منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 57

تحميل Word

057

لا زال الكلام في القضايا المركبة الموجهة، وقد عرفنا أن التركيب إنما يصح في كل قضية موجهة لها نحو من أنحاء العموم، ولذلك فإن التركيب له صور وأقسام وأنحاء متعددة. غير أن الماتن (قدس سره) قد اقتصر في هذا الكتاب على ذكر أقسام ستة هي المتعارفة فيما بينهم، وهذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نزيد على هذه القضايا الست. والحاصل أن هناك ست قضايا متعارفة للقضايا المركبة:

القضية الأولى: المشروطة الخاصة

وهذه القضية عبارة عن مشروطة عامة رُكِّبَت مع اللا دوام الذاتي. بعبارة ثانية: هي عبارة عن قضية مركبة من قضيتين موجهتين؛ الأولى هي مشروطة عامة، والثانية هي مطلقة عامة. وذلك لما عرفنا من أن المشروطة العامة تفيد ضرورة في ظرف وجود الوصف، وأما عند زوال الوصف فهي ساكتة عن هذا القدر، فقد يكون المحمول ضروري الثبوت أيضاً، وقد لا يكون ضروري الثبوت. فيراد أن يتحرز عن واحد من هذين الاحتمالين، بأن يبين أن هذه القضية أو أن المحمول في هذه القضية لا يمكن أن يكون ضروري الثبوت عند زوال الوصف، فتقيد هذه المشروطة العامة حينئذ بقولنا: (لا دائماً)، بمعنى أن المحمول ليس دائم الثبوت لموضوعه، وإذا لم يكن دائم الثبوت له فلا يمكن أن يكون ضرورياً له؛ لأن الدوام أعم من الضرورة، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.

وبما أن المحمول ليس ضروري الثبوت لموضوعه، ولكننا في المشروطة العامة حكمنا بضرورة الثبوت، فظهر أن ضرورة الثبوت إنما هي في ظرف وجود الوصف، وأن انتفاء هذه الضرورة إنما يكون عند زوال الوصف، وبهذا صارت هذه القضية تسمى مشروطة خاصة؛ فلأنها حقيقة تفيد ضرورة ثبوت المحمول لموضوعه كما في المشروطة العامة، ولكنها أخص منها، ولذلك سميت خاصة. فالمشروطة العامة هي المركبة من مشروطة خاصة هي القضية المصرح بها، ومن قضية موجهة مضمرة هي المطلقة العامة؛ إذ تقول: (لا دائماً). وقد عرفنا في الدرس السابق أننا كلما قلنا: (لا دائماً)، فمرجع القضية إلى مطلقة عامة، وكلما قلنا: (لا بالضرورة)، فمرجعها إلى ممكنة عامة.

نقرأ هذه القضية؛ قال (قدس سره) -أتصور المطالب واضحة، فقط نحن نطبق هذه القضايا الست ونركب قضية من أخرى مع وضوح المعنى-: (وهي المشروطة العامة المقيدة باللا دوام الذاتي). طبعا عندما يقولون: (اللا دوام الذاتي) احترازا عن اللا دوام الوصفي، واللا ضرورة الذاتية احترازا عن اللا ضرورة المشروطة. تمام؟ وهنا تقول: (لا دائماً) ولا تقول: (لا دائماً ما دام الوصف). جيد؟ يعني اللا دوام الذاتي عبارة عن المطلقة العامة. طيب، اللا دوام الوصفي عبارة عن أي شيء؟ عبارة عن العرفية العامة، هي التي تفيد دوام ثبوت المحمول لموضوعه ما دام الوصف.

طبعا هنا لم يأتِ بقضايا تتركب إلا من لا دوام ذاتي أو لا ضرورة ذاتية. اللا دوام الذاتي مطلقة عامة. نعم، فعليا، عفواً مطلقة عامة وليست دائماً مطلقة. نعم أنا اشتبهت، وبالتالي تكون حينينية مطلقة، يعني اللا دوام غير الذاتي يكون حينينية مطلقة نعم. جيد، قال: (والمشروطة العامة). ومن هنا طبعاً عندما يقول: (لا دائماً) وهي مطلقة عامة فهو ينفي الفعلية، وإذا كان بحيث ينفي الفعلية فقد انتفى الدوام، وإذا انتفى الدوام انتفت الضرورة؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، الكلام هو هو الكلام.

قال: (وهي المشروطة العامة المقيدة باللا دوام الذاتي. والمشروطة العامة هي الدالة على ضرورة ثبوت المحمول للموضوع ما دام وصف الموضوع ثابتاً)، هذه المشروطة العامة، فيحتمل فيها أن يكون المحمول دائم الثبوت لذات الموضوع وإن تجرد عن الوصف، ويحتمل أن لا يكون؛ يعني هي أقصى ما تفيده ضرورة ثبوت المحمول لموضوعه في ظرف الوصف، أما عند زوال الوصف فهي ساكتة عن هذا الأمر، فيحتمل بقاء المحمول ويكون ضرورياً للذات حينئذ ويحتمل عدم بقائه. جيد، ولذلك قال: (ولأجل دفع الاحتمال وبيان أنه غير دائم الثبوت لذات الموضوع تقيد القضية باللا دوام الذاتي)، فيشار به إلى قضية مطلقة عامة، يعني يشار بقولنا: (لا دائماً) إلى قضية مطلقة عامة؛ لأنه ما معنى لا دائماً؟ سلب الدوام، وسلب الدوام يكفي فيه انتفاء المحمول عن موضوعه في آن من الآنانات. فهي مطلقة عامة سالبة؛ لأنها تفيد سلب المحمول عن موضوعه في آن من الآنانات. فتتركب المشروطة الخاصة على هذا من مشروطة عامة صريحة ومطلقة عامة مشار إليها بكلمة لا.

التفت، فالهدف من هذا التركيب ما هو؟ هو نفي أن يكون المحمول ضرورياً للموضوع حتى عند زوال الوصف، فالغرض هو نفي الضرورة. ولقائل أن يتساءل: ولكنك بقولك: (لا دائماً) أنت تنفي الفعلية؟ نقول: نعم، ولكن نفي الفعلية يستلزم نفي المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنانات، وإذا انتفى المحمول عن موضوعه ولو في هذه الآنان فقد انتفى الدوام؛ لأن الدوام لا يتحقق إلا عندما يتصف الموضوع بمحموله في كل الآنانات، وإذا انتفى الدوام فقد انتفت الضرورة؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وبهذا صارت المطلقة العامة صالحة لنفي الضرورة؛ لأن الأعم يلزم من نفيه نفي الأخص.

