دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 51
051
تقسيم القضية الحملية: الذهنية والخارجية والحقيقية
كان الكلام في تقسيم القضية الحملية إلى ثلاثة أقسام: إلى قضية ذهنية، وأخرى خارجية، وثالثة حقيقية. وقد عرفت أن الذي ينقسم إلى هذه الثلاثة إنما هي القضية الموجبة.
وذلك لأن تقسيم القضية إلى ذهنية وخارجية وحقيقية إنما هو تقسيم لها باعتبار وجود موضوعها؛ لأن موضوعها إما أن يكون موجوداً في الذهن، أو أن يكون موجوداً في الخارج، أو أن يكون موجوداً في نفس الأمر. وإذا كان تقسيم القضية الحملية إلى هذه الثلاثة باعتبار وجود الموضوع، فإن القضية السالبة ليس بالضرورة أن تكون واحدة من هذه الأقسام الثلاثة؛ وذلك لما عرفنا من أن القضية السالبة قد تصدق مع انتفاء موضوعها بألا يكون موجوداً.
والحاصل أن كل قضية حملية موجبة فإنها تفيد ثبوت شيء لشيء، وثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، أي فرع وجود الموضوع. وحينئذ، إذ فلا يخلو: إما أن يكون موضوعها الموجود موجوداً في الذهن فقط، أو أن يكون موجوداً في الخارج، أو أن يكون موجوداً في نفس الأمر والواقع.
فإن كان الموضوع موجوداً في الخارج، وكان الحكم منصباً في الحقيقة على الأفراد الخارجية، سميت القضية حينئذ قضية خارجية؛ لأن الحكم فيها إنما انصب على الأفراد الموجودة في الخارج.
وأما إذا كان موضوعها موجوداً في الذهن فقط بأن لم يكن له أفراد خارجية، وإنما كانت أفراده ذهنية، فيقال للقضية حينئذ أنها القضية الذهنية؛ لأن موضوعها ذهني، سواء كان موضوعها الذهني هو الكلي من حيث إنه كلي، كما في مثل قولنا: (الحيوان جنس)، فإن الحكم بالجنسية أو بالنوعية على مفهوم الحيوان ومفهوم الإنسان حكم على الحيوان بما هو هو وبمعزل عن أفراده، لا أفراده الخارجية ولا حتى أفراده الذهنية.
وبعبارة ثانية: شوف الإنسان مفهوم كلي، وهذا المفهوم موطنه وين؟ موطنه الذهن. ولكن هذا المفهوم الذي موطنه الذهن له أفراد في الخارج هي عبارة عن زيد وبكر وعمر الموجودين في الخارج، وله أفراد ذهنية أيضاً، وهي عبارة عن أخي الخامس عشر، هذا فرد من أفراد مفهوم الإنسان وهذا موطنه الذهن أيضاً لأنه لم ينوجد بعد في الخارج، فمحل وجوده هو الذهن.
فالمفهوم الكلي قد يكون له أفراد في الخارج وقد يكون له أفراد في الذهن. فالمفهوم الذهني أو الموضوع في القضية الحملية الذي يكون موجوداً في الذهن تارة يكون أمراً كلياً بما هو هو، وتارة يكون عبارة عن أفراد ذهنية لموضوع كلي.
والقضية الذهنية هي القضية التي يكون موضوعها ذهنياً، أي موجوداً في الذهن فقط، سواء كان ذلك الموضوع الذهني عبارة عن الكلي من حيث هو هو، كما في مثل قولنا: (الإنسان نوع)، شوف؛ لأن النوعية ليست حكماً على الأفراد الخارجية للإنسان، ولا هي حكم على الأفراد الذهنية للإنسان؛ لأن أخي الرابع عشر ليس نوعاً، وإنما هو جزئي لم ينوجد بعد من جزئيات ذلك المفهوم الكلي. جيد؟
ففي قولنا: (الإنسان نوع)، هذه قضية ذهنية لأن موضوعها موجود في الذهن. ويوجد نوع آخر من القضايا الذهنية كما تقول: أخي الرابع أو أخي الرابع عشر ممكن الوجود، فهذه أيضاً قضية ذهنية مع أن الحكم لم ينصب فيها على الطبيعة من حيث هي هي.
وبهذا يتضح أن القضية الذهنية في هذا التقسيم ليست هي بعينها عبارة عن القضية الطبيعية التي تقدم تقسيم القضية باعتبار جزئيتها وكليتها إليها. القضية الطبيعية هناك هي القضية التي ينصب الحكم فيها على أي شيء؟ على الطبيعة من حيث هي هي، على وجه لا يصح لحوق الحكم للأفراد، لا يصح أن يكون الحكم ناظراً إلى الأفراد، كما تقول: (الإنسان كلي). جيد؟ أفراد الإنسان في الخارج ليست كلية، ولا حتى أفراده التي وين؟ التي في الذهن، أيضاً هي ليست كلية؛ أفراد الإنسان التي في الذهن -يعني عبارة عن بكر الذي لم ينوجد في الخارج- هذا ليس كليا،ً وإنما هو جزئي من جزئيات ذلك الكلي، غاية ما في الأمر أنه جزئي ذهني. جيد.
إذاً؛ فالقضية الذهنية هي التي يكون موضوعها ذهنياً، سواء كان هذا الموضوع الذهني عبارة عن الطبيعة من حيث هي هي كما في القضية الطبيعية، أو كان عبارة عن أفراد ذهنية جيد لمفهوم لمفهوم كلي كما في مثل قولنا: (أخي الرابع عشر ممكن الوجود)، هذه قضية حملية موجبة لأننا قد أثبتنا إمكان الوجود لهذا الموضوع، وموضوعها لا وموضوعها لا وجود له في الخارج، وإنما محل وجوده وين؟ في الذهن، لأنه لم ينوجد بعد في الخارج.
فالقضية الذهنية ها هنا تشمل القضية الطبيعية ولكنها تشمل نوعاً آخر ونحواً آخر من القضايا.
وتارة ثالثة يكون موضوع القضية موجوداً في نفس الأمر والواقع. ونفس الأمر والواقع أعم من عالم الخارج ومن عالم الذهن كما سوف يتضح بعد قليل، وتسمى القضية حينئذ قضية حقيقية.
