دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 61
061
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
لا زال الكلام في شروط التوفيق، وقد عرفنا في الدرس السابق أن التناقض بين القضيتين عبارة عن اختلاف أو عبارة عن نحو من أنحاء الاختلاف بينهما، بحيث يقتضي هذا الاختلاف لذاته صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى، بمعزل عن طبيعة الموضوع والمحمول والعلاقة بينهما.
ثم بعد ذلك قلنا إنه يشترط لتحقق التناقض بين القضيتين أن يتفقا في أمور ثمانية، وأن يختلفا في أمور ثلاثة. وقد تعرفنا على شروط الاتفاق الثمانية، بقي عندنا شرط تاسع أضافه صدر المتألهين (قدس سره)، وهو أن يكون الحمل واحداً في القضيتين، أو فقل: يشترط لتحقق التناقض بين القضيتين وحدة الحمل بينهما؛ بمعنى أنه إذا كان الحمل في إحدى القضيتين حملاً أولياً، فلابد أن يكون الحمل في القضية الثانية حملاً أولياً. وكذا إذا كان الحمل شايعاً فكذا ينبغي أن يكون شايعاً في القضية الثانية، إذ لو لم يتحد الحمل بين القضيتين فقد تصدقان معاً وقد تكذبان معاً، وحكم النقيضين أن صدق إحدى القضيتين يستلزم كذب الأخرى.
بيان ذلك: نحن في الجزء الأول من هذا الكتاب قد قسمنا الحمل إلى قسمين: إلى حمل أولي، وإلى حمل شايع صناعي. وهذا التقسيم وهذان الاصطلاحان هما يرجعان أيضاً إلى اصطلاحين متعددين، بمعنى أن تقسيم الحمل إلى أولي وشائع صناعي قد تعرضنا له في الجزء الأول من هذا الكتاب مرتين، وقد شرحنا هذين الاصطلاحين في كل مرة من هاتين بشرح مختلف؛ وذلك لأن هذين الاصطلاحين تارة يقعان وصفاً لموضوع القضية، وتارة ثانية يقعان وصفاً للمحمول والنسبة.
فعندما نأخذ هذين الاصطلاحين وصفين لموضوع القضية، يسمى البحث حينئذ ببحث العنوان والمعنون. وهناك كنا نقول إن الحكم في القضية الحملية تارة يكون حكماً على مفهوم الموضوع، وتارة يكون حكماً على مصداقه؛ فإن كان الحكم على المفهوم بما هو هو، سمي هذا الحمل حملاً أولياً، وإن كان الحكم على ذلك المفهوم من حيث كونه حاكياً عن مصداقه، فهو حكم على المصداق، فهو حمل شايع صناعي. ومثلنا لذلك بقولنا: الجزئي كلي، أو فقل: الجزء ليس بجزء، والجزء جزئي. قلنا القضيتان صادقتان، ليش؟ لأننا إذا نظرنا إلى مفهوم الجزء -ما هو مفهوم الجزء؟ ما يمتنع صدقه على كثير- هذا المفهوم، وهو ما يمتنع صدقه على كثير، هذا التعريف يصدق على ذلك الجزء الأول وعلى الجزء الثاني وعلى الجزء الثالث.
فهذا المفهوم صار بحيث ينطبق على كثيرين، فالحكم على المفهوم عندما نريد أن نحكم على مفهوم الجزئي نجد أن مفهوم الجزئي، وهو هذا التعريف، يعني ما نفهمه من لفظ الجزئي، هذا التعريف ينطبق على كثيرين، فالجزئي ليس بجزئي بالحمل الأولي. وسمي هذا الحمل حملاً أولياً لأننا عندما نحكم، نحكم على المفاهيم أولاً، ثم نسري ذلك الحكم على مصاديقه، وهنا أول ما نحكم بشيء نحكم به على المفهوم، ولكن لم يكن لنا نظر إلى المصداق.
وأما إذا نظرنا إلى مصداق الجزئي، وهو أنا مثلاً أو فلان، فهذا لا ينطبق على كثيرين، فيقال: الجزئي ليس بجزئي. وهذا الاصطلاح للحمل الأولي وللحمل الشائع، هذا اصطلاح يقع وصفاً لأي شيء؟ يقع وصفاً للموضوع؛ لأنك تارة تحكم على مفهوم الموضوع، وتارة تحكم على مصداقه، فكأنك قلت من أول الأمر: مفهوم الجزء ليس بجزئي، ثم قلت بعد ذلك: مصداق الجزء جزئي، مصداق الجزء يعني زيد جزئي.
إذا اتضح ذلك، فإن وحدة الحمل التي أشار إليها صدر المتألهين (قدس سره) لا ربط لها بهذا الاصطلاح الأول للحمل الذي يقع وصفاً للموضوع. ليش؟ نقول: لأنه عندما يختلف الحمل الذي هو وصف للموضوع فقد اختلف نفس الموضوع، وقد أشرنا في الشرائط الثمانية إلى أن الموضوع يجب أن يكون واحداً في القضيتين المتناقضتين، فقولنا: الجزء جزء، والجزء ليس بجزئي، هو كأنما قلنا من أول الأمر: مفهوم الجزء ليس بجزئي، ومصداق الجزئي جزئي، فموضوع القضيتين مختلف.
ومن هنا، إذا كان النظر إلى وحدة الحمل نظراً إلى الحمل الذي يقع وصفاً للموضوع، فنحن بغنى عن هذا الاشتراط، لأنه موجود في ضمن اشتراط وحدة الموضوع. ولذلك نجد أن الماتن (قدس سره) عندما جاء بمثال للحمل الأولي وللحمل الشائع لم يأت بأمثلة لهذا الاصطلاح، وإنما جاء بأمثلة للحمل الذي يقع وصفاً للمحمول والنسبة.