قال: (فتتركب المشروطة الخاصة على هذا من مشروطة عامة صريحة ومطلقة عامة) يعني سالبة، (مشار إليها بكلمة لا دائماً، نحو: كل شجر نام بالضرورة ما دام شجراً لا دائماً). أي شيء من الشجر نام بالفعل، البارحة قلنا هذا المثال في غير محله؛ لأن المشروطة -حتى يصدق المثال- لابد أن تكون القضية مشروطة عامة، وهذه القضية لم يعلق فيها.. لم تعلق فيها الضرورة على الوصف؛ لأن الموضوع لا وصف فيه، وإنما هو من مقولة الذوات. جيد، طيب، وانما سميت خاصة؛ لأنها أخص من المشروطة.

القضية الثانية: العرفية الخاصة

الآن نلتفت أننا قرانا هذا في الدرس السابق. قال: (وه وهي العرفية العامة المقيدة باللا دوام الذاتي). العرفية العامة ما معناها؟ هي كالمشروطة العامة بالنسبة إلى... يعني نسبة العرفية العامة إلى الدائمة المطلقة كنسبة المشروطة العامة إلى الضرورة الذاتية، هي التي حكم فيها بدوام ثبوت المحمول لموضوعه، إلا أنها تفيد أن هذا الدوام إنما هو في ظرف الوصف، أما عند زوال الوصف هل يبقى المحمول ثابتاً لموضوعه دائماً له أو لا يبقى؟ فتتريد أن تتحرز عن ذلك، فتقيد أو تركب العرفية العامة مع اللا دوام الذاتي. تمام؟

جيد، فتقول: (ومعناها أن المحمول وإن كان دائماً ما دام الوصف فهو غير دائم ما دام الذات)، طبعا هي معنى شو؟ هي معنى العرفية الخاصة. تمام؟ فيرفع به احتمال الدوام ما دام الذات، ويشار باللا دوام إلى قضية مطلقة عامة كالسابق، نحو: (كل شجر نام دائماً ما دام شجراً لا دائماً)، وهذا أيضاً... وهذا أيضاً هذا المثال في غير محله؛ لأن الدوام لم يعلق على بقاء الوصف؛ لأن الموضوع هاهنا هو الشجر، والشجر من مقولة الذوات، كان يفترض أن يقول: (كل كاتب فهو متحرك الأصابع دائماً ما دام كاتباً)، ثم تقول: (لا دائماً)، أي أنه عند انتفاء الكتابة سوف لا يكون متحرك الأصابع.

طيب، إذ التفت، إذن فهذه القضية عبارة عن عرفية عامة قيدت باللا دوام الذاتي. العرفية العامة تفيد أن المحمول دائم الثبوت لموضوعه، غاية ما في الأمر أنها إنما تخبر عن هذا الدوام في ظرف الاتصال، أما عند زوال الوصف فقد يبقى المحمول دائم الثبوت وقد لا يكون دائم الثبوت، فيؤتى بقولنا: (لا دائماً)، أي أن هذا الاتصاف ليس على نحو الدوام. جيد؟ فعلم أنه عند زوال الوصف لابد أن ينقطع المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنانات، فععلم أن المحمول ليس دائم الثبوت لذات الموضوع، وإنما هو دائم بسبب ذلك الوصف. فالمطلقة العامة ماذا أفادت؟ أفادت نفي المحمول عن موضوعه في آن من الآنانات، هذا كاف لصدق المطلقة العامة.

جيد، ونفي المحمول عن موضوعه في آن من الآنانات ينقض الدوام؛ لأن الدوام موقوف على الاتصاف في جميع الآنانات، فيكفي انتفاء آن من الآنانات حتى ينتفي الدوام. طيب، فإن قلت: كيف تحكم بالدوام تارة وبنقضه تارة أخرى؟ قلنا: الدوام الذي حكم به أولاً في العرفية العامة هو الدوام في ظرف الوصف، والدوام الذي نقض بالفعلية نقض عند زوال الوصف، فعلم أن الدوام ليس ناشئاً من ذات الموضوع وإنما هو ناشئ من الوصف الذي هو في الموضوع.

طيب، قال: (ومعناها أن المحمول وإن كان دائماً ما دام الوصف... هو غير دائم ما دام الذات)، معناه يعني معنى العرفية الخاصة، طيب: (وإن كان دائماً ما دام الوصف فهو غير دائم ما دام الذات، فيرفع به) يعني يرفع بهذا التركيب احتمال الدوام ما دام الذات، ويشار باللا دوام إلى قضية مطلقة عامة كالسابق إلى آخره، فتتركب العرفية الخاصة من عرفية عامة صريحة ومطلقة عامة مشار إليها بكلمة لا دائماً.

وإنما سميت خاصة؛ لأنها أخص من العرفية العامة؛ إذ العرفية العامة تحتمل دوام المحمولية لموضوعه بعد الوصف، بعد زوال الوصف وتحتمل عدمه، العرفية الخاصة تأبى عن دوام الاتصاف بعد زوال الوصف، عن دوام الاتصاف بعد زوال الوصف. طيب، وإنما سميت خاصة؛ لأنها أخص من العرفية العامة، إذ العرفية العامة تحتمل الدوام ما دام الذات وتحتمل عدمه، والعرفية ما دام الذات يعني حتى مع زوال الوصف وتحتمل عدمه يعني عند زوال الوصف، عند زوال الوصف يزول المحمول، والعرفية الخاصة مختصة بعدم الدوام ما دامت الذات؛ لأن الدوام فيها مقصور على الوصف.

القضية الثالثة: الوجودية اللا ضرورية

قال: (هي الوجودية اللا ضرورية). وهي عبارة عن المطلقة العامة المقيدة باللا دوام الذاتي، يعني عبارة عن قضية مركبة من مطلقتين عامتين. ليش؟ لأنك في المطلقة العامة إنما الموجب أقصى ما نستفيده من مثل هذه القضية هو أن المحمول ثابت لموضوعه ولو في آن من الآنانات، ولكن هل يثبت المحمول لموضوعه في سائر الآنانات الأخرى فيكون المحمول دائم الثبوت لموضوعه أو لا يثبت؟ هذا مسكوت عنه، فالمطلقة العامة أعم لجهة أنها تجتمع مع الدائمة وأنها تجتمع مع عدمها؛ لأن المطلقة العامة أقصى ما تفيده فعلية الاتصاف، وفعلية الاتصاف -أو فقل- بلوغ الاتصاف حيز الوجود، ولذلك سميت وجودية بلوغ المحمول حيز الوجود والتصاحب مع موضوعه يكفي فيه أن يتقارنا وأن يتصاحبا في آن من الآنانات، كما تقول مثلاً: (كل فلك متحرك بالفعل)، إذ قد ثبت للفلك تحرك ولو في آن من الآنانات، فقد وصل التحرك حيز الوجود، غير أن هذا الاتصاف هل هو على نحو الدوام؟ يعني بمعنى أنه في الآنانات الأخرى هل حصل تقارب بين المحمول والموضوع أو لم يحصل؟ فهي أعم من هذه الجهة.

فأنت إذا أردت أن تبين أن هذا ليس على نحو الدوام، فإنك تأتي بـ... في مطلقة عامة سالبة تفيد انتفاء المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنانات؛ لأن هذا يخل بالدوام كما عرفنا. ومن هنا يتضح أن قولنا مثلاً: (كل إنسان متحرك بالفعل)، وقولنا: (لا شيء من الإنسان بمتحرك بالفعل)، هاتان القضيتان ليس بينهما تناقض. ليش؟ لأنه الأولى قولنا: (كل إنسان متحرك بالفعل) يكفي في صدقها اتصاف الإنسان بالحركة ولو في آن من الآنانات ولنفترضه الآن الأول. والثانية يكفي في صدقها أن نسلب الحركة عن الإنسان ولو في آن من الآنانات ولنفترضه الآن الثاني. وبهذا فلا مشكلة في أن يتحرك الإنسان في الآن الأول وأن تسلب الحركة عنه في الآن الثاني، فالقضيتان تجتمعان وترتفعان أيضاً، في الآن الثالث ترتفعان تمام؟ لأن... لأن... لأن ظرف القضية الأولى هو الآن الأول، وظرف الثانية هو الآن الثاني، فترتفعان في القضية... فترتفعان في القضية في الآن... في الآن الثالث، فلا يوجد تناقض بين هاتين القضيتين، ويجتمعان، وين يجتمعان؟ في الآن الأول والثاني. واضح؟

فلا يوجد حقيقة تناقض بين هذه القضايا: (كل إنسان متحرك بالفعل)، (ولا شيء من الإنسان بمتحرك بالفعل)، لا يوجد تناقض بينهما. ومن هنا سوف يتضح معنا أن التناقض في القضايا مغاير في جوهره وفي شروطه للتناقض الذي يجري بين المفردات، في المفردات كنا نقول: نقيض كل شيء رفعه، إذا أردت نقيض الإنسان فأدخل عليه حرف السلب فهذا هو نقيضه، فنقيض الإنسان لا إنسان، ونقيض الشجر لا شجر، ولكن في القضايا لا يكفي أن تدخل حرف السلب حتى تحصل على نقيض القضية السابقة، ولذلك فإن قولك: (كل إنسان متحرك بالفعل) ليس نقيضها: (لا شيء من الإنسان بمتحرك بالفعل)، بل لابد من مراعاة جملة من الشروط حتى نحصل على نقيض القضية السابقة، وسيأتي هذا... وسيأتي بيانه عندما نبحث عن... التناقض بين القضايا، لابد من مراعاة الجهة، لابد أن ندرس أن أي جهة تناقض أي جهة حتى يحصل تناقض بين القضايا.

كيف كان الوجودية اللا ضرورية؟ التفت، عبارة عن مطلقة عامة ركبت مع مطلقة عامة. أما أنها تسمى وجودية فلأن المطلقة العامة الموجبة ماذا تفيد؟ تفيد أن المحمول قد ثبت لموضوعه ولو في آن من الآنان، ومعنى ثبوته لموضوعه في هذا الآن أنه في هذا الآن صار المحمول فعلياً لموضوعه، ومعنى أنه صار فعلياً أنه قد وجد المحمول لموضوعه، فصارت القضية تسمى وجودية لذلك. إلا أن هذه القضية الوجودية أقصى ما تفيده هو وجودية المحمول لموضوعه في آن من الآنانات، ولكن هل هذا الاتصاف سار وثابت في سائر الآنانات الأخرى أو لا؟ فإذا أردت أن تنفي هذا الاتصاف في سائر الآنانات الأخرى تركب معها مطلقة عامة لتدلك المطلقة العامة السالبة على أن هذا الاتصاف ليس... ليس دائماً، وإذا لم يكن دائماً فلا يمكن أن يكون ضرورياً؛ لأن نفي الدوام يستلزم نفي الضرورة، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص. ولذلك سميت وجودية لا ضرورية. لا ضرورية.

قال: (وهي المطلقة العامة المقيدة باللا ضرورة الذاتية)، لأن المطلقة العامة يحتمل فيها أن يكون المحمول ضرورياً لذات الموضوع ويحتمل عدمه، كما يحتمل الدوام ويحتمل عدمه، ولأجل التصريح بعدم ضرورة ثبوته لذات الموضوع تقيد بكلمة: (لا بالضرورة). عفواً، هذه الوجودية اللا ضرورية لم تركب من مطلقة عامة و... من مطلقتين عامتين، ركبت من مطلقة عامة وممكنة عامة. الآتية الرابعة هي التي تتركب من مطلقتين عامتين، الكلام هو الكلام، وأنت تارة تركب مع اللا دوام وتارة تركب مع اللا ضرورة، تمام؟ جيد، فهي مركبة إذاً من مطلقة عامة ومن ممكنة عامة. جيد؟ قال: (تقيد بكلمة لا بالضرورة، ولذلك فهذه القضية أقصى ما تنفيه الضرورة ولا تنفي الدوام). واضح؟

هي تفيد اتصاف الموضوع بمحموله في آن من الآنانات، أما في سائر الآنانات الأخرى فهي تنفي ضرورة الاتصاف ولا تنفي دوامه؛ لأن المحمول عندما يقع وصفاً لموضوعه في آن من الآنانات، يمكن أن نحتمل هذا الاحتمال، فنتساءل: هل هذا الاتصاف في هذا الآن كان على نحو الضرورة أو لم يكن على نحو الضرورة؟ وإذا كان على نحو الضرورة، فيلزم من ذلك أن يتصف الموضوع بمحموله في سائر الآنانات الأخرى. فأنت في بعض الأحيان تنفي فقط الضرورة وهذا لا يخل بدوام الاتصاف، قد يبقى الاتصاف دائماً وقد لا يبقى.

