دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 60
060
يقع الكلام في الفصل الثاني من هذا الباب في أحكام القضايا. والمراد من أحكام القضايا في هذا الفصل الوقوف على النسب الكائنة بين القضايا وعن العلاقات فيما بينها التي تتيح للمستدل أن ينتقل من صدق إحدى القضيتين إلى كذب الأخرى، أو من صدقها إلى صدق الأخرى، أو من كذبها إلى كذب القضية الثانية. والحاصل أننا قد تعرفنا في الفصل الأول على أنواع القضايا، ووقفنا على أقسامها، وعلى خصوصية كل واحدٍ واحدٍ من هذه الأقسام. ويقع الكلام بعد ذلك في النسب والعلاقات الموجودة بين تلك القضايا، والسبب في ذلك هو أن المستدل في كثير من الأحيان قد يعجز عن إثبات القضية التي يريد إثباتها بشكل مباشر، وحينئذ لابد أن يلتمس طريقاً آخر للوصول إلى تلك القضية، فلو كان على اطلاع بالنسب والعلاقات الموجودة بين القضية التي يريد أن يستدل عليها وبين جملة من القضايا الأخرى، فإن مثل معرفة هذه النسب قد تنفعه في أن يتوصل إلى مطلوبه؛ فمثلا ربما يتعلق غرض المتكلم أو المستدل بأن يثبت بأن كل باء فهو جيم، ولكنه عندما يجري تلك العملية في أفكاره المخزونة لا يجد ما يصلح لأن يحل له هذه المعضلة ولا يجد أي قضية تنفع في إثبات أن كل باء فهو جيم، ولكن ربما كان يعرف أن هناك علاقة بين الموجبة الكلية (كل باء جيم) وبين قضية أخرى وهي مثلاً (س باء جيم)، ويعرف أن العلاقة بين هاتين القضيتين هي التناقض، وكان في خزانته ما يصلح لإثبات (السين باء جيم) يعني السالبة الجزئية، فحينئذ معرفته بهذه النسبة بين القضيتين سوف توصله إلى معرفة صدق (كل باء جيم) أو كذبها.
بعبارة ثانية: عندما نريد أن نستدل على الموجبة الكلية، يكون هناك جملة من المعارف ومن القضايا التي إذا رتبنا بعضها مع بعض أوصلتنا مباشرة إلى نتيجة وهي أن (كل باء جيم). وتارة لا يكون بين أيدينا أية قضية توصلنا إلى هذه القضية بشكل مباشر، ولكن لنا جملة من المعارف التي توصلنا إلى كذب السالبة الجزئية، ثم بعد أن نتوصل إلى معرفة السالبة الجزئية ونجد أن هذه السالبة الجزئية كاذبة مثلاً، فإننا ببركة علمنا بالنسبة والعلاقة الكائنة بين السالبة الجزئية والموجبة الكلية نقول: إذا كذبت السالبة الجزئية فلا بد أن تصدق الموجبة الكلية؛ لأن الموجبة الكلية تناقض السالبة الجزئية، وصدق أحد النقيضين يوجب كذب الآخر. ومن هنا كانت معرفة النسب والعلاقات بين القضايا في غاية الأهمية؛ لأن معرفة النسب والعلاقات تيسر لنا طريقاً آخر للاستدلال على مطلوبنا غير الاستدلال المباشر.
ونريد هنا -لأنه سيأتي معنا اصطلاح للاستدلال المباشر- أن الاستدلال المباشر هو ترتيب قضايا بعضها مع بعض من أجل الوصول إلى النتيجة المرجوة مباشرة، هذا يعني استدلالاً مباشراً. أما الاستدلال غير المباشر فهو أن نتمسك بجملة من المعارف فنرتب بعضها مع بعض لنصل إلى نتيجة لها علاقة مع النتيجة التي نطلبها ونريد إثباتها، فنثبت تلك النتيجة حينئذ أو نكذبها تبعا لطبيعة العلاقة الكائنة بينها وبين قضية أخرى.
وربما نأخذ مثالاً لتقريب الفكرة إلى الأذهان؛ هناك مثال عربي مشهور -لا أعرف إذا كان هو مثالاً فصيحاً أو كان من المشهورات العامية- يقال عندنا: (من يسرق إبرة يسرق جملاً) أو (من يسرق قشاً يسرق جملاً). الآن إذا اردنا أن نترجم هذه القضية ونعطيها ضابطها الفني: (من يسرق القليل يسرق الكثير) باعتبار أنه لا خصوصية للإبرة ولا خصوصية للجمل. هذه قضية في ظاهرها حملية ولكنها في روح القضية شرطية متصلة: (كلما كان الإنسان بحيث يسرق قليلاً فهو يسرق الكثير). وفي بادئ النظر قد نتساءل عن الملازمة الكائنة بين سرقة القليل وسرقة الكثير، ولنا أن نعترض على مثل هذه القضية وأن نعتبرها من الأمور الشعرية التي تخضع في صدقها للخطابيات ولمحاكاة الوجدان، وأن نعترض بأن من يسرق القليل ليس بالضرورة أن يسرق الكثير. نعم، من يسرق الكثير بطبيعة الحال هو قد سرق القليل؛ لأن الكثير ليس إلا عبارة عن قليل ضُم إليه قليل آخر حتى صار المجموع كثيراً، ولكن سرقة الكثير سرقة القليل كيف كانت لتوجب سرقة الكثير؟ فربما نجد شخصاً يتورع عن ارتكاب الجرم الأعظم ولكنه يتساهل في بعض الأمور، إذاً فالملازمة غير مسلمة بل هي منكرة في بادئ الأمر. ليش؟ لأن سرقة القليل تحتاج إلى جرأة أقل، وسرقة الكثير تحتاج إلى جرأة أكبر، ومن عنده الجرأة الأقل ليس بالضروري أن يكون عنده الجرأة الأكبر؛ فلربما كان الإنسان عنده نحو من أنحاء الورع عن سرقة الأمور الكبيرة، وهذا يجري في السرقة وفي غيرها في المعصية أيضاً. ولذلك شوف الآن النتيجة كيف سوف تتحول يرحمكم الله.
تمام، هذه الملازمة يمكن أن نثبتها بطريقتين؛ الطريقة الأولى: طبعا لا يمكن أن نثبتها بطريقة مباشرة، بمعنى أن نصل من نفس هذه القضية، أن ننتزع أن يكون محمولها منتزعا من نفس مفهوم موضوعها مثلاً، لا تكون فيها بغاية البداهة. الطريق الأول هو أن نقول -التفت- (من يسرق القليل يسرق الكثير)، فنقول: من يسرق القليل فهو لا يؤتمن على القليل، ومن لا يؤتمن على القليل فهو بطريق أولى لا يؤتمن على الكثير، ومن لا يؤتمن على الكثير فلأنه في مظنة أن يسرقه، فصار من يسرق القليل بحيث يسرق الكثير.
إذا أخذنا نفس السرقة، سرقة القليل من حيث إنها جرأة على القليل، لقائل أن يقول: أنا عندي جرأة على بعض المعاصي ولكن المعاصي الكبيرة ليس عندي جرأة عليها. نقول: من قبل أن يكون عنده مثل هذه الجرأة فهو لا يؤتمن على القليل، ومن لا يؤتمن على القليل فبطريق أولى لا يؤتمن على الكثير، ومن لا يؤتمن على الكثير فلأنه في مظنة أن يسرق الكثير. عملياً نحن لم نأتي بقضايا من خارج المطلب، نفس هذه القضية ودرسنا علاقة بينها -طبعاً هذا المثال للتنظير- وإلا البحث الذي سوف ندخل فيه -والتناقض أو التضاد أو التداخل تحت التضاد أو التداخل أو دخول تحت الضدين- سوف يأتي ليس بهذه الطريقة. ولكن في بعض الأحيان إذا أخذنا الموضوع والمحمول أو المقدمة والتالي ونظرنا إليهما بما هما مقدم وتالي لا نجد الملازمة واضحة، ولكن يمكن أن نتمسك بجملة من الأمور الأخرى التي من شأنها أن توضح الملازمة الكائنة بين الطرفين. طبعاً يوجد طريق آخر للاستدلال على هذه القضية، ماذا يقال؟ بأن يقال إن الملكة لا تتجزأ، انتهى. يعني الدليل على أن من يسرق القليل يسرق الكثير هو أن الملكة لا تتجزأ، هذا يأتي وأن العدالة والتقوى ملكة، والملكة من مقولة الكيف، والكيف لا يقبل التجزئة. جيد؟ لأن الكيف مقولة لا تقتضي القسمة ولا اللاقسمة، فهي لا تنقسم وبالتالي لا تتجزأ الملكة يعني العدالة لا تتجزأ، فلا يمكنك أن تكون عادلاً في شيء وغير عادل في شيء، ورعاً في شيء وغير ورع في شيء، ولا يكون عندنا ورع مصطنع، إلى آخره.
الآن هذا المثال كان فقط لمجرد تقريب الفكرة إلى الأذهان، هي ليست مثالاً حقيقيقياً للمطلب الذي نحن فيه. إذا اتضح ذلك فيقع البحث في دراسة النسب والعلاقات التي يمكن أن توجد بين القضايا.
التناقض بين القضايا
النسبة الأولى التي سوف نتعرض إليها هي نسبة التناقض. والمراد من التناقض ها هنا التناقض بين القضايا، وليس التناقض بين القضايا عبارة عن نفس التناقض بين المفردات؛ وذلك لأن التناقض بين المفردات كان يكفي فيه أن تدخل حرف السلب تارة على أحد المفردين وأن ترفع حرف السلب عن المفرد الآخر فيحصل بذلك التناقض، فنقيض (الإنسان): (لا إنسان)، ونقيض (اللا إنسان): (إنسان)، وهكذا. ولكن في القضايا لا يكفي أن ندخل حرف السلب على القضية حتى نحصل على نقيضها، والدليل على ذلك هو أن حكم المتناقضين ثابت لا يزول ولا يتبدل، وهو أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، أي لا يصدقان معاً ولا يكذبان معاً، فإذا صدق أحدهما امتنع صدق الآخر، ومعنى امتناع صدقه وجوب كذبه، وإذا كذب أحدهما امتنع كذب الآخر أيضاً، فهذا يعني أن كذب أحد النقيضين يوجب صدق الآخر. وإذا كان هذا هو الحكم الثابت للنقيضين، فنحن لا نجد أن هذا الحكم يكون سارياً في كل قضية ندخل عليها حرف السلب؛ فإنك تقول: (كل حيوان إنسان)، وتقول أيضاً: (لا شيء من الحيوان بإنسان)، فهذه عبارة عن عين القضية الأولى وإنما أدخلت عليها حرف السلب. (كل حيوان إنسان) وهذه قضية كاذبة تماماً، ثم أدخلت حرف السلب على نفس هذه القضية فقلت: (لا شيء من الحيوان بإنسان)، فإننا نجد أن إدخال حرف السلب على هذه القضية لم يوجب الحصول على نقيضها. ليش؟ لأن القضيتين كاذبتان معاً؛ لأنه لا يصدق أنه لا شيء من الحيوان بإنسان إذ بعض الحيوان إنسان، ولا تصدق أنه كل حيوان هو إنسان لأن بعض الحيوانات ليست بإنسان.
فالموجبة الكلية والسالبة الكلية ها هنا لم تناقض إحداهما الأخرى، إذ لو كانا نقيضين لامتنع صدقهما معاً ولامتنع كذبهما معاً أيضاً، مع أنهما قد كذبت معاً، بل إن السالب والموجب قد تصدقان معاً كما تقول: (بعض الحيوان إنسان) و(بعض الحيوان ليس بإنسان)، فإن البعض من الحيوان إنسان وهو نفس الإنسان، وبعض الحيوانات الأخرى ليست بإنسان؛ لأن صدق الأخص لا يستلزم صدق الأعم.
ومن هنا يعلم أن التناقض بين المفردات في روحه مختلف كلياً الاختلاف عن التناقض بين القضايا؛ لأن التناقض بين المفردات يكفي فيه إدخال حرف السلب على أحد الطرفين ونفيه عن الطرف الآخر، أما التناقض بين القضايا فلا يكفي فيه أن تكون إحدى القضيتين موجبة وتكون الأخرى سالبة، بل قد تصدقان معاً وقد تكذبان معاً، فلو كان هناك تناقض بين الموجبة والسالبة لترتب على ذلك أحكام التناقض، ولكن أحكام التناقض لم تترتب، فلا يكون هناك تناقض بين كل موجبة وكل سالبة. ومن هنا يتضح فساد ما ذهب إليه البعض من المناطقة حيث ذكر أن كل تناقض في المفردات فهو يرجع في روحه إلى تناقض في القضايا، ولا يوجد عندنا نحوان ونوعان من التناقض. ذهب البعض إلى أن التناقض في باب المفردات هو عين التناقض في باب القضايا، غاية ما في الأمر أنه في التناقض بين المفردات دائماً نقدر محمولاً، فمثلاً: الإنسان واللا إنسان تقدر هكذا: الإنسان موجود واللا إنسان موجود، أو الإنسان غير موجود. نقول: تحليل هذه المفردات لجعلها من القضايا يوجب أن نرتب عليها كل أحكام القضايا اللازمة كما سوف يأتي من الشروط، مع أننا نجد أن التناقض بين المفردات يكفي في تحصيله وفي حصوله سلب أحد الطرفين وإثبات الطرف الآخر. فيتضح أن التناقض الذي نريد أن نبحث عنه ها هنا وإن كان حكمه نفس حكم التناقض المبحوث عنه في باب المفردات، ولكنه في جوهره وفي حقيقته وفي شروطه سوف يكون مختلفاً.
وبالجملة، فالتناقض سواء كان بين المفردات أو كان بين القضايا يترتب عليه حكم ثابت واحد، وهو أنه إذا صدق أحد النقيضين فلا بد أن يكذب الآخر، وإذا كذب أحدهما فلا بد أن يصدق الآخر، أو فقل: لا يصدقان معاً ولا يكذبان معاً، لا يجتمعان ولا يرتفعان. غاية ما في الأمر ربما في التعبير عندما نتحدث عن المفردات نقول: يجتمعان ويرتفعان -تمام؟- وعندما نتحدث عن القضايا نقول: يصدقان ولا يصدقان ولا يكذبان؛ لأن الحديث حينئذ عن قضية حملية خبرية تصدق أو تكذب، وإن كان مرجع أحدهما إلى الآخر حقيقة؛ لأننا عندما نقول: يجتمعان، شو يعني؟ يعني يجتمعان في الصدق تماماً، وهكذا. على كل حال، يقع الكلام في التناقض بين القضايا، التناقض حكمه هنا كحكم التناقض بين المفردات، ولكن موضوعه مختلف، جيد؟ تعريف التناقض ها هنا سوف يختلف، وشروط التناقض سوف تختلف.
والحاصل أن التناقض بين القضايا إذا أردنا أن نعطيه تعريفاً فقد عرفه الماتن، قدس سره، بأنه اختلاف بين قضيتين يقتضي هذا الاختلاف لذاته أن تصدق إحداهما وأن تكذب الأخرى، كما في قولنا: (كل إنسان حيوان)، ما هو نقيضها؟ بعض الإنسان ليس بحيوان. هنا (كل إنسان حيوان)، ما هو نقيضها؟ نقيض الموجبة الكلية كما ذكرنا السالبة الجزئية، تقول: (بعض الإنسان ليس بحيوان)، وهذه قضية كاذبة. ليش؟ لأن صدق الأخص يستلزم صدق الأعم، فلا معنى لأن يصدق الأخص ثم تنفي عنه الأعم. أو فقل: لأن الحيوان مأخوذ في حقيقة الإنسان، جيد؟ فلا معنى لأن يصدق الإنسان من دون أن تصدق الحيوانية، فلا يمكن أن تصدق إنسانية شيء من دون حيوانيته. هذا واضح.
إذاً هنا يوجد اختلاف، نحو من أنحاء الاختلاف بين القضيتين، هذا الاختلاف هو الذي أدى لذاته -يعني ذات الاختلاف هي التي اقتضت أن تصدق إحدى القضيتين وأن تكذب الأخرى- والتعريف واضح لا خفاء فيه إلا في قيد واحد وهو قولنا: (اختلاف بين قضيتين يقتضي هذا الاختلاف لذاته أن تصدق إحداهما وأن تكذب الأخرى). كما إذا قلت -أخذ المثال الذي جاء به المسلم قدس سره- (كل إنسان حيوان) هذه موجبة، و(لا شيء من الإنسان بحيوان). هنا يصدق أنه يوجد اختلاف بين القضيتين أو لا يوجد اختلاف؟ نريد أن نحدد إذا ما كان تعريف التناقض يصدق على هذا المورد أو لا، لنعرف إذا كانت العلاقة بين القضيتين هي التناقض أو لا. فقالوا: إن هذه الموجبة (كل إنسان حيوان) قضية صادقة؛ لأنه كلما صدق الأخص فلا بد أن يصدق الأعم. وقولنا: (لا شيء من الإنسان بحيوان) هي أيضا قضية كاذبة؛ لأنه لا معنى لأن تفرض الأخص ثم تنفي عنه الأعم؛ لأن صدق الأخص يستلزم صدق الأعم. فنجد أن الموجبة الكلية ها هنا قد صدقت، والسالبة الجزئية قد كذبت، فيصدق أن بين هاتين القضيتين يوجد اختلاف -نعم يوجد اختلاف؛ لأن الأولى موجبة والثانية سالبة- وهذا الاختلاف نشأ عنه أن صدقت إحداهما وأن كذبت الأخرى. فيفترض حينئذ أن يكون هناك تناقض بين الموجبة الكلية وبين السالبة الكلية، مع أنه سوف يأتي معنا أن لا تناقض بين الموجبة الكلية والسالبة الكلية، وإنما التناقض بين الموجبة الكلية والسالبة الجزئية. ولكنك تقول: ولكنه هنا القضيتان لا تجتمعان ولا ترتفعان أيضاً! فنقول: انتفذ من لذلك جاؤوا بقيد (لذاته).
بمعنى أن التناقض وإن كان هو عبارة عن اختلاف ما ينشأ عنه صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، إلا أن صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى لابد أن تكون ناشئة عن ذات الاختلاف لا عن شيء آخر. وهنا الاختلاف أو صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى في قولنا: (كل إنسان حيوان) و(لا شيء من الإنسان بحيوان) لم ينشأ عن ذات الاختلاف، وإنما نشأ عن شيء آخر. يقع الكلام في توضيح ذلك الشيء الآخر الذي نشأ عنه هذا الحوك.
التفت، عندما نقول إن ذات الاختلاف هي التي تقتضي صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، فما معنى أن يكون ذات الاختلاف هو المقتضي؟ أي بمعزل عن الموضوع والمحمول وعن طبيعتهما؟ هذا معنى أن يكون ذات الاختلاف هو الذي سبب صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى. هذه القضية (كل إنسان حيوان) والقضية الثانية (لا شيء من الإنسان بحيوان) لا شك أن بينهما اختلافا، وهو أن الأولى موجبة كلية والثانية سالبة كلية تماماً. طيب، ولا شك في أن هذا الاختلاف نشأ بعده صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى. ولكن يقع السؤال في أن هذا الحكم وهو صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، هل نشأ عن ذات الاختلاف أو لا؟
فنقول: لو كان هذا الحكم ناشئاً عن ذات الاختلاف، للزم أن يترتب هذا الحكم كلما حصل هذا الاختلاف، وفي أي قضية من القضايا. بعبارة ثانية: الاختلاف بين القضيتين هاهنا هو في أن الأولى موجبة كلية والثانية سالبة كلية تماماً، فنقول: لو كان هذا الاختلاف هو الذي سبب صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، لكان معنى هذا أن هذا الاختلاف هو علة هذا الحكم، والعلة كلما وجدت يجب أن ينوجد معلولها، فهذا يعني أنه كلما وجدت موجبة كلية وبعدها سالبة كلية فيجب أن يتحقق هذا الحكم، مع أن هذا الحكم لا يتحقق بين كل موجبة كلية وسالبه كلية، بدليل أنك تقول: (كل حيوان إنسان) و(لا شيء من الحيوان بإنسان)، نجد أن هاتين القضيتين لم يترتب عليهما حكم التناقض لأنهما قد اجتمعا في الكذب أو في الصدق؛ اجتمعا في الكذب (لا شيء من الحيوان بإنسان) هذه فاسدة، و(كل حيوان إنسان) هذه أيضاً فاسدة، فقد كذبتا معاً رغم وجود هذا الاختلاف بينهما. فعلم أن هذا الاختلاف ليس هو الذي سبب حكم التناقض في المثال الأول، لأن هذا الاختلاف -يعني بأن تكون الأولى موجبة كلية والثانية سالبة كلية- لو كان سبب الحكم بصدق إحداهما وكذب الأخرى هو هذا الاختلاف، للزم أن يترتب هذا الحكم في كل قضية فيها هذا الاختلاف إذا الفرض أن هذا الاختلاف هو الذي يقتضي بذاته هذا الحكم، والعلة لا تتخلف معلولاتها.
ولذلك يمكننا أن نصيغ استدلالنا فنقول: لو كان الاختلاف بين الموجب الكلي والسالب الكلي هو الذي يوجب صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، لوجب أن تصدق إحدى القضيتين وأن تكذب الأخرى في كل مورد يكون هناك فيه إيجاب كلي وسلب كلي. ولكننا جئنا بمثال فيه موجب كلي وهي قولنا: (كل حيوان إنسان)، وفيه سالب كلي وهي قولنا: (لا شيء من الحيوان بإنسان)، وقد كذبتا معاً. فقد وجد الاختلاف المذكور ولم ينوجد الحكم، فعلم أن هذا الحكم لم ينشأ من الاختلاف؛ لأنه لو كان ناشئاً من الاختلاف لأوجب أن يتحقق المعلول كلما تحققت علته. فعلم أن هذا الاختلاف في قولنا: (كل إنسان حيوان) وفي قولنا: (لا شيء من الإنسان بحيوان)، هذا الاختلاف بين الإيجاب الكلي والسلب الكلي ليس هو الذي سبب صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى.
إذاً ما هو الذي سبب؟ قال: الحكم هنا ناشئ من شيء آخر غير نفس الاختلاف، وهو أن الموضوع أخص من المحمول. الموضوع إذا كان أخص فكلما صدق وجب أن يصدق الأعم. وهنا في السالبة -كلما عفوا- وإذا صدقت نعم وفي قول (لا شيء من الإنسان بحيوان) جيد صدق الأخص يستلزم صدق الأعم فلا معنى لأن تنفي الأعم عنه، ولذلك كذبت السالبة وصدقت الموجبة. فترتب حكم النقيضين ها هنا ليس بسبب وجود تناقض بين القضايا. ليش؟ لأنه قد أخذ في حد التناقض أن يكون هذا الحكم مسبباً عن ذات الاختلاف، والمراد من ذات الاختلاف أي بمعزل عن طبيعة العلاقة بين الموضوع والمحمول، سواء كان الموضوع هو الأخص أو كان هو الأعم، وسواء كان العموم والخصوص مطلقاً أو من وجه، وسواء كان هناك تساوي أو لا. واضح المنطق؟
ومن هنا زاد المناطقة في تعريف التناقض هذا القيد، وهو: اختلاف بين القضيتين بحيث يكون هذا الاختلاف بذاته -أي بمعزل عن طبيعة العلاقة بين الموضوع والمحمول- هو الذي اقتضى صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، وهذا لا يكون إلا بين الإيجاب الكلي والسلب الجزئي كما سوف يأتي. فسواء كان الموضوع هو الأعم أو كان الموضوع هو الأخص على كل تقدير نجد أن هذا الاختلاف يترتب وبمعزل عن صحة أو بمعزل عن معرفتنا بالموضوعات والمحمولات.
ما من -التفت- الآن مثلاً تقول: (بعض الفلك متحرك)، تمام؟ و(لا شيء من الفلك بمتحرك)، لابد أن تصدق إحدى القضيتين وأن تكذب الأخرى بمعزل حتى لو لم تكن عالماً بطبيعة الموضوع والمحمول، لا تعلم بالعلاقة، لا تعلم بحدود الموضوع والمحمول، يمكنك أن تنتقل من القضية إلى نقيضها عن طريق هذا الاختلاف؛ لأن الاختلاف الذي هو بين القضيتين المتناقضتين هو الذي يقتضي الحكم، وليس الحكم مسبباً عن الموضوع وعن المحمول أو عن طبيعة العلاقة بينهما.
ولذلك حتى تنقض كلام شخص آخر فليس بالضروري أن تفهم معناه، ولكن يكفي أن تلتفت إلى هذا الاختلاف فتحصل عليه -جيد- فتحصل نقيض كلامه، يعني حتى مش حتى تنقضه، يعني حتى ترد عليه، حتى تنقض كلامه يعني حتى تأتي بنقيض كلامه، جيد، فلا تحتاج إلى أن تفهم القضية بشكل صحيح ولا أن تقف على حدود هذه القضية، يكفي أنه إذا كان كلامه على نحو الإيجاب الكلي فليكن كلامك على نحو السلب الجزئي، وإذا كان كلامه على نحو السلب الكلي فليكن كلامك على نحو الإيجاب الجزئي، وهكذا.
فالتناقض بين القضايا عبارة عن اختلاف يكون هذا الاختلاف هو الذي سبب صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى بذلك، ومعنى أن تكون ذاته هي التي اقتضت هذا الصدق وذاك الكذب أي بمعزل عن الموضوع والمحمول وطبيعة العلاقة بينهما.
شروط التناقض
إذا اتضح تعريف التناقض بين القضايا واتضح حده، يقع الكلام في شروط التناقض بين القضايا. والحاصل أن القضيتين لكي تتناقضا فيشترط فيهما أن تتحدا وتشتركا في أمور تسعة، وأن تختلفا في أمور ثلاثة. وهذه الأمور التسعة كانت حقيقة أمورا ثمانية قبل صدر المتألهين قدس سره، ولذلك كانت تسمى في كلماتهم بالوحدات الثمان. ولكن بعد ذلك جاء صدر المتألهين قدس سره وألفت نظر المناطقة إلى ضرورة وجود شرط أو أمر تاسع تشترك فيه القضيتان وإلا لم تتناقضا على ما سوف يأتي بيانه بعد قليل. يقع الكلام في الأمور التي يجب أن تشترك فيها القضيتان المتناقضتان، ثم بعد ذلك نتحدث عن الأمور التي يشترك تخالفها فيها.
طيب، الأمر الأول: قال يجب في القضيتين لكي تتناقضا أن تتحدا في الموضوع، بأن يكون موضوع القضية الأولى -نتحدث عن الموضوع والمحمول يعني- موضوع القضية الأولى عين موضوع القضية الثانية، فتقول: (كل حيوان إنسان) ثم تقول: (بعض الحيوان ليس بإنسان)، فما يؤخذ موضوعاً في القضية الأولى لابد أن يؤخذ موضوعاً في القضية الثانية وإلا لم نحصل على التناقض بنحو ثابت ولذات الاختلاف. التفت لابد أن يكون التناقض لذاته، يعني بحيث يحصل دائماً وأبداً. والدليل على أن قولنا: (العلم نافع والجهل ليس نافعاً) قضيتان تصدقان تصدقان معاً، طيب التفت: إذا قلنا: (العلم نافع والشجاعة ليست نافعة)، هنا يوجد قضيتان إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، إلا أن صدق الأولى وكذب الثانية ليس ناشئاً عن ذات الاختلاف، إذ لو كان ناشئاً عن ذات الاختلاف -يعني الاختلاف في الموضوع- لوجب أن تصدق كل قضية تناقض قضية وتكذب القضية التي تغيرها موضوعاً. هذا واضح المطلق؛ لأن قولنا: (العلم نافع والجهل ليس بنافع) قضيتان صادقتان معاً، وقد تكذبان معاً (الجهل نافع والعلم ليس نافعاً). إذاً لابد من وحدة من اتحادهما في الموضوع.
الشرط الثاني: أن يتتحدا محمولاً، إذ لو اختلف محمول القضيتين لم تتناقضا دائماً، يعني لم يترتب عليهما صدق الأولى وكذب الثانية على نحو الدوام، فلا يكون هناك تناقض أساساً، كما تقول مثلاً: (العلم نافع) و(العلم ليس بضار)، فقد صدقتا معاً؛ لأن المحمول في القضية الأولى هو النافع، والثانية وفي الثانية هو الضرر. وهذا واضح.
طيب، الأمر الثالث: أن يتتحدا زماناً، بأن يكون الزمان الذي يثبت فيه المحمول لموضوعه هو بعينه الزمان الذي تسلب فيه المحمول عن موضوعه في القضية الثانية، وإلا ما هو المانع أن تثبت لي الحركة في الآن الأول وأن تنتفي عني الحركة في الآن الثاني؟ فالقضيتان صادقتان. واضح؟ فالزمان الذي يثبت فيه المحمول لموضوعه في القضية الموجبة يجب أن يكون بعينه الزمان الذي ينتفي المحمول فيه عن موضوعه فيه، حتى تصدق إحداهما وتكذب الأخرى، حتى يمتنع اجتماعهما، لابد أن يكون زمان الإثبات وزمان السلب واحداً. قال: فلا تناقض بين قولنا: (الشمس مشرقة) ونقصد أنها في النهار مشرقة، ثم نقول: (الشمس ليست بمشرقة) ونقصد أنها في الليل ليست بمشرقة. أو لا تناقض بين أن تقول: (زيد ساكن) وتقصد أنه ساكن في الآن الأول، ثم تقول: وزيد متحرك أو ليس بساكن وتقصد في الآن الثاني. وما المانع من ذلك؟ دائماً يصدقان. تمام؟ جيد.
الأمر الرابع أو الشرط الرابع: شروط -يعني- أغلبها واضح وسهل. الشرط الرابع: أن يتتحدا مكاناً، بأن يكون المكان الذي يثبت فيه المحمول لموضوعه عين المكان الذي ينتفي فيه عنه في القضية الثانية. فلا تناقض بين قولنا مثلاً: (الأرض مخصبة) ونقصد أنها مخصبة في الريف يعني في الضيعة، جيد، ثم نقول: (الأرض ليست بمخصبة أو مخصبة) أي ونقصد أنها ليست مخصبة وين؟ في الصحراء مثلاً في البادية، فإنهما يجتمعان حقيقة، جيد؛ لأنك قد أثبت شيئاً لشيء في مكان ونفيته عنه في مكان آخر.
طيب، الشرط الخامس: نعم الشرط الخامس: أن يتتحدا في القوة والفعل. والمراد من القوة ها هنا القابلية قبل التحقق، ومن الفعل -كما عرفنا في القضايا الفعلية المطلقة- الفعلية هي الثبوت الفعلي والتحقق الخارجي، جيد، وبلوغ الشيء حيز الوجود، ولذلك المركبة من المطلقة العامة كنا نسميها وجودية، جيد.
طيب، القوة إذاً المراد منها هي القابلية قبل مرتبة التحقق، كما يقال مثلاً للطفل إنه شاب ولكن بالقوة، وعندما يصبح شاباً يقال إنه صار شاباً بالفعل، وكما يقال للطفل إنه ملتحٍ ولكن بالقوة بمعنى أن له قابلية لكي يلتحي، جيد، ثم إذا حصلت له اللحية فعلاً سمي ملتحياً بالفعل. أو كما في خطابه تعالى مع نبيه صلى الله عليه وآله: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (الزمر: 30)، إذ كيف يكون الخطاب مع ميت؟ إذ ما دام ميتاً -إذ يعني إذا كان ميتاً- فكيف يخاطبه ويقول له إنك ميت؟ والجواب أنها -طبعاً هذا في اللغة يقال- باعتبار الأول والمشاركة عرفة، يعني أنه باعتبار ما سوف يؤول إليه من الحال هو أنه سوف يموت، فمحمد في ذلك الوقت صدق أنه ميت ولكن بالقوة وإن لم يكن ميتاً بالفعل، ولذلك صح أن يخاطبه؛ فلجهة أنه ليس ميتاً بالفعل فصح أن يتوجه إليه الخطاب وصح أن يتوجه إليه التكليف، ولجهة أنه ميت بالقوة صح أن ينعت بأنه ميت.
فلا تناقض بين القضيتين اللتين تؤخذ إحداهما على نحو القابلية وقبل التحقق، والتي تؤخذ الأخرى على نحو التحقق والوقوع. ولذلك فلا تناقض بين (محمد ميت بالقوة) و(محمد ليس بميت بالفعل). (أنا في البيت بالقوة) و(أنا هنا بالفعل) يعني لست في البيت بالفعل، فلا يوجد تناقض؛ لأن الأولى أخذت على نحو القوة، والمراد من القوة هو استعداد الشيء ليبلغ مرتبة التحقق، ولذلك يقال له قوة حتى كان له قوة أي استعداداً وقابلية لأن يصير ذلك الشيء فيما بعد.
يححسن حتى يتضح هذا الشرط أن نقف على هذه المسألة ونشرحها بمثال؛ من المشكلات العلمية التي كانت تطرح فيما سبق بين المناطقة وبين المفكرين: أن الجسم هل يتجزأ إلى أجزاء متناهية أو أنه يتجزأ إلى أجزاء غير متناهية؟
بعبارة ثالثة: إذا أخذنا أي جسم من الأجسام، هذا القلم، هذه الطاولة، هذا الكتاب، أي جسم من الأجسام -والمراد من الجسم ما له طول وعرض وارتفاع يعني ما ينقسم في أبعاده الثلاثة- أي جسم من الأجسام نأخذه فلا أشكال في أنه يقبل القسمة إلى أجزاء، يمكن أن نجزئه الآن إذا جئنا بالآلة القاطعة يمكن أن نجزئ هذه الطاولة إلى جزئين ثم الجزأين إلى جزأين وهكذا. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: إن أجزاء هذه الطاولة أو هذا الجسم -أي جسم كان- هل سوف تصل إلى مرحلة تتناهى فيه التجزئة، أي إننا سوف نصل إلى أجزاء لا يمكن أن تتجزأ، أو أن الأجزاء لا متناهية كل جزء فلا بد أن يتجزأ؟
ومن الواضح أن القول -التفت- بأن الجسم له أجزاء متناهية يناقض قولنا أن الجسم ليس له أجزاء متناهية، فلا يمكن أن يكذبا معاً ولا يمكن أن يصدقا معاً، ولكننا نقع دائماً أو كانوا يقعون دائماً في مشكلة. هي -التفت- أن الجسم أولاً ما هو المراد من الجسم؟ جوهر يقبل الانقسام في أبعاده الثلاثة، شو يعني؟ يعني جوهر له طول وعرض وارتفاع وكل ما له طول وعرض وارتفاع فلا بد أن يقبل القسمة. ولذلك -التفت الآن إذا أعطيتك هذه المسافة، دعنا نضربها بشكل لغزي- التفت: إذا فرضنا أن هذه المسافة كانت عشرة أمتار، وفرضنا أن هنا أرنباً، وأن في نهاية المقصد يوجد جزرة لذلك الأرنب، وأن هذا الأرنب يقفز في كل مرة نصف المسافة المتبقية، فهو في القفزة الأولى كم متر سوف يقفز؟ خمسة. لأن المتبقي له عشرة، تماماً، فنصف المسافة المتبقية هو الخمسة فسوف يقفز خمسة. في المرة الثانية كم سيقفز؟ مترين ونصف. جيد. السؤال: كم قفزة يحتاج هذا الأرنب لكي يصل؟ سوف لا يصل. ليش؟ لأنه ما من -التفت- ما من مسافة إلا وسوف يقطع نصفها، فسوف يبقى النصف، والنصف الآخر سوف لا يقطعه وإنما سوف يقطع نصفه.
هذا يدلنا على أن المسافة لا يمكن أن يتناهى تقسيمها. الآن مثلاً خذ الواحد واقسمه على -يعني في قسمة مستمرة- سوف لا تصل إلى حالة لا تستطيع أن تقسم فيها. الآلة الحاسبة عندما اتضح لنا (Error) هي لم تعد تستطيع، هي لم يوضع في ذاكرتها أن تستوعب هذا العدد من الانقسام، لكن هذا لا معنی أنه لا يقبل القسم. ولذلك قالوا: إن المقدار علامة كونه مقادراً أنه دائماً يقبل القسمة. ولذلك مثلاً خذ الساعة تنقسم إلى ثوانٍ، إلى دقائق، والدقائق إلى ثوانٍ، والثوان إلى أجزاء في الثانية، حتى أجزاء الثانية بالقسمة العقلية يمكن أن نقسمها أو لا؟ مهما تضاءل هذا الجزء يبقى قابلاً للقسمة ولو في الذهن أو لا؟ (0.0001) يقبل القسمة أو لا؟ يقبل القسمة وإن لم يكن عدداً. فالعدد والمقدار والكم والمسافات هذه من شؤونها أن تبقى قابلة للقسمة. والجسم هو ما له طول وعرض وعمق، فلا بد أنه يقبل الانقسام في طوله إلى غير نهاية، وفي عرضه إلى غير نهاية، وفي ارتفاعه إلى غير نهاية. ومن هنا فإن الجسم عندما نجزئه إلى أقسامه وإلى أجزائه فلا بد، إما أن تكون الأجزاء متناهية أو لامنتناهية، وكلاهما ممنوع!
ليش؟ لأن أجزاء الجسم إذا كانت متناهية فهذا يعني أن الجسم سوف يصل في التجزئة إلى أجزاء لا تقبل التقسيم -صحيح؟ هذا معنى أنها لامنتناهية، هذا معنى أن الأجزاء متناهية: أنك سوف تصل إلى جزء لا يمكن أن تقسمه-. ومعنى أنه لا يمكن أن تقسمه أن هذا الجزء ليس جسماً. فكيف يتركب فيرد الإشكال: أنه كيف يتركب الجسم حينئذ من أجزاء؟ كيف يتركب من أجزاء ليست بأجسام؟ بعبارة ثانية: جيد، معنى أن تكون الأجزاء غير متناهية أن هذه الأجزاء لا مقدار لها. وكيف ينشأ من ضم جزء لا مقدار له إلى جزء لا مقدار له جسم له مقدار؟ وأما إذا فرضتم أن الجسم -التفت- أما إذا فرضتم أن الجسم له أجزاء وهذه الأجزاء غير متناهية -ما من جزء إلا ويقبل الإنقسام إلى جزئين- فيرد إشكال أيضاً وهو أن هذا الجسم متناه أو غير متناه، له طول وعرض وارتفاع، فكيف يتركب الجسم المتناهي من أجزاء غير متناهية وأنتم تقولون: ليس الكل إلا عبارة عن عين أجزائه؟ وهذه كانت مشكلة عندهم في اختيار القرار، طبعا هذه المسألة فيها ست أو سبع أقوال بين الفلاسفة، على كل حال في هذا التفصيل.
ولكن الجسم ما دام جسماً فله طول وعرض وارتفاع، وكل من الطول والعرض والارتفاع من الكميات والمقادير فلا بد يقبل القسمة إلى ما لا نهاية. وحينئذ فمعنى أن ينقسم الجسم هو أن ينقسم في طوله وفي عرضه وفي ارتفاعه. الآن هذه الطاولة إذا قسمناها إلى قسمين فهي قسمة في طولها وفي عرضها وفي ارتفاعها، فهي من الطول نقصت كذا، ومن الارتفاع نقصت كذا، وهكذا.
طيب، وحينئذ فما من جسم إلا ويقبل القسمة، ومعنى تقسيم الجسم هو تجزئته، فلا يخلو، إما أن تنتهي تلك الأجزاء إلى درجة نصل إلى جزء لا يتجزأ، فيرد أولاً أن هذا الجزء الذي لا يتجزأ لا يمكن أن يكون مقادراً ولا يمكن أن يكون له مقدار؛ إذ لو كان له مقدار لانقسم في هذا بهذا المقدار. فكيف ينشأ جسم له مقدار من ضم جزء لا مقدار له إلى جزء آخر لا مقدار له؟ ضم جزء لا مقدار له إلى جزء لا مقدار له لا ينتج مقداراً، فكيف يتركب الجسم من أجزاء من هذا القبيل؟ وإن قلتم إن الجسم له أجزاء وهي قابلة للتجزئة دائماً إلى اللانهاية، فيرد عليكم أن هذا الجسم محدود ومتناه؛ لأنه ينتهي في طوله هنا وفي عرضه هناك، وكيف يتركب المتناهي من أجزاء لامنتناهية، وليس الكل إلا عبارة عن عين أجزائه المجتمعة؟
والجواب على ذلك: أن نختار هذا الشق، وهو أن الأجزاء لامنتناهية. عجيب! ولكن مع ذلك صح أن يتركب المتناهي من الأجزاء اللامتناهية. كيف؟ قال: لأن الجسم المتناهي هو المتناهي بالفعل، واللاتناهي هو عدم تناهٍ بالقوة. فنحن ننكر أن يكون هناك جزء لا يتجزأ، ونتلتزم بأن الجسم ينحل إلى أجزاء لامنتناهية. ولكن يلتفت الآن: كل جسم إذا فككته فسوف ينفك إلى جزئين فقط أو ثلاثة فقط أو مليون فقط لا أكثر، سوف يكون متناهياً، ولكن هذا بالفعل. وأما بالقوة -يعني بالقابلية- فإنه لامنتناه، بمعنى أنه ما من جزء إلا ويقبل فيما بعد التجزئة. فالجسم المتناهي بالفعل -شوف- مركب من أجزاء غير متناهية بالقوة. فلا تناقض ولا تناقض بين القوة وبين الفعل؛ إذ يشترط في النقيضين أن يتحدا قوة وفعلاً. ولذلك صح لنا أن نقول -التفت- يمكن للجسم المتناهي أن يتركب من أجزاء غير متناهية مع كون الكل عين أجزائه. ليش؟ نقول: لأن قولنا: (الجسم متناه) أي متناه بالفعل، و(غير متناه) وغير متناه بالقوة. نعم، له قابلية أن نقسمه، ولكن كلما قسمناه فلا بد أن نقسمه إلى أجزاء موجودة بالفعل، متناهية بالفعل، ثم هذه الأجزاء المتناهية بالفعل تقبل أن تنقسم بالقوة إلى ما لا نهاية. ثم إذا أوجدنا آلة حادة تستطيع أن تزيد في التقسيم فهي سوف توجد أجزاء ولكن متناهية بالفعل، ولكن لها قابلية أن تتجزأ فيما بعد، وهكذا. فقولنا: (الجسم المتناهي مركب من أجزاء غير متناهية) لا تناقض فيه، لأنه بمثابة قولنا: (الجسم متناه بالفعل) أو (المتناهي بالفعل مركب من أجزاء غير متناهية القوة)، أما بالفعل فلا بد أن تنتهي التجزئة. شو يعني تنتهي؟ يعني إذا فعلت هذا التقسيم فلا بد أن تنحصر الأجزاء عندك، وكل جزء من هذه الأجزاء يقبل -شوف يقبل، يعني له قوة واستعداد لأن ينقسم إلى أكثر-.
هذا هو الشرط الخامس.
الشرط السادس: قال: أن يتفقا في الكل وفي الجزء. فلا تناقض بين قولنا مثلاً: (العراق مخصب) وتقصد بعضه، وبين قولك: (العراق ليس بمخصب) أي كله. يوجد تناقض أو لا يوجد تناقض؟ لا يوجد تناقض. نعم، إذا قصدت أن العراق كله ليس بمخصب -مش يعني لا شيء من العراق بمخصب تماماً، سالبة جزئية وموجبة كلية- المراد -التفت- ليس المراد من البعض والكل ها هنا ما يكون كيفاً في القضية وسوراً، بل المراد ما يكون دخيلاً في شو في طرف في حيز الموضوع، يعني أنت ماذا تريد؟ أن تخبر بالخصب عن بعض العراق، وتريد أن تنفي الخصب عن كل العراق، تمام؟ فكل العراق يعني العراق من أوله إلى آخره ليس بخصب تماماً، وهذا لا يقال له -هذا يقال له سلب العموم ولا يقال له عموم السلب- القضية السالبة هي التي يكون السلب فيها عاماً أي عموم السلب، أما هنا أنت تسلب العموم، يعني كل العراق إذا أخذته من أوله إلى آخره لا يمكن أن تجده مخصباً من أوله إلى آخره، لكن هذا لا ينافي أنك قد تجد في بعض المناطق مخصبة.
السابع: قال: الشرط أن يتتحدا في الشرط. فلا تناقض بين (الطالب ناجح آخر السنة) إذا قصدت إذا علقت ذلك على الاجتهاد، وبين قولك: (الطالب غير ناجح) إذا علقته على عدم الاجتهاد.
الثامن: الإضافة. الإضافة يعني النسبة. لا تناقض بين أن تقول مثلاً: (زيد أب) و(أنا أب) و(أنا لست أباً) إذا قصدت أنني أب لفلان ولست أباً لفلان، فلا بد أن يضافا وأن يقاسا إلى شيء واحد. فلا تناقض بين (الأربعة نصف) وبين قولنا: (الأربعة ليست بنصف) إذا أضفت النصفية إلى الثمانية، وعدم النصفية إلى العشرة مثلاً. قال أي: بالإضافة إلى الثمانية وبين الأربعة ليست بنصف، أي: بالإضافة إلى العشرة.
وطبعاً لا أعرف إذا كان هذا الشرط ينبغي يدخل تحت الإضافة أو ينبغي عده شرطاً مستقلاً. نقول: يجب أن تتحد القضيتان في المتعلق. في أول درس من هذه الدورة طرحنا عليكم هذه المشكلة في هذا الاستدلال: النتيجة (الطلاق موقوف على النكاح، يكون هناك لا تطلق امرأة لم تنكحها، والنكاح موقوف على رضا الطرفين)، هذه نتيجة فاسدة، وهذا الحكم وإن كان شرعياً ولكن العقل لا يمكن أن يخالف الشرع أو الشارع لا يمكن أن يخالف العقل؛ ليش؟ لان الشارع الأقدس هو واحد من العقلاء بل هو سيد العقلاء، فكيف يخالف حكم العقل؟ تماماً. ولذلك كانت النتيجة المفترضة أن الطلاق موقوف موقوف على رضا الطرفين، وهذا يعني أن الطلاق صار من العقود وليس من الإيقاعات، مع أن الطلاق عندنا ليس موقوفاً على رضا الطرفين، على رضا الطرفين. التفت: المشكلة هنا أننا نغفل كثيراً عن المتعلق. التفت: التوقف -شوف دائماً ضم علم الناس إلى علمي والعلوم متراكمة، لا يمكن أن تفلح في المنطق إذا لم تدرس اللغة، أو ستفلح في اللغة إذا لم تدرس المنطق- التوقف هذا من المفاهيم التي تتعدى والتي لها متعلقات في.
طيب، (الطلاق موقوف على النكاح)، مش عارف شو كاتب فيه على النكاح والنكاح موقوف على رضا الطرفين، افهم لا اريد التوقف -اشرح على الرضا- تقول: رضيت بقضاء الله أو في قضاء الله، تماماً، طيب، (النكاح موقوف على رضا الطرفين)، التفت: على رضا الطرفين، الطرفين بأي شيء؟ النكاح يعني الزواج موقوف على أن يرضى الطرفان بأي شيء؟ بالنكاح، بالنكاح. شوف هذا حذف المتعلق هو الذي أوجد المشكلة، ولذلك شوف النتيجة ماذا تصبح: (الطلاق موقوف على رضا الطرفين في النكاح)، ما المشكلة في هذا الاستدلال؟ هذا لم يجعل الطلاق من العقود، بقي الطلاق من الصيغ ومن الإيقاعات عفواً، وهو موقوف على رضا الطرفين في الـ -بيتجوز كيف؟ بيتجوز كبيرة-.
الإشكال، وهذا واضح تماماً، لابد أن نأخذ هذا المتعلق، ولذلك مثلاً الآن تقول مثلاً أو تأخذ أي قضية وتحذف متعلقها، لابد من الاتحاد في المتعلق اللهم إلا أن يدخل هذا المتعلق تحت المكان والزمان؛ لأن المتعلق دائماً يقدر بمستقر فيمكن أن يندرج تحت المكان.
هذا تمام الكلام في الوحدات الثمان. بقي عندنا شرط أخير أضافه الملا صدرا قدس سره، يأتي إن شاء الله بيانه غدا مع القراءة. والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على سيدنا محمد.
