منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 56

تحميل Word

056

كان الكلام في تقسيم القضايا الموجهة البسيطة إلى أقسام ثمانية. وقد عرفنا أن أقسام الموجهات لا تنحصر في ثمانية، وإنما ذكر منها الماتن (قدس سره) هذه الثمانية.

نتكلم بعد ذلك في القضايا الموجهة المركبة، وهي عبارة عن القضايا التي تتركب من قضيتين موجهتين، إحداهما تكون موجبة، والأخرى تكون سالبة. كيف كان؟ لابد أن نستذكر بشكل سريع تلك القضايا الثمانية البسيطة التي تقدمت ليتسنى لنا بسهولة أن نركب الموجهات المركبة بعضاً من بعض.

القضية الأولى كانت عبارة عن القضية الضرورية الذاتية وهي التي حكم فيها أو هي التي تفيد بأن المحمول ضروري الثبوت لذات الموضوع، فما دام ذات الموضوع موجوداً فلا بد أن يكون ذلك الموضوع متصفاً بالمحمول.

القضية الثانية أو القسم الثاني كان عبارة عن المشروطة العامة، وهي قسم من أقسام القضية الضرورية، لأن المحمول فيها ضروري الثبوت لموضوعه، غاية الأمر أن هذه القضية تفيد أن الضرورة أو أن المحمول ضروري الثبوت في ظرف وجود الوصف، ما دام وصف الموضوع على حاله. أما عند زوال الوصف فالقضية ساكته عن هذا الأمر، فقد يكون المحمول ضروري الثبوت أيضاً، كما في القضية الأولى، وقد لا يكون ضروريا الثبوت، ولذا كانت المشروطة العامة أعم من الضروريات الذاتية، لأن الأولى تفيد أن المحمول ضروري الثبوت ما دامت ذات الموضوع موجودة، وجد الوصف أم لم يوجد الوصف. بعبارة ثانية: القضية الأولى تتنافى مع التقييد، لأن الضرورة معلقة على مجرد وجود ذات الموضوع. وأما القضية الثانية فلا تتنافى مع التقييد، بل تفيد أن المحمول ضروري الثبوت لموضوعه ولو في هذا الظرف وهو وجود الوصف. أما مع زوال وصف الموضوع فقد يبقى المحمول ضروري الثبوت وقد لا يكون ضرورياً، ولذا كانت المشروطة العامة أعم من الضرورية الذاتية.

ثم القسم الثالث أو القضية الثالثة كانت عبارة عن الدائمة المطلقة، وهي كالضرورية الذاتية في أنها تفيد ثبوت المحمول لموضوعه ما دامت ذات الموضوع، ولكنها تفارقها في أن الجهة هي الدوام وليست الضرورة، فالدائمة المطلقة تفيد أن المحمول دائم الثبوت لموضوعه، وأن هذا الدوام ليس معلقاً إلا على بقاء ذات الموضوع فليس معلقاً على وجود الوصف ولا على عدمه.

ثم هذه الدائمة المطلقة يمكن أن يتفرع عنها قسم آخر وقضية دائمة أخرى وهي التي يقال لها العرفية العامة، وهي التي تفيد دوام ثبوت المحمول لموضوعه، إلا أن أقصى ما تفيده هو أن ظرف هذا الدوام إنما هو وجود الوصف، أما عند زوال الوصف فقد يبقى المحمول دائم الثبوت أيضاً كما في الدائمة المطلقة وقد لا يكون دائماً، ولذلك كانت العرفية العامة أعم من الدائمة المطلقة، وسميت عرفية لأن العرف يفهم من الدوام التعليق على الوصف، ولذلك قيل في كلامهم إن التعليق على الوصف مشعر بالعلية، فإنك عندما تقول: الماشي متحرك، فيفهم أن سبب الحركة ناشئ من أي شيء؟ من ماشيته، مع أن الحركة قد تنشأ من شيء آخر غير الماشي. جيد؟ فالعرف يفهم من مثل هذه القضايا أن دوام الاتصاف ناشئ ومسبب عن الوصف لا عن الذات بما هي هي.

ثم بعد ذلك تعرضنا إلى قضية خامسة، وهي التي يقال لها المطلقة العامة، وهي التي تدل على ثبوت المحمول لموضوعه أو نفيه عنه آنًا ما. فهي تدل على ثبوت المحمول لموضوعه إلا أن ظرف هذا الثبوت ووعائه هو عبارة عن آن من آنات الأزمنة. أما الآنات الأخرى فقد يكون المحمول ثابتاً كذلك لموضوعه، وقد لا يكون ثابتاً. قد يكون دائم الثبوت في كل الآنات وقد لا يكون. قد يكون المحمول ضروري الثبوت لموضوعه ويلزمه أن يثبت في كل آن من الآنات وقد لا يكون ضرورياً. ولذلك سميت هذه القضية بالقضية المطلقة العامة أو بالقضية الفعلية لأنها تدل على فعلية الثبوت، وأن المحمول وجودي بالنسبة إلى موضوعه، قد تقارن وتصاحب وجوداً، ويكفي في هذا التصاحب التقارن ولو في آن من الآنات، أو أن يسلب عنه أيضاً في آن من الآنات.

دائماً نحن نأتي بأمثلة للقضايا الموجبة، ولكن أيضاً القضايا السالبة لها حظ من هذه الأمثلة. فالمطلقة العامة السالبة هي التي دلت على انسلاخ المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنات، كما أن الموجبة هي التي تفيد اتصاف الموضوع بمحموله ولو في آن من الآنات.

ثم هذه القضية الفعلية أو المطلقة العامة ينتزع منها قضية أخرى أعم منها، وهي التي تسمى الحينية المطلقة، وهي التي تدل على أن المحمول قد ثبت لموضوعه أو سلب عنه في آن من الآنات، غير أن ظرف هذا الآن وظرف الاتصاف في هذا الآن كان عبارة أو كان مقيدا بوجود الوصف، يعني أن المحمول عندما ثبت لموضوعه آنًا ما فإنه قد ثبت له عند وجود الوصف، كما في قولنا: كل ماش فهو متحرك، أو عفواً، كل ماش فهو متحرك بالفعل حين هو ماشي. بمعنى أن الماشي قد ثبتت له الحركة في آن من الآنات ولكنني أردت أن أخبر عن ثبوت هذه الحركة عند تلبسه بوصف الماشي، أما عند زوال وصف الماشي فقد تبقى له الحركة، فقد يبقى له وصف التحرك وقد يزول عنه. طيب.

ثم القضية السادسة هي عبارة عن الممكنة العامة وهي التي جهتها الإمكان، والإمكان سلب الضرورة عن الطرف المقابل كما عرفنا. ويوجد أيضاً بعدها الحينية الممكنة، وهي التي تدل على أن الجهة هي الإمكان، إلا أن جهة الإمكان إنما حكم بها في ظرف وجود الوصف لا مطلقاً وما دامت ذات الموضوع موجودة.

وقد ظهر من هذا الاستعراض السريع للقضايا أن الجهات حقيقةً عبارة عن أربعة، وهي: جهة الضرورة، وجهة الدوام، وجهة الفعلية، وجهة الإمكان العام. وأن كل واحد من هذه الجهات الأربعة: السابق منه أخص من اللاحق، واللاحق أعم من السابق.

فالإمكان العام أعم من الفعلية، لأن الإمكان العام إنما ينفي الامتناع ولا يدل على الوقوع، فهو يجتمع مع الفعلية إذا وقع الشيء ويجتمع مع عدم الفعلية فيما إذا كان ممكناً ولكنه لم يُوجَد.

والفعلية أعم من الدوام، لأن الفعلية يكفي في تحققها اتصاف الموضوع بمحموله ولو في آن من الآنات، والدوام يحتاج إلى الاتصاف في جميع الآنات.

والدوام أعم من الضرورة، لأن الدوام قد يكون اتفاقياً وليس على نحو الاقتضاء كما عرفنا في الدروس السابقة.

ثم يتفرع عن كل واحدة من هذه الجهات الأربع قضية هي أعم مما تفرعت عنه:

1. فيتفرع عن الضرورة: المشروطة العامة، وهي أعم من الضرورة، لأن غاية ما تفيده هو إفادة ضرورة ثبوت المحمول لموضوع في ظرف وجود الوصف، أما عند زوال الوصف فقد يبقى المحمول ضروري الثبوت أيضاً وقد لا يكون ضرورياً. فالمشروطة العامة تتفرع عن الضرورة وهي أعم منها.

2. ويتفرع عن الدائمة المطلقة: العرفية العامة وهي أعم منها، لأن الدوام في العرفية العامة معلق على بقاء الوصف، أما عند زوال الوصف فقد يبقى المحمول دائم الثبوت لموضوعه كما في الدائمة المطلقة وقد لا يكون كذلك، فصارت أعم مورداً.

3. ويتفرع عن المطلقة العامة: الحينية المطلقة، وهي أعم منها أيضاً بنفس البيان السابق.

4. ويتفرع على الممكنة العامة: الحينية الممكنة وهي أعم منها.

وهذه الجهات الأربعة المتفرعة لما كانت أعم مما تفرعت عنه فهي دائماً تحتمل احتمالين -لأن كل من الجهات الأربعة التي تفرعت: نتحدث عن المشروطة العامة، العرفية العامة، الحينية المطلقة، والحينية الممكنة تماماً؟- هذه الأربعة لما كانت أعم مما تفرعت عنه فهي دائماً تحتمل أمرين. ليش؟ لأن هذه القضايا تدل على ثبوت المحمول لموضوعه ولكنها تخصص ظرف الاتصاف بحالة بقاء الوصف، وأما عند زوال الوصف فإنها تكون ساكتة عن هذا الأمر، فتحتمل احتمالين: يحتمل أن يكون المحمول باقياً على ثبوته لموضوعه كما كان ثابتاً له حال الوصف، وتحتمل زوال المحمول بزوال الوصف.

فلما كانت هذه القضايا أعم لجهة أنها عند زوال الوصف تكون ساكتة -فلا إفادة لها في أنه هل يبقى المحمول أو لا يبقى المحمول- فإن المتكلم فيها في هذه القضايا قد يحتاج إلى التخصيص، فيردف هذه القضايا الموجهة بقضية أخرى موجهة حتى يحصر العموم في واحد من الأمرين.

مثال على المشروطة العامة

إذا أردنا أن نأخذ المشروطة العامة فنقول: كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة، صحيح؟ انتبه، ما دام كاتباً، فإن هذه القضية مشروطة عامة حكم فيها بأن تحرك الأصابع ضروري الثبوت للكاتب، إلا أن هذا التحرك إنما يكون ضرورياً للكاتب متى؟ في ظرف الاشتغال بالكتابة. وأما عند زوال الوصف فالقضية ساكتة عن الأمر. فعند زوال الوصف يوجد احتمالان: الاحتمال الأول: أن يبقى المحمول ضروري الثبوت (أن تبقى الضرورة). والاحتمال الثاني: أن تزول، أن لا يعد ضرورياً بأن يزول الوصف فلا يكون ضرورياً. تمام؟ واضح صار المطلب أو لا؟

جيد، فهذه القضية غاية ما تفيده أنه عند ظرف الاشتغال -بس نقول ظرف يعني في الوعاء الزماني أو المكاني، هنا الوعاء الزماني- أنه في حالة اشتغال الكاتب بالكتابة فلا بد أن التحرك ضروري له. ولكن عند زوال وصف الكتابة عنه وعدم اشتغاله بالكتابة، هل يكون المحمول ضروري الثبوت له أو لا؟

التفت، فإن كان باقياً على الضرورة فهذا يعني أن التحرك حقيقة هو ضروري لأي شيء؟ لذات الكاتب بما هي هي. لأن الشيء إذا كان يثبت للموضوع مع وجود الوصف ومع عدمه، فهذا يعني أن الذي يقتضي المحمول ليس هو الوصف، لأن المحمول باقٍ حتى عند زوال الوصف، والعلة عند انتفائها يلزم انتفاء المعلول.

جيد، فإذاً في هذه المشروطة العامة يوجد احتمالان. هذان الاحتمالان ينشأان دائماً أنه عند حالة الانفكاك عن الوصف، عند زوال الوصف، هل يبقى المحمول ضروري الثبوت لموضوعه أو لا يبقى ضروري الثبوت؟ ومن هنا فإن المتكلم في بعض الأحيان قد يتعلق له غرض في أن يحترز عن واحد من هذين الاحتمالين، فيريد أن يبين القضية كاملة، فيريد أن يخبرك أن الضرورة إنما تثبت في حالة الاشتغال بالوصف وأن هذه الضرورة تنتفي عند انفكاك الوصف وزواله، ومن هنا يحتاج المتكلم إلى أن يقيد كلامه هذا، فكيف يقيده؟

يقول: كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتباً -التفت- ثم يقول: لا دائماً، وهذا يعني أن قولنا «لا دائماً» يعني أن اتصاف الكاتب بتحرك الأصابع لا يمكن أن يكون أمراً دائومياً، وإذا لم يكن أمراً دائماً فلابد أنه ينقطع في حين ويثبت في حين آخر، والقدر المتيقن أنه يثبت أين؟ عند حالة الاشتغال بالكتابة، إذاً فعند زوال وصف الكتابة سوف ينتفي، لأنك عندما تنفي الدوام فقد نفيت الضرورة بلا إشكال، لأن الدوام أعم من الضرورة، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.

الآن إذا قلت: لا يوجد حيوان في الغرفة، إذن لا يوجد إنسان؛ صدق الأخص يستلزم صدق الأعم، ولكن نفي الأعم هو الذي يستلزم نفي الأخص، والدوام أعم من الضرورة، فعندما تنفي الدوام بقولك «لا دائماً» فأنت قد نفيت الضرورة، فكيف تكون قد أثبت الضرورة ونفيتها في آن واحد؟

نقول: إذا كانت هذه الضرورة ثابتة لحالة وجود الوصف، فنفي الضرورة عند زوال الوصف، فتكون قد أحترزت عن هذا الاحتمال. ويعلن حينئذ أنه عند زوال الوصف لن يكون المحمول ضروري الثبوت لي.

الآن إذا نستطيع أن نأخذ مثالاً آخر: تقول: كل ماش متحرك بالفعل، هذه القضية ما هي جهتها؟ مطلقة عامة. لو قلنا: ما دام ماشياً، صارت حينية مطلقة.

طيب، هذه القضية تدل على ثبوت المحمول لموضوعه ولو في آن من الآنات، صحيح؟ لأن الجهة هي الفعلية. وقد عرفنا فيما سبق أن الفعلية أعم من الدوام والدوام أيضاً أعم من الضرورة، فالفعلية أعم من الدوام ومن الضرورة. بعبارةٍ ثانية: أقصى ما تفيده هذه القضية هو أن التحرك يثبت للماشي ولو في آن من الآنات. أما في غير هذه الآنات فقد يكون المحمول ثابتاً لموضوعه بأن يكون الاتصاف دائمياً وقد لا يكون ثابتاً له. ولذلك عندك احتمالان أنه في غير هذا الآن هل يبقى المحمول ثابتاً أو لا يبقى؟ فتريد أن تتحرز عن واحد هذين الاحتمالين، فماذا تقول؟ لا دائماً.

وهذا يعني أن المحمول وإن كان ثابتاً لموضوعه في آن من الآنات، إلا أن هذا الثبوت ليس دائماً في كل الآنات. وإذا نفيت الدوام فقد نفيت الضرورة، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، نعم.

وفي بعض الأحيان لا، أنت لا تريد أن تنفي الدوام؛ قد يكون هناك دوام ولكن لا يوجد ضرورة، فماذا تقول؟ لا بالضرورة. فهنا أنت لم تنفي الدوام وإنما نفيت الضرورة، لأن نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم.

يوجد أمثلة كثيرة، الآن شوف، نحن سنركب قضية من قضايا متعددة، تقول مثلاً: كل فلك متحرك دائماً، هذه القضية دائماً مطلقة، تدل على دوام ثبوت الحركة للفلك، ولم يعلق هذا الدوام على بقاء الوصف، وإنما علق على مدامة الذات، إلا أن دوام الاتصاف يحتمل أمرين: إما أن يكون على نحو الضرورة، ولذلك يصح أن تقول مثلاً: الله موجود دائماً، لأن الوجود دائم له، غاية ما في الأمر أن هذا الدوام إنما تسبب عن كون الوجود ضرورياً لذاته تعالى... إما أن يكون على نحو الضرورة، أو لا على نحو الضرورة بل على نحو الاتفاق.

فعندما تريد أن تنفي كون هذا الدوام على نحو الضرورة فماذا تقول؟ كل فلك متحرك دائماً لا بالضرورة، أي إن هذا الدوام ليس على نحو الضرورة.

إذا اتضح ذلك، فإننا في مثل هذه القضية (كل فلك متحرك دائماً لا بالضرورة) نجد أننا في الحقيقة قد ذكرنا جهتين لا جهة واحدة: الجهة الأولى هي قولنا (دائماً)، والجهة الثانية هي قولنا (لا بالضرورة)، وإذا كان هناك جهتان فلا بد أن يكون هناك نسبتان، لأننا إذا أردنا أن نعرف الجهة فالجهة عبارة عن كيفية النسبة أو الكيفية المذكورة للنسبة، وإذا كان هناك نسبتان فلا بد أن يكون هناك قضيتان، لأن النسبة قوامها بوجود منسوب ومنسوب إليه، أي موضوع ومحمول، فصار هناك قضيتان حقيقة، غاية ما في الأمر أن القضية الأولى قد ذكرت بالصراحة، فذكر موضوعها ومحمولها وجهتها، والقضية الثانية أضمرت وعوض عنها بخصوص جهتها.

ودائماً يكون بين القضيتين تناقض من جهة الكيف، بمعنى أن المصرحة إذا كانت موجبة فالمضمرة ماذا يجب أن تكون؟ سالبة. وإذا كانت المصرحة سالبة فالمضمرة سوف تكون موجبة.

إذاً، ماذا ننعت هذه القضية إذا كانت القضية مشتملة على قضيتين موجبة وسالبة؟ هل نسميها قضية موجبة أو سالبة؟ نقول: نسميها باعتبار الطرف المصرح به. فمثل هذه القضية (كل فلك متحرك دائماً) قضية موجبة، وإن كانت تتضمن قضية سالبة حقيقة.

تحليل القضايا المركبة

تعال لنرى ونبين ذلك:

الآن قلنا: كل إنسان متحرك بالفعل. وهذا يعني أن التحرك إياه يثبت للإنسان ولو في آن من الآنات. أما سائر الآنات الأخرى فقد يثبت لها التحرك فيكون التحرك دائمياً حينئذ للإنسان، وقد لا يثبت لها التحرك، فتحتمل هذه القضية احتمالين، ونحن نريد أن نتحرز عن واحد منهما بأن نبين بأن هذا التحرك ليس دائم الثبوت، فماذا نقول؟ لا دائماً.

نقول: هذه القضية تنحل حقيقة إلى قضيتين موجهتين:

القضية الأولى شو كانت؟ مطلقة عامة: (كل إنسان متحرك بالفعل).

القضية الثانية -التفت هيني هلا بنشوف القضية الثانية-: ما معنى (لا دائماً)؟ ليس على نحو الدوام. حتى ينتفي الدوام ما هو القدر المتيقن الذي ينتفي به دوام الاتصاف؟ لنفترض هذه هي الآنات التي يجب أن يتصف بها المحمول بموضوعه حتى يصدق الدوام؛ حتى ينتفي الدوام، حتى يصدق أن الاتصاف ليس دائماً، يكفي أن ينتفي الاتصاف في آن من هذه الآنات. شو يعني؟ يعني يكفي أن يسلب المحمول عن موضوعه في آن من الآنات، هذه قضية سالبة، وهي من قبيل المطلقة العامة، لأن المطلقة العامة ماذا تفيد؟ إما أن المحمول يلحق أو إما اتصاف الموضوع بمحموله في آن من الآنات أو سلب المحمول عن موضوعه في آن من الآنات.

أعطني قضية سالبة مطلقة عامة تقول هكذا: لا شيء من الإنسان متحرك بالفعل. ماذا تفيد هذه القضية؟ أن التحرك يسلب عن الإنسان ولو في آن من الآنات، وهذا يساوق معنى اللا دوام، لأنك إذا نفيت التحرك عن الإنسان ولو في آن من الآنات، فالآنات الأخرى مسكوت عنها، قد يكون مسلوباً أيضاً فتكون سالبة دائمة، وقد يكون لاحقاً.

فنستنتج أن قولنا (لا دائماً) يساوق المطلقة العامة، ولكن المطلقة العامة سالبة وموجبة، وهنا سالبة. فنستنتج أن هذه القضية حقيقةً مركبة من قضيتين وكل واحد منهما مطلقة عامة:

1. (كل إنسان متحرك بالفعل): مطلقة عامة.

2. (لا شيء من الإنسان متحرك بالفعل): مطلقة عامة أيضاً.

التفت، لا يوجد تناقض بين هاتين القضيتين، يعني كل واحدة الآن... أحسنت، لأنه يكفي أن أتصف أنا بالتحرك في الآن الأول فتصدق المطلقة العامة، ثم ينتفي عني وصف الحركة في الآن الثاني فتصدق السالبة، ولم يجتمع نقيضان، لأنه لم أتصف بالحركة وبعدمها في آن واحد، لأن كل قضية تتحدث عن آن من الآنات، ولا يجب بالضرورة أن يكون الآن الأول عين الآن الثاني الذي حصل فيه الاتصاف وعدمه، ولذلك يقال إن هذه القضية مركبة من مطلقتين عامتين.

التفت، هذه القضية صارت أخص من المطلقة العامة أو لا؟ المطلقة العامة وحدها ماذا تفيد؟ (كل إنسان متحرك بالفعل)، هذه أصل القضية قبل أن نركب منها شيء، ماذا كانت تفيد؟ تفيد اتصاف الموضوع بمحموله ولو في آن من الآنات، أما سائر الآنات الأخرى فمسكوت عنه، يحتمل الاتصاف ويحتمل عدمه. فلما جيء بهذه القضية الثانية خصصت المطلقة العامة أو لا؟ ولذلك المجموع المركب من المطلقتين العامتين ماذا يسمى؟ مطلقة خاصة. ولذلك سميت المطلقة العامة مطلقة عامة لأنها أعم من المطلقة الخاصة.

ومن هنا يتضح أننا عندما نريد أن نركب قضية موجهة مع قضية موجهة أخرى فلا بد أن يكون لأجل التخصيص، والتخصيص إنما يكون بعد وجود عموم في رتبه سابقه، ولذلك كان من المهم جداً أن نطلع على النسب بين القضايا البسائط، حتى إذا ما عرفنا أن هذه أعم من تلك فهمنا أن الخاصة لا معنى لتركيبها، وأنها إنما يركب العام حتى ينتهى منه إلى الشق الخاص.

نأخذ مثالاً آخر قبل أن ندخل في التسميات -أنا فقط أريد أن أأخذ أمثلة حتى يتضح السبب الذي يدعونا إلى المجيء بقضية موجهة ألا نلتفت-:

تقول مثلاً: كل فلك متحرك دائماً.

أولاً هذه القضية ما هي؟ شوف، دائمة مطلقة -ركز على كلمة مطلقة ليش مطلقة؟ لأنها تحتمل احتمالين-. الآن سوف نركب هذه القضية الموجهة مع قضية موجهة أخرى فنستنتج دائمة خاصة لأنها أخص منها.

هذه القضية وهي الدائمة المطلقة تدل على دوام ثبوت الحركة للفلك على نحو الدوام، إلا أن هذا الدوام هل هو على نحو الضرورة بأن يكون ذات الفلك مقتضيا للحركة، أو لا على نحو الضرورة بأن يكون وضع الجاذبية هو الذي اقتضى حركة الفلك؟ فهي تحتمل احتمالين، ولذلك نحن نريد أن نخصص هذا الاحتمال، أن نضيق الدائرة، فنريد أن نبين أن هذا الدوام لم ينشأ بسبب اقتضاء الموضوع للمحمول، لم يتسبب عن الضرورة، هذا الدوام ليس على نحو الضرورة، ولذلك ماذا تقول؟ كل فلك متحرك دائماً لا بالضرورة.

فهنا صارت هذه القضية أخص مما لو حذفنا قولنا (لا بالضرورة)، صارت أخص لأن هذه القضية تجتمع مع وصف الضرورة وتجتمع مع عدمه، فعندما تقول (لا بالضرورة) فهذا يدلنا على أن اتصاف الفلك بالتحرك ليس ضرورياً، إذاً فالدوام دوام اتفاقي وليس دواماً اضطرارياً أو ضرورياً. واضح المطلب إلى هنا؟ ولذلك هذه القضية صارت أخص من المطلقة العامة أو لا؟ صارت أخص، هذه قضية موجهة مركبة تسمى الدائمة الخاصة لأنها أخص من الدائمة المطلقة.

تعالوا نحلل هذه القضية: قلنا القضية المركبة الموجهة دائماً عبارة هي عبارة عن قضيتين، ليش؟ لأن هذه القضية ذكرت فيها جهتان، وعندما يكون هناك جهتان يكون هناك نسبتان، لأن الجهة هي وصف للنسبة، وإذا كان هناك نسبتين فيوجد منسوبان ومنسوب إليهما، يعني يوجد قضيتان.

غاية ما في الأمر أن المصرحة تكون موجبة والمضمرة تكون سالبة. طيب ليش المضمرة تكون سالبة؟ لانه دائماً يوجد حرف نفي (لا دائماً، لا بالضرورة).

أما المصرحة فهي: كل فلك متحرك دائماً. طيب، هذه ما هي؟ دائمة عامة.

هذه الدائمة العامة ركبت مع جهة اللا ضرورة. التفت، ما معنى اللا ضرورة؟ شو يعني (لا بالضرورة)؟ كلمة (لا) ما معناها؟ سلب، نافي. جيد؟ إذا أبدلنا حرف النفي بالسلب، ماذا صار معنى السلب؟ سلب الضرورة. وسلب الضرورة الواحدة ماذا نسميه نحن؟ عندنا سلب الضرورتين وعندنا سلب الضرورة الواحدة: الإمكان العام.

إذاً فهذه الجهة الثانية عبارة عن قضية ممكنة عامة، لأنه ما معنى (لا بالضرورة)؟ أن الضرورة ليست موجودة، فقد سلبنا الضرورة، وسلب الضرورة الواحدة عبارة عن الإمكان العام.

فماذا تقول القضية الثانية إذاً؟ لا شيء من الفلك متحرك بالإمكان العام. تعال حتى ندرس هذه القضية.

التفت: لا شيء من الفلك متحرك بالإمكان العام. تعالوا نترجم هذه القضية. واضح كيف اجتمعت؟ هذه القضية لأن القضية المصرحة كانت موجبة فالمضمرة يجب أن تكون سالبة. نفس القضية ولكن تجعل سورها سور سلب ثم تضع جهة الإمكان العام، لأن نفي الضرورة يعني سلب الضرورة، إذاً هو الإمكان العام. والإمكان العام ماذا عرفناه؟ سلب الضرورة عن الطرف المقابل.

الآن ما هو الطرف المذكور ها هنا؟ التحرك. وهذا هو. طيب، (لا شيء من الفلك متحرك) شو يعني؟ يعني أنت تقول الفلك ليس متحركاً. هذا هو الطرف المذكور، الطرف المقابل ما هو؟ التحرك. صحيح؟ واضح المطلب أو لا؟ واضح. لأنك هنا سالبة، يعني أنت تسلب الحركة عن الفلك، الطرف المقابل هو نفس التحرك مش عدم التحرك، إذاً تسلب الضرورة عن هذا الطرف المقابل، يعني التحرك ليس ضرورياً.

وأنت عندما تقول: (كل فلك متحرك دائماً) أوهم ذلك أن يكون الدوام على نحو الضرورة، فدفعته بقولك أن التحرك ليس ضرورياً. هذه القضية الموجهة المركبة ركبت من قضيتين موجهتين: الأولى دائمة مطلقة، والثانية ممكنة عامة. وماذا تفيد؟ وماذا تسمى؟ تسمى بالدائمة الخاصة. أما دائمة فلأن جهتها الدوام، وأما أنها خاصة فلأنها خصصت إذ بين فيها أن الدوام لم يعد بحيث يجتمع مع الضرورة ومع عدمه، بل هذا الدوام إنما هو على لا على نحو الضرورة. صار واضح المطلب أو لا؟

مثال آخر على المشروطة العامة

المشروطة العامة، وهي قسم من أقسام الضرورية الذاتية كما عرفنا، وهي التي تفيد أن المحمول ضروري الثبوت لموضوعه، إلا أن مقدار الضرورة التي تخبر عنه هو حال وجود الوصف. أما عند زوال الوصف فهل يبقى المحمول ضرورياً أو لا؟ فنقول: القضية ساكتة عنه، ومعنى سكوتها عن هذا القدر أنها تحتمل بقاء الضرورة عند زوال الوصف وتحتمل انتفاءها، فهذه القضية تشتمل أو تحتمل موردين.

فتقول مثلاً: كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتباً، يعني ما دام مشتغلاً بالكتابة، يعني عند تلبسه بوصف الكتابة يكون التحرك ضرورياً له. ولكن قلنا أن المشروط العام هذا هو التفسير الصحيح لها، الآن عرفتم لماذا يجب أن نفسرها بهذا المعنى؟ لأنها إذا فسرنا المشروط العام بأنها تفيد أن الضرورة حال وجود الوصف وتفيد انتفاء الضرورة عند انتفاء الوصف، فهي لم يعد فيها أي جهة عموم، فلم يعد أي معنى لتركيبها.

نقول: هذه مشروطة العامة، وهي تدل أو غاية ما تدل عليه، هو أنه عند الاشتغال بالكتابة سوف يكون المحمول ضروري الثبوت لموضوعه، وأما عند زوال الوصف فتحتمل حالتين:

أن يبقى المحمول ضروري الثبوت لموضوعه، أن تكون ذات الموضوع هي التي اقتضت المحمول.

أو كما تقول مثلاً: كل ضاحك إنسان بالضرورة ما دام ضاحكاً، لأنني هنا أخبرت عن ضرورة اتصاف الضاحك بالإنسان إلا أن هذه الضرورة متى؟ في ظرف كونه مشتغلاً بالضحك، طيب، عند زوال اشتغاله بالضحك يبقى إنساناً، فالضرورة أيضاً تمنع حتى لحالة زوال الوصف.

طيب، فعند زوال الوصف يوجد احتمالان: أن يبقى المحمول ضرورياً أو لا، وأريد أن أبين أنه عند زوال الوصف لا يبقى المحمول ضرورياً، وإنما يزول المحمول بزوال الوصف، فماذا أقيد هذه القضية؟ كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتباً لا بالضرورة أو لا دائماً، لأنه إذا انتفى الدوام فقد انتفت الضرورة، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص.

فهذه قضية موجهة حقيقة مركبة من قضيتين موجهتين:

الأولى هي القضية المصرحة وهي مشروطة عامة (كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتباً إلى آخره).

القضية الثانية -انتبه إذا كانت الأولى موجبة فلا بد أن تكون الثانية سالبة-: لا شيء من الكاتب متحرك الأصابع، طيب، (لا دائماً) ما معنى لا دائماً؟ يعني أن الدوام منقطع، ويكفي لانقطاع الدوام سلب المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنات. سلب المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنات ماذا يعني؟ يعني مطلقة عامة، فتتألف الثانية من مطلقة عامة.

شو يعني مطلقة عامة؟ هي التي جهتها الفعلية، ولكن مرة تكون موجبة فتدل على اتصاف الموضوع بمحموله ولو في آن من الآنات، ومرة تكون سالبة فتدل على سلب المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنات. فالمشروطة أو هذه القضية ركبت من مشروطة عامة ومن مطلقة عامة، وماذا تسمى؟ مشروطة خاصة.

ليش صارت خاصة؟ لأن أصل القضية كانت هي المشروطة العامة، وكانت تحتمل احتمالين، فخصصت بعد تركيبها مع هذه القضية الثانية، إذ قلنا (لا دائماً)، يعني هذا الاتصاف ليس على نحو الدوام، وإذا لم يكن على نحو الدوام فلا بد أن ينقطع في آن من الآنات، ولا يمكن أن ينقطع حالة وجود الوصف لأنه حالة وجود الوصف يوجد ضرورة بحسب الفرض، فمتى ينقطع؟ حالة زوال الوصف، وإذا انقطع الاتصاف حالة زوال الوصف فهذا يعني أنه عند زوال الوصف لم يعد هناك ضرورة، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص. وتسمى هذه القضية مشروطة خاصة.

وجملة المطلب أن قضايا الموجهة المركبة إنما نحتاج إليها عندما يكون هناك قضية موجهة بسيطة وتكون بحيث تحتمل أمرين. بعبارة ثانية: التركيب إنما نحتاج إليه في القضايا الموجهة التي لها نحو عموم.

ولذلك تجد أن الضرورية الذاتية مثلاً لا تتركب مع شيء، لأنها ليس لها أي جهة عموم، هي أخص مطلقاً من كل القضايا اللاحقة، فليس لها جهة عموم، فلا معنى للتركيب، لأن التركيب إنما يحتاج إليه في المورد الذي يكون فيه عموم، حتى إذا ما ركبت القضية العامة مع قضية أخرى حصل لها بموجب هذا التركيب تخصيص في حالة من الحالتين. ولذلك كان الاطلاع على النسب بين القضايا في غاية الأهمية.

ومنه يعلم أيضاً أن المراد من المشروطة العامة هو هذا التفسير الذي ذكرناه، خلافا للتفسير الأول الذي استعرضناه في دروس سابقة، وإلا لم يكن هناك معنى حينئذ لتركيب المشروطة العامة مع شيء، لأنها سوف تكون خاصة من أول الأمر. يعني المشروطة العامة لو كان المراد منها هو ضرورة ثبوت المحمول لموضوعه عند وجود الوصف، وانتفاء الضرورة عند زوال الوصف، فهي خاصة من أول الأمر، فأي معنى لتركيبها حينئذ مع اللا دوام حتى نستنتج مشروطة خاصة؟

هذا أولاً. وثانياً: أن القضية المركبة دائماً تتركب من قضيتين، والدليل على ذلك أنها تشتمل على جهتين، ووجود جهة يكشف عن وجود نسبتين، ووجود نسبتين يكشف عن وجود قضيتين.

وثالثاً: أن القضية الموجهة المركبة دائماً تتركب من قضية موجبة وأخرى سالبة. غاية ما في الأمر أن القضية تتصف بالإيجاب وبالسلب على حسب وعلى طبق القضية المذكورة دون المضمر. ليش؟ لأن المضمر إنما يؤتى بها لتخصيص القضية الأولى، فالأولى هي المنظور إليها حقيقةً؛ المشروطة العامة هي التي كان النظر إليها وأردنا تخصيصها. فالقضية المضمرة ليست إلا كمخصص للقضية الأولى، ولذلك فإن الإيجاب والسلب يؤخذ من القضية المصرحة، لأنها الأساس الذي جيء به لأجل تخصيصه.

تقريباً هذا تمام الكلام في بيان أصل المطلب وطريقة تركيب القضايا بعضها مع بعض. أما التسميات فشيء نقرأه ونشرحه عندما نصل إليه، وقد بينا جملة من هذه الأقسام كما هو واضح. ولذلك قبل أن أبتدئ بأقسام المركب أرجع إلى هذه القضية -هذا العبارة عفواً السابقة التي ذكرت في آخر قسم من الأقسام الثمانية- عندما قال (قدس سره): (والحينية الممكنة يؤتى بها عندما يتوهم المتوهم أن المحمول يمتنع ثبوته للموضوع حين اتصافه بوصفه)، يعني أن هذه الحينية الممكنة -شوف متى نحتاج إليها؟- عند وجود وهم، وهو أن المحمول يمتنع ثبوته للموضوع حين اتصاف الموضوع بوصفه، فيقال إن ذلك ليس بضروري.

الآن شوف، أعطني مثالاً للحينية الممكنة مثلاً: كل ماش غير مضطرب اليدين -دعك من غير مضطرب اليدين- كل ماش متحرك اليدين -لا، لا نحتاج إليها حتى نس... غير مضطرب اليدين بالإمكان العام حين هو ماشي-. هذه القضية التي جيء بها... بالإمكان العام يعني سلب الضرورة عن الطرف المقابل، ما هو الطرف المذكور؟ كل ماش غير مضطرب اليدين، يعني الطرف المذكور ما هو؟ ضرورة اضطراب اليدين؟ الطرف المذكور عدم اضطراب اليدين، فالطرف المقابل ما هو؟ اضطراب اليدين، فأنت ماذا تريد أن تسلب؟ تسلب الضرورة عن هذا الطرف المقابل، أي إن اضطراب اليدين ليس ضرورياً له، إلا أنك تنفي الضرورة عن اضطراب اليدين أين؟ في ظرف الماشي، في ظرف اشتغاله بالمشي.

أما عند عدم اشتغاله بالمشي فقد يتوهم... فقد يتوهم أن هذه الضرورة لم تعد مسلوبه بل صارت ضرورية أو لا، فيؤتى حينئذ تركب هذه القضية مع قضية أخرى من أجل التخصيص كما سياتي.

أقسام القضية المركبة

قال الأقسام المركبة: قلنا في ما تقدم إن المركبة ما انحلت إلى قضيتين موجبة وسالبة، نزيدها هنا توضيحاً، فنقول: إن المركبة تتألف من:

1. قضية مذكورة بعبارة صريحة هي الجزء الأول من القضية المركبة، سواء كانت موجبة أم سالبة، وباعتبار هذا الجزء الصريح تسمى المركبة موجبة أو سالبة.

2. ومن قضية أخرى تخالف الجزء الاول بالكيف وتوافقه بالكم، غير مذكورة بعبارة صريحة، وإنما يشار إليها بنحو كلمة (لا دائماً) وهي عبارة عن مطلقة عامة -احفظوا ذلك جيداً- أو (لا بالضرورة) وهي عبارة عن ممكنة عامة لأنها سلب الضرورة.

وإنما يلتجأ إلى التركيب -ليش نحتاج إلى التركيب؟- قال: وإنما يلتجأ إلى التركيب عندما تستعمل قضية موجهة عامة تحتمل وجهين: الضرورة واللا ضرورة، أو الدوام واللا دوام، فيراد بيان أنها ليست بضرورية أو ليست بدائمة، فيضاف إلى القضية مثلاً كلمة (لا بالضرورة) أو (لا دائماً).

مثل ما إذا قيل: إذا قال القائل: كل مصلي يتجنب الفحشاء بالفعل، شو يعني يتجنب الفحشاء بالفعل؟ يعني أن المصلي لا يرتكب الفحشاء أبداً... لا، بالفعل شو يعني؟ يكفي في صدق القضية أن يتجنب المصلي الفحشاء في آن من الآنات أثناء الصلاة أو في غير الصلاة لم تقيد بالوصف، فهذه مطلقة عامة، فيحتمل أن يكون ذلك ضرورياً لا ينفك عنه -يعني ما دام يأتي بالصلاة فهو لا يصدر عنه أي معصية- ويحتمل أن لا يكون ضرورياً. فلأجل دفع الاحتمال ولأجل التنصيص على أنه ليس بضروري تقيد القضية بقولنا: لا بالضرورة، فهذه صارت عبارة عن مطلقة عامة ركبت مع ممكنة عامة.