قال: (وسلب الضرورة معناه الإمكان العام؛ لأن الإمكان العام هو سلب الضرورة عن الطرف المقابل). شوف، قولك: (لا بالضرورة) يعني نفي للضرورة، ونفي الضرورة الواحدة هو الإمكان العام. طيب، فإذا سلبت الضرورة عن الطرف المذكور صريحاً في القضية ولنفرضه حكماً إجابياً، فمعناه أن الطرف المقابل وهو السلب موجه بالإمكان العام، يعني جهته الإمكان العام. وعليه فيشار بكلمة: (لا بالضرورة) إلى ممكنة عامة، فإذا قلت: (كل إنسان متنفس بالفعل لا بالضرورة)، فإن لا بالضرورة إشارة إلى قولك: (لا شيء من الإنسان بمتنفس بالإمكان العام). شو يعني: (لا شيء من الإنسان بمتنفس بالإمكان العام)؟ الطرف المذكور ما هو؟ عدم التنفس، لا شيء، تمام؟ طيب، الطرف المقابل ما هو؟ التنفس، يعني التنفس ليس ضرورياً. طيب، فتتركب إذاً الوجودية اللا ضرورية -ولذلك سميت وجودية لا ضرورية؛ وجودية لأن المطلقة تدل على وجود المحمول لموضوعه، ولا ضرورية تدل على أن هذا الوجود ليس على نحو الضرورة-.

طيب، الوجودية اللا دائمة هي التي شرحناها قبل قليل وهي المطلقة العامة المقيدة باللا دوام الذاتي، يعني هي المركبة من مطلقتين عامتين؛ لأن المطلقة العامة يحتمل فيها أن يكون المحمول دائم الثبوت لذات الموضوع ويحتمل عدمه، ولأجل التصريح بعدم الدوام تقيد القضية بكلمة: (لا دائماً)، فيشار بها إلى مطلقة عامة كما تقدم. فتتركب الوجودية اللا دائمة من مطلقتين عامتين، وسميت وجودية للسبب المتقدم؛ لأن المحمول إذا كان يثبت لموضوعه ولو في آن من الآنانات فقد وجد المحمول لموضوعه وصار فعلياً له. طيب، نحو: (لا شيء من الإنسان بمتنفس بالفعل لا دائماً)، أي أن كل إنسان... شوف، (متنفس بالفعل) هنا عكس؛ يعني هنا جاء بالمصرحة سالبة حتى تكون المضمرة موجبة، ولو أنه جاء بالعكس لم يختلف... لم يختلف الأمر.

طيب، شوف، فتقول: (لا شيء من الإنسان بمتنفس بالفعل)، الآن هناك آن من الآنانات لا أكون فيه متنفساً بالفعل عندما أحبس أنفاسي، جيد؟ وهناك آن من الآنانات أكون فيه متنفساً بالفعل، فلا تناقض؛ لأن كل قضية يكفي في صدقها صدق الاتصاف في آن من الآنانات ولم يشترط وحدة الآنانات حتى يكون هناك تناقض بين القضيتين. طيب.

القضية الخامسة: الحينية اللا دائمة

قال: (الحينية اللا دائمة). وهي الحينية المطلقة. شو هي الحينية المطلقة؟ التفت، الحينية المطلقة هي التي تدل... هي فرع عن المطلقة العامة، هي التي تدل على أن المحمول قد ثبت في آن من الآنانات لموضوعه، إلا أن ظرف هذا الثبوت أين كان؟ عند وجود الوصف، كما تقول: (كل كاتب فهو متحرك الأصابع بالفعل عندما يكون كاتباً)، جيد؟ فيحتمل حينئذ أنه عند زوال الاتصاف فهل سوف يثبت المحمول للموضوع أو لا يثبت؟ فيؤتى بالتقييد ليدفع هذا الوهم.

حقيقةً أتصور صار من الواضح أن نركب أي قضية مع أي قضية أخرى نشاؤها، لا نحتاج إلى الاقتصار على هذه القضايا الست. جيد؟ نعم، هو الماتن (قدس سره) قيد... قيد أو ركب الأربعة المتفرعة عن الأربعة الأساسية، ولكن الأربعة الأساسية أيضاً يمكن أن نركب فيما بينها ليش؟ لأن الأربعة الأساسية فيما بينها يوجد عموم وخصوص، فقط الضرورة الذاتية هي التي لا تقبل التركيب أساساً؛ لأنها أخص مطلقاً من كل القضايا التي بعدها، فلا معنى للتركيب؛ لأنه لن يدفع احتمَالاً كان وارداً. تمام؟

جيد، قال: (وهي الحينية المطلقة المقيدة باللا دوام الذاتي). لأن الحينية المطلقة معناها أن المحمول فعلي الثبوت لموضوعه حين اتصافه بوصفه، يعني المحمول وقع وصفاً للموضوع في آن من الآنانات، إلا أن هذا الآن كان عند وجود الوصف، فيحتمل فيها الدوام ما دام الموضوع ويحتمل عدمه. ولأجل التصريح بعدم... بعدم الدوام تقيد باللا دوام الذاتي الذي يشار به إلى مطلقة عامة كما تقدم، فتتركب الحينية اللا دائمة من حينية مطلقة ومطلقة عامة. نحو: (كل طائر خافق الجناح فهو خافق الجناحين بالفعل حين هو طائر لا دائماً)، أي: (لا شيء من الطائر بخافق الجناحين بالفعل)، وهذا النافي يكون نفياً عند زوال... عند زوال الوصف.

طبعا لا أريد أن أخل في تفصيل أكثر، ولكن هذه القضية لا تدفع الوهم الذي نريد أن ندفعه، أعطيك مثالاً. ماذا كانت القضية؟ (كل طائر هو خافق بالفعل) -التفت، هو- (كل طائر خافق الجناحين بالفعل حين اشتغاله بـ...) ثم قيل: (لا دائماً)، ولا دائماً هذه فسرناها بأن (لا شيء من الطائر بخافق الجناحين بالفعل)، صحيح؟

الماتن ماذا ذكر في هذه القضية؟ قال: إن الحينية الممكنة أو الحينية المطلقة تدل على ثبوت المحمول لموضوعه في آن من الآنانات، إلا أن هذا الآن أين كان؟ هذا الآن حالة اتصال... أين كان؟ حالة اتصال بالوصف، أما عند زوال الوصف فهل يبقى المحمول ثابتاً لموضوعه بأن يكون دائماً ما دامت الموضوع أو لا؟ فأنت تريد أن تدفع هذا... هذا الوهم فتأتي بهذه القضية: (لا دائماً) حتى تنفي المحمول عن موضوعه في آن من الآنانات، وإذا انتفى عنه في ذلك الآن فينتفي... فينتفي الدوام.

طيب، التفت جيدا، هذا هو مقدار التلبس بالوصف وهنا عندنا الآن الأول والآن الثاني والآن الثالث والآن الرابع والآن الخامس، وهنا يزول الوصف، وعندنا الآن السادس والآن السابع والآن الثامن تمام. الآن القضية الأولى على ماذا دلت؟ (كل طائر خافق الجناحين بالفعل)، يعني دلت على اتصاف المحمول بموضوعه... اتصاف الموضوع بمحموله في آن من الآنان، ولنفترضه الآن الثاني أو الأول لا يهم، هذا... هذا كاف لتحقق المطلقة العامة أو لا... أو الحينية... الحينية الممكنة؛ لأنها في ظرف الاتصال، هنا يوجد الوصف.

طيب، الآن ماذا أراد الماتن؟ قال: أريد أن أدفع... أريد أن أدفع وهم دوام الاتصاف عند زوال الوصف، جيد. فجاء بهذه القضية: (لا شيء من الطائر بخافق الجناحين بالفعل)، فهذه أقصى ما تفيده في أمر واحد: نفي المحمول عن موضوعه هذا السادس -ببساطة- نفي المحمول عن موضوعه في آن من الآنانات. وهنا التفت، إذا فرضناه السادس أو السابع أو الثامن، جيد؟ فينتقض الدوام بلا إشكال، الدوام قد انتقض، ولكن ألا يصح أن نفترض أن هذا النفي كان في الآن الخامس؟ وحينئذ هو لا يتعرض إلى مرحلة زوال دوام الوصف؟ الجواب: لا نستطيع ذلك، ليش؟ لأن هذه القضية السالبة ليست حينية، وإنما هي مطلقة عامة، وإذا حصل النفي هاهنا فقد علم أنه لا وجود لدوام الوصف. فالمطلب صحيح بهذا القدر.

طيب، من صوره نحو: (كل طائر خافق الجناحين بالفعل حين هو طائر لا دائماً أي لا شيء من الطائر بخافق الجناحين بالفعل).

القضية السادسة: الممكنة الخاصة

قال: (السادس والأخيرة الممكنة الخاصة). عجيب، الممكنة الخاصة يعني هي التي جهتها الإمكان الخاص. والإمكان الخاص -انتبه- والإمكان الخاص هو مادة القضية، جيد؟ فهي المادة التي ترجع إليها كل جهة. فقولنا: (كل إنسان موجود بالإمكان الخاص) هذه قضية موجهة بسيطة وجهتها تطابق مادتها، ولذلك لم يعط لها تسمية في القضايا... في القضايا الثمانية الموجهة لم يعط لها تسمية خاصة؛ لأن الجهة مطابقة للمادة. نقول: نعم، ولكن في بعض الأحيان قد نركب قضية موجهة مع قضية أخرى موجهة حتى نستحصل على الإمكان الخاص، فالممكنة الخاصة ليست هي عبارة عن القضية الواحدة التي يقال في آخرها: (بالإمكان الخاص)، هذه قضية بسيطة حينئذ، ولكن القضية الممكنة الخاصة هي التي تتركب من الضرورية مع أي شيء... مع الممكنة العامة. التفت.

القضية الضرورية أو لا الضرورية العامة؟ نعم، لا... لا، عفواً، هي التي تتركب من الممكنة العامة مع ممكنة عامة؛ لأن الضرورية كما قلنا لا تقبل التركيب أساساً. طيب، التفت، القضية الممكنة العامة ماذا تفيد؟ سلب ضرورة... سلب ضرورة واحدة، صحيح؟ إذاً فالضرورة الثانية هي ساكتة عنها، فإذا جئت بممكنة عامة أخرى تسلب الضرورة الثانية وتسكت عن الضرورة الأولى، فصار مجموع القضيتين سلب الضرورتين، فصارت عبارة عن الإمكان الخاص.

التفت، الآن أنت تقول مثلاً: (كل إنسان موجود بالإمكان العام)، شو يعني؟ يعني عدمه ليس... ليس ضرورياً، ثم تقول: (لا بالضرورة)، فتنفي الضرورة الأخرى. كل إنسان موجود بالإمكان العام لا يكون... نحن قلنا دائماً القضية الموجهة المركبة تنحل إلى قضيتين، الأولى موجبة أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة. المذكورة هنا هي القضية الموجبة، تقول: (كل إنسان موجود بالإمكان العام)، تمام؟ إذاً فالثانية لابد أن تكون سالبة: (لا شيء من الإنسان بموجود)، لابد... ما معنى لا بالضرورة؟ سلب الضرورة، إذاً هي إمكان عام أيضاً. الأولى تدل على سلب ضرورة الطرف المقابل، الطرف المذكور في القضية الأولى ما هو؟ الوجود، الوجود، (كل إنسان موجود)، فالطرف المقابل ما هو؟ العدم. طيب، فهذه تسلب الضرورة عن العدم، فمفاد القضية الأولى أن عدمه ليس ضرورياً. طيب، القضية الثانية أيضاً هي تسلب الضرورة عن الطرف المقابل، ولكن الطرف المذكور هاهنا هو: (لا شيء من الإنسان بموجود)، شو يعني؟ يعني سلب الوجود، ما معنى سلب الوجود؟ العدم، إذاً هذا هو الطرف المذكور، فالطرف المقابل هو الوجود، إذاً فوجوده ليس ضرورياً... ليس ضرورياً. فصار بموجب هذا التركيب صارت الضرورة مسلوبه من الجهتين، وسلب الضرورة عن الطرفين معاً ليس إلا رجوعاً إلى الإمكان الخاص، ولذلك يقال إن هذه القضية هي ممكنة خاصة.

فالقضية الممكنة الخاصة المركبة هي ما تركب من ممكنتين عامتين، وأما القضية الممكنة الخاصة البسيطة فهي أن تقول: (الإنسان موجود بالإمكان الخاص) أو (الإنسان معدوم بالإمكان الخاص). التفت، لا يوجد تناقض بينهما مع وحدة الجهة: الإنسان موجود بالإمكان الخاص، والإنسان معدوم بالإمكان الخاص، ما عندنا مشكلة، كلاهما صادقتان. وهنا: (كل إنسان موجود بالإمكان العام ولا شيء من الإنسان بموجود بالإمكان العام)، لا يوجد تناقض بينهما، جهة القضية تلعب دوراً في حصول التناقض وفي وفي عدمه.

جيد، إذاً الممكنة العامة لما كانت تسلب ضرورة واحدة وهي ضرورة الطرف المقابل فهي ساكتة عن الضرورة الأخرى ضرورة الطرف المذكور، فإذا ما جيء بقضية أخرى تسلب تلك الضرورة الثانية وتسكت عن الأولى، فقد تركبت القضية من قضيتين كل واحدة منهما تفيد سلب ضرورة واحدة، فصار المجموع بحيث يسلب الضرورتين، وهي الممكنة الخاصة.

قال (قدس سره): (وهي الممكنة العامة المقيدة باللا ضرورة الذاتية، ومعناها أن الطرف الموافق المذكور في القضية ليس ضرورياً، كما كان الطرف المخالف، يعني كما كان الطرف المخالف ليس ضرورياً حسب التصريح في القضية، فيرفع بقيد اللا ضرورة احتمال الوجوب إذا كانت القضية موجبة، واحتمال الامتناع إذا كانت سالبة، ومفاد مجموع القضية بعد التركيب هو الإمكان الخاص الذي هو عبارة عن سلب الضرورة عن الطرفين، فتتركب الممكنة الخاصة من ممكنتين عامتين، وتكون فيها... فيها الجهة نفس المادة الواقعية إذا كانت صادقة -بشرط صدق القضية طبعا- ويكفي لإفادة ذلك تقييد القضية بالإمكان الخاص اختصاراً).

ولذلك أنت إذا أردت أن لا تركب فتقول: (الإنسان موجود بالإمكان الخاص) من أول الأمر، فنقول: (كل حيوان متحرك بالإمكان الخاص)، أي كل حيوان متحرك بالإمكان العام ولا شيء من الحيوان بمتحرك بالإمكان العام. ما هو... أنت أنت عندما تقول: (الإنسان موجود بالإمكان الخاص) شو يعني؟ يعني ذاته لا تقتضي الوجود وذاته لا تقتضي العدم، تماماً؟ أنت، التفت، فكل قضية ممكنة خاصة حقيقة تنحل إلى قضيتين: إلى أن ذات الموضوع لا تقتضي الوجود، وإلى أن ذات الموضوع لا تقتضي عدم المحمول، يعني لا تقتضي... لا تأبى... لا تقتضيه ولا تأباه. فإذا أردت أن تعبر عن واحدة فقط من هاتين القضيتين فتأتي بممكنة عامة، ولذلك صارت الممكنة الخاصة مركبة من ممكنتين عامتين، والتعبير بالإمكان الخاص بمنزلة ما لو قيدت الممكنة العامة باللا ضرورة كما لو قلت في المثال: (كل حيوان متحرك بالإمكان العام لا بالضرورة).

هذا تمام الكلام في القضايا الموجهة، وبه ينتهي البحث في أقسام القضية الحملية.

أقسام القضية الشرطية

يقع الكلام بعد ذلك في أقسام القضية الشرطية، والحاصل أن الماتن (قدس سره) قد ذكر جملة من التقسيمات المشتركة بين القضايا الحملية والقضايا الشرطية من قبيل تقسيم القضية الحملية أو الشرطية إلى شخصية ومهملة ومحصورة وكلية وجزئية، وإن كنا قد بينا فيما سبق أن هذا التقسيم ليس مشتركاً حقيقة، وإنما اشتراكه اشتراك لفظي وليس اشتراكاً معنوياً؛ لأن القضية الشرطية لا تتصف بالشخصية وبالمهملة بنفس الطريقة التي تتصف فيها القضية الحملية. ولكن مبنى الماتن كان على هذا الأساس، وهو أن هناك جملة من التقسيمات التي تشترك فيها القضية الشرطية مع الحملية، فقد بين هذه التقسيمات المشتركة، ثم بعد ذلك أفرد بحثاً للتقسيمات التي تختص بها القضية الحملية كتقسيمها إلى معدولة ومحصلة، وكتقسيمها إلى حقيقية وخارجية وذهنية، وكتقسيمها إلى موجهة وغير موجهة، ثم بين أقساماً موجهة.

لا زال الكلام في أقسام القضايا وفي تقسيماتها، غاية الأمر أنه قد وصلت النوبة إلى بيان التقسيمات المختصة بالقضايا الشرطية. ثم القضية الشرطية كما عرفنا على نحوين: إما قضية متصلة وهي التي تفيد الاتصال واللزوم بين الطرفين أو نفيهما، وإما قضية منفصلة وهي التي يحكم فيها بالانفصال والتعاند بين الطرفين أو نفيهما. يقع الكلام في تقسيم القضية الشرطية المتصلة.

والقضية الشرطية المتصلة قلنا: إن كانت موجبة فما هو مفادها؟ الحكم بالاتصال بين المقدم والتالي، بمعنى أنه كلما وجد المقدم فقد وجد التالي. كما في قولنا: (كلما طلعت الشمس فالنهار موجود)، أو كما في قولنا: (كلما وجدت النار فقد وجدت الحرارة)، أو كما في قولنا: (كلما وجد الفلك كان متحركاً)، هذه القضية صادقة أو لا يوجد اتصال بين وجود الفلك وبين حركته أو لا يوجد اتصال؟ فإننا لم نجد الفلك إلا وقد وجدناه متحركاً. أو كما في قولنا: (كلما جئت إلى الدرس وجدت زيداً حاضراً)، أو: (كلما شرعت في الدرس دخل زيد متأخراً)، إذا كانت هذه القضية بحيث ما من يوم دخلت فيه الدرس إلا وكان زيد متأخراً، صادقة هذه القضية أو لا؟ يوجد اتصال أو لا؟ في الخارج يوجد هذا الاتصال أو لا؟ هذا الاتصال موجود، والمثال الأبرز لذلك قولنا: (كلما وجد الفلك كان متحركاً)، يمكنك أن تقول إنه قد وجد الفلك ولم يكن متحركاً، وبالتالي فهناك اتصال بين... بين الفلك وبين حركته.

إذاً، القضية المتصلة -أو القضية الشرطية المتصلة- إن كانت موجبة فمفادها الحكم بالاتصال بين المقدم والتالي. ومعنى الاتصال بين المقدم والتالي هو وجود التالي -ما يقع تالياً- على تقدير ما وقع أولاً، يعني مقدم. هذا في الموجبة. وأما إن كانت القضية سالبة فمفادها -شوف- نفي الاتصال بين المقدم والتالي، بحيث لا يكون هناك اتصال بينهما، بأن يوجد أحدهما من دون أن يوجد الآخر، كما تقول: (ليس كلما وجد زيد فقد حضر عمرو)، فلا يوجد اتصال بين مجيء زيد ومجيء عمرو، فقد يأتي زيد ولا يأتي معه عمرو.

إذا اتضح ذلك، فإن القضية المتصلة لما كان مفادها الحكم بالاتصال أو نفي الاتصال... الاتصال، فهي تنقسم... بطبيعة... بحسب طبيعة هذا الاتصال إلى قسمين؛ لأن الاتصال بين المقدم والتالي إن كان اتصالاً حقيقياً بحيث يكون هناك علاقة استلزام واقتضاء بين المقدم والتالي، سميت المتصلة حينئذ متصلة لزومية؛ لأن الاتصال فيها اتصال حقيقي ينبئ عن علاقة استلزام واقتضاء بين الطرفين، بأن يكون المقدم مقتضياً للتالي، وذلك بأن يكون علة له، أو أن يكونا معلولين لعلة واحدة كما سوف يأتي ونشير. وأما إذا كان هناك اتصال بين المقدم والتالي في الخارج، إلا أن هذا الاتصال لم يكن هناك مانع عقلي من نفيه وإن لم يقع خارجاً هذا الانفصال، فيقال للمتصلة أنها متصلة اتفاقية. كما في قولنا: (كل فرد فلك...) أو (كلما وجد الفلك كان متحركاً)، فنفس الفلك بما هو هو لا اقتضاء له للحركة كما عرفنا في أمثله القضايا الموجهة، غاية الأمر أنه في الخارج لم يحصل انفكاك ولم ينتفِ الاتصال بين الفلك وبين... بين الفلك والحركة، فذات الفلك لا اقتضاء لها للحركة.

بعبارة ثانية: سلب التحرك عن الفلك لا يستبطن تناقضاً منطقياً، لا نجد أي تهافت على مستوى الذهن والقواعد العقلية عندما نفكك بين الحركة وبين الفلك، غاية الأمر أن الحركة لم تسلب عن الفلك، فيوجد اتصال بينهما، إلا أن هذا الاتصال ليس على نحو اللزوم، فهو اتصال على نحو الاتفاق.

فإن قلت: كيف يكون هناك اتصال ويكون الأمر اتفاقياً؟ فإن الاتفاق معناه الصدفة، وأنتم تنفون الصدفة وتنكرونها؟ نقول: ننفي... نقول بالصدفة النسبية وننفي الصدفة المطلقة؛ عندما نقول إن الحركة للفلك اتفاقية لا بمعنى أنه صادف أن تحرك الفلك، لا يوجد شيء صدفة في هذا الكون، نعم، الحركة بالقياس إلى الفلك تعد صدفة، شوف، بالقياس... صدفة بالقياس إلى الفلك، ولكن هذه الحركة لابد من وجود علة أخرى قد اقتضتها للفلك، وبالنسبة إليها تصبح العلاقة لزومية. واضح المطلب أو لا؟ لا أن هذا الشيء يمكن أن يتحرك الآن لوحده، لا يمكن لشيء أن ينوجد أو أن تحدث له حركة من دون سبب، ولكن هذا الشيء بالقياس إلى شيء لا يقتضي حركته يقال إنه اتفاقي. كما يقال مثلاً: (اتفق دخولي إلى الصف مع هطول المطر)، هذا لا يعني أن دخولي إلى الصف لم يكن له سبب، كان له سبب وكان له علة، وهطول المطر كان له علة، ولكن هذا الدخول بالقياس إلى ذاك الهطول لم يكن أحدهما سبباً والآخر مسبباً، فيقال إن تقارنهما كان صدفة، لا بمعنى أن وجود كل واحد منهما حصل صدفة ومن دون سبب.

كيف كان؟ نعيد أصل المطلب بترتيب واضح، نقول: إن القضية المتصلة هي التي مفادها الحكم بالاتصال بين المقدم والتالي أو نفي الاتصال بين... بينهما. وحينئذ فإن كان الاتصال... إن كانت طبيعة الاتصال بين المقدم والتالي اتصالاً حقيقياً -والمراد من الاتصال الحقيقي أن يكون هناك... أن يكون هذا الاتصال بينهما اتصالاً ناشئاً عن اقتضاء المقدم للتالي، أو فقل: إن كان الاتصال بينهما اتصالاً على نحو الاستلزام على نحو الاقتضاء- فيقال للمتصلة أنها متصلة لزومياً؛ لأن الاتصال فيها نشأ عن علاقة تلازم بين المقدم وبين التالي. وإلا فإن كان الاتصال بينهما ليس ناشئاً من علاقة الاستلزام بل كان اتصالاً خارجياً لا لعلاقة استلزام، بمعنى أن هذا الاتصال لا يتضمن أي تناقض منطقي وإن لم يقع هذا الانفصال -التفت- وإن لم ينتفِ هذا الاتصال خارجاً وإلا تصبح سالبة، فيوجد اتصال بمعنى أن المقدم لم ينفك عن التالي في الخارج، غاية الأمر أنه لا مانع عقلياً من الانفكاك- فانه يقال لهذه المتصلة أنها متصلة اتفاقية.

طيب، إذا اتضح ذلك فالأمر في غاية السهولة في القضية الموجبة، ولكنه في القضية السالبة سوف يختلف الحال: إذا كانت القضية المتصلة... إذا كانت موجبة فما هو مفادها؟ هو الحكم بالاتصال. إذا كانت سالبة، ما هو مفادها؟ الحكم بعدم الاتصال. الحكم بعدم الاتصال، ما معنى عدم الاتصال؟ يعني حصول الانفكاك بينهما وين؟ في الخارج ولو في آن من... من الآنانات، تماماً؟ هذه القضية المتصلة، هذا المقسم. الآن نحن قسمنا القضية المتصلة إلى لزومية وإلى اتفاق... وإلى اتفاق. تعال شوف.

اللزومية الموجبة، ما هو مفادها؟ الحكم بالاتصال دائماً. هو دائماً يوجد حتى تكون القضية... نعم الاتصال دائماً ولكن على نحو شو؟ فمفاد القضية اللزومية الموجبة ما هو؟ هي لأنها موجبة فتفيد الاتصال، ولأنها لزومية فتفيد وجود اتصال شو؟ لزومي. فمفادها الحكم بوجود علاقة تلازم بين المقدم والثالي.

طيب، فالقضية اللزومية السالبة إذاً ما هي؟ معلومة. اه، مفاد القضية -التفت- مفاد القضية، إذا كانت القضية المتصلة في الموجبة مفادها وجود الاتصال، في السالبة ما هو مفادها؟ سالبة، أدخل حرف السلب على ما قبلها، فمفادها نفي الاتصال. طيب.

القضية الموجبة اللزومية ما هو مفادها؟ الحكم بوجود علاقة استلزام بين الطرفين، جيد؟ أو فقل: الحكم بالاتصال اللزومي. طيب، ففي السالبة ما هو مفادها؟ يعني القضية السالبة اللزومية، مفادها سلب الاتصال اللزومي، تماماً؟ فهي في السالبة ماذا تفيد؟ سلب الاتصال. وانت في اللزومي، والاتصال اللزومي أخص من مطلق الاتصال أو لا؟ وسلب الأخص لا يستلزم سلب الأعم... نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. ولذلك فإن القضية اللزومية السالبة أقصى ما تفيده هو نفي الاتصال اللزومي، سواء لم يكن هناك اتصال أصلاً -سالباً بانتفاء الموضوع أو اتفاقي- أو كان هناك اتصال ولكن كان اتصالاً فيها ها؟ اتفاقياً يعني غير لزومي؛ لأن نفي الاتصال اللزومي لا يوجب نفي مطلق الاتصال؛ لأن الاتصال ينقسم إلى قسمين: اتصال لزومي واتصال غير لزومي، والاتصال اللزومي أخص من مطلق الاتصال، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. فالقضية السالبة اللزومية هي ما دلت على انتفاء الاتصال اللزومي، تماماً؟ سواء كان هناك اتصال ولكن غير لزومي، يعني اتصال شو؟ اتفاقي، أو لم يكن هناك اتصال أصلاً. فالقضية السالبة اللزومية تصدق في موردين: فيما إذا كان هناك اتصال ولكن غير لزومي -يعني اتصال شو؟ اتفاقي- وفيما إذا لم يكن هناك اتصال.

القضية المتصلة الاتفاقية في الموجبة ماذا تفيد؟ الحكم بوجود اتصال شو؟ اتفاقي. طيب، سلب القضية الموجبة الاتفاقية ماذا... ماذا يعني؟ يعني سلب الاتصال الاتفاقي. فالسالبة الاتفاقية ماذا تفيد؟ نفي الاتصال الاتفاقي. والاتصال الاتفاقي أخص من مطلق الاتصال، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فنفي الاتصال الاتفاقي يصدق في موردين: فيما إذا كان هناك اتصال ولكن غير اتفاقي -شو يعني غير اتفاقي؟ لزومي- وفيما إذا لم يكن هناك اتصال. فنجد أن القضية السالبة الاتفاقية والقضية السالبة اللزومية يجتمعان في مورد، وهو فيما إذا لم يكن هناك اتصال. إذاً، ماذا نسمي هذه القضية؟ سالبة لزومية أم نسميها سالبة اتفاقية؟ نقول: هذا بحسب القصد؛ أنت إذا كنت قاصداً لنفي الاتصال... الاتصال الاتفاقي تسميها اتفاقية، إذا كنت قاصداً بنفي الاتصال اللزومي تسميها لزومية.

الآن التفت، أعطني مثالاً لقضية موجبة لزومية: (كلما وجدت النار وجدت الحرارة)؛ لأن الاتصال بين النار والحرارة اتصال حقيقي يستبطن تفكيك أحد... يستبطن تفكيك أحدهما عن الآخر تناقضاً منطقياً؛ لأنه يلزم حينئذ أن تنوجد العلة من دون معلولها، فهذه قضية موجبة -التفت- لزومية، الاتصال ناشئ من علاقة الاستلزام بين الطرفين. تماماً؟ أعطني قضية موجبة اتفاقية: (كلما وجد الفلك كان متحركاً) على ما عرفنا. تماماً؟

الآن أعطني قضية سالبة لزومية. التفت، قلنا السالبة اللزومية تصدق في موردين: فيما إذا لم يكن هناك اتصال أساساً، وفيما إذا كان هناك اتصال ولكن غير اتفاقي. تماماً؟ عفواً... عفواً، إذا كان هناك اتصال ولكن كان اتفاقياً. إذاً ماذا كان مثال الموجبة الاتفاقية؟ (كلما وجد... وجد الفلك كان متحركاً)، هذا المثال بنفسه يصلح لأن يكون مصداقاً للسالبة اللزومية: (ليس كلما وجد... ليس كلما وجد الفلك كان متحركاً). عجيب، أنت الآن تنفي الحركة عن الفلك والفلك لم تنفك عنه الحركة؟ أقول: لا، أنا أنفي اللزوم... اتصال اللزوم عن هذا الفلك عندما أُصَرِّح بأن هذه القضية سالبة لزومية، فغاية ما تفيده -مش نفي الاتصال خارجاً- تفيد نفي الاتصال اللزومي بينهما، ولا يوجد اتصال لزومي بين الفلك وبين الحركة، ولذلك صار هذا المثال عند نفيه مصداقاً للسالبة اللزومية.

نفس الكلام في السالبة الاتفاقية. جيد، ما هو مفادها؟ سلب الاتصال اللزومي... سلب الاتصال الاتفاقي. تماماً؟ اه، جيد، وهذا يجتمع في موردين: فيما إذا لم يكن هناك اتصال أساساً، أو كان هناك اتصال ولكن لم يكن اتفاقياً بأن كان لزومياً، كما تقول: (ليس كلما وجدت النار فقد وجدت الحرارة)، فإنك تسلب الاتصال الاتفاقي بينهما، هذه القضية صادقة لأنك تسلب الاتصال الاتفاقي بينهما، وسلب الاتصال الاتفاقي لا يعني أنك تسلب مطلق الاتصال... الاتصال؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفياً... نعم، فأنت تنفي الاتصال الاتفاقي بين النار وبين الحرارة.

ومن هنا يعلم أننا عندما نريد أن نتوجه إلى القضايا ونعرف أي قضية تناقض أي قضية لابد أن نلتفت إلى مثل هذه الأمور أيضاً. فقولنا: (كلما وجدت النار وجدت الحرارة) قضية صادقة لأنها موجبة لزومية، وقولنا: (ليس كلما وجدت النار فقد وجدت الحرارة) هذه أيضاً قضية صادقة إذا اعتبرناها سالبة اتفاقية... اتفاقية، وتجتمع السالبتان في مورد واحد إذا قلنا: (ليس كلما جاء عمرو جاء زيد)، إذا لم يكن هناك اتصال خارجي بينهما أساساً كما إذا كان يأتي زيد ولا يأتي عمرو، فهذه تنفع مثالاً للسالبة اللزومية وللسالبة الاتفاقية؛ لأنها من باب السالبة بانتفاء الموضوع إذ لا اتصال أساساً.

فقولنا: (ليس كلما وجدت النار وجدت الحرارة) القضية صادقة إذا اعتبرناها سالبة باعتبار ما تفيده القضية باعتبار ما قصدناه من القضية. نعم، في بعض الأحيان أنت تقصد إلى نفي الاتصال بينهما، حينئذ يوجد تناقض. ولكن في بعض الأحيان أنا أريد أن أنفي الاتصال الاتفاقي بينهما، فيصدق أنه لا شيء من... ليست كلما وجدت النار فقد وجدت الحرارة بوجود اتفاقي، لا، هي وجدت بوجود لزومي، وهكذا. وبهذا يتضح أن السالبة اللزومية والسالبة الاتفاقية أعم مورداً مما إذا كان هناك اتصال أو لم يكن، ويتضح ثانياً أن كل مثال للموجبة اللزومية يصلح مثالاً للسالبة الاتفاقية، وكل مثال... مثال للسالبة... لموجبة الاتفاقية يصلح مثالاً للسالبة اللزومية.

واضح المطلب أو لا؟ تمام. إذا اتضح ذلك، بقي عندنا مسألة واحدة تأتي غداً إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين، ونصلي على محمد وآل محمد.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.