توضيح أقسام القضية الثلاثة
يقع الكلام في توضيح كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة:
1. أما القضية الذهنية: فهي القضية التي يكون موطن وجود موضوعها هو الذهن فقط، بمعنى أنه لا يمكن أن يكون موضوعها موجوداً في الخارج، وإنما يقتصر وجوده على عالم الذهن، سواء كان ذلك الموضوع الذهني عبارة عن المفهوم بما هو هو وبمعزل عن أفراده الذهنية والخارجية، أو كان عبارة عن مفهوم له نظر إلى أفراده إلا أن أفراده ذهنية أيضاً.
مثال الأول: قولنا (الإنسان نوع) و(الحيوان جنس). فالنوعية حكم لاحق للمفهوم من حيث هو هو ولا نظر في هذا الحكم إلى الأفراد لا الخارجية ولا حتى الذهنية.
ومثال الثاني: قولنا إن أخي الرابع عشر ممكن الوجود، وقد أوضحنا ذلك قبل قبل قليل.
ومثال القضية الذهنية أيضاً قولنا: (اجتماع النقيضين محال). فإن الحكم بالاستحالة والامتناع على اجتماع النقيضين ليس حكماً على المفهوم من حيث هو هو، بدليل أن مفهوم اجتماع النقيضين موجود في الـ موجود في الذهن أو لا؟ لا شك في أن مفهوم اجتماع النقيضين -يعني صورة اجتماع النقيضين- لها وجود في الذهن. وإذا كان لها وجود في الذهن فكيف نحكم عليها بالاستحالة؟ إذاً لا يمكن أن يكون المحال هو صورة اجتماع النقيضين، بل المحال هو مصاديق اجتماع النقيضين حقيقة.
فالحكم ها هنا ليس حكماً على المفهوم من حيث هو هو؛ لأن المفهوم موجود في الذهن فليس بمحال، وإلا كذبت القضية، تمام. ولكن الحكم أيضاً ليس حكماً على الأفراد الخارجية لاجتماع النقيضين؛ لأن اجتماع النقيضين لو كان له أفراد في الخارج لما كان الاجتماع حينئذ محالاً، لأنه ما معنى أن يكون له أفراد في الخارج؟ أن يكون هناك نقيضان في الخارج وقد اجتمعا، وإذا كان هناك نقيضان وقد اجتمعا فكيف يكون اجتماعهما محالاً؟ فإن الوقوع خير دليل على الإمكان.
ومن هنا يتضح أن الحكم في هذه القضية ليس حكماً على المفهوم من حيث هو هو، ولا حكماً على المفهوم من حيث كونه ناظراً إلى أفراده الخارجية إذ لا أفراد له في الخارج، وإنما الحكم حكم على مفهوم اجتماع النقيضين بما هو حاكٍ عن الأفراد الذهنية لاجتماع النقيضين، بمعنى أن كل ما يفرض أنه مصداق لاجتماع النقيضين فإن وجوده في الخارج محال.
فالحكم حكم على الأفراد الذهنية الذهنية لهذا المفهوم وهو مفهوم اجتماع النقيضين، فيقال: إن موضوع القضية ها هنا ليس له وجود إلا إلا في الذهن، وهذه القضية -التفت- ليست قضية طبيعية وإنما هي قضية محصورة، وهي قضية محصورة كلية (كل اجتماع للنقيضين فهو محال)، فلابد أن الحكم له نظر إلى الأفراد وقد بينت كمية الأفراد أيضاً، إلا أن الأفراد التي بينت كميتها هي أفراد ذهنية وليست أفرادة خارجية. ولذلك يقال إن مثل هذه القضية لابد أن تكون قضية ذهنية ولا يمكن أن تكون قضية خارجية؛ لأنها لو كانت قضية خارجية لكان لهذا الموضوع أفراد في الخارج، واجتماع النقيضين إذا كان له أفراد في الخارج، فكيف يحكم على تلك الأفراد بأنها مستحيلة وقد وقعت في الخارج؟ واضح المطلب أو لا؟ جيد. هذا تمام الكلام في القضية الذهنية.
2. وأما القضية الخارجية: فهي القضية التي يكون الحكم فيها لاحقاً للأفراد الخارجية، سواء كانت تلك الأفراد الموجودة في الخارج موجودة فعلاً الآن وفي هذا الزمان، أو كانت بحيث سوف تنوجد في الزمن المستقبل ولكن علم المتكلم بأنها ستنوجد فألحق بها الحكم.
كما إذا نظر الإنسان أو المتكلم إلى زيد وعمرو وبكر ولاحظ وجودهم في هذه الغرفة وعندما خرج قال لخادمه: (أكرم من في الغرفة)، فإن مفهوم (من في الغرفة) عنوان عام ينطبق على كل واحد وعلى كل فرد فرد من هؤلاء الموجودين وين؟ في الغرفة. ولكن الحكم حقيقة إنما انصب على زيد وعلى عمرو وعلى بكر الكائنين في تلك الغرفة، فالحكم وإن توجه إلى مفهوم عام ولكن قصد من هذا المفهوم العام أفراد محددون في الخارج.
فالعنوان وإن كان كلياً ولكنه نظر إليه بما هو مرآة تحكي عن أفراد محققة الوجود وين؟ في الخارج، أو كما إذا علمت أن شخصاً ما سوف يأتي إلى الغرفة، هو وإن لم يأتي بعد إلى الغرفة، ولكنني علمت بإتيانه إلى الغرفة، فقلت لخادمي: (أكرم من سيأتي إلى الغرفة). فهنا الفرد وإن لم يكن له وجود في الخارج بعد -ولكن بالطبع إن لم يكن له وجود في الخارج لم يكن له وجود محقق في الخارج في هذا الزمان- ولكنه سوف يكون له وجود محقق وين؟ في زمان المستقبل.
ويقال إن الحكم قد لحق الأفراد الخارجية؛ لأن هذا الفرد وإن لم يكن محقق الوجود في هذا الزمان الحالي ولكنه محقق الوجود في زمان المستقبل، لأن الزمان بعد مقوم وهو أحد الأبعاد الأربعة على ما يأتي في في الفلسفة.
3. وأما القضية الحقيقية: فهي التي يكون موضوعها موجوداً في نفس الأمر والواقع، سواء كان له أفراد، كان سواء كان لموضوعها أفراد في الخارج أو لم يكن لها أفراد في الخارج. وهذا النحو من القضايا يحتاج إلى توضيح، وتوضيحه بمقدمة.
حاصل هذه المقدمة أن هناك نحوين من القضايا الكلية: القضية الكلية الحقيقية، وهي التي تكون كليتها كلية حقيقية؛ والقضايا الكلية الصورية، وهي التي تكون كليتها صورية، أي إنها كلية بالصورة وبالشكل، وأما من ناحية الجوهر والمضمون فلا تكون قضايَا كلية وإنما تكون قضية جزئية.
بيان ذلك أن المتكلم تارة يدخل إلى المسجد فيتفق أنه لم يجد في المسجد إلا ثلاثة أشخاص: الأول هو أخوه، والثاني ابن عمه، والثالث فقير من الفقراء، فهذا الشخص قد تصور كل واحد من هؤلاء الثلاثة ووقف على حقيقة أمره، ثم لاحظ أن الأول أخوه، والثاني ابن عمه، والثالث فقير من فقراء الناس.
ثم عندما لاحظ أخاه أراد أن يصله رحماً، وواحد من طرق إيصال الرحم، من طرق صلة الرحم هي التصدق، والتصدق إنما يكون بالإكرام. ثم نظر إلى ابن إلى ابن عمه فوجد أنه يستحق الصدقة أيضاً، لأنه ابن عمه. ثم نظر إلى الثالث من هؤلاء الثلاثة، فلما وجده فقيراً وجد مصلحة في أن يتصدق عليه وأن يكرمه.
فإذا ما خرج من المسجد قال لأجيره: (أكرم من في المسجد). هذا المتكلم في الحقيقة إنما يريد إكرام أشخاص ثلاثة فقط ليس غير، فهو قد أراد أن يكرم أخاه والسبب الباعث على ذلك هو كونه أخاه، وأراد أن يكرم ابن عمه لكونه ابن عمه، وأراد أن يكرم الثالث لكونه فقيراً، فهو أراد أن يكرم أشخاصاً ثلاثة، ولكن كل واحد من هؤلاء الثلاثة ومناط في الإكرام يغاير الملاك والمناط الذي لأجله أراد أن يكرم الآخر؛ فأراد أن يكرم الأول لفقره، والثاني لأخوته، والثالث لصلة الرحم بينه وبينه. فملاك الإكرام يختلف بين الأول والثاني والثالث.
وهو في الحقيقة لا يريد أن يكرم إلا هؤلاء الثلاثة، ولكنه في مقام التعبير وجد مشقة وصعوبة في أن يقول لأجيره: أكرم اخي وابن عمي وذلك الفقير، فاستساغ تعبيراً أسهل من هذه القضايا الثلاث، إذ وجد جامعاً يشترك فيه كل واحد من هذا من هؤلاء الأشخاص الثلاث، وهو أنهم كانوا في المسجد، فقال له: (أكرم من في المسجد).
هنا يقال إن المتكلم حقيقة حيث أنه لا يريد إلا إكرام هؤلاء الأشخاص الثلاثة، فكان المقام يقتضي أن يصدر المتكلم ثلاثة قضايا، كل واحد، كل واحدة من هذه القضايا سوف يكون موضوعها واحداً من هذه الأفراد الثلاثة. فهو في الحقيقة يريد أن ينشئ ثلاث قضايا شخصية؛ لأن كل واحد من هذه القضية موضوعها جزئي أو كلي؟ جزئي؛ لأنه سوف يقول: (أكرم زيداً) و(أكرم عمراً) و(أكرم بكراً)، ولكنه في مقام استساغة التعبير انتخب تعبيراً سهلاً يسهل عليه اختصار هذه القضايا الثلاث بقضية واحدة؛ لأنه لما وجد جامعاً مشتركاً بين الثلاثة فإنه سوف يسهل الأمر على نفسه فيقول: (أكرم من في المسجد).
ولكن -التفت- لو أنه بعد أن خرج من المسجد وبعد أن قال لأجيره: (أكرم من في الغرفة)، دخل شخص رابع إلى المسجد، هل يكون هذا الشخص الرابع مشمولاً لوجوب الإكرام أو لا؟ الآن أنا ذهبت إلى المسجد فوجدت أخي وابن عمي وفقيراً من الفقراء، وأردت أن أكرم الأول بملاك الأخوة، والثاني لأجل فقره، والثالث لكونه ابناً لعمي. فخرجت من المسجد وقلت لأجيري: (أكرم من في المسجد)، وأنا حقيقة لا أُريد إلا إكرام الثلاثة وإنما قلت (من في المسجد) من باب تسهيل التعبير واستساغة النطق.
ثم بعد أن أنشأت هذه القضية ذهب أجيري إلى المسجد، واتفق أن دخل شخص رابع بعد إنشاء القضية إلى المسجد، فهل يكون مشمولاً لوجوب الإكرام؟ فهل يكون الأجير هل يرى الأجير من نفسه أنه مكلف بإكرام ذلك الرابع أو لا؟
من الواضح أن هذا الرابع سوف لن يكون مشمولاً لوجوب الإكرام؛ لأنه وإن صدق عليه أنه في المسجد، إلا أن الحكم حقيقة لم ينصب على هذا العنوان بما هو هو، وإنما انصب على الأفراد الخارجية ابتداءً وهم زيد وعمرو وبكر، ولكن في مقام استساغة التعبير عن هؤلاء الثلاثة بعنوان واحد جيد؟ جاء المتكلم وانتخب هذا العنوان.
فهنا يقال: إن هذه القضية لا تشمل الأفراد التي سوف تنوجد بعد إنشاء القضية، وهذا يعني أن هذه القضية وإن كانت بحسب ظاهر حالها قضية كلية تنطبق على كثيرين، ولكنها في نفس الأمر والواقع في واقعها قضية جزئية، شخصية، عبارة قضايا شخصية متعددة بتعدد هذه الأفراد، فكليتها كلية صورية، بدليل أن هذا الرابع وإن صدق عليه أنه في المسجد ولكنه لا يكون مشمولاً للحكم؛ لأن المناط والمعيار في وجوب الإكرام لم يكن عبارة عن الكون في المسجد، أنا لا أريد أن أكرم من في المسجد لأنه في المسجد، أنا أريد أن أكرم زيداً وعمراً وبكراً واتفق وجودهم في المسجد.
هذا النحو من القضايا الذي تكون كليته صورية -يعني بالصورة كلي، وإلا هو عبارة عن مجموعة من القضايا الشخصية التي لاحظ المتكلم فيها كل فرد فرد على حدة، وأراد أن ينشئ حكماً لكل فرد من هؤلاء على حدة- هذه عبارة عن قضايا شخصية متعددة جمعت بعنوان له صورة المفهوم الكلي. هذا النحو من القضايا هو الذي يسمى بالقضية الخارجية، وهي القضية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل إذ قلنا إن الحكم ينصب على الأفراد الخارجية ابتداءً، فأنا من أول الأمر أريد أن ألحق الإكرام بزيد وبعامر وأبي بكر وفي مقام استسهال التعبير جئت بعنوان جامع وهو الكون في المسجد، لا أنني ألحقت الحكم ابتداءً بهذا المفهوم ثم جعلت المفهوم حاكياً عن الأفراد.
النحو الثاني من القضايا: القضية الحقيقية
هذا تصوير أول لهذه القضايا. ويوجد نحو آخر من القضايا، وهو ما إذا لم أدخل إلى المسجد ولم أنظر إلى الأفراد الموجودين في المسجد، أنا لا أعرف إذا كان في المسجد يوجد افراد أو لا يوجد افراد أساساً، وإذا كان هناك أفراد فأنا لا أعلم هويتهم ولا أعرف صلتهم بي، ولكنني نظرت إلى عنوان المسجد، فوجدت أن من يتردد إلى المسجد فانه مستحق للإكرام، واستحقاقه للإكرام لا بملاك الصداقة ولا بملاك صلة الرحم ولا بملاك الأخوة ولا بملاك الفقر، وإنما إكرام المتردد إلى المسجد بسبب أنه في المسجد.
فنجد أن المتكلم في هذا لا يجد نفسه مضطراً إلى ملاحظة الأفراد الموجودة خارجاً في المسجد، ولا يجد نفسه مضطراً أيضاً إلى لمعرفة ما إذا كان هناك أفراد فعلاً أو لم يكن، قد يكون المسجد خالياً، ومع ذلك فإن المتكلم لما وجد أن نفس الكون في المسجد بحيث يقتضي الإكرام ويوجب استحقاقه فسوف يقول لأجيره حينئذ: (أكرم من في المسجد)، أي أكرم من يتردد إلى إلى المسجد.
وحينئذ فلو أن فرداً من الأفراد بعد صدور القضية وإنشاء الحكم دخل إلى المسجد يكون مستحقاً للإكرام ومشمولاً بالقضية أو لا؟ لا شك في أنه سوف يكون مستحقاً للإكرام؛ لأنه قد انطبق عليه عنوان المسجدية، وهذا العنوان بنفسه موجب للإكرام.
وبهذا فإن هذا النحو من القضايا يقال له إن كليتها كلية حقيقية؛ لأنها لأن موضوعها يصلح لأن ينطبق على كل فرد يندرج تحت هذا المفهوم، والحكم يشمل كل فرد -التفت- يشمل كل فرد من الأفراد التي ينطبق عليها هذا المفهوم، سواء كانت لها أفراد في الخارج أو لم يكن، ويشمل الأفراد المحققة أي الموجودة في زمن الحكم، ويشمل الأفراد المقدرة أيضاً أي التي لم تنوجد بعد ولكنها سوف تنوجد، بل يشمل الأفراد التي لا تنوجد أساساً ولن تنوجد وإن كان وجودها ممكناً.
فلو أن أخي الرابع عشر دخل المسجد لكان مستحقاً للإكرام أو لا؟ لكان مستحقاً، مع أن أخي الرابع عشر لن ينوجد في هذه الحياة الدنيا. ومن الواضح هنا أن -التفت- الحكم لم ينصب على الأفراد الموجودة في الخارج فقط حتى يقال إن موضوعها خارجي، ولم ينصب على الأفراد الذهنية فقط أيضاً حتى يقال إن موضوعها ذهني، وإنما انصب الحكم على الموضوع باعتبار أفراده المحققة والمقدرة.
ومن هنا يقال إن الموضوع في القضية الحقيقية عبارة عن الطبيعة -التفت- ولكن لا من حيث هي هي، وإلا صار محل وجودها وين؟ في الذهن؛ لأن الطبيعة لا تنوجد في الخارج بنفسها تنوجد في ضمن أفرادها، فالحكم وإن انصب على عنوان (من في المسجد) ولكن أنا لم أصب هذا الحكم لم ألحق هذا الحكم على هذا العنوان بما هو هو؛ لأن المفهوم بما هو هو ليس له محل إلا في الذهن، وإنما انصب الحكم على الطبيعة من حيث وجودها ومن حيث كونها مرآة لأفرادها المحققة والمقدرة. وهذه القضية هي التي يقال لها أنها قضية حقيقية.
وبهذا يقال إن القضية الحقيقية موضوعها هو نفس الأمر والواقع، ولا أريد أن أدخل في مزيد تفصيل في معنى نفس الأمر والواقع. وقالوا أيضاً إن عالم نفس الأمر أوسع من عالم الخارج وأوسع من عالم الذهن أيضاً؛ لأنه يشمل الأفراد الموجودة ويشمل الأفراد الممكنة، بل يشمل الأفراد التي لا وجود لها لا في الذهن ولا في الخارج، كما في مثل أخي السادس عشر إذا لم أكن قد تصورته؛ أنا تصورت -التفت ليه؟- عندي أخي الثاني وهذا موجود في الخارج، وعندي أخي الخامس عشر وهذا أنا احتمله أو تصورت أحضرت له صورة في الذهن، وهناك أخي السادس عشر الذي لم أتصوره لم أترض أن هناك أخاً أن هناك أخاً هو السادس عشر، وهذا أيضاً يشمله الحكم أو لا يشمله الحكم؟ يشمله الحكم فيما لو دخل إلى المسجد مثلاً.