كما يحتمل أن يكون ذلك دائماً ويحتمل أن لا يكون، ولأجل دفع الاحتمال وبيان أنه ليس بدائم تقيد القضية بقولنا: لا دائماً. واضح العبارة أو لا؟

فالجزء الأول وهو: (كل مصل يتجنب الفحشاء بالفعل) قضية موجبة كلية مطلقة عامة، وهذا واضح. والجزء الثاني وهو: (لا بالضرورة) يشار به إلى قضية سالبة كلية ممكنة عامة.

أما أنها سالبة فلأنه يوجد فيها حرف السلب (لا بالضرورة). وأما أنها كلية فواضح لأن (لا) هو السور السالبة الكلية (لا شيء). وأما أنها ممكنة عامة فلأنها سلب الضرورة، يعني سلب ضرورة واحدة، ولا نريد من الممكنة العامة إلا ما سلب فيها الضرورة، لأن معنى (لا بالضرورة) أن تجنب الفحشاء ليس بضروري لكل مصل، فيكون مؤداه أنه يمكن سلب تجنب الفحشاء عن المصلي، ويعبر عن هذه القضية بقولهم: لا شيء من المصلي بمتجنب للفحشاء بالإمكان العام.

شوف، (لا شيء من المصلي بمتجنب للفحشاء) ما هو الطرف المذكور؟ عدم تجنب الفحشاء، لأن القضية سالبة، يعني المصلي لا يتجنب الفحشاء. طيب، الطرف المقابل ما هو؟ تجنب الفحشاء، فأنت تريد أن تسلب الضرورة عن هذا الطرف، يعني تجنب الفحشاء ليس ضرورياً.

وكذا لو كان الجزء الثاني وهو... وكذا لو كان الجزء الثاني هو (لا دائماً)، فإنه يشار بها إلى قضية سالبة كلية ولكنها مطلقة عامة، لأن معنى (لا دائماً) أن تجنب الفحشاء لا يثبت لكل مصل دائماً، ويكفي لانتقاض الدوام سلب المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنات، وسلب المحمول عن موضوعه في آن من الآنات ليس إلا عبارة عن مطلقة عامة، يعني عن قضية سالبة فعلية، فيكون المؤدى: لا شيء من المصلي بمتجنب للفحشاء بالفعل.

ثم قال (قدس سره): وأهم القضايا المركبة المتعارفة ست، نقرأ واحدة منها. قال: المشروطة الخاصة التي هي عبارة دائماً عن المشروطة العامة ولكن ركبت مع اللا دوام. وهي المشروطة العامة المقيدة باللا دوام الذاتي. والمشروطة العامة هي الدالة على ضرورة ثبوت المحمول للموضوع ما دام الوصف ثابتاً له، فيحتمل فيها أن يكون المحمول دائم الثبوت لذات الموضوع وإن تجرد عن الوصف، ويحتمل أن لا يكون -يعني عند زوال الوصف يحتمل بقاء الضرورة ويحتمل انعدامها-.

ولاجل دفع الاحتمال وبيان أنه غير دائم الثبوت لذات الموضوع تقيد القضية باللا دوام -عجيب، تقول: أنا أريد أن أنفي الضرورة ولا أريد أن أنفي الدوام، أريد أن أبين أنه عند زوال الوصف تنتفي الضرورة لا الدوام، نقول: ولكن الدوام أعم من الضرورة، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص-.

ولذلك قال: وبيان أنه غير دائم الثبوت لذات الموضوع تقيد القضية باللا دوام الذاتي، فيشار به إلى قضية مطلقة عامة، لأن (دائماً) (لا دائماً) يعني مطلقة عامة. ولكن المهم أن نفهم كيف كان اللا دوام عبارة عن مطلقة، وكيف كانت اللا ضرورة عبارة عن ممكنة عامة، فتتركب المشروطة الخاصة على هذا من مشروطة عامة صريحة -أي صرح بجميع أركانها في القضية- ومطلقة عامة مشار إليها بكلمة (لا دائماً).

نحو: كل شجر نام بالضرورة ما دام شجراً، لا دائماً. هذا المثال فاسد، ليش؟ لأنه هذه القضية ليست مشروطة عامة؛ (كل شجر نام بالضرورة) وين الوصف؟ وين؟ يعني ليش الشجر يزول عنه وصفية الشجر؟ مرة بتقول: كل ماش متحرك، تتحدث عن الذات التي ثبت لها المشي تماماً، ومرة بتقول: كل إنسان متحرك، لا معنى لأن تقيد ببقاء الوصف تماماً. فهنا ماذا قال؟ كل شجر نام بالفعل، لا معنى لهذا المثال، هذه ضرورية، هذه ضرورية ذاتية وليست مشروطة عامة، والضرورية الذاتية لا معنى لتركيبها لأنها خاصة، ولذلك دعك من هذا المثال، نأخذ هذا المثال الذي أبدلناه به في الشرح:

كل كاتب متحرك الأصابع بالضرورة ما دام كاتباً، لا دائماً -أي لا شيء من الشجر بنام بالفعل- يعني هنا أي لا شيء من الكاتب بمتحرك الأصابع بالفعل طبعاً، وأن... حتى نسلب التحرك عنه ولو في آن من الآنات. وإنما سميت خاصة لأنها أخص من المشروطة العامة.

شوف كيف المشروطة العامة قيدت باللا دوام فصارت مشروطة خاصة. العرفية العامة التي هي عبارة عن الدوام المقيد ببقاء الوصف، أيضاً قيدت... أيضاً قيدت باللا دوام فصارت عرفية خاصة، وهكذا سائر الأمثلة. عبارة تنطق لوحدها يأتي إن شاء الله غداً، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.