيد أو لوجود مصاديقها في الخارج فإنها دائماً تكون محلاً للتغير والانتقال، وهذا بخلاف المفاهيم الكلية؛ فإن مفهوم الإنسان وماهيته ثابتة لا يعرض عليها التبدل والتغير، لأن مفهوم الإنسان يكون شيئاً ثم بعد ذلك يتغير ذلك المفهوم. إذا اتضح ذلك، فإن القضايا التي لها موضوعات كلية لما كانت تتصف بالثبات والدوام فيمكن أن تصلح هذه القضايا لأن يستدل بها، ويمكن أن يكون لها نفع وقيمة في العلوم، لأن هذه المعرفة سوف لا تتبدل، وإذا كانت لا تتبدل فسوف تبقى مطابقة للواقع دائماً أو غير مطابقة للواقع دائماً.
وهذا بخلاف القضايا التي لها موضوعات جزئية، فإننا إذا عرفنا مثلاً أن هذه الحديدة قد تمددت بفعل الحرارة فسوف لا نعرف إذا ما كانت هذه الحديدة سوف تمدد بالحرارة غدا أو لا، فهي قضية لا نفع لها إلا الآن اتخاذ الحكم، أما بعد تمددها لا نعرف إذا ما كانت سوف تتمدد ثانية أو لا، ليش؟ لاحتمال تغير موضوعها، لاحتمال أن يطرأ على هذه الحديدة شيء يمنع فيما بعد من تمددها. ولذلك يقال إن كل علم فلا بد أن يكون عبارة عن قواعد أي عن قوانين كلية، لأن الجزئيات لا نفع لها في العلوم. ولذلك تجدهم في النحو مثلاً لا يبحثون عن كلام العرب بما هو صادر عنهم، مع أن علم النحو ليس إلا علماً مستنبطاً عن كلام العرب، العرب لم يكن عندها مصطلح يقال له الفاعل ولا مصطلح يقال له المفعول، العرب كانت تنطق وتتحدث وتتكلم فقط، فالعرب لم تضع قوانين النحو وإنما نطقت فقالت: جاء زيد وذهب عمرو ومات بكر وهكذا، ولكن هذه الكلمات بما هي صادرة عنهم لا يمكن أن تؤسس إلى علم؛ لأن المسموعات جزئية لاختصاصها بزمان ورود الكلام، والجزئيات متباينه، ومعرفة المباين لا تكشف عن حال مباينه، لربما لم يكن هناك شخص يسمى بكراً في ذلك الوقت، فالعرب لم تقل: مات بكر، وإنما قالت: مات زيد ومات عمرو، فمن أين نعرف أن بكراً إذا وردت بعد كلمة مات بكر فيجب أن تكون مثلاً مرفوعة؟ قالوا: لابد من تأسيس علم ولابد من تأسيس قواعد كلية، ومن هنا جمعت تلك الجزئيات وصار يستنبط منها كليات حتى يكون البحث في الكليات كاشفاً عن تلك الجزئيات. كيف كان؟ أما القضية الشخصية فلما كان موضوعها جزئياً وكانت الجزئيات متباينة وكانت المتباينات لا تدل على أحوال مبايناتها فهي لا نفع لها في العلوم، ولذلك قيل إن الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً، لا يمكنك أن تكسب من هذا الجزئي معرفة حال جزئي آخر ولا يمكن أن تكتسب حال جزئي من معرفة جزئي قبله.
طيب، وأما القضية الطبيعية -ونريد منها القضية التي يكون موضوعها كلياً ويكون الحكم منصبًا على هذا الموضوع الكلي بوصف كليته لا بما هو حاكي عن أفراده- فنقول: أما القضية الطبيعية فهي غير معتبرة في العلوم أيضاً ولا تنفع في مقام الاستدلال؛ لأن الغرض دائماً من العلوم ما هو؟ هو الاستدلال واكتشاف المجهول من المعلول. وإنما كانت القضية الطبيعية فاقدة للأهمية وللاعتبار؛ لأن هذه القضية وإن كان موضوعها كلياً إلا أن النظر إلى هذا الموضوع لم يكن نظراً إليها بما لها من أفراد، وإنما كان نظراً إلى ذلك المفهوم بما هو موجود في الذهن، فكأنما نظر إلى شيء واحد، فصارت الطبيعية في قوة الشخصية.
بعبارة ثانية: لما كان الغرض من المسائل في العلوم هو الاستدلال والانتقال من معلوم إلى مجهول، فإن المسألة التي تنفع للاستدلال هي المسألة التي يمكن تطبيقها على أفراد متعددة، والقضية الطبيعية لا نظر فيها لا نظر لها إلى الأفراد، فلا معنى حينئذ لأن نطبقها على أفراد فيما بعد.
بعبارة ثالثة: إن المسألة التي نحتاج إليها في العلوم هي المسألة التي يمكن تطبيقها على أفراد متعددة في الخارج، فيحصل لنا بسبب هذا التطبيق معرفة حال زيد وحال عمرو وحال بكر. والقضية الطبيعية لا نظر لها إلى الأفراد من أول الأمر، فسوف تكون عاجزة عن أن تكسبنا معرفة بحال زيد أو بحال عمرو أو بحال بكر، ومن هنا أسقطت القضية الطبيعية عن الاعتبار، بمعنى أنها لا تنفع للاستدلال، ولا تمكننا من معرفة حال جزئي من الجزئيات؛ وذلك لأننا نحن في الخارج إنما نتعاطى مع الجزئيات ولا تعاطي لنا مع الكليات، أصلاً في الخارج لا وجود للكلي بما هو كلي، وإنما يوجد في الخارج أفراد لها صور جزئية، ففي الخارج لا يوجد إلا الجزئيات، وحينئذ فنحن ما نطلب العلم به إنما نطلب العلم بهذه الجزئيات وما نريد أن نرفع الجهالة عنه هو أننا نريد أن نرفع الجهالة عن هذه الجزئيات، فنحتاج إلى مسألة وقاعدة وقانون يمكننا من معرفة هذه الجزئيات المجهولة لنا في الخارج. ولكن القضية الطبيعية لا يمكن أن يكون الحكم فيها ناظراً إلى أي جزئي من الجزئيات؛ لأن النظر فيها منصب على المفهوم بما هو هو، ولا نظر لها إلى الخارج، وإذا لم يكن لها نظر إلى الخارج فهي قاصرة عن إثبات حكم لفرد من الأفراد الخارجية، وحينئذ فسوف لا تكون رافعة لأي مجهولية، ولا محصلة لأي معلومية.
ومن هنا -احفظوا ذلك جيداً- فإن القضايا الطبيعية لا يمكن أن تجري في الاستدلالات وفي الأقيسة، وكثيراً ما تدرج قضية طبيعية في القياس والاستدلال فتحدث مغالطة في الذهن. مثال ذلك ما ذكرته لكم في أول الدرس في أول درس من هذه الدورة، عندما قلنا: الإنسان وحده ناطق، وكل ناطق حيوان. هذه القضية: الإنسان وحده ناطق، صحيحة أو لا؟ صحيحة؛ لأن غير الإنسان ليس بناطق، إذ الناطقية الجزء جزء ماهية الإنسان وهي جزءها المختص، فالإنسان وحده هو الناطق، غير الإنسان ليس ناطقاً تماماً. وكل ناطق حيوان، وهذا واضح أيضاً؛ لأن الناطق لما كان مساوياً للإنسان والإنسان نوع من أنواع الحيوان، فكلما صدق الأخص سوف يصدق الأعم. ماذا ينتج؟ الذي تكرر ما هو؟ الناطقية، فنحذف هذه الناطقية بحسب الفرض، ماذا يصير أن ينتج؟ الإنسان وحده حيوان، وهذه القضية فاسدة بلا إشكال، مع أن الشروط بحسب الظاهر متحققة، كما سوف يأتي معنا عندما ندخل إلى القياس؛ لأنه قياس من الشكل الأول فيه إيجاب الصغرى وكلية الكبرى، هذا سوف يأتي تماماً.
إذاً أين الخطأ؟ الخطأ في أن هذا الاستدلال إنما يعمد إليه من أجل تطبيق الأحكام على الأفراد الخارجية، ومثل هذه الاستدلالات لا يمكن أن تدخل فيها القضايا الطبيعية، وقضية: الإنسان وحده ناطق، قضية طبيعية وليست قضية لا جزئية ولا مهملة ولا محصورة. ليش؟ تعال لنقول: الإنسان وحده ناطق، ما هو موضوع القضية؟ الإنسان، تمام؟ هذا الموضوع جزئي أو كلي؟ كلي، إذاً ليست شخصية، تماماً. جيد، طيب، إذاً هو كلي. هل الحكم فيه -التفت- هل الحكم فيه على المفهوم بما هو مفهوم، أو أن الحكم على المفهوم بما هو حاكٍ عن أفراده؟
نقول: لو كان الحكم على المفهوم بما هو حاكٍ عن أفراده تماماً، لو كان الحكم على الإنسان حكماً عليه بما هو حاكٍ عن أفراده لكانت القضية إما مهملة وإما محصورة، تماماً؟ ولا يمكن أن تكون محصورة؛ لأن المحصورة إما كلية وإما جزئية، ليش؟ نقول: لأنها لو كانت عندي ثلاثة احتمالات: أن تكون مهملة، محصورة كلياً، وعندي محصورة جزئياً، لو كانت هذه القضية محصورة كلياً لصح أن نبدل هذا الموضوع بقولنا: كل فرد من أفراد الإنسان، صحيح أو لا؟ ولكن هذا باطل، ليش؟ لأنه يلزم أن تصبح القضية هكذا: كل فرد من أفراد الإنسان وحده ناطق، وهذه قضية كاذبة، لا يمكن أن أكون أنا وحدي ناطقاً ثم تكون أنت وحدك أيضاً ناطقاً، واضح؟ واضح البطلان؟ جيد، لأنه ما معنى كل إنسان؟ يعني كل إنسان وحده، يعني كل فرد من أفراد الإنسان وحده ناطق، والناطقية حينئذ تتنافى مع ناطقيتك؛ لأن ناطقيتي أخذت على نحو الوحدانية، هي ثابتة لي لا لغيري. طيب، ولا يمكن أن تكون أيضاً محصورة جزئياً؛ إذ لا يقال إن بعض الإنسان وحده ناطق، يلزم أن لا يكون البعض الآخر ناطقاً. طيب، ولا يمكن أن تكون مهملة؛ لأن المهملة وإن لم تبين فيها الكمية ولكن القدر المتيقن منها هو البعض، تماماً؟ فيلزم حينئذ أن يفسد المعنى. وإذا لم يمكن أن تكون مهملة ولا محصورة كلية ولا جزئية ولا شخصية، فلم يبق إلا أن تكون القضية طبيعية، وهي أن الناطقية جيد حكم على أي شيء؟ مفهوم على هذا المفهوم وحده بمعزل عن أفراده، ولذلك لم تكن منتجة في الاستدلال؛ لأنها لما لم يكن لها نظر إلى الأفراد فكيف تصلح لأن تثبت حكماً للأفراد في الخارج؟ واضح صار المطلب أو لا؟
ومن هنا يقال إن هذا الاستدلال عقيم؛ لأنه قد أدخلت فيه قضية، لأنه قد اشتمل على قضية طبيعية، والقضية الطبيعية لا اعتبار لها في العلوم؛ لأنها مش هي قضية، عندما نقول لا اعتبار لها لا نريد أنها قضية كاذبة، لا، هي قضية صادقة ولكن لا قيمة لها من الناحية من ناحية أها من ناحية العلوم، حتى لو لها قيمة معرفية في الذهن ولكن لا قيمة لها بمعنى أنها لا تنفع لأن تدخل في عملية الاستدلال من أجل الانتقال من المعلوم إلى المجهول. هذا تمام الكلام في القضية الطبيعية.
القضية المهملة ولغة العرب
وأما القضية المهملة فالكلام فيها من جهتين: الجهة الأولى في أن هل هناك قضية مهملة في اللغة العربية فعلاً أو لا؟ والجهة الثانية في أن القضية المهملة هل تعتبر في العلوم أم أنها لا تعتبر في العلوم؟
أما الجهة الأولى: فقد يقال إن اللغة العربية لخصوصية فيها -شوف كيف تدخل مباحث الألفاظ في صميم البحث المنطقي في بعض الأحيان- قد يقال إن اللغة العربية لخصوصية فيها فإنها تأبى عن وجود قضية مهملة. طيب ليش؟ قالوا لأن الموضوع في القضية سوف يكون دائماً عبارة عن اسم؛ لأن الفعل والحرف لا يخبر عنهما، والموضوع في القضية هو الذي يخبر عنه كما يقال: زيد قائم، دائماً الموضوع في القضية الحملية يخبر عنه وما يصح أن يخبر عنه إنما هو الاسم.
والاسم في اللغة العربية تتوارد عليه حالتان لا يمكن أن ينفك عن أحدهما؛ لأن الاسم إن كان معمم معرفاً بألف ولام، فهذا يعني أن التنوين عنه ممنوع، وإن كان منوناً فهذا يعني أن الألف واللام لم تدخل عليه. إذاً، اللغة العربية لها خصوصية، وهي أن الاسم الواقع في موضوع القضية تتوارد عليه حالتان لا تجتمعان ولا تنفكان عنه، وهما: أل التعريف، شو بعد؟ والتنوين. فإذا دخلت أل التعريف على الاسم امتنع تنوينه، وإذا نون الاسم امتنع تعريفه.
إذا اتضح ذلك، فإن الاسم إذا كان منوناً فقد ذكر أهل البلاغة أن التنوين يدل على التخصيص، والتخصيص يدل على البعض، فهو يحصر الحكم بكونه لاحقا حينئذ لبعض الأفراد. وأل التعريف لا تخلو إما أن تكون للعهد أو أن تكون للجنس؛ فاذا كانت للعهد فهي تدل على البعض أيضاً أو تجعل القضية شخصية، وإذا كانت للجنس فتجعل القضية محصورة كلية.
بيان ذلك أن النحاة قسموا أل التعريف إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول قالوا: لام العهد أو أل العهدية لام العهد، والقسم الثاني قالوا: لام الجنس، والقسم الثالث قالوا: لام الاستغراق.
طيب، قالوا: لام العهد وهي الألف واللام التي تدل على وجود عهد سابق، كما في مثل قولنا مثلاً: اشتريت فرساً ثم بعت الفرس. هذه الألف واللام قد دلتنا على أن الفرس التي بيعت هي بعينها الفرس التي اشتريت بواسطة وجود عهد سابق في أنني قد اشتريت فرساً، ويسمى لام العهد. هذه القضية لام العهد الذكري؛ ليش؟ لأن هذا العهد قد ذكر سابقاً في قولنا: اشتريت فرساً ثم بعت الفرس. أو كما في قوله تعالى: ﴿المصباح في الزجاجة﴾، جيد، هذه الألف واللام دائماً للعهد الذي تقدم ذكره. إذاً لام العهد تنقسم إلى قسمين: لام العهد الذكري، ولام العهد الذهني، كما إذا كنا جالسين على مصطبة المسجد ثم جاء أحدنا فقال -وكنا نتحدث عن أشياء خارجة عن الأمور العبادية- فجاء أحدنا فقال: جاء الشيخ، لم يكن هناك ذكر سابق لشيخ محدد حتى يعلم أن الشيخ الآتي هو ذاك بعينه، ولكن هناك عهد ذهني في أن الشيخ الذي يتردد إلى هذا المسجد هو فلان، جيد؟ ولذلك فيقال: يكون هنا هناك عهد ولكنه عهد في الذهن.
ويوجد لام عهد آخر هو لام العهد الحضوري، كما إذا قلت لك: أعطني الكتاب، أنا لم أتحدث سابقاً عن أي كتاب، جيد؟ ولا يوجد عهد خاص بيني وبينك في كتاب مخصوص، ولكن بقرينة أنه لم يحضر أمامي وأمامك إلا هذا الكتاب، فيكون المراد إذا فتعلم أن المراد هو هذا الكتاب بعينه. واضح إلى الآن؟ فالألف واللام إما للعهد، وإذا كانت للعهد فإما عهد ذهني أو ذكري أو حضوري، حضوري، جيد؟
طيب، القسم الثاني: لام الجنس. قالوا: وهي التي يكون أو التي تدخل على الاسم لتجعل الحكم فيه منصبًا على الحقيقة بما هي هي، على الجنس بما هو هو، كما في مثل قولنا مثلاً: الرجل خير من المرأة، نحن لا نريد أن نفضل أفراد الرجال على أفراد الإناث، وإنما نريد أن نفضل هذه الحقيقة من حيث هي هي على تلك الحقيقة من حيث هي هي، ولا ينافيه أن يكون هناك فرد من أفراد الإناث وأن تكون أفضل من جميع أفراد الرجال، كالسيدة الزهراء عليها السلام مثلاً، تماماً؟ وإنما الحكم كان منصباً على الطبيعة؛ أن طبيعة الرجولة جيد بما تشتمل وتتميز به من قوة وصلابة أفضل من هذه الطبيعة لما تتميز من رقة وحنية إلى آخره. وإن كان هذا طبعاً هذه القضية قد تكون كاذبة؛ لأن يمكن أن نفضل طبيعة الأنوثة على طبيعة الرجولة بأمور أخرى ومميزات أخرى، ولكن هذا هذا المثال مدرسي يعني، هذا مثال يؤخذ أصلاً موضوعياً، لا نريد أن نناقش فيه كثيراً، ولكن نحن لا نريد أن نفضل فردا على فرد، ولا جميع الأفراد على جميع الأفراد، وإنما نريد فليس هناك نظر إلى الأفراد حقيقة، وإنما النظر إلى أي شيء؟ وإنما النظر إلى الطبيعة بما هي هي، تماماً؟ جيد.
إذاً التفت، فلام الجنس إذا دخلت على الاسم لا يصح رجوع الحكم إلى الأفراد، وإنما الحكم على الطبيعة من حيث هي هي، كما في القضية الطبيعية، تماماً؟ جيد.
وعندنا لام الاستغراق، وهي التي ينصب الحكم فيها أو التي ينصب الحكم على مدخولها، يعني على ما تدخله هذه اللام، ينصب الحكم على الطبيعة من حيث أنها سارية ومستغرقة لجميع أفراد الطبيعة، كما يقال: الإنسان في خسر، فإن هذا الحكم يستغرق يعني يسري إلى جميع أفراد الإنسان ببركة الألف واللام هذه. وعلامة كون الألف واللام للاستغراق أن يصح أن تقول: كل، أن يصح أن تضع لفظة كل مكان الألف واللام، فتقول: كل إنسان في خسر، وهذه القضية صحيحة؛ لأن الآية ماذا قالت؟ ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ (العصر: 2) يعني كل إنسان -شوف- ﴿إلا الذين آمنوا﴾، لو لم يكن هناك استثناء لكان هناك مانع من أن تكون الألف واللام للاستغراق، ليش؟ لأنه ينسى حين يذكر أن يكون الأنبياء وأن يكون المعصومون أيضاً في خسر، ولكن خرجوا بالاستثناء: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ إلى آخره. واضح المطلب؟ تماماً.
إذا اتضح ذلك، فإن الألف واللام إذا كان للعهد فموضوع القضية إذا كان مقترناً بألف ولام بألف ولام العهد، فإنه حينئذ سوف يكون سوف تكون القضية من أي أقسام الـ سوف تكون قضية شخصية. موضوع القضية إذا كان مقترناً بالألف واللام التي للعهد فألف فالألف واللام التي للعهد تدل على فرد بعينه، تماماً، وحينئذ فسوف تكون القضية شخصية، والقضية الشخصية لا اعتبار لها في العلوم. وإذا كان موضوع القضية الحملية مقترناً بلام الجنس كما تقول: الإنسان نوع، هذه الألف واللام أي ألف ولام؟ ألف ولام الحقيقة يعني ألف ولام الجنس، جيد، فسوف تكون القضية حينئذ طبيعية، فلا اعتبار لها في العلوم أيضاً. واضح لهون؟ جيد.
فلم يبق إلا لام الاستغراق، وإذا كانت اللام الداخلة على موضوع القضية للاستغراق فموضوع القضية حينئذ أو القضية حينئذ ماذا سوف تكون؟ مهملة أو محصورة؟ ليش مهملة؟ لام الاستغراق وهي التي يصح حلول لفظة كل مكانه، يعني عندما تقول: الإنسان في خسر، وكل إنسان في خسر هذا ترادف، واضح أو لا؟ حسب الكلية، يعني إذا كانت اللام لام الاستغراق فما معنى أنها للاستغراق؟ أنها لسريان الحكم لجميع أفراد الموضوع، فهناك تحديد للأفراد حينئذ أو لا؟ عندما تقول: الإنسان في خسر، تقصد من اللام لام الاستغراق، فأنت حقيقة كأنك قلت: كل إنسان في خسر، ففي اللغة العربية يوجد ترادف بين كل وبين لام الاستغراق. واضح المطلب؟
وحينئذ فكلما اقترن الاسم بالألف واللام فلا يخلو؛ إما أن تكون للعهد فالقضية شخصية وليست مهملة، وإما أن تكون اللام للطبيعة فالقضية فالقضية طبيعية وليست مهملة أيضاً، وإما أن تكون للاستغراق فالقضية محصورة وليست مهملة. فعلى كل تقدير كلما دخلت الألف واللام على الاسم فلا يوجد إهمال.
طيب شكراً، وأما إذا تجردت الألف واللام عن الاسم فسوف يكون الاسم منوناً، والتنوين على ماذا يدل؟ على التخصيص، مش بالشخصية لا، فتصبح محصورة أيضاً ولكن محصورة جزئياً؛ لأنها تدل على البعض، كما تقول مثلاً: جاء قوم، يعني الجزئية تنقسم محصورة مش محصورة؟ المحصورة تنقسم إلى كلية وجزئية، قلنا كمية الأفراد بما أن تكون الكل أو البعض، الآن عندما تقول: جاء قوم، ما معنى جاء قوم؟ يعني جاء قوم يعني جاء البعض بعض قوم وليس الكل، دعك من هذا المثال، عندما تقول مثلاً: جاء رجال، وهذا يعني أن ليس كل الرجال قد جاؤوا، وإنما الذي جاء ما هو؟ البعض. فالتنوين دائماً يدل على البعض، والألف واللام دائماً تدل على الكل. جيد، فعلى كل تقدير سوف يكون الموضوع محصوراً لا إهمال فيه؛ لأننا نقول إن الاسم لا يخلو إما أن يقترن بالألف واللام أو أن يتجرد عنها، فإن تجرد عنها فلا بد أن يتصف أن يعرض عليه التنوين، وإذا عرض عليه التنوين فالتنوين دائماً يدل على البعض، فصار هناك بيان لكمية الأفراد ولو بعضاً، فصارت القضية محصورة جزئية.
وأما إذا دخلت عليه الألف واللام، فإما أن تكون الألف واللام -التفت- إما أن تكون الألف واللام للعهد فالقضية شخصية ولا إهمال؛ لأن المهملة في قبال الشخصية. وأما أن تكون اللام طبيعية أو يعني للحق للجنس فالقضية طبيعية ولا إهمال. وأما أن تكون اللام للاستغراق، ولام الاستغراق هي التي يصح إحلال لفظة كل مكانها فهي ترادفها، فيكون المتكلم قد بين كمية الأفراد كلاً فتكون محصورة كلياً.
وبالجملة، فالاسم إن اقترن باللام فالقضية كلية محصورة أو محصورة كلياً، وإن لم يقترن باللام فالتنوين يجعلها محصورة جزئياً، وعلى كل تقدير لا وجود للقضية المهملة في كلام العرب. هذا بحسب ما ذكره الشيخ الرئيس قدس سره أبو علي سينا، وهو في غير محله كما سوف يتضح في الدرس اللاحق إن شاء الله.
نقرأ هذا المقدار قال قدس سره: (الحملية شخصية وطبيعية ومهملة ومحصورة، والمحصورة كلية وجزئية). نبتدئ بالتقسيم باعتبار الموضوع للحملية، ثم نتبعه بتقسيم الشرطية فنقول: يعني أولاً لابد أن نقسم القضية الحملية باعتبار الموضوع، تنقسم الحملية باعتبار الموضوع إلى الأقسام الأربعة المذكورة في العنوان؛ لأن الموضوع إما أن يكون جزئياً حقيقياً أو كلياً -ليش قال حقيقياً؟ لأن الجزء الإضافي قد يكون كلياً-.
قال: فإن كان جزئياً سميت القضية شخصية ومخصوصة، مثل: محمد صلى الله عليه وآله رسول الله، الشيخ المفيد مجدد القرن الرابع، بغداد عاصمة العراق، أنت عالم، هو ليس بشاعر، هذا العصر لا يبشر بخير.
وإن كان كلياً ففيه ثلاث حالات تسمى في كل حالة القضية المشتملة عليه باسم مخصوص، فإنه إما أن يكون الحكم في القضية على نفس الموضوع الكلي بما هو كلي مع غض النظر عن أفراد على وجه لا يصح تقديم غير رجوع الحكم إلى الأفراد، فالقضية تسمى طبيعية؛ لأن الحكم فيها على نفس الطبيعة من حيث هي كلية، مثل: الإنسان نوع، والناطق فصل، الحيوان جنس، الضاحك خاصة، وهكذا، فإنك ترى أن الحكم في هذه الأمثلة في هذه الأمثلة لا يصح إرجاعه إلى أفراد الموضوع. جيد؛ لأن الفرد ليس نوعاً ولا فصلاً ولا جنساً ولا خاصة -يعني زيد مش خاصة، زيد من أفراد النوع-.
وأما أن يكون الحكم فيه على الكل بملاحظة أفراده، بأن يكون الحكم في الحقيقة راجعاً إلى الأفراد، والكل جعل عنواناً ومرآة لها حتى يصح التصور ولو بالإجمال، إلا أنه لم تبين فيه كمية الأفراد، لا جميعها ولا بعضها، فالقضية تسمى مهملة؛ ليش؟ لإهمال بيان كمية أفراد الموضوع، مثل: الإنسان في خسر -عجيب، ألا نكون نجعلها قضية، إلا نحن جعلناها محصورة صورة كلية سوف يأتي- رئيس القوم خادمهم، ليست من العدل سرعة العدل، المؤمن لا يكذب، فإنه ليست في هذه الأمثلة دلالة على أن الحكم عام لجميع ما تحت الموضوع أو غير عام -نعم نحن حسب الآية القرآنية قلنا استغراقية-.
طيب قال تنبيه: قال الشيخ الرئيس في الإشارات بعد بيان المهملة -في كتاب الشيخ الرئيس عنده كتاب في المنطق اسمه الإشارات والتنبيهات، جيد؟ عبارة عن ثلاثة مجلدات؛ المجلد الأول في المنطق، المجلد الثاني في الطبيعيات يعني في الفيزياء، والمجلد الثالث في الإلهيات، جيد؟ في المجلد الأول من كتاب الإشارات والتنبيهات، بعد أن ذكر وتحدث عن القضية المهملة، قال: فإن كان إدخال الألف واللام يوجب تعميماً وشركة، وإدخال التنوين يوجب تخصيصاً، فلا مهملة في لغة العرب. يعني إذا كان التنوين والألف واللام دائماً يتواردان على الاسم ولا يوجد فاصل بينهما أو لا يمكن أن يخلو الاسم عنهما، إما ينون فلا ألف ولام، وإما ألف ولام فلا ينون، وهذه الألف واللام منحصرة في الثلاثة كما قلنا، فحينئذ لا مهملة في لغة العرب، إذاً وين المهملة؟ قال: وليطلب ذلك وليطلب ذلك في لغة أخرى.
وأما الحق في ذلك فلصناعة النحو ولا تخالطها بغيرها، يعني تحديد ما إذا كان هناك قضية مهملة أو لا، فأهل النحو هم الذين يحددونها.
طيب، ماذا قال الشيخ المظفر قدس سره؟ قال: والحق وجود المهملة في لغة العرب، يوجد يوجد قضية مهملة. طيب وين؟ قال: إذا كانت اللام للحقيقة. طيب وين لام الحقيقة هنا؟ يكون الحكم فيها منصباً على الحقيقة بما هي هي. عجيب! نحن قلنا أن اللام عندما تكون للحقيقة أو للجنس فيكون الحكم على الحقيقة بما هي هي من دون نظر إلى الأفراد، إذاً فلا وجود للمهملة؛ لأن المهملة يكون النظر فيها إلى الأفراد، تماماً؟ والجواب يأتي إن شاء الله غدا والحمد لله رب العالمين، يعني يوجد قضية في يوجد قضية مهملة حقيقية، ولكن أين؟ سوف يأتي غداً بيان ذلك مفصلاً والحمد لله رب العالمين.