جيد، فالعالم نفس الأمر أوسع من عالم الوجود الخارجي وأوسع من عالم الذهن. توضيح ذلك وتوضيح معنى نفس الأمر بدقة هذا موكول إلى إلى الفلسفة، وهذا القدر كافٍ في المقام.
الفوارق بين القضية الخارجية والقضية الحقيقية
إذا اتضح ذلك فإنه يمكننا أن نفرق بين القضية الخارجية والقضية الحقيقية بجملة من الفوارق -طبعاً هذه الفوارق يمكن أن نرجع بعضها إلى إلى بعض، وإنما كثرنا الفوارق حتى يحصل أُنس بالمطلب-:
1. الفارق الأول: أن الحكم في القضية الخارجية مجعول على الأفراد ابتداءً ثم بتبع ذلك يحمل على جامع كلي. فأنا في الحقيقة إنما أردت أن أكرم زيداً وعمراً وبكراً. فقط لا أكثر. فكان حق المقام أن يقال: (أكرم زيداً وأكرم عمراً وأكرم بكراً). ولكن احترازاً من تكثير العبائر واستساغة واستسهالاً للتعبير، قمت بصب الحكم على أي شيء؟ على مفهوم (من في المسجد) أو (من في الغرفة). فالالحكم إنما تعلق بزيد وعمرا وبكر ابتداءً، ثم حول من أجل استساغة التعبير إلى عنوان جامع. وهذا بخلاف الحكم في القضية الحقيقية؛ فإنه ينصب على الجامع ثم ينحل بعد ذلك إلى إلى أفراده؛ لأنني لم أنظر إلى الأفراد ولم ألاحظ الأفراد وإنما لاحظت عنوان المسجدية فوجدت أن زائرها مستحق للإكرام، فقد علقت الحكم ابتداءً على الطبيعة ولكن من حيث كونها مرآة لأفرادها.
وبهذا أيضاً يظهر الفرق بين القضية الحقيقية وبين القضية الذهنية؛ القضية الذهنية قد يكون الحكم لاحقاً للطبيعة من حيث هي هي جيد، أو من حيث هي حاكية عن أفرادها الذهنية فقط. أما في القضية الحقيقية فالحكم لاحق للطبيعة بما هي مرآة لكل أفرادها المحققة والمقدرة الذهنية والخارجية. أما القضية الخارجية فالحكم لاحق للأفراد ابتداءً، ثم من أجل استساغة التعبير علق الحكم على على الطبيعة. هذا هو الفارق الأول.
2. الفارق الثاني: أن موضوع القضية الخارجية كلي صوري -يعني بالصورة فقط- بدليل أنه لا يشمل الأفراد التي سوف تنوجد بعد إنشاء القضية. وهذا الفارق حقيقة هو نفس الفارق الأول ومتفرع عنه. وهذا بخلاف القضية الحقيقية فإن موضوعها كلي كلية حقيقية لا بالشكل فقط، وهذا سوف نرتب عليه فارقاً جوهرياً في آخر البحث.
3. الفارق الثالث: أن القضية الخارجية لا تعبر عن وحدة المناط، وهذا بخلاف القضية الحقيقية فإنها تعبر عن وحدة المناط. التفت، عندما أنشأت قضية على نحو القضية الخارجية وقلت: (أكرم من في المسجد)، أنا حقيقة لماذا أردت أن أكرم زيداً؟ لأخوته، وعمراً لقرابته، وبكراً لفقره؛ مناط إكرام كل واحد من هؤلاء الثلاثة، سبب الإكرام في كل واحد من هؤلاء الثلاثة يختلف عن سبب الإكرام في في غيره، فلا يوجد مناط واحد على أساسه وجب الإكرام.
وهذا بخلاف القضية الحقيقية؛ فإن كل من في المسجد إنما استحق الإكرام بسبب كونه وين؟ في المسجد. ولذلك لو وجد أو لو دخل شخص رابع وخامس وسادس بعد صدور القضية فإنه سوف يكون مستحقاً للإكرام، ليش؟ لأن سبب الإكرام هو عنوان المسجدية، والسبب عندما ينوجد فلا بد أن ينوجد المسبب؛ لأن العلة عندما تنوجد فيجب وجود المعلول.
ولما كان الحكم منصباً على الطبيعة ابتداءً فالطبيعة هي علة الحكم، ولهذا إذا دخل شخص رابع بعد إنشاء القضية إلى المسجد فسوف يكون مستحقاً للإكرام لأنه قد حقق سبب الإكرام فاستحق ذلك الإكرام. وهذا الفارق أيضاً هو عين الفوارق السابقة وإنما يتفرع عنها؛ لأن الحكم لما كان منصباً على الطبيعة بما هي فالطبيعة هي سبب الحكم، فإذا ما دخل شخص بعد ذلك استحق استحق ذلك الحكم.
وهذا معنى قولنا إن القضية الحقيقية هي تعبر عن وحدة في المناط، ولذلك سوف يأتي معنا الفارق الجوهري ما هو؟ أنه في الاستدلال في مقام الاستدلال والأقيسة لا يمكن أن نتمسك بالقضايا الخارجية، القضايا الخارجية لا تفيد في مقام الاستدلال، فلا تستطيع أن تقول مثلاً: زيد في المسجد، ومن في المسجد إكرامه واجب، لا ينتج أن زيداً إكرامه واجب إذا كانت هذه القضية على نحو القضية الخارجية؛ لأنك إذا قلت: زيد في المسجد -التفت- ومن في المسجد إكرامه واجب، يفترض أن ينتج: زيد إكرامه واجب. نقول: هذه النتيجة تكون صحيحة إذا كانت القضية ها هنا مجعولة على نحو القضية الحقيقية، لأنه حينئذ سوف يكون الإكرام منصباً ومعلقاً وملحقاً بأي شيء؟ بعنوان المسجدية؛ سبب الإكرام، مناط الإكرام هو عنوان المسجدية، وحينئذ سوف يصدق أن زيداً -الصغرى هذه القضية ماذا تفيد؟- أن زيداً قد حقق السبب، فسوف نستنتج أن المسبب قد تحقق؛ تحقق لأن العلة عندما تنوجد فقد وجد المعلول.
وأما إذا كانت على نحو القضية الخارجية بأن كان المتكلم حقيقة -شوف- قد لاحظ زيداً وعمراً وبكراً، فهذا يعني أنه ماذا يريد إكرام من؟ في الحقيقة عامر وبكر وخالد لنفترض هؤلاء، وحينئذ دخول زيد إلى المسجد سوف لا يوجب إكرامه؛ لأنه لن يتكرر الحد الأوسط، أو لأن عنوان المسجدية بما هو هو هو سبب الإكرام، فلأي شيء سوف نكرم زيداً؟
4. الفارق الرابع: [خلاصة ما تقدّم] أن القضايا الخارجية لا يمكن أن تدخل في الأقيسة، يعني لا يمكن أن تدخل في الاستدلال وفي البرهان، وهذا من أهم ثمرات هذا التقسيم؛ لأنه سوف يأتي معنا أن الاستدلال قد يكون أن القضايا قد تكون صحيحة -شوف، كل واحدة من هاتين القضيتين صحيحة: زيد الآن في المسجد، ومن في المسجد إكرامه واجب- ولكن على نحو القضية الخارجية، ومع ذلك الاستدلال يكون فاسداً، والسبب هو أن القضية ها هنا كانت خارجية. فالفارق الرابع إذاً أن القضية الخارجية لا نفع لها في الاستدلال بخلاف القضية الحقيقية.
5. الفارق الخامس: أن المتكلم في القضية الخارجية هو الذي يتصدى إلى إحراز الأفراد، بخلافه في القضية الحقيقية فإن الذي ينشئ القضية لا يحتاج إلى أن ينقح الأفراد. بيان ذلك أننا قد عرفنا أن هذا التقسيم إلى هذه القضايا الثلاثة الخارجية والذهنية والحقيقية، هذا التقسيم تقسيم للقضية الموجبة؛ والموجبة مفادها ثبوت شيء لشيء وإثبات شيء لشيء، فرع تصوري بذلك المثبت له أو لا؟ لأن القضية الموجبة تفيد الحكم، والحكم على شيء فرع تصوره، تمام. وإذا كان الحكم على شيء فرع تصوره، فالمتكلم سواء كانت القضية خارجية أو حقيقية لابد أن يتصور الموضوع أولاً ليصح أن يحكم عليه أو لا، لابد أن يتصوره أولاً.
غاية الأمر أن الموضوع في القضية الخارجية لما كان عبارة عن الأفراد الخارجية ابتداءً، فلا بد لصاحب القضية -للمتكلم يعني- أن يتصور هذه الأفراد أو لا، وإلا كيف يحكم عليها؟ لأننا قلنا إن الحكم في القضية الخارجية حكم مجعول على الأفراد ابتداءً، فهو حكم حقيقة على الأفراد، والحكم على شيء فرع تصوره، فهذا يعني أنه لابد أن يتصور الأفراد حتى يصح له أن ينشئ القضية حتى يصح أن ينشئ الحكم. وهذا يعني أن صاحب القضية لابد أن يحرز الأفراد بنفسه وأن يتصورها وأن يلاحظها ليصح له أن يحكم.
وهذا بخلاف القضية الحقيقية، فإن الحكم لما لم يكن على الأفراد ابتداءً وإنما كان على طبيعة، وإن كان ليس من حيث هي هي، وإنما من حيث هي مرآة لأفرادها، ولكن يكفيه حينئذ أن يتصور هذه الطبيعة من غير أن يدقق في أفرادها وما إذا كان هناك أفراد فعلاً أو لم يكن. فحينئذ سوف لا يكون المتكلم مضطراً لأن ينقح الأفراد بنفسه، وإنما يكون تنقيح الأفراد على عهده الغير؛ كما إذا قلت لأجيري: (أكرم من في المسجد)، جيد أنا لا أتصدى أنا لم أتصدى لتشخيص الموضوع، تشخيص الموضوع بيد من وبعهدة من؟ بعهدة الأجير، هو الذي يشخص الموضوع.
طبعاً هذا الفارق أين يستفاد منه كثيراً في علم الأصول؟ متى يكون المكلف معنياً بتشخيص بالتشخيص ومتى لا يكون معنياً بتشخيص؟ إذا كانت فتوى الفقيه -فتوى المرجع- إذا كانت فتواه على نحو القضية الحقيقية، فتشخيص الموضوع بيد من؟ المكلف؛ فعندما يقول الفقيه: (الخمر حرام)، هو إنما علق الحرمة على موضوع على طبيعة الخمرية، لا من حيث هي هي؛ لأن الطبيعة بما هي هي لا تتصف بالحرمة جيد، وإنما الذي يتصف بالحرمة الطبيعة من حيث وجودها في الأفراد تمام؟ ولكن هذا حكم مجعول على نحو القضية الحقيقية، فالذي يتصدى لتشخيص هذا المصداق ما إذا كان خمراً أو لم يكن خمراً هو الفقيه هو هو المكلف. وأما إذا كانت فتوى الفقيه على نحو القضية الخارجية، بأن تصدى الفقيه بنفسه وقال جيد، وجاء بالقضية، فهذا يعني أن التشخيص لم يعد بيد لم يعد بيد المكلف، وإنما هو بيد الفقيه. واضح المطلب أو لا؟ نعم.
6. الفارق السادس: أن الحكم في القضية الخارجية يساوق الفعلية؛ فكلما أنشئت القضية الخارجية، الخارجية والحقيقية الحكم في القضية الخارجية يساوق الفعلية، فكلما ما أنشئت القضية فإنشاؤها يساوق فعليتها. وهذا بخلاف القضية الحقيقية؛ فقد تنشأ القضية الحقيقية ولا تكون فعلية إلا ما بعد حين، بل قد تنشأ القضية ثم لا يكون هناك فعلية أساساً. والمراد من فعلية القضية تنجزها -شو يعني تنجزها؟ يعني صيرورتها ناجزة على العبد على المكلف مثلاً، هذا في القضايا الشرعية مثلاً جيد- أو فقول المراد من فعليتها كونها بحيث تحرك المخاطب إلى شيء؛ كما إذا قلت للأجيري: (أكرم من في المسجد) على نحو القضية الخارجية، فهذا يعني أن هناك واجباً عليه أن ينجزه، وأن هناك زيداً وعمراً وبكراً ويجب أن أن يذهب وأن يكرمهم، فبمجرد أن نشأت القضية صار هناك حكم فعلي في حق الأجير وهو أنه يجب أن يكرم هؤلاء.
وهذا بخلاف القضية الحقيقية؛ لأنني عندما أقول له: (أكرم من في الغرفة أو من في المسجد)، قد يذهب إلى المسجد ثم لا يجد أحداً؛ لأن العنوان قد علق على الطبيعة من حيث هي لا من حيث هي من حيث هي مرآة لأفرادها، ولكن لم يكن لها أفراد في الفعل الآن. جيد؟ نعم، عندما ينوجد فيما بعد فرد في المسجد فسوف يكون إكرامه واجباً. ولكن زمان إنشاء الحكم كان مغايراً لزمان فعليته؛ لأن فعلية الحكم متى تتحقق؟ عندما ينوجد أفراد فعلاً، ولم ينوجد أفراد بالفعل.
والسبب في هذا -هذا الفارق أيضاً متفرع عما قبله- لأن القضية الخارجية لما كان منشئ القضية هو الذي يتصدى لإحراز الأفراد، فهذا يعني أنه لابد من وجود أفراد فعلاً، وبالتالي سوف يكون الحكم ناجزاً فعلياً؛ لأن الحكم فعلي عند فعلية موضوعه. وأما في القضية الحقيقية فلما كان الحكم ينصب على الطبيعة، والطبيعة قد لا يكون لها وجود في الخارج وإنما يكون لها أفراد في الذهن، فسوف فلا يشترط في القضية حينئذ أن يكون موضوعها متحققاً بالفعل في الخارج، وبالتالي لا يكون هناك فعلية؛ لأن الإكرام إنما هو إكرام للأفراد، ولا وجود لفرد خارجي الآن في في المسجد، والأفراد الذهنية لا معنى لإكرامها.
ومن هنا مثلاً يقال إن القضايا الشرعية والأحكام الشرعية دائماً جعلت على نهج قضية حقيقية، كما في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (آل عمران: 97). هنا يوجد وجوب منصب على المستطيع، هذا الحكم أنشئ منذ صدر الإسلام، منذ أن نزل الإسلام، ولكن قد لا ينوجد مستطيع في الخارج، فلا يكون الحكم فعلياً، تمام؟ فلا يكون الحكم فعلياً إذ لا مستطيع، لا وجود لمستطيع في الخارج، الكل كان فقيراً مثلاً. فظرف الإنشاء يختلف عن ظرف الفعلية، بخلاف القضية الخارجية، فعليتها مساوقة لإنشائها، كلما أنشئت القضية فهي فعلية من أول الأمر، لأنه لابد أن يكون هناك أفراد خارجية وقد لاحظها المتكلم.
7. الفارق السابع: أن الحكم في القضية الخارجية ينتفي بانتفاء الأفراد، ولكنه لا ينتفي بانتفاء الأفراد في القضية الحقيقية؛ لأنني في القضية الخارجية عندما قلت لأجيري: (أكرم من في المسجد)، أنا حقيقة أريد أن أكرم زيداً وعمراً وبكراً، فلو انتفى عمرو وزيد وبكر -مش مش خرجوا من المسجد، لو انتفوا- لم يعد هناك زيد وعمرو وبكر، فلم يعد هناك إكرام واجب. وهذا بخلاف ما إذا كانت القضية على نحو على نهج القضية الحقيقية، فانه ولو خرج زيد وعمر وبكر من المسجد الآن هذه القضية لا ينتفي فيها الحكم، يبقى معلقاً على وجود تنتفي الفعلية ولكن لا ينتفي لا ينتفي أصل الحكم، وإنما يبقى معلقاً على مجيء زي فرد إلى ال إلى المسجد.
وهذه الفوارق كلها يرجع بعضها إلى بعض حقيقة.
العرض الماتني للمطلب
نقرأ هذا المقدار -طبعاً الماتن قدس سره قد عرض المطلب بطريقة سلسة-: قال: تقدم أن الحملية تنقسم باعتبار الكيف إلى موجبة وسالبة، وباعتبار الموضوع -مش باعتبار وجود الموضوع، باعتبار كليته وجزئيته- إلى شخصية وطبيعية ومهملة ومحصورة، والمحصورة إلى كلية وجزئية، وهذه تقسيماتٌ تشاركها الشرطية فيها في الجملة. بس نقول في الجملة يعني على نحو الموجبة الجزئية، بالجملة على نحو الموجبة الكلية، ليش تشاركها فيها في الجملة؟ لأن الشرطية لا تتصف بأنها قضية طبيعية، والحملية تتصف بأنها قضية طبيعية، يعني الحملية تنقسم إلى أربعة أقسام والشرطية تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
والصحيح أنه لا تشارك بينها إلا في اللفظ، لأن المعنى مختلف على ما عرفناه. والآن نبحث في هذا الفصل عن التقسيمات الخاصة بالحملية، وهي تقسيمها أولاً باعتبار وجود موضوعها وين؟ في الموجبة، طيب ليش مش بالسالبة؟ قال: لأن السالبة قد تصدق مع عدم وجود الموضوع. نقول: لا، السالبة دائماً هناك موضوع موجود ولكن وين؟ في الذهن، جيد؟ ولذلك القضايا السالبة يمكن أن نقول أنها تكون دائماً و لا لا يمكن أن تكون خارجية، ويمكن أن تكون ذهنية إذا كانت سالبة بانتفاء الموضوع وإلا فهي خارجية، كما في قولنا: (زيد لم يقم) إذا كان زيد موجوداً وكان نائماً. على كل حال، لأنه حتى السالبة عندما نقول أنها تصدق بانتفاء الموضوع هذا لا يعني أن الموضوع لا وجود له في الذهن، نعم، لا تحتاج في صدقها إلى وجود موضوعها في الذهن على ما عرفناه.
وثانيا باعتبار تحصيل الموضوع والمحمول وعدولهما تتصف إلى تتصف بقضية معدولة ومحصلة، وهذا يأتي. وثالثاً باعتبار جهة النسبة، ويقال لها القضية الموجهة حينئذ. فهذه تقسيمات ثلاثة.
التقسيم الأول: تقسيم الموجبة إلى ذهنية وخارجية وحقيقية. قال إن الحملية الموجبة هي ما أفادت ثبوت شيء لشيء، ولا شك -شوف يعني بداهة- أن ثبوت شيء لشيء فرع لثبوت المثبت له. هذه القضية ماذا تسمى؟ قاعدة الفرعية، احفظوها جيداً وهي قاعدة في غاية البداهة. ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت ذلك الشيء يعني المثبت له، العرش ثم ثم النقش تمام، ويقال لها قاعدة الفرعية. إيجاد شيء لشيء فرع يعني متأخر عن وجود ذلك الشيء في رتبة سابقة، أي أن الموضوع في الحملية الموجبة يجب أن يفرض موجوداً قبل فرض ثبوت المحمول له، إذ لولا أن يكون موجوداً لما أمكن أن يثبت له شيء، كما يقولون في المثل: العرش ثم النقش، فلا يمكن أن يكون سعيد في مثل (سعيد قائم) غير موجود ومع ذلك يثبت له القيام.
وعلى العكس من ذلك السالبة؛ فإنها لا تستدعي وجود موضوعها، لأن المعدوم يقبل أن يسلب عنه كل شيء، ولذا قالوا: تصدق السالبة بانتفاء الموضوع، فيصدق نحو: أبو عيسى ابن مريم أبو عيسى ابن مريم لم يأكل، ولم يشرب، ولم ينام، ولم يتكلم، وهكذا، لأنه لم يوجد، فلم تثبت له كل هذه الأشياء قطعاً، فيقال لمثل هذه السالبة سالبة بانتفاء الموضوع.
والمقصود من هذا البيان أن الموجبة لا بد من فرض وجود موضوعها في صدقها، ولذلك كان التقسيم تقسيماً للموجبة لا لمطلق القضية الحملية وإلا كانت كاذبة.
ولكن وجود موضوعها تارة يكون في الذهن فقط، فتسمى ذهنية، مثل: (كل اجتماع للنقيضين مغاير لاجتماع المثلين). ليش أتى بهذا، ليش جاء بهذا المثال؟ نحن المثال الذي جئنا به ما هو؟ (اجتماع النقيضين ممنوع). تمام؟ آه، حتى لا يقال أن هذه القضية (اجتماع النقيضين ممنوع) قضية سالبة، ما معنى ممنوع؟ يعني لا يتحقق، فكأنك قلت: اجتماع النقيضين لا يتحقق، فصارت القضية سالبة وأنت تريد قضية موجبة، جيد؟ فلذلك قال: (اجتماع النقيضين مغاير لاجتماع المثلين)، والمغايرة أمر وجودي، تمام؟
على كل حال: (كل جبل أو كل جبل ياقوت ممكن الوجود في الخارج)، لم نجد جبلاً من ياقوت ولا بحراً من نفط مثلاً، هذا لا يوجد له لا وجود لفرد خارجي لبحر من نفط، نعم يوجد له فرد وين؟ في الذهن. فإن مفهوم اجتماع النقيضين وجبل الياقوت غير موجودين في الخارج ولكن الحكم ثابت لهما في الذهن.
شوف -طبعاً ومثل هذا- طبعاً هون الحكم منصب على الأفراد الذهنية. قد يكون الحكم منصباً على مفهوم ذهني من حيث هو هو كما في القضية الطبيعية: (الإنسان نوع). الأفراد الأرادة الذهنية ليست نوع، المفهوم هو الذي يكون نوعاً.
وأخرى يكون وجود موضوعها في الخارج على وجه -شو يعني في الخارج؟ قال على لأن القضية الحقيقية قد يكون لها وجود لأفرادها في الخارج، ولذلك أراد أن يميز فقال:- على وجه يلاحظ في القضية خصوص الأفراد المحققة منه في أحد الأزمنة الثلاثة، نحو: (كل جندي في المعسكر مدرب على حمل السلاح)، (بعض الدور المائلة للانهدام في البلد هدمت)، (كل طالب في المدرسة مجد)، لابد أنه لاحظ الأفراد ووجد أن كل واحد منهم مجد. وتسمى القضية هذه خارجية.
وثالثة يكون وجوده في نفس الأمر والواقع، بمعنى أن الحكم على الأفراد المحققة الوجود والمقدرة الوجود معاً، فكل ما يفرض وجوده وإن لم يوجد أصلاً فهو داخل في الموضوع ويشمله الحكم، نحو: (كل مثلث مجموع زواياه يساوي قائمتين)، هذا الحكم يشمل حتى المثلثات التي سوف تنوجد فيما بعد، (بعض المثلث قائم الزاوية)، (كل إنسان قابل للتعليم العالي)، (كل ماء طاهر).
فإنك ترى في هذه الأمثلة أن كل ما يفرض للموضوع من أفراد، كل ما يفرض سواء كانت موجودة بالفعل أم معدومة ولكنها مقدرة في الوجود -شو يعني؟ يمكن وجودها وجودها فافترض وجودها- تدخل فيه ويكون لها حكمها عند وجودها، وتسمى هذه القضية حقيقية، وهذه القضية هي التي تنفع في في العلوم وفي الاستدلال.
التقسيم الثاني: تقسيم القضية مطلقاً سواء كانت موجبة أو سالبة إلى معدولة ومحصلة، يأتي هذا إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.
