منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 54

تحميل Word

054

لازال الكلام في التقسيمات المختصة بالقضية الحملية، وقد عرفنا أن القضية الحملية لما كانت مركبة من موضوع ومحمول ونسبة، فهي تارة تنقسم باعتبار موضوعها، وثانية تنقسم باعتبار محمولها، وثالثة تنقسم باعتبار كيفية النسبة بين الموضوع والمحمول. ثم عرفنا أيضا أن كل محمول في القضية الحملية إذا ما نسب وقيس إلى موضوعه فلا يخلو: إما أن يكون انتساب هذا المحمول إلى موضوعه واجبا، فيقال إن نسبة المحمول إلى موضوعه هي نسبة الوجوب، فكيفية النسبة بين الموضوع والمحمول هي الوجوب؛ وتارة يكون انتساب المحمول إلى موضوعه ممنوعا، بحيث تكون ذات الموضوع آبية عن الاتصاف بذلك المحمول، فيقال إن كيفية النسبة هي الامتناع؛ وتارة ثالثة يكون انتساب المحمول إلى موضوعه ممكناً، بمعنى أن ذات الموضوع لا تقتضي المحمول كما أنها لا تقتضي عدمه -أو فقل: ذات الموضوع لا تقتضي المحمول ولا تأباه-، وهذا هو الإمكان، وقد سميناه بالإمكان الخاص.

قلنا لأنه أخص من إمكان آخر شرحناه في الدرس السابق، ولأن الخاصة وأهل العلم هم الذين يستعمل أو يستعملون هذا المعنى من الإمكان. وعرفنا الإمكان الخاص بأنه سلب الضرورتين؛ أي سلب ضرورة الإيجاب، وسلب ضرورة السلب. لأننا إذا قلنا إن الإنسان موجود بالإمكان الخاص، فهذا يعني أن ذات الإنسان لا تقتضي الوجود كما أنها لا تقتضي العدم، فالوجود ليس ضروريا بالنسبة لذات الإنسان، ولذلك قد يكون الإنسان معدوما كما أن العدم ليس ضروريا ولذلك قد يكون الإنسان موجودا، فالإنسان مسلوب عنه ضرورة الوجود وضرورة العدم.

وإن كان في نفس الأمر والواقع لابد إما أن يكون موجوداً أو أن يكون معدوماً، ولكن الوجود أو العدم اللاحقين له يكونان واجبين بالغير؛ بسبب أن علة الإنسان قد أوجدته فصار ضروريا الوجود. ولكن المراد من الوجوب ومن الامتناع ما يكون ضروري الثبوت لذات الموضوع لا لوجود علة أخرى، كما قلنا في مسألة النار والحرارة: نفس الحرارة ممكنة الوجود، فإن ذات الحرارة بما هي هي لا اقتضاء لها للوجود -وإلا وجب أن تكون الحرارة، وجب أن تنوجد كل حرارة-، كما أن ذاتها لا تقتضي العدم -وإلا لم تنعَ أن تنوجد حرارة أصلا-. نعم، الحرارة في نفس الأمر والواقع أما موجودة لأجل أن علتها قد أوجدتها، وأما معدومة لأجل أن علتها لم تنوجد فلم توجدها؛ فعندما تنوجد النار يجب وجود الحرارة، ولكن وجود الحرارة حينئذ سوف يكون ضروريا من أجل الغير، من أجل أن النار هي التي اقتضت وجود الحرارة، أما ذات الحرارة بما هي هي فلا تقتضي الوجود.

فعندما نقول: الحرارة موجودة، هذه قضية حملية، نقول: الحرارة موجودة بالإمكان الخاص، ولا تنافي بين الإمكان الخاص وبين الوجوب بالغير. نعم، التنافي بين الإمكان الخاص وبين الوجوب بالذات؛ لأن معنى أن يكون الشيء واجبا بالذات أن ذاته تقتضي الوجود، ومعنى أن يكون ممكنا أن ذاته لا تقتضي الوجود، وهذا هو التناقض، تمام؟ أما بين الوجوب بالغير والإمكان الخاص فلا تنافي؛ لأنه ما معنى الوجوب بالغير؟ هو أن ذات الشيء لم تقتضِ الوجود ولكن غيرها قد اقتضى وجودها، هذا لا ينافي الإمكان الخاص.

إذاً، كل محمول عندما ينتسب إلى موضوعه فلا يخرج عن واحدة من هذه المعاني الثلاثة؛ لأن ذات الموضوع إما أن تقتضي المحمول، أو أن تقتضي عدمه، أو أن لا تقتضي وجوده ولا عدمه. فيمكن تقسيم القضية حينئذ -أي قضية؟ القضية الحملية- باعتبار النسبة الكائنة بين الطرفين، وباعتبار كيفية النسبة: أنها هل هي على نحو الوجوب أو الامتناع أو الإمكان؟ يمكن تقسيم هذه القضية الحملية باعتبار كيفية النسبة الواقعية الكائنة بين الموضوع والمحمول إلى ثلاثة أقسام: الوجوب، والإمكان الخاص، والامتناع. وتسمى هذه الثلاثة بأنها مادة القضية، ولذلك نحن في آخر الدرس السابق عرفنا مادة القضية بأنها الكيفية الواقعية للنسبة الكائنة بين الموضوع والمحمول في القضية الحملية.

ثم إن كيفية النسبة هذه -وهي مادة القضية- تارة يصرح بها في القضية، بمعنى أن تكون القضية مشتملة على تركيب لفظي يدلنا على هذه الكيفية؛ وأخرى تكون القضية خالية من أي شيء يدل على كيفية النسبة. فإن وجدت عبارة في القضية تدل على كيفية النسبة، تسمى القضية حينئذ موجهة، وتسمى هذه العبارة التي تدل على كيفية النسبة بأنها جهة القضية.

فالقضية تسمى موجهة لأنها تشتمل على... لأنها ذكر معها جهة القضية. وجهة القضية ما هي؟ هي عبارة عن الكيفية... مش الواقعية للنسبة، هي الكيفية المذكورة للنسبة الكائنة بين الموضوع والمحمول في القضية الحملية. وقد ظهر من ذلك أنه ما من قضية حملية إلا ولها مادة؛ لأنه في نفس الأمر والواقع لا يخلو: إما أن يكون ثبوت المحمول لموضوعه ضروريا أو ممتنعا أو ممكنا بالإمكان الخاص، والقسمة حاصرة لا تجتمع الأقسام ولا ترتفع، فكل قضية لها كيفية واقعية للنسبة، فكل قضية لها مادة، ذكرت تلك المادة أم لم تذكر، وجد شيء يشير إلى هذه المادة أم لم ينوجد.

ولكن ليس كل قضية فإن لها جهة؛ لأن الجهة كما عرفناها هي عبارة عن الكيفية المذكورة، فإذا وجدت قضية حملية ولم يأت المتكلم على ذكر هذه الكيفية فيقال إنها لا جهة لها، وإن كان لابد لها من مادة. فقولنا: الإنسان موجود، هذه قضية لا جهة لها؛ لأن المتكلم لم يذكر سوى الموضوع والمحمول النسبة بينهما ولم يذكر في كلامه لم تشتمل عبارته على أي لفظ يدلنا على كيفية النسبة: الإنسان موجود، الحرارة موجودة، زيد قائم، كل إنسان ناطق. هذه القضايا لا تشتمل على جهة، لأنه لم يذكر في صياغتها اللفظية أي لفظ يشير إلى كيفية النسبة.

وهذا بخلاف ما إذا قلنا: الإنسان موجود بالإمكان الخاص، فيقال إن هذه القضية قد تضمنت لفظا يدلنا على كيفية النسبة، فهي قضية ذكرت معها جهتها، فهي قضية موجهة، (موَّجَّهَة) بالفتح إذا أردنا هذا المعنى أنها قضية ذكرت معها الجهة. ويمكن أن نسميها قضية (موَجِّهَة) بمعنى أنها قضية تبين جهتها بنفسها، جيد. فلا ينبغي أن يقع هذا الخلاف أنها هل يقال (موجهات) أو (موجهات)؟ (الموجهة) اسم مفعول وهي التي ذكرت معها الجهة، طيب، (الموجهة) اسم فاعل وهي القضية التي تبين هي -أي القضية- جهتها بنفسها بأن تشتمل على عبارة تشيرنا إلى تدلنا وتشير إلى الجهة.

إذا اتضح ذلك، فإن المراد من القضايا الموجهات هي القضايا التي تشتمل على تعبير لفظي يدل على كيفية النسبة. ثم إن هذا التبير اللفظي -أي جهة القضية- تارة تكون موافقة ومرادفة ومساوقة لمادة القضية، وتارة تخالفها مع بقاء الصدق؛ أي مع بقاء القضية صادقة.

أما موافقة الجهة للمادة، فكما نقول: الإنسان موجود بالإمكان الخاص. الآن جهة القضية هنا ما هي؟ الجهة ما يذكر في القضية: الإمكان الخاص. طيب، مادة القضية -يعني إذا عزلنا اللفظ، إذا تركنا إذا بقينا بمعزل عن اللفظ وقارنا بين هذا الموضوع وهو الإنسان وبين المحمول وهو الوجود- نجد أن ذاته لا تقتضي الوجود ولا تقتضي العدم، إذاً فالمادة -أي الكيفية الواقعية للنسبة- هي الإمكان الخاص، فيقال إن هذه القضية قد وافقت جهتها مادتها؛ لأن الكيفية الواقعية بمعزل عن العبارة هي الإمكان الخاص، وقد جيء في التعبير في مقام التعبير بلفظ الإمكان الخاص، فجهة القضية هي عين مادتها حقيقة هاهنا، ولا بد أن القضية صادقة.

وتارة ثانية تكون الجهة مخالفة للمادة على نحو يلزم كذب القضية، كما إذا قلنا: الإنسان موجود بالضرورة. جيد، جهة القضية هنا ما هي؟ الضرورة، الضرورة يعني الوجوب، يعني أن ذات الإنسان تقتضي الوجود، ولكن الواقع على خلاف ذلك؛ لأن مادة القضية -أي الكيفية الواقعية للنسبة، جيد- هي أن ذات الإنسان لا تقتضي الوجود، جيد فجهة القضية جعلت هي الوجوب ومادة القضية جعلت الإمكان الخاص، ومن الواضح أن الوجوب والإمكان الخاص قسيمان، والقسيمان لا يجتمعان، فيدلنا ذلك على كذب هذه القضية؛ لأن الجهة لم تتوافق ولم تجتمع مع مادة القضية.

إذاً، أما عندما تتحد الجهة مع المادة فلا إشكال في صدق القضية، وأما عندما تختلف الجهة مع المادة بهذا النحو الذي بيناه في المثال فلا إشكال في كذب القضية، وبالتالي لا كلام لنا في هذين الموردين؛ لأنه في المورد الأول لا شك في صدق القضية وفي وضوح صدقها، وفي المورد الثاني لا إشكال في كذب هذه القضية لأنه ينتهي بنا إلى اجتماع النقيضين. وإنما الكلام في الموارد التي تختلف الجهة فيها مع المادة مع بقاء الصدق، مع بقاء الصدق أي مع بقاء القضية صادقة، كما إذا قلنا مثلاً: القمر متحرك دائماً. فإن جهة القضية هاهنا ما هي؟ ما ذكر في القضية ما هو؟ دائماً، يعني الدوام، فيقال إن جهة القضية هي الدوام. طيب، ومادة القضية؟ إذا رجعنا إلى ذات القمر نجد أن ذات القمر بما هو هو لا اقتضاء له للحركة، وإن كان حقيقة لا ينفك عن الحركة ولكن لا لأن قمرية القمر هي التي تقتضي الحركة، بمعنى أن ذات القمر لو جردناه عن الحركة لا نشعر بأن أن القمر سوف يزول عن قمريته، يبقى قَمَراً غير أنه لا يتحرك، فذات القمر بما هي هي لا اقتضاء لها للحركة.

نعم، الذي يقتضي تحرك القمر هو وقوع هذا القمر في ذلك النسيج الكوني، جيد؟ فيلزم بفعل الجاذبية أن تستمر حركته بالنسبة إلى ما هو أثقل منه على ذلك النسيج الكوني. لا أريد أن أدخل، ندخل في شرح معادلات، ولكن على التعبيرات القديمة، نفس الجاذبية هي... هو الشمس هي أثقل كوكب في هذا النسيج الكوني، وقد شبهنا ذلك في الدرس السابق بقطعة من القماش إذا حملها أربعة أشخاص كل واحد من من زاوية، ثم وضعنا شيئاً ثقيلاً في وسط هذا القماش، ولنعتبر أن هذا هو الكوكب، هذا هو الشمس، والشمس هي التي على أساسها تدور الأفلاك، فإن أي كرة صغيرة سوف تضعها على أول القماش سوف تسير حول هذا الشيء، جيد؟ فهذا هو... هذه حقيقة الجاذبية، وهي أن هناك نسيجاً كونياً، جيد؟ ويحصل بسبب وجود الشمس فيه عمق إلى... يحصل فيه عمق إلى الأسفل، ثم الكواكب تدور حول الشمس بفعل هذا النسيج الكوني، وهذا هو معنى الجاذبية، وهذا هو التفسير الجديد العلمي للجاذبية.

على كل تقدير، فذات القمر بما هي هي لا تقتضي الحركة، نعم، اتفق أن القمر وقع على ذلك النسيج الكوني، فحصل بسبب الجاذبية استمرار لحركته حول الشمس مثلاً، فصارت الحركة دائمة للقمر لا لأنه قمر وإنما بفعل الجاذبية، فهو واجب... فالحركة واجبة القمر ولكن وجوباً غيرياً أو وجوباً ذاتياً؟ وجوباً غيرياً. فيقال إذاً مادة القضية هاهنا هي الإمكان الخاص؛ لأن ذات القمر بما هي قمر لا تقتضي الحركة ولا تقتضي عدمها، ولكن جهة القضية هي الدوام، ولذلك هنا لابد أن نبحث عن النسبة بين الدوام وبين الإمكان الخاص، هل يجتمع الدوام مع الإمكان الخاص أو لا؟ حتى إذا ما كانا بحيث يجتمعان فالقضية صادقة، ولا بد أن نبحث عن مورد الاجتماع.

والذي نجده أن الدوام كما يجتمع مع الإمكان الخاص كذلك يجتمع مع الوجوب، كما عندما نقول: الله موجود دائماً. الجهة ما هي؟ الدوام، لأن هذا هو الذي ذكر في القضية، ما أخذ الجهة في غاية السهولة، فقط تنظر إلى ما ذكر في القضية، تأخذ الكلمة التي ذكرت في القضية. الآن مثلاً أقول: زيد موجود بالفعل، ما هي الجهة؟ الفعلية. زيد موجود بالقوة، ما هي الجهة؟ القوة، القابلية، وهكذا.

طيب، الله موجود دائماً، الجهة هي الدوام، ولكن مادة القضية لا تخرج عن ثلاثة: إما الوجوب أو الإمكان الخاص أو الامتناع. أي مصطلح نفرضه زائدا على هذه الثلاثة، فلا بد أن يكون متداخلا في هذه الثلاثة، أو موجودا في قسم واحد من هذه الثلاثة. فنجد أن الدوام أيضا يجتمع مع الوجوب؛ لأن ذات الشيء إذا كانت تقتضي المحمول فلا بد أن يكون المحمول دائم الثبوت لموضوعه، إذا كانت ذات الموضوع مقتضية للمحمول فهذا يعني أن المحمول لا يمكن أن ينفك عن موضوعه، وإذا لم ينفك عن موضوعه فهو دائم الثبوت له، ومن هنا يقال إن الدوام أعم من الوجوب وأعم من الإمكان الخاص.

فكلما صدق الوجوب لابد أن يصدق الدوام، وليس كلما صدق الدوام فقد صدق الوجوب، إذ قد يصدق الدوام في ضمن الإمكان كما في قولنا: القمر متحرك دائماً، يوجد دوام ولا يوجد وجوب، يوجد إمكان خاص، وهكذا. طبعا الدوام أعم... الدوام من الوجود مطلقا ولكنه أعم من الإمكان الخاص شو؟ من وجه ليش؟ بعض الدائم ممكن بالإمكان الخاص، مثاله: القمر متحرك دائماً. الله أكبر. طيب بعض الممكن شوف ليس بدائم كمان بعض الممكن ليس بدائم بده يكون ممكن، كما في الممكنات المنعدمة، جيد، العارض عشر معدوم بالإمكان الخاص تمام، هذا ممكن ولكنه منعدم، الممكن قد ينعدم، جيد، غاية ما في الأمر أن العدم ليس لذاته بل لأجل اقتضاء الغير، فهذا بعض الممكن ليس ليس بدائم، وبعض الدائم ليس بممكن وهو وهو الواجب، جيد.

فبين الدوام والإمكان الخاص عموم من وجه، وبين الدوام والوجوب عموم مطلق. على كل حال، إذا اتضح ذلك يقع الكلام في تقسيم القضية الحملية بحسب ما يُذكر لها من الجهة إلى أقسام.

أقسام القضية الموجهة

والقضية الموجهة تنقسم ابتداءً إلى قسمين: إلى قضية موجهة بسيطة، وإلى قضية موجهة مركبة. والمراد من القضية الموجهة البسيطة: القضية الواحدة التي تتركب من موضوع ومحمول ثم تذكر بعد ذلك جهة القضية، كما في قولنا: الإنسان موجود بالإمكان الخاص، الإنسان موجود دائماً، زيد موجود بالضرورة، مثلاً. هذه قضايا بسيطة.

وأما القضية المركبة: فالمراد منها القضية التي تتركب من قضيتين موجهتين، إحداهما موجبة والأخرى سالبة. ولما كانت القضية المركبة إنما تتركب من القضايا البسيطة، فلا بد أن نتعرف على القضايا البسيطة أولاً، ليصح لنا بعد ذلك أن نتعرف على... أن نركب منها تلك القضايا الموجهة المركبة. إذاً فالقضية الموجهة البسيطة هي ما تتركب من موضوع ومحمول ونسبة ثم يذكر في آخر القضية جهة لهذه القضية، كيفية لهذه النسبة. وأما القضية المركبة فهي التي تتركب من قضيتين إحداهما موجبة والأخرى سالبة وتكون كل واحدة من هاتين القضيتين مشتملة على جهة -يعني القضية المركبة هي التي تتركب من قضيتين موجهتين بسيطتين- وسيأتي بيانها بعد أن ننتهي من القضايا البسيطة.

طيب، القسم الأول... طبعا لا يمكننا أن نحصر حقيقة القضايا البسيطة بعدد محدد؛ لأن القسم استقرائي، وبالتالي يمكن أن تزاد فيما بعد أقسام جيد من غير مشكلة في المقام.

القضية الأولى من القضايا الموجهة البسيطة هي القضية الضرورية الذاتية، والمراد من الضرورية الذاتية -يعني المراد من هذه الجهة عندما تذكر في القضية- أن يكون المحمول ضروري الثبوت لموضوعه، مادةً، لذاته، تمام؟ أن يكون المحمول ضروري الثبوت، شوف، لذات الموضوع، بمعنى أن تكون ذات الموضوع بعد وجودها مقتضية لأن يثبت لها ذلك المحمول، فالموضوع لكي يتصف بذلك المحمول لا يحتاج لأكثر من أن أن ينوجد، فبمجرد وجود ذلك الموضوع يجب أن يلحقه ذلك المحمول، فالمحمول ضروري الثبوت لموضوعه بمعنى أنه لا ينفك عنه، وهذه الضرورة نابعة من ذات الموضوع، بمعنى أن ذات الموضوع هي التي اقتضت المحمول.

ومن هنا سميت القضية ضرورية لأن المحمول ضروري الثبوت لموضوعه، وسميت هذه الضرورة ذاتية لأن هذه الضرورة ناشئة من ذات الموضوع. إلا أن هذا المحمول الذي يكون ضروري الثبوت لموضوعه لذاته، وإن لم تكن هذه الضرورة غير مقيدة بقيد كما سياتي، ولكنها مقيدة بقيد واحد وهو وجود الموضوع، وإلا لو لم ينوجد الموضوع فالمحمول سوف لا يكون أيضا موجودا، ولذلك يقال: هي ما دلت على ضرورة الثبوت المحمول لذات الموضوع ما دامت ذات الموضوع موجودة.

ناخذ مثال كذلك، كما نقول: الإنسان حيوان بالضرورة. هذه قضية حملية، موضوعها الإنسان، محمولها الحيوان، جيد، موجبة كلية، وجهة القضية ما هي؟ الضرورة. الإنسان حيوان بالضرورة، فإن الحيوانية ضرورية الثبوت للإنسانية؛ ليش؟ لأن ماهية الإنسان إنما تتركب من الحيوانية والناطقية، والكل عدم عند عدم أجزائه، ويتوقف وجود الكل على وجود كل جزء من أجزائه، فلا يمكنك أن تفرض إنساناً ثم تسلخ الحيوانية عنه، لأنك لجهة أنك فرضت الإنسان فقد فرضت وجود الكل، والكل موقوف على وجود أجزائه، فلا بد أن كل جزء من أجزائه قد وجد، ومن ضمن هذه الأجزاء حيوانيته، ولذلك فإن الحيوانية لا يمكن أن تنسلخ عن الإنسان، فمفهوم الحيوان ضروري الثبوت للإنسان، والذي اقتضى ثبوت الحيوانية للإنسان هي ذات الإنسانية لأن هي التي تركبت من هذه الأجزاء. إلا أن الحيوانية ضرورية الثبوت متى؟ عندما نفترض أن هناك إنساناً.

أما إذا افترضنا أن الإنسان لم يكن هناك انسان، فسوف لا يكون هناك حيوان، جيد، فالمحمول ضروري الثبوت لموضوعه وذات الموضوع تقتضي ذلك المحمول، ولا يمكن أن ينفك المحمول عن موضوعه إلا في حالة واحدة وهي أن ينتفي أصل الموضوع بأن نقول إنه لم يعد هناك إنسان فلم يعد هناك حيوان. فيقال لهذه القضية إنها... إن الضرورة فيها غير مقيدة بقيد زائد على أصل الذات -يعني يوجد قيد ولكن هذا القيد هو عبارة عن دوام الذات- لأنه كلنا نعلم أن المحمول متى يثبت لموضوعه؟ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، فحتى يثبت المحمول لموضوعه لابد من أن نفترض أن وجود الموضوع في رتبة سابقة وهذا واضح، وإلا فالالمحمول عدم عند عدم موضوعه، لأنه لا يسمى محمولا حينئذ لعدم وجود ما يحمل عليه، تمام؟

طيب، فهذا النحو من الضرورة يقال له ضرورة ذاتية؛ أي إن المحمول ضروري الثبوت لموضوعه لذاته غير مقيد بقيد كما سيأتي إلا بقاء الذات، وهذا القيد -وهو قولنا ما دامت ذات الموضوع موجودة- إنما هو للاحتراز عن نحو آخر من الضرورة تستعمل في كلمات الفلاسفة وهي الضرورة الأزلية، كما يقال: الله موجود بالضرورة الأزلية. والمراد من الضرورة الأزلية أن يكون المحمول ضروري الثبوت لموضوعه من دون قيد ولا شرط، حتى من دون اشتراط وجود ذات الموضوع، خلينا نشرح ذلك على الآخر.

التفت، تقول: النار حارة بالضرورة، وتقول: الله موجود بالضرورة. هاتان القضيتان صادقتان، ولكن يوجد فارق بين الضرورة المجعولة في القضية البشرية وبين الضرورة المجعولة في القضية الثانية. أما مورد الاشتراك بينهما فهو أن الحرارة لا يمكن أن تنسلخ عن النار كما أن الوجود لا يمكن أن ينفك عن الذات الإلهية؛ لأن معنى انفكاك الحرارة عن النار هو انفكاك المعلول عن علته، وانفكاك المعلول عن علته محال يؤدي إلى النقيضين. ليش؟ لأنه ما معنى أن يكون معلولا؟ أنه لا ينوجد إلا بعلة، تمام؟ وقد انفك عن علة فقد وجد من دون علة، فما لا ينوجد إلا بعلة قد وجد بغير علة، هذا واضح التناقض، تمام؟

والوجود أيضا لا ينفك عن الذات الإلهية؛ لأن الوجود إذا ارتفع فقد حل مكانه نقيضه، لأن النقيضين لا يرتفعان، فسنخ الوجود عن الذات الإلهية يوجب نسبة العدم إليه، فيلزم أن يكون الله معدوما، وهذا واضح البطلان بالدليل العقلي.

فكل من المحمولين ضروري الثبوت لموضوعه، والذي اقتضى... التفت، والذي اقتضى الحرارة هي ذات النار وليس وجود شيء... وليس وجود شيء عامل خارجي من خارج، تمام؟ والذي اقتضى الوجود أيضا هو الذات الإلهية؛ إذ لو لم تكن الذات الإلهية هي التي اقتضت الوجود فلا بد أن الذي اقتضاها شيء آخر، فيلزم أن يصير الله ممكنا ومعلولا في حين أنه هو واجب الوجود بحسب الفرض. هذا كله مورد اشتراك.

ولكن يوجد فارق بينهما وهو: أنك إذا أردت أن ترفع الحرارة في الخارج فكيف ترفعها؟ ترفعها بأن ترفع النار. الآن أنت إذا أردت أن تعدم الحرارة، جيد، إذا دخلت إلى الغرفة وقوت الجو حار، فأنت لا تسارع إلى تبريد الحرارة، وإنما تسارع إلى إطفاء النار، لأنك تعلم أنه بانطفاء النار فسوف تنطفئ الحرارة. ولكن أنت إذا أردت أن ترفع الوجود عن الله عز وجل ما معنى أن ترفع الوجود عنه؟ لا معنى لأن تقول... إذا أنا أرفع... أرفع الموضوع.

الحرارة ضرورية الثبوت لموضوعها وهي النار، وذات النار تقتضي الحرارة، ولكن اقتضاء النار للحرارة مشروط بوجود أصل النار، فما دامت النار موجودة لها اقتضاء للحرارة، ولذلك يمكن أن ترفع الحرارة أو لا؟ يمكن؛ لأن الحرارة لما كانت مقيدة ولو بهذا القيد البسيط وهو بقاء ذات الموضوع موجودة، فيمكنك أن ترفع الحرارة برفع ذلك القيد وهو أن تلغي وجود النار.

ولكن الوجود المنتسب إلى الله عز وجل لا يمكن رفعه، لأنه ما معنى أن ترفعه؟ أن ترفع موضوعه، ولكن موضوعه غير مقيد بقيد، حتى بقاء ذات الموضوع موجودا. بعبارة ثانية، عندما نقول: الله موجود، فما هو مرادنا من هذه القضية؟ هل بمعنى أن الله عندما ينوجد فهو يقتضي الوجود؟ إذا كان بعد وجوده فلا معنى لأن يقتضي الوجود، أو هو قبل أن ينوجد يقتضي الوجود ولا معنى لأن تفرضه معدوماً؟

بعبارة أوضح، التفت، نحن ماذا نعرف الواجب؟ نقول: هو الذي تقتضي ذاته الوجود، تمام. الممتنع هو الذي تقتضي ذاته العدم، وهكذا. هذه شبهة هي ناشئة حقيقة من القول بأسرار الماهية -لن ندخل في هذا التفصيل- ولكن عندما تقول ذاته تقتضي الوجود، فكأنك تفترض أن هناك ذاتا هي التي تقتضي وأن هناك شيئا هي التي تقتضيه الذات، تمام؟ النار تقتضي الحرارة، فالنار هي المقتضي، والحرارة هي المقتضى، والمقتضي لابد أن يغاير المقتضى. ففي قولك وفي الله عز وجل: ذاته تقتضي الوجود، فكأنك تفترض أن هناك ذاتا وأن هناك وجودا، ثم تقوم هذه الذات باقتضاء الوجود، فحينئذ لابد أن نسأل: هذه الذات التي تقتضي الوجود، هل تنوجد أولا ثم تقتضي الوجود، أو أنها تقتضيه قبل أن تنوجد؟

إذا كانت تقتضي الوجود بعد أن تنوجد -بعبارة مثال: عندما نقول إن الذات الإلهية تقتضي الوجود، هذه الذات الإلهية التي تقتضي الوجود هل هي الذات الموجودة أو الذات المعدومة؟ والنقيضان لا يرتفعان- فإن قلتم إن الذي يقتضي الوجود هو الذات الموجودة، نقول: لا معنى لمثل هذا الاقتضاء؛ لأنها موجودة، فيكون اقتضاؤها للوجود تحصيلا للحاصل! وإذا كان الذي يقتضي الوجود الذات المعدومة، فكيف يكون العدم مقتضيا للوجود وكيف... وكيف يكون حينئذ واجبا؟ جيد، فهذا واضح البطلان.

ومن هنا قالوا: إن هذا التعبير تعبير مسامحي، وهو ناشئ من شو؟ من أصالة... من القول بأصالة الماهية بأي معنى؟ لأنهم كانوا يقولون إن ماهية واجب الوجود الماهية هي التي تقتضي الوجود، ولكن واجب الوجود -على ما سياتي معكم- لا ماهية له؛ لأننا إذا جعلناه له ماهية فقد حديناه، ومن حد واجب الوجود فقد خرج عن مقتضى الوحدانية والألوهية إلى آخره.

جيد، ومن هنا قالوا: لا، ذات واجب الوجود عندما نقول إنها تقتضي الوجود لا بمعنى أن هناك شيئين أحدهما يقتضي الآخر، بل بمعنى أن هذه الذات هي عين الوجود، ولذلك نحن لا نقول إن واجب الوجود موجود بنفس الطريقة التي نقولها إن زيداً موجود، زيد موجود نعم يمكن أن يعرض عليه الوجود، حتى هذا أيضا باطل يعني، ولكن واجب الوجود هو نفس الوجود، الوجود هو واجب الوجود، ولذلك لا يمكن أن تقول إن بقاء هذا المحمول مقيد ببقاء الموضوع، لأن هذا المحمول هو الموضوع حقيقة، فلا معنى لمثل هذا القيد، فهذا المحمول ضروري الثبوت لموضوعه مطلقاً من غير قيد حتى قيد بقاء ذات الموضوع موجودة، وبهذا يظهر الثمرة بين المثالين: في قولنا النار حارة، ذات النار لها اقتضاء للحرارة فالحرارة ضرورية الثبوت لذات الموضوع من غير أن... وإذا أسلفنا وإذا كانت ذات الموضوع هي التي تقتضي المحمول فلا نحتاج إلى أي قيد خارجي إلا قيد واحد وهو بقاء ذات الموضوع موجودة، والذي يدلنا على ذلك أننا إذا أردنا أن نرفع المحمول فلنا طريق لرفعه وهو بأن نرفع موضوعه، ليش؟ لأن هذا المحمول إنما يكون ضرورياً بقيد بقاء ذات الموضوع، والمقيد عدم عند عدم قيده، فإذا ما رفعنا ذلك القيد بأن ألغينا وجود الموضوع فإننا نلغي وجود المحمول حينئذ ولا ينافي ذلك الضرورة.

وهذا بخلاف الضرورة الأزلية، وهي أن يكون المحمول ضروري الثبوت لذات الموضوع من غير قيد حتى قيد بقاء ذات الموضوع موجودة.

ويوجد نوع ثالث من الضرورة، وهي التي يكون المحمول في القضية ضروري الثبوت لموضوعه، ولكن لا لذاته بل بقيد بقاء وصف الموضوع، مثاله كما تقول: كل ماش فهو متحرك. التفت، الموضوع ما هو؟ الماشي. والمحمول هو التحرك. التحرك هل هو ضروري الثبوت لذات الماشي أو لا؟ الآن ما هو المراد من ذات الماشي؟ من هو الماشي؟ من يستطيع المشي اللي هو عملياً؟ المستعمل خلينا نأخذ الإنسان مثالاً، تمام؟ عندما تقول عندما تنسب التحرك... تحرك إلى ذات الموضوع، ذات الموضوع من هو؟ الماشي، الماشي اسم فاعل، اسم الفاعل يدل على الذات التي صدر منها الحدث، يعني الذات التي صدر منها المشي.

ما هو المراد من الذات التي صدر منها المشي؟ الإنسان مثلاً. جيد كما... وين كنا نبحث في مثل... عندما نبحث عن المتخالفين والمتقابلين؟ قلنا هناك فرق بين الأعمى وبين العمى، وبين المبصر وبين البصر. البصر عبارة عن نفس الصورة، صفة المبصر من هو؟ هو الذات التي لها البصر ولذلك هذا لا يوجد تنافر وتباعد تام بينه وبين الأعمى: أنا المبصر وأنت الأعمى أو العكس، لا يوجد هذا التنافي، وإن كنا لا نجتمع، وكل المتباينين لا نجتمع، لا نجتمع إلا أن عدم اجتماعنا ليس على نحو التعاند وإنما التعاند بين نفس الصفتين الكائنتين في الذاتين، تمام؟

فعندما يقال: كل ماش فهو متحرك، فإننا نسأل: هل المحمول ضروري الثبوت للموضوع أو لا؟ أو لذات الموضوع أو لا؟ نقول: إذا أخذنا ذات الموضوع، فذات الموضوع لا تقتضي... لا تقتضي التحرك؛ لأن ما هو المراد من ذات الموضوع؟ أي الذات التي صدر منها المشي، والذات التي صدر منها المشي مثالها الإنسان، وذات الإنسان بما هو إنسان لا اقتضاء له للحركة، ولذلك قد أكون واقفا غير متحرك، وقد أتحرك ولا أقف، فذات الموضوع بما هي هي لا اقتضاء لها للحركة. نعم، ذات الموضوع لها اقتضاء للحركة بشرط أن تكون متلبسة بهذا الوصف وهو المشي، فالمحمول ضروري الثبوت لذات الموضوع بقيد وبشرط أن يكون الموضوع متلبساً بال... بالعنوان، متلبساً بال... بالصفة. ولذلك يقال: كل ماش فهو متحرك، شوف، بالضرورة. عجيب، ولكن شوف، ما دام ماشياً، فمدة اتصافه بالماشي فلا بد من أن يكون متحركا؛ لأنه ما معنى المشي؟ قطع المسافة. وما معنى قطع المسافة؟ جيد، أو قطع المسافة يستلزم الحركة، تمام، فذات الموضوع يصير لها اقتضاء للتحرك ولكن هذا الاقتضاء في ظرف مخصوص وهو ما دام متلبساً بحالة الماشي، وتسمى مثل هذه القضية بالمشروطة العامة.

ليش؟ أما تسميتها مشروطة فلأن هذه القضية قد قيدت الضرورة فيها ببقاء الوصف، بخلاف القضايا السابقة فإنها لم تقيد الضرورة فيها بأي شيء. هناك كنا نقول: شوف، الله موجود بالضرورة والنار حاره بالضرورة، الحرارة... ضرورية الثبوت للموضوع من غير قيد إلا قيد واحد، وقلنا هذا لا يعتبر، كأنه في رتبة عدمه القيد. ولكن في المشروطة العامة، في قولنا: كل ماش فهو متحرك بالضرورة ما دام ماشياً، فإننا نجد أن المحمول إنما يكون ضروري الثبوت لموضوعه بشرطين: الشرط الأول: وجود الموضوع، وهذا شرط واضح في كل شيء إلا في الضرورة الأزلية؛ والشرط الثاني: وجود الوصف ما دام الوصف موجودا.

ولذلك سميت هذه القضية مشروطة بالنظر إلى الضرورة السابقة التي لا شرط فيها، وسميت عامة لأن هذه القضية -وهي المشروطة العامة قولنا كل ماش فهو متحرك بالضرورة ما دام ماشيا- هذه القضية أعم من القضية السابقة. ليش أعم؟ لأن قولنا: كل ماش فهو متحرك بالضرورة، غاية ما يفيده: كل ماش فهو متحرك بالضرورة ما دام ماشياً، هذه... هذه القضية على ماذا تدل؟ تدل على أن المحمول ضروري الثبوت لموضوعه عندما يكون الوصف باقياً، أما عندما يزول الوصف فقد يكون ضروري الثبوت أيضاً وقد لا يكون ضروري الثبوت، ولذلك فهي أعم من القضية السابقة؛ لأن القضية السابقة تدلنا على مسألة واحدة وهي أن المحمول ضروري الثبوت لموضوعه وأن هذه الضرورة نابعة من ذات الموضوع، أما هنا فلا تدل على ما إذا كانت الضرورة نابعة من ذات الموضوع أو لا.

تعال نأخذ مثال لنشرح العمومة والخصوصية فيها. طيب، عندي آخذ قضية: كل إنسان حيوان بالضرورة؛ وعندي: كل ضاحك حيوان بالضرورة. تعال شوف هذه القضية: كل إنسان حيوان بالضرورة، هذه من قسم الضرورة الذاتية؛ لأن الحيوانية ضرورية الثبوت لذات الإنسان، بمعنى أن ذات الإنسان بما هي هي هي التي تقتضي الحيوانية، جيد، فلحوق الحيوانية للإنسانية غير مقيد بأي قيد إلا قيد واحد وهو ما دام الإنسان موجودا، يعني ما دام... مش الوصف، ما دام الموضوع موجودا، وهذا شرط واضح يجري في كل شيء إلا في الضرورة الأزلية، والضرورة الأزلية منحصرة بمثال واحد وهو مثال واجب الوجود: أن الله موجود بالضرورة الأزلية، تمام، جيد.

أما في قولنا: كل ضاحك فهو حيوان بالضرورة، ما معنى هذه القضية؟ كل ضاحك حيوان بالضرورة ما دام ضاحكاً، شوف شو الفرق. شوف جهة القضية ما هي؟ بالضرورة ما دام ضاحكاً، وهذه الضرورة مشروطة بدوام الوصف فتسمى مشروطة عامة. أما أنها مشروطة فلأنها قيدت بقيد زائد على أصل بقاء الموضوع وهو بقاء الوصف، جيد؟ وأما أنها عامة قلنا لأنها أعم من الضرورية الذاتية.

طيب، كيف أعم من الضرورية الذاتية؟ قبل ما يخف هذا واضح كان مثال الضرورة الذاتية كل ضاحك حيوان بالضرورة الذاتية، هذه القضية صادقة أو لا؟ صادقة، ليش؟ لأن الضاحك خاصة للإنسان أو لا؟ خاصة للإنسان، فهي مساوية له في الصدق، فكلما صدق الضاحك صدق الإنسان وكلما صدق الإنسان وجب أن أن يصدق الحيوان، تمام، فيصدق أن الحيوانية ضرورية الثبوت للضاحك. جيد.

ولكن إذا قلنا: كل ضاحك فهو حيوان بالضرورة ما دام ضاحكاً. الآن ما معنى هذه القضية بمعزل عن الواقع ما هو؟ معنى هذه القضية أن الحيوانية تكون ضرورية... ضرورية الثبوت للضاحك، متى تكون ضرورية الثبوت للضاحك؟ حين... حينما يكون مشتغلاً بالضحك. طيب، أما حينما لا يكون مشتغلا بالضحك فهذه القضية ساكتة عن هذا الأمر، واضح؟ هذا معنى أن الحيوانية ضرورية... ضرورية الثبوت للضاحك إلا أن هذه الضرورة التي نريد أن نحدثكم عنها هي الضرورة عندما يكون مشتغلاً بالضحك، بأن يكون حنكه مهتزاً، بأن يتبسم، إلى آخره، تمام؟ وهذا المعنى صحيح أو لا؟ لا إشكال في صحته؛ لأن الضاحك... التفت، عندما يكون مشتغلاً بالضحك هل تكون الحيوانية لاحقة له أو لا؟ بلا إشكال تكون ضرورية الثبوت، نعم، نحن نعلم أن الوض... أن هذا الوصف لم يتسبب عن ذات الضحك وإنما تسبب عن ذات الإنسانية، جيد، فهذه القضية غاية ما تدل عليه هو أن الحيوانية تكون ضرورية الثبوت للضاحك عندما يكون مشتغلاً بالضحك، أما عندما لا يشتغل بالضحك فقد تكون ضرورية الثبوت له أيضاً كما في مثال: كل ضاحك حيوان بالضرورة الذاتية؛ لأنه حتى عندما لا يكون مشتغلا بالضحك تكون الحيوانية ضرورية له أو لا؟ بلا إشكال، لانه عندما لا يكون مشتغلا بالضحك لا يفقد إنسانيته، وإذا كانت الإنسانية باقية له فلا بد أن الحيوانية ضرورية عليه، تمام؟

هذا... فهنا قد تحققت، إذاً قد تحققت الضرورية المشروطة العامة وتحققت معها الضرورة الذاتية. وعندنا مثال آخر تتحقق فيه المشروطة العامة ولا تتحقق فيه... ولا تتحقق فيه ال... لا تتحقق فيه الضرورة الذاتية ولذلك كانت أعم، مثاله: كل ماش فهو متحرك ما دام ماشياً. هذه القضية صادقة أو لا؟ من جهة المشروطة العامة؟ صادقة؛ لأن الماشي... لأنها تدل على أن التحرك ضروري الثبوت للماشي ولكن عندما يكون مشتغلاً بالمشي. طيب، أما عندما لا يكون مشتغلاً بالمشي فليست الحركة ضرورية له، ولذلك لا تصدق الضرورة... لا تصدق الضرورية الذاتية، وإنما صدقت المشروطة العامة، فالمشروطة العامة أعم مورداً، جيد، أعم من الضرورة... الضرورية الذاتية؛ لأن المشروطة العامة، التفت، لا بمعنى أنها تدلنا على أن المحمول يكون ضروري الثبوت للموضوع عندما يكون الوصف ولا تكون ضرورية عندما لا يكون الوصف.

المشروطة العامة لا تفيد هاتين المسألتين، المشروطة العامة تفيد مسألة واحدة وهي أن المحمول ضروري الثبوت لموضوعه عندما يكون الوصف حاصلاً، عندما لا يكون الوصف حاصلاً فهي ساكتة عن هذا الأمر. لو كنا نفترض أن المشروطة العامة تفيد فائدتين وهي أن المحمول ضروري الثبوت للموضوع عندما ينوجد الوصف وأنه لا يكون ضروري الثبوت لموضوعه عندما لا ينوجد الوصف، لكان هناك تباين بين القضيتين، واضح؟ ولذلك نقول: المشروطة العامة غاية ما تفيده أن هذه الضرورة -أن ضرورة ثبوت المحمول لموضوعه- مقيدة، بأي معنى مقيدة؟ مقيدة بمعنى أنها... أن المحمول في هذه القضية يكون ضروري الثبوت عندما يكون الوصف أو عندما يكون الموضوع متلبساً بالوصف، أما عند فقدانه للتلبس بالوصف فمسكوت عنه، قد يكون أيضاً ضرورياً حتى مع زوال الوصف كما في قولنا: كل ضاحك هو حيوان بالضرورة؛ وقد لا يكون ضرورياً عندما يزول الوصف كما في قولنا: كل ماش فهو متحرك ما دام ماشياً؛ لأنه عندما تنتفي المشي... عندما تنتفي... ينتفي التلبس بصفة الماشي سوف لا يكون التحرك ضرورياً.

فالمشروطة العامة أعم من الضرورية الذاتية، وما وقع من عبارة المتن قدس سره يوهم العكس وهو في غير محله؛ لأنه سوف يصرح فيما بعد أن المشروطة العامة أعم من الضرورية الذاتية، ولذلك سميت عامة لأنها أعم من لاحقها.

نقرأ هذا المقدار: قال قدس سره: (تقدم معنا مادة القضية التي لا تخرج عن إحدى تلك الحالات الثلاث. ولهم اصطلاح آخر هنا وهو المقصود بالبحث وهو قولهم: جهة القضية، والجهة غير المادة، فإن المقصود بها -يعني بالجهة- ما يُفهم ويتصور من كيفية النسبة، شوف، بحسب ما تعطيه العبارة من القضية، الآن فقط تنظر إلى العبارة وتقرأ هذا اللفظ فهذا هو جهة القضية، والفرق بينهما مع أن كل منهما كيفية في النسبة، واحدة الكيفية الواقعية والأخرى الكيفية المكتوبة، أن المادة هي تلك الكيفية الواقعية في نفس الأمر بمعزل عن العبارة التي هي إما الوجوب أو الامتناع أو الإمكان، ولا يجب أن تفهم وتتصور في مقام توجه النظر إلى القضية. لذلك كل قضية لها مادة تصورناها أم لم نتصورها، نظرنا إليها أم لم نتوجه إليها، فقد تفهم وتبين في العبارة وقد لا تفهم ولا تبين. وأما الجهة فهي خصوص ما يفهم ويتصور من كيفية نسبة القضية عند النظر فيها، فإذا لم يفهم شيء من كيفية النسبة فالجهة مفقودة -يعني قضية لا جهة لها- أي أن القضية لا جهة لها حينئذ. وهي -أي الجهة- لا يجب أن تكون مطابقة للمادة الواقعية، فقد تطابقها وقد لا تطابقها، التفت، مع بقاء الـ... مع بقاء الصدق. فإذا قلت: الإنسان حيوان بالضرورة، فإن المادة الواقعية هي الضرورة، والجهة فيها أيضا الضرورة، فقد طابقت في هذا المثال الجهة المادة. وبدعبير آخر: أن المادة الواقعية قد فهمت وبينت بنفسها في هذه القضية، فهي الجهة وهي المادة. وأما إذا قلت في المثال: الإنسان يمكن أن يكون حيواناً. فإن المادة في هذه القضية هي الضرورة، لا تتبدل؛ لأن الحيوانية ضرورية بمعزل عن العبارة، الحيوانية ضرورية الثبوت للإنسان، لا تتبدل، لأن الواقع لا يتبدل بتبدل التعبير والإدراك. أنت فهمت الإمكان ولكن الواقع هو الوجوب. ولكن الجهة هنا هي الإمكان العام؛ لأن قولهم ممكن لا يمكن... يكون الإمكان الخاص، لأنه إذا كانت... إذا كان الجهة هي الإمكان الخاص والمادة هي الوجوب والإمكان الخاص نقيض الوجوب لا يجتمعان، فلا تصدق القضية، ولذلك وجب أن نفسرها بأنها معنى الإمكان العام، يعني أن العدم ليس ضروريا عليه، سلب الضرورة عن الطرف المقابل، ولكن الجهة هنا هي الإمكان العام، فإنه هو المفهوم والمتصور من القضية، وهو لا يطابق المادة؛ لأنه في طرف الإيجاب يتناول الوجوب والإمكان الخاص كما تقدم، فيجوز أن تكون المادة واقعا هي الضرورة كما في المثال، ويجوز أن تكون هي الإمكان الخاص كما لو كانت القضية هكذا: الإنسان يمكن أن يكون كاتباً، هذه إمكان الجهة إمكان عام والمادة إمكان خاص. وهكذا لو قلت: الإنسان حيوان دائماً. فإن المادة هي الضرورة والجهة هي الدوام الذي يصدق مع الوجوب والإمكان الخاص، لأن... ممكنة بالإمكان الخاص، قد يكون دائم الثبوت كحركة القمر مثلاً وكزرقة العين، ما هو المانع العقلي من أن تتحول العين من زرقاء إلى سوداء الآن؟ الآن عيني بما هي عين لا اقتضاء لها للون الأسود، وإن كانت هي سوداء دائماً ولكن بسبب مقتضى آخر. فلم تطابق الجهة المادة. ثم إن القضية التي تبين فيها كيفية النسبة تسمى موجهة بصيغة اسم المفعول لأنها ذكرت معها الجهة، أو موجهة لأنها هي قضية تبين جهتها، وما أهمل فيها بيان الكيفية تسمى مطلقة -يعني غير مقيدة بالجهة أو غير موجهة-. ومن ومما يجب أن يعلم أننا إذا قلنا إن الجهة لا يجب أن تطابق المادة فلا نعني أنه يجوز أن تناقضها، بل يجب أن لا تناقضها، فلو كانت مناقضة لها على وجه لا تجتمع معها -كما لو كانت المادة هي الامتناع مثلاً وكانت الجهة دوام الثبوت أو إمكانه- فإن القضية سوف تكون كاذبة وهذا واضح. فيفهم من هذا أن من شروط صدق القضية الموجهة أن لا تكون جهتها مناقضة لمادتها الواقعية. قال: تنقسم الموجهة إلى بسيطة ومركبة، والمركبة ما انحلت إلى قضيتين موجهتين بسيطتين إحداهما موجبة والأخرى سالبة، ولذا سميت مركبة، وسيأتي بيانها، وأما البسيطة فخلافها، وهي التي لا تنحل إلى أكثر من قضية واحدة. أقسام البسيطة: قال وأهم البسائط ثمان، وإن كانت تبلغ أكثر من ذلك. طيب، الضرورة: واحد، الضرورية الذاتية، ويعنون بها ما دلت على ضرورة الثبوت المحمول لذات الموضوع -شوف- أو ضرورة سلبه عنه، فهي أعم من الوجوب والامتناع. جيد، الـ... شوف، والبارئ معدوم بالضرورة، هل المادة هي الامتناع؟ طيب، الجهة ما هي؟ الجهة هي الضرورة أيضاً، هي ضرورة الثبوت أو ضرورة السلب، هذا لم نشر إليه في الشرح ولكنه واضح: ما دلت على ضرورة الثبوت المحمول لذات الموضوع أو سلبه، عان... شوف، ما دام ذات الموضوع موجوداً من دون قيد ولا شرط. لقارئ أن يتساءل: كيف تقول ما دام ذات الموضوع هذا قيد، ثم تقول من دون قيد ولا شرط؟ المراد من دون قيد وشرط زائد على بقاء ذات الموضوع بالنظر إلى... فهذا ناظر إلى المشروطة العامة؛ لأنها مقيدة ببقاء الوصف فتكون مادتها وجهتها الوجوب في الموجبة والامتناع في في السالبة. نحو: الإنسان حيوان بالضرورة، الشجر ليس متنفساً بالضرورة -ذات الشجرية تقتضي عدم التنفس، واضح؟ ذات الشجرية تقتضي عدم التنفس، فالجهة الامتناع، طيب، التنفس يحتاج إلى رئة وإلى آخره-. وعندهم ضرورة تسمى الضرورة الأزلية، وهي التي حكم فيها بالضرورة الصرفة بدون قيد فيها، حتى قيد ما دام ذات الموضوع، هذا كما في قول: الله موجود. لا نريد أن الله هو ذات ثم يأتي الوجود ويحل فيها، بل هو نفس الوجود، هو عالم الوجود، هو الوجود الصرف، جيد، وليست هذه الوجودات الممكنة إلا تجليات وظلال لذلك الوجود المفرق. على كل حال يأتي هذا في العقائد، وهي تنعقد في وجود الله عز وجل وصفاته مثل: الله موجود بالضرورة الأزلية. أو كما في قولك: الله حي -ليس بمعنى أن الله يكون موجوداً ثم تأتي الحياة وتعرض- هذه أوصاف انتزاعية، تمام، عالم قادر بالضرورة الأزلية. المشروطة العامة: وهي من قسم الضرورية، يعني المحمول أيضا يكون ضروري الثبوت لموضوعه ولكن ضرورتها مشروطة ببقاء عنوان الموضوع ثابتا لذاته، يعني هذه القضية لا تحكي عن الضرورة إلا بمقدار وجود الوصف، نحو: الماشي متحرك بالضرورة ما دام على هذه الصفة، شوف، أما ذات الموضوع بدون قيد عنوان الماشي فلا يجب له التحرك -هذه العبارة خاطئة، نحن قلنا هذه ساكته عنه القضية تسكت عنه عندما ينتفي الوصف لا نعلم، وإلا كيف تكون أعم من الضرورية الذاتية؟ يلزم حينئذ أن يكون هناك تباين-. القضية الثالثة: الدائمة المطلقة، يأتي هذا إن شاء الله غدا والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.