وهذا البحث قد تعرضنا له في باب الكليات الخمسة، عندما قلنا إن الحمل كما يقتضي جهة اتحاد، فكذلك يقتضي جهة تغاير. وحينئذ فإما أن يتغاير الموضوع والمحمول مفهوماً فلا بد أن يتحدا مصداقاً، وهذا هو الحمل الشايع. وإما أن يتحدا مفهوماً فيتحدا مصداقاً أيضاً، وحينئذ فلابد من تغاير، فليكن هذا تغايراً اعتبارياً. فقلنا إن الحمل الأولي هو عبارة عن الاتحاد المفهومي والمصداقي والتغاير الاعتباري، والحمل الشايع عبارة عن اتحاد في المصداق وتغاير في المفهوم.
وقلنا إن الحمل الأولي ها هنا سمي حملاً أولياً، لأن الذات تحمل على نفسها. وحينئذ فإذا أردت مثالاً للحمل الأولي بهذا المعنى، فما هو مثال الجزء الجزئي؟ لأنك، ما هو المراد من الحمل الأولي ها هنا؟ حمل الشيء على نفسه، أو كما يقال: الإنسان حيوان ناطق، التغاير مجرد مغايرة اعتبارية في الإجمال والتفصيل، أو الإنسان إنسان، أو الجزء جزء. فالتفت، مثال الحمل الأولي من الاصطلاح الثاني الذي يقع وصفاً للنسبة ما هو؟ الجزء جزئي.
مثال الحمل الأولي الذي يقع الحمل وصفاً للموضوع: الجزء ليس بجزئي؛ لأن الحمل الأولي هناك بمعنى الحكم على المفهوم، ومفهوم الجزء ما هو؟ مفهوم الجزء ليس بجزئي، لأنه ينطبق على الجزء هذا وعلى الجزء ذاك وإلى آخره، إذاً هذا هو الحمل الأولي.
والحمل الشائع عبارة عن وجود اتحاد مصداقي مع تغاير مفهومي. نتفق الآن؟ إذا أخذنا الحمل الذي يقع وصفاً للموضوع فالحمل الأولي بأي معنى؟ بمعنى الحكم على المفهوم، ومفهوم الجزء ينطبق على كثيرين أو لا؟ نفس المفهوم ينطبق، فالجزئي ليس بجزئي. وحينئذ الحمل الشائع وهو الحكم على المصداق، مصداق الجزئي يعني أنا، أنا لا أنطبق على كثيرين، لا معنى أصلاً للانطباق على كثيرين، فيقال: الجزئي لا ينطبق على كثيرين، يعني جزئي.
أما إذا أخذنا الحمل وصفاً للنسبة وقلنا حينئذ إن كل محمول حتى ينسب إلى موضوعه، فلا بد أن يتحد معه نحو اتحاد وأن يختلف معه نحو اختلاف؛ وجوب الاتحاد ليصح الحمل ولا يحمل المباين على مباينه، وجوب الاختلاف حتى تتحقق الاثنينية، إذ لا يحمل الشيء على نفسه. ولذلك قلنا: إذاً فالالاتحاد بين الشيئين إن كان اتحاداً بينهما في المفهوم، لأن كان مفهوم أحدهما عين الآخر، فلا بد أن يكون هناك اتحاد بينهما في المصداق؛ لأن المفهوم دائماً يحكي عن مصداقه، فمع وحدة المفهوم يلزم أن يكون المصداق واحداً. إذاً التغاير أين؟ قالوا: لا بد من تغاير ولو اعتباري، ولو كان التغاير اعتبارياً، وسمي هذا الحمل بالحمل الأولي، حمل الذاتي الأول، لأنه حمل الذاتي على نفسها، والشيء أول ما يحمل يحمل عليه ذاته وذاتيته ثم تحمل عليه فيما بعد العوارض.
طيب، هذا الحمل الأولي ماذا كان مثاله في الجزء الأول؟ الإنسان حيوان ناطق، أو فاطمة هي فاطمة، أو الإنسان إنسان، عندما تعامله أنت لا على مقتضى إنسانيته تماماً. إذاً فدائماً هو حمل الشيء على نفسه حقيقة، فإذا كان الموضوع هو الجزء فماذا سوف يكون المحصل؟ حمل الشيء على نفسه، جزء، هذا هو الحمل الأولي.
طيب، الحمل الشائع، انتبه، ما هو المراد من الحمل الشائع؟ قلنا إن الحمل الشائع هو عبارة عن تغاير في المفهوم ولكن مع اتحاد في المصداق، كما تقول: زيد قائم، فالذي تفهمه أنت من سماع لفظ زيد مغاير للذي نفهمه من سماع لفظ قائم؛ زيد يدل على الذات، وقائم يدل على الذات المتصفة بهذا الوصف، فيوجد تغاير بينهما في المفهوم.
إلا أن هذين المفهومين المتغايرين في الخارج ليسا إلا عبارة عن مصداق واحد، فقد اتحد المفهومان في مصداق واحد؛ لأنك في الخارج لا تجد زيداً على حدة ثم تجد قائماً على حدة، وإنما هذا الذي هو في الخارج زيد وبنفسه قائم، ولكن أنت نظرت إليه تارة فانتزعت عنه مفهوم زيد، وتارة ثانية نظرت إليه وإلى حالته وإلى وصفه فانتزعت عنه مفهوم القيام.
فالحمل الشائع ما هو مفاده في الموجبة؟ في الموجبة ماذا يفيد؟ الاتحاد المصداقي، والسالبة سوف تكون عبارة عن سلب الاتحاد المصداقي، تمام؟ جيد. وحينئذ فنقول: إذا نظرنا إلى المصداق فنحن نسلب الاتحاد المصداقي بين الجزئي وبين نفسه، لا يمكن أن يكون هناك اتحاد مصداقي بين الشيء ونفسه، ليش؟ لأنه ما معنى الاتحاد المصداقي؟ هو أن شيئين -انتبه- أن شيئين اثنين قد اتحدا، والشيء ونفسه لا يمكن أن يتحدا، وإنما هما شيء واحد.
بعبارة ثانية، هناك فرق بين الوحدة وبين الاتحاد، تمام؟ والمفهوم لا معنى لأن يتحد مع نفسه؛ لأن الاتحاد إنما يقال عند التغاير، والجزء ونفسه لا يوجد تغاير بينهما أحدهما عين الآخر، ولذلك في الحمل الشايع أنت ماذا تقول؟ الجزء ليس بجزئي، بمعنى أنه لا يوجد اتحاد مصداقي بين الشيء ونفسه، بل يوجد وحدة مصداقية. شو يعني لا يوجد اتحاد مصداقي؟ يعني متغايران مصداقاً؟ ليس بالضرورة، لا يوجد اتحاد مصداقي لأنه لا اثنينية، فيوجد وحدة مصداقية، فصار بالحمل الشايع يقال: الجزئي ليس بجزئي، تمام؟
جيد، بعبارة ثانية -يعني ممكن أن نكثر الأساليب- الآن الحمل الأولي ما هو؟ حمل الشيء على نفسه، تمام؟ فبالحمل الشايع لا يمكنك أن تحمل الشيء على نفسه، فهذا الذي حملته في الحمل الأول لم يعد بإمكانك أن تحمله فتقول: ليس بجزئي؛ لأنك سلبته عنك، فصار الجزئي جزئي بالحمل الأولي الذي هو وصف للنسبة، وإن كان الجزئي ليس بجزئي بالحمل الأولي الذي هو وصف للموضوع.
إذا اتضح ذلك، فصدر المتألهين (قدس سره) عندما أشار إلى ضرورة وحدة الحمل، أراد من وحدة الحمل الحمل الذي يقع وصفاً للنسبة. أما الحمل الذي يقع وصفاً للموضوع، فإن كان، فهو وإن كانت وحدته ضرورية لأجل تحقيق التناقض، إلا أن هذا مرجعه إلى أي شيء؟ مرجعه إلى وحدة الموضوع؛ لأنك عندما تقول: الجزء ليس بجزء، كأنك حكمت على مفهوم الجزء، فكأن الموضوع هو مفهوم الجزء، وعندما قلت: الجزء جزء، فكأنك حكمت على مصداق الجزء، فقلت: مصداق الجزء جزئي، فقد تغير الموضوع، ولذلك الماتن لم يتعرض إلى أمثلة لهذا النحو من أنحاء الحمل، وإنما جاء بأمثلة الحمل الذي هو وصف للنسبة، تمام؟ جيد.
أما ضرورة هذا الاشتراط فواضحة، لأن قولنا: الجزء جزئي، والجزء ليس بجزئي، قضيتان صادقتان معاً، وقد تكذبان معاً، كما إذا قلت: الجزء جزء بالحمل الشايع، والجزء ليس بالجزء بالحمل الأولي وأردت طبعاً الحمل الذي هو وصف بالنسبة، فقد تصدقان معاً، وقد تكذبان معاً، وشرط التناقض أن يكون صدق إحدى القضيتين مستلزماً لكذب الأخرى. هذا تمام الكلام في شروط الاتفاق.
شروط الاختلاف في التناقض
وأما الاختلاف، فالقضيتان المتناقضتان يجب أن تختلفا في أمور ثلاثة:
1. يجب أن تختلفا كماً بأن تكون إحداهما كُلّيّة والأخرى جزئيّة.
2. ويجب أن تختلفا كيفاً بأن تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة.
ليش؟ وذلك لأنهما إذا اتفقتا كماً، فإن كانتا كليتين فيمكن أن تكذبا معاً، وإن كانتا جزئيتين فيمكن أن تصدقا معاً. وإذا اختلفتا كيفاً فيمكن أن تصدقا وأن تكذبا معاً.
بيان ذلك: أما إذا فرضنا اتفاقهما في الكيف بأن تكونا موجبتين أو سالبتين، كما تقول مثلاً: كل إنسان ناطق وبعض الإنسان ناطق، فهاتان قضيتان صادقتان معاً. إذا نحن قلنا إذا اتفقتا في الكيف -نعم، جيد- بأن كانتا موجبتين أو كانتا سالبتين، تقول: لا شيء من الإنسان بحجر وبعض الإنسان ليس بحجر، إلا القضيتان صادقتان، فلا يمكن حينئذ أن يكون مثل هذا الاختلاف بحيث يقتضي لذاته صدق إحدى القضيتين وكذب الأخرى. حتى لو تحقق الصدق والكذب في قضية في مثال آخر يعني، كما إذا قلنا مثلاً: كل حيوان إنسان وبعض الحيوان إنسان، هنا إحدى القضيتين صادقة والأخرى كاذبة، إلا أن هذا الاختلاف ليس لذاته، بدليل أنه إذا تغير الموضوع أو المحمول أو الطبيعة أو النسبة بينهما فسوف يتغير الحكم.
جيد، إذاً عندنا جملة من الصور:
الصورة الأولى: أن يتفقا في الكيف ويختلفان في الكم، بأن تكون القضيتان موجبتين أو سالبتين، ويكون هناك اختلاف بينهما في الكلية والجزئية، ومثل هذا النحو من الاختلاف لا يكفي لتحقق التناقض، لأن القضيتين قد تصدقان معاً وقد تكذبان معاً. تصدقان معاً كما إذا قلنا: كل إنسان ناطق وبعض الإنسان ناطق. تكذبان معاً كما إذا قلنا: كل إنسان حجر وبعض الإنسان حجر، كلتا القضيتين كاذبتان. هذه الصورة الأولى.
الصورة الثانية: أن يتفقا في الكم ويختلفان في الكيف. وهذه الصورة تنحل إلى صورتين؛ لأنهما عندما يتفقان في الكم، تارة تكون القضيتان كليتين، وتارة تكون القضيتان جزئيتين.
أما إذا كانتا كليتين، يعني واحدة موجبة والثانية سالبة وكلتا القضيتين كليتان، فحينئذ هاتان القضيتان لا يمكن أن تصدقا معاً، ولكن يمكن أن تكذبا معاً، كما تقول: كل حيوان إنسان ولا شيء من الحيوان بإنسان. شوف الأولى موجبة والثانية سالبة، كل حيوان إنسان، ولا شيء من الحيوان بإنسان، والثانية سالبة وكلاهما كليتان، لا يمكن -التفت- لا يمكن أن تصدقا معاً؛ لأن القضية الأولى تثبت المحمول لكل فرد من أفراد الموضوع، والثانية تسلب المحمول عن كل فرد من أفراد الموضوع، فأي فرد من هذه الأفراد سوف تأخذه لا إشكال، إما أن يلحقه الحكم أو أن يسلب عنه، فلا يمكن حقيقة أن تصدقا معاً، ولكن يمكن أن تكذبا معاً، كما إذا كان المحمول ثابتاً لبعض أفراد الموضوع فتكذب السالبة الكلية، وكان المحمول مسلوباً عن البعض الآخر من أفراد الموضوع فتكذب الموجبة الكلية. جيد؟ فإن بعض الحيوان إنسان، وبعض الحيوان ليس بإنسان.
الصورة الثالثة: أن يختلفا في الكيف، أن تكون الأولى موجبة والثانية سالبة، ويتفقان في الكم وتكونان جزئيتين، فهاتان القضيتان لا يمكن أن تكذبا معاً ولكن قد تصدقا معاً، كما إذا قلت: بعض الحيوان إنسان وبعض الحيوان ليس بإنسان، فهاتان القضيتان صدقتا معاً؛ لأن بعض الحيوان الذي هو إنسان هو زيد وعمرو وبكر، وبعض الحيوان الذي ليس بإنسان هو عبارة عن هذا الفرس وذاك الفيل إلى آخره، فقد صدقتا معاً، وإن كان يستحيل أن تكذبا معاً، لأن الفرد الواحد إما أن يلحقه أو لا يلحقه المحمول.
وبالجملة، فالتناقض بين القضيتين هو الاختلاف الذي يترتب عليه استحالة الصدق معاً واستحالة الكذب معاً. فإذا ما ترتب على قضيتين استحالة صدقهما فقط أو استحالة كذبهما فقط فهذا لا يحقق التناقض، وعندما يكون هناك اختلاف في الكم فقط أو في الكيف فقط لا يتحقق هذا النحو. ولذلك نقول إنه يشترط في القضيتين لكي تتناقضا أن تختلفا كماً وأن تختلفا كيفاً، فالذي ينقض الموجب الكلي حينئذ هو السالب الجزئي، والذي ينقض السالب الكلي هو الموجب الجزئي، وهكذا.
بقي عندنا نحو الاختلاف الثالث، قلنا: اختلاف في أمور ثلاثة؛ الأول: الاختلاف في الكم، الثاني: الاختلاف في الكيف، الثالث: وهو الاختلاف في الجهات. وهذا إنما يكون في القضايا الموجهة خاصة. وقد تقدم معنا في بحث الموجهات أن قولنا: كل إنسان متحرك بالفعل، يجتمع مع قولنا: لا شيء من الإنسان بمتحرك بالفعل، وليس ذلك إلا لأن الجهة بينهما واحدة، وذلك لأن الفعلية أو القضية المطلقة الفعلية -لا تسمى مطلقة فعلية، تسمى مطلقة عامة، صحيح؟- لأن القضية المطلقة العامة غاية ما تفيده هو إثبات المحمول لموضوعه في آن من الآنات، أما سائر الآنات الأخرى فمسكوت عنه، فلا مانع من أن ينفك هذا المحمول عن موضوعه في آن آخر من تلك الآنات الباقية.
وحينئذ فيجتمع قولنا: كل إنسان متحرك بالفعل مع قولنا: لا شيء من الإنسان بمتحرك بالفعل؛ لأن الأولى غاية ما تفيده هو ثبوت التحرك للإنسان في آن من آنات الأزمنة، ولنفترضه الآن الأول. والقضية الثانية غاية ما تفيده هو سلب التحرك عن الإنسان في آن من الآنات وفي زمن من الأزمنة، ولنفترضه الآن الثاني، ولا مانع في أن يكون الإنسان متحركاً في آن وغير متحرك في آن آخر.
ولذلك فإن الاختلاف في الجهة ضروري ها هنا لكي يحقق التناقض بين القضيتين، إلا أننا تارة نعثر على نقيض القضية الموجهة بشكل مباشر، بأن تكون هناك جهة تنقض جهة بطريق مباشر، بأن تكون إحدى الجهتين هي الإيجاب وتكون الجهة الأخرى هي سلب الجهة الأولى. وتارة لا نعثر على نقيض الجهة بشكل مباشر وإنما نعثر على مصداق النقيض، نعثر على لازم النقيض بطريق غير مباشر.
مثال التناقض المباشر بين جهتين: كالتناقض بين الممكن والضرورية. عجيب! الآن ارجعوا إلى ما كنا وضعناه على الهاتف، قلنا الممكنة، شوف، تناقض الضرورية. وقد اعترض آنذاك: كيف تناقض الممكن الضرورية؟ فإن الممكن أعم القضايا كما ذكر الماتن (قدس سره)، فالإمكان أعم من الوقوع، يعني أعم من الفعلية، والفعلية أعم من الدوام، والدوام أعم من من؟ من الضرورة. وإذا صدق أن ألف أعم من باء وباء أعم من جيم وجيم أعم من دال فألف أعم من دال، لأن الأعم من الأعم أعم من ذلك الأعم، فالممكنة كيف تنقض الضرورية وهي أعم منها؟
والجواب: أن الممكنة أعم من الضرورية عند اتفاقهما في الكيف، فعندما تكون الأولى موجبة والثانية كذلك فيوجد عموم وخصوص بينهما. أما عند اختلافهما في الكيف فالممكنة تناقض الضروريات. ليش؟ ألا تعرف الممكنة موجبة: كل إنسان موجود بالإمكان. أعطني ضرورية سالبة: لا شيء من الإنسان موجود بالضرورة.
الآن تعال نشوف إذا أخذت كلتا القضيتين على نحو الإيجاب أو على نحو السلب فنعم يكون هناك عموم وخصوص بينهما، ولكن نحن نأخذ الأولى موجبة والثانية سالبة، لأن من شروط التناقض بين القضيتين اختلافهما في الكيف -طبعا يجب الاختلاف في الكم أيضاً، أنا هنا لم أوجد اختلافا في الكم ولكن لا أحتاجه الآن، تمام- جيد.
كل إنسان موجود بالإمكان العام. الإمكان العام ما هو معناه؟ سلب ضرورة الطرف المقابل. الآن الطرف المذكور ما هو؟ الموجود. الطرف المقابل ما هو؟ العدم. فأنت في هذه القضية تقول: إن عدمه ليس ضرورياً، فأنت تسلب الضرورة عن العدم. وهنا في قولك: لا شيء من الإنسان بالضرورة، لا شيء من الإنسان موجود بالضرورة، فأنت تقول -التفت، ما معنى لا شيء من الإنسان موجود بالضرورة؟- يعني ذات الإنسان تقتضي أي شيء؟ العدم، تقتضي العدم. كما أنك إذا قلت: واجب الوجود موجود بالضرورة، شو يعني؟ يعني ذاته تقتضي الوجود. شريك البارئ معدوم بالضرورة، شو يعني معدوم؟ يعني غير موجود، تقتضي العدم، إيه. يعني معنى هذه القضية حينئذ أن ذات الإنسان تقتضي العدم، شو يعني تقتضي العدم؟ يعني العدم ضروري. نعم هذه القضية سالبة قضية كاذبة، ونحن نريد أن نحقق تناقضاً بين القضايا بحيث تصدق إحداهما فقط وتكذب الأخرى.
جيد، ولذلك التفت، هذه مفادها أن العدم ضروري، وهذه مفادها أن العدم ليس ضرورياً، فيوجد تناقض صريح ومباشر بين القضيتين وبين الجهتين، ولذلك قيل إن الممكن تناقض ضرورية. نعم، متى؟ عند الاختلاف في الكيف وفي الكم أيضاً، جيد. وأما عند الاتفاق في الكيف فيوجد عموم وخصوص بينهما. هذا مثال للتناقض بين الجهتين، وهذا التناقض بين الجهتين تناقض صريح، لأنه ما معنى الضرورية؟ هي الضرورة، وما معنى الإمكان العام؟ سلب الضرورة. جيد؟ فالتفت، نعم تقول: ولكن هو سلب لضرورة الطرف المقابل. نقول: نعم، ولكن الضروري عندما يختلف كيفها سوف تنظر إلى نفس ذلك المقابل.
طيب، هذا تناقض صريح بين جهتين، بين جهة الدوام، بين جهة الضرورة وبين جهة الإمكان العام. وفي بعض الأحيان قد لا يكون هناك جهة صريحة في نقضها لجهة أخرى، ولكننا نتمسك حينئذ بلازم النقيض. الآن الضرورة ماذا كان مفادها؟ هو ضرورة ثبوت المحمول لموضوعه، فنقيض هذه الضرورة ما هو؟ هو سلب الضرورة، والإمكان العام ليس إلا بمعنى سلب الضرورة، ولذلك كان هذا التناقض تناقضاً صريحاً بين الجهتين.
وأما إذا أخذنا الدائمة المطلقة، الدائمة المطلقة ماذا تفيد؟ تفيد دوام ثبوت المحمول لموضوعه ما دام ذات الموضوع موجود، فهي تدل على تفيد الدوام، ونقيض الدوام ما هو؟ عبارة عن سلب الدوام، نقيض كل شيء مطلقا رافعه، تمام؟ التفت، لا ليس مطلقاً، نقيض الدوام سلب الدوام، انتهى. ولكن لا يوجد عندنا جهات تفيد سلب الدوام. صحيح؟ جيد. نعم، الدوام الفعلية لا تفيد، ليس معناها سلب الدوام، مضبوط، تمام؟ جيد.
نقيض الدوام هو حقيقة اللاًدوام، ولكن لا يوجد عندنا قضية موجهة تفيد من أول الأمر سلب الدوام للمحمول على الموضوع، نعم. لما كان الدوام بحيث يكفي في رفعه سلب المحمول عن موضوعه، شوف ولو في آن من الآنات، صار هذا السلب في آن من الآنات كافياً لرفع الدوام أو لا؟ كافياً لرفع الدوام. والقضية الفعلية يعني القضية المطلقة العامة، ماذا تفيد؟ تفيد سلب المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنات، فعدت هذه القضية من مصاديق اللاًدوام؛ لأن هذه القضية لا تدل على اللاًدوام، هذه نعم تحقق اللاًدوام، ترفع الدوام، جيد؟
واضح؟ لأن هذه القضية أقصى ما تفيد هو سلب المحمول عن موضوعه في آن من الآنات، واللاًدوام يتحقق بانتفاء المحمول عن موضوعه في آن من الآنات، ويتحقق بانتفاء المحمول عن موضوعه في كل الآنات أيضاً، فلهما مصاديق متعددة. فيقال إن القضية الفعلية، يعني المطلقة العامة السالبة، لما كانت تفيد سلب المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنات، وكان هذا القدر كافياً لرفع الدوام، فهو من مصاديق النقيض؛ لأن نقيض الدوام ما هو؟ اللاًدوام، فالمطلقة العامة صارت من مصاديق اللاًدوام، من مصاديق النقيض.
وإذا صدق على المطلقة أنها مصداق للنقيض، فقد صارت نقيضاً للدوام أو كافية لرفع الدوام. ولذلك قيل إن المطلقة العامة تناقض الدائمة. ولا يرد أن الفعلية أعم من الدوام، نقول: لأن الفعلية أعم من الدوام عندما تتفق القضيتان في الكيف، أما مع اختلافهما في الكيف فيتحقق التناقض بينهما. ولكن يقال إن القضية المطلقة العامة، يعني القضية الفعلية، ليست نقيضاً صريحاً للدوام، لأن الدوام حقيقة يرفع بغيرها، جيد؟
وإنما هي لازم للنقيض؛ لأن نقيض الدوام ما هو؟ هو اللاًدوام، وليس عندنا جهة تفيد اللاًدوام، كما أن الإمكان العام كان يفيد سلب الضرورة، ولكن اللاًدوام يعني رفع الدوام يكفي في تحققه سلب المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآن، فصارت المطلقة العامة نقيضاً للدائمة. وهكذا سائر القضايا، والماتن (قدس سره) لم يتعرض حقيقة لطبيعة النسبة بين الجهات، وإنما أشار إلى ضرورة الاختلاف بين الجهات، وترك ذلك إلى الكتب المطولة.
هذا تمام الكلام في بحث التناقض، وحكم القضيتين المتناقضتين أنهما لا تصدقان معاً ولا تكذبان معاً. وبهذا نكون قد وقفنا على العلاقة الأولى وعلى النسبة الأولى بين القضيتين اللتين تختلفان في الكم وفي الكيف. بعد ذلك سوف نتعرض إلى النسب والعلاقات بين القضيتين اللتين تختلفان في الكم فقط أو اللتين تختلفان في الكيف فقط وتتفقان في الكم، وإذا اتفقتا في الكم فهل تتفقان كلية أو تتفقان جزئية؟ سوف نتعرض إلى النسب بين هذه القضايا. الكلام صار سهلاً، ولكن نقرأ هذا المقدار.
أحكام القضايا
قال (قدس سره): الفصل الثاني في أحكام القضايا أو النسب بينها: «كثيراً ما يعاني الباحث مشقة في البرهان على مطلوبه مباشرة، بل قد يمتنع عليه ذلك أحياناً، فيلتجئ إلى البرهان على قضية أخرى لها نسبة مع القضية المطلوبة ليقارنها بها. المعلومات الموجودة في الخزانة لا تثبت لي موجبة جزئية، ولكنها تبين بطلان السالبة الكلية مثلاً، فأتمسك حينئذ ببطلان السالبة الكلية لإثبات نقيضها وهو الإيجاب الجزئي. فقد يحصل له من العلم بصدق القضية المبرهن عليها العلم بكذب القضية المطلوبة أو بالعكس، وذلك إذا كان هناك تلازم بين صدق إحداهما وكذب الأخرى.
وقد يحصل له العلم بصدق القضية المبرهن عليها العلم بصدق القضية المطلوبة، ليس بالضرورة فقط أن ينتقل من صدق القضية إلى كذبها هذا في التناقض، ولكن في نسب أخرى سوف تأتي ينتقل من صدق قضية إلى صدق قضية أخرى، أو من كذبها إلى كذبها، أو من العلم بكذب الأولى العلم بكذب الثانية، وذلك إذا كان صدق الأولى يستلزم صدق الثانية أو كان كذبها يستلزم كذبها.
فلا بد للمنطقي قبل الشروع في مباحث الاستدلال، وبعد إلمامه بجملة من القضايا أن يعرف النسب بينها حتى يستطيع أن يبرهن على مطلوبه أحياناً من طريق البرهنة على قضية أخرى لها نسبتها مع القضية المطلوبة، فينتقل ذهنه من القضية المبرهن على صدقها أو كذبها إلى صدق أو كذب القضية التي يحاول تحصيل العلم بها. والمباحث التي تعرف بها النسب بين القضايا هي مباحث التناقض والعكس المستوي وعكس النقيض وملحقاتها».
طبعاً ملحقاتها شو يعني؟ يعني القضايا المتضادة والقضايا المتداخلة والقضايا الداخلة تحت الضدين، وسوف تأتي إن شاء الله، تسمى أحكام القضايا، ونحن نشرع إن شاء الله تعالى في هذه المباحث على الترتيب المتقدم.
التناقض
قلنا في التمهيد إن كثيراً ما تمس الحاجة إلى الاستدلال على قضية ليست هي نفس القضية المطلوبة، ولكن العلم بكذبها يلزمه العلم بصدق القضية المطلوبة أو بالعكس، عندما يكون صدق إحداهما يستلزم كذب الأخرى. والقضيتان اللتان لهما هذه الصفة هما القضيتان المتناقضتان؛ فإذا أردت مثلاً أن تبرهن على صدق القضية (الروح موجودة)، مع فرض أنك لا تتمكن على ذلك مباشرة، فيكفي أن تبرهن على كذب نقيضها وهو (الروح ليست موجودة)، فإذا علمت كذب هذا النقيض لابد أن تعلم صدق الأولى، لأن النقيضين لا يكذبان معاً. وإذا برهنت على صدق النقيض لابد أن تعلم كذب الأولى، لأن النقيضين لا يصدقان معاً.
وربما يظن أن معرفة نقيض القضية أمر ظاهر كمعرفة نقائض المفردات، كالإنسان واللا إنسان، في المفردات هذا سهل، نقيض كل شيء رفعه. ولكن، عفواً، كالإنسان واللا إنسان التي يكفي فيها الاختلاف بالإيجاب والسلب. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، إذ يجوز أن تكون الموجبة والسالبة صادقتين معاً مثل: (بعض الحيوان إنسان) و(بعض الحيوان ليس بإنسان)، ويجوز أن تكونا كاذبتين معاً مثل: (كل حيوان إنسان) و(لا شيء من الحيوان بإنسان). وعليه، لا غنى للباحث عن الرجوع إلى قواعد التناقض المذكورة في علم المنطق لتشخيص نقيض كل قضية.
تعريف التناقض
قد عرفت فيما سبق المقصود من التناقض الذي هو أحد أقسام التقابل، ولنضعه هنا بعبارة جامعة فنية في خصوص القضايا -يعني أراد أن يعرف تعريفا حدياً- فنقول: تناقض القضايا -شوف- اختلاف في القضيتين، هذا بمثابة الجنس؛ لأنه سوف يأتي أنه هذا الجنس موجود في كل القضايا المختلفة، موجود في القضيتين المتضادتين، المتداخلتين، في العكس المستوي، في عكس النقيض، الموافق والمخالف، يوجد اختلاف بين القضيتين، فهذا بمثابة الجنس. اختلاف في القضيتين، طيب الخاصة أو الفصل؟ قال: يقتضي لذاته أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة.
ولا بد من قيد (لذاته) في التعريف، لأنه ربما يقتضي اختلاف القضيتين تخالفهما في الصدق والكذب، ولكن لا لذات الاختلاف، بل لأمر آخر، مثل: (كل إنسان حيوان) و(لا شيء من الإنسان حيوان)، واحدة صادقة والأخرى كاذبة؛ فإنه لما كان الموضوع أخص من المحمول صدقت إحدى الكليتين وكذبت الأخرى. أما لو كان الموضوع أعم من المحمول لكذبا معاً، فيعلم أن هذا الاختلاف ليس اقتضاؤه للصدق والكذب اقتضاء ذاتياً، وإلا لما تخلف، لما عرفناه في بحث الدلالة أن الدلالة الذاتية لا تختلف ولا تتخلف، فلو كان كل اختلاف من هذا القبيل، أو لو كان هذا الاختلاف يقتضي لذاته، لكان كل اختلاف من هذا القبيل بحيث يقتضي الصدق والكذب.
ونعني بالاختلاف الذي يقتضي لذاته تخالفهما في الصدق، نعني به الاختلاف الذي يقتضي ذلك في أي مادة كانت القضيتان، ومهما كانت النسبة بين الموضوع والمحمول، كالاختلاف بين الموجب الكلي والسالب الجزئي. أي موضوع وأي محمول؟ يعني الآن مثلاً تستطيع أن تقول هكذا: (كل حجر نملة) جيد، و(بعض الحجر ليس بنملة)، لابد أن تصدق إحداهما وتكذب الأخرى.
الوحدات الثمان
قال: لابد لتحقق التناقض بين القضيتين من اتحادهما في أمور ثمانية واختلافهما في أمور ثلاثة. الوحدات الثمان تسمى الأمور التي يجب اتحاد القضيتين المتناقضتين فيها الوحدات الثمان، وهي ما يأتي:
1. الموضوع: فلو اختلفتا فيه لم تتناقضا مثل: (العلم نافع) و(الجهل ليس بنافع) -هذه الشروط قرأناها تقريباً والعبارة صارت تنتهي-.
2. المحمول: فلو اختلفتا فيه لم تتناقضا مثل: (العلم نافع) و(العلم ليس بضار).
3. الزمان: فلا تناقض بين (الشمس مشرفة) أي في النهار، وبين (الشمس ليست بمشرفة) أي في الليل.
4. المكان: فلا تناقض بين (الأرض مخصبة) أي في الريف، وبين (الأرض ليست بمخصبة) أي في البادية.
5. القوة والفعل: أي لابد من اتحاد القضيتين في القوة والفعل، فلا تناقض بين (محمد ميت) أي بالقوة، وبين (محمد ليس بميت) أي بالفعل.
6. الكل والجزء: فلا تناقض بين (العراق مخصب) أي بعضه، وبين (العراق ليس بمخصب) أي كله، لأن هذه تدل على سلب الدوام ولا تدل على دوام السلب، فليست سالبة بهذا بذاك المعنى، جيد.
7. الشرط: فلا تناقض بين (الطالب ناجح آخر السنة) أي إن أجتهد، وبين (الطالب غير ناجح) أي إذا لم يجتهد.
8. الإضافة: فلا تناقض بين (الأربعة نصف) أي بالإضافة إلى الثمانية، وبين (الأربعة ليست بنصف) أي بالإضافة إلى العشرة.
قال: هذه الوحدات الثمان هي المشهورة بين المناطقة، وبعضهم -وهو صدر المتألهين (قدس سره)- يضيف إليها وحدة الحمل من ناحية كونه حملاً أولياً أو حملاً شايعاً. التفت: المراد من الحمل ها هنا ما يقع وصفاً للنسبة لا للموضوع؛ لأن ذاك نحن في غنى عن اشتراطه، وهذا الشرط لازم، -يعني هذا الشرط صحيح- فيجب لتناقض القضيتين أن تتحدا في الحمل، فلو كان الحمل في إحداهما أولياً وفي الأخرى شايعاً، فانه يجوز أن يصدقا معاً، مثل قولهم: (الجزء جزئي) -شوف- أي بالحمل الأولي، يعني بحمل الشيء على نفسه، جاء بمثال الحمل الذي يقع وصفاً للنسبة، طيب، و(الجزء ليس بجزئي) أي بالحمل الشايع، ليش؟ قال: لأن مفهوم الجزئي من مصاديق مفهوم الكلي، فانه يصدق على كثيرين. هذه العبارة فيها مشكلة تأملوا فيها.
الاختلاف في التناقض
قال: قلنا لابد من اختلاف القضيتين المتناقضتين في أمور ثلاثة، وهي: الكم، والكيف، والجهة. أما الاختلاف بالكم والكيف فمعناه أن إحداهما إذا كانت موجبة كانت الأخرى سالبة، وإذا كانت كلية كانت الثانية جزئية. وعليه فالموجبة الكلية نقيض السالبة الجزئية، والموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية، وبالعكس، يعني السالبة الكلية نقيضها الموجبة الجزئية وهكذا.
لأنهما لو كانتا موجبتين أو سالبتين لجاز أن يصدقا أو يكذبا معاً، ولو كانتا كليتين لجاز أن يكذبا معاً، وإن كانتا لا تصدقان معاً، كما لو كان الموضوع أعم على ما مثلنا سابقاً، يعني: كل حيوان إنسان ولا شيء من الحيوان بإنسان. ولو كانتا جزئيتين لجاز أن يصدقا معاً، كما لو كان الموضوع أيضاً أعم، كما نحو: بعض المعدن حديد وبعض المعدن ليس بحديد -نعم بعض المعدن حديد وهو المعدن الحديد، وبعض المعدن ليس بحديد وهو المعدن الذهب مثلاً-.
أما الاختلاف بالجهة، فامر يقتضيه طبع التناقض كالاختلاف بالإيجاب والسلب؛ لأن نقيض كل شيء رفعه، فكما يرفع الإيجاب بالسلب والسلب بالإيجاب فلا بد من رفع الجهة بجهة تناقضها. ولكن الجهة التي ترفع جهة أخرى قد تكون من إحدى الجهات المعروفة فيكون لها نقيض صريح، كالممكنة والضرورية، واحدة تفيد الضرورة، واحدة معناها سلب الضرورة، مثل رفع الممكنة العامة بالضرورية وبالعكس؛ لأن الإمكان هو سلب الضرورة.
وقد تكون من جهة من الجهات -عفواً- وقد لا تكون من الجهات المعروفة التي لها عندنا اسم معروف، فلا بد أن نلتمس لها جهة من الجهات المعروفة تلازمها -يعني مصداق النقيض، مش النقيض نفسه- فنطلق عليها اسمها، فلا يكون نقيضاً صريحاً بل لازماً نقيضاً. مثلاً: الدائمة تناقضها المطلقة العامة ولكن لا بالتناقض الصريح؛ لأنه نقيض الدوام شو هو؟ اللاًدوام، هذا هو النقيض الصريح.
نعم اللاًدوام يتحقق بشو؟ بسلب المحمول عن موضوعه ولو في آن من الآنات، يعني يتحقق بالمطلقة العامة، فصارت المطلقة العامة من مصاديق اللاًدوام، فيصدق اللاًدوام في حقهم، فصارت لازماً للنقيض. فإذا قلت: الأرض متحركة دائماً، فنقيضها الصريح هو سلب الدوام، ولكن ليس عندنا جهة تفيد سلب الدوام. ولكن سلب الدوام ليس من الجهات المعروفة، ولذلك يجب أن نلتمس له جهة لازمة، فنقول: لازم عدم الدوام أن سلب التحرك عن الأرض حاصل في زمن من الأزمنة، مع أنه سلب -التفت- مع أنه اللاًدوام يتحقق حتى مع السلب الكلي، يتحقق مع انتفاء التحرك دائماً أيضاً، يصدق علي أنه سلب للدوام، أي أن الأرض ليست متحركة بالفعل، وهذه مطلقة عامة تكون لازمة لنقيض الدائمة.
وإذا قلت: كل إنسان كاتب بالفعل، فنقيضها الصريح إذا كانت هذه الفعلية ما هو نقيضها؟ سلب الفعلية، جيد؟ فنقيضها الصريح أن الإنسان لم تثبت له الكتابة كذلك، يعني سلب الفعلية، أي بالفعل، ولازم ذلك دوام السلب. مع أنه ليس بالضرورة -التفت- ليس بالضرورة أن يكون هناك دوام للسلب، بل يكفي أن تسلب المحمول عن موضوعك في آن واحد، هو ذلك الآن الذي أثبت المحمول فيه لموضوعي، يعني التفت.
الآن عندما تقول: كل إنسان متحرك بالفعل، أنت غاية ما فعلته أنك أثبتت التحرك للإنسان في آن من الآنات، حتى تنقض هذه القضية لا تحتاج إلى -التفت- لا تحتاج إلى إثبات إلى دوام السلب، بل يكفي أن تسلب المحمول عن موضوعه ولو في نفس هذا الآن يتحقق التناقض أو لا؟ يتحقق حينئذ. نعم، لما كانت هذه القضية بحيث تتحقق بدوام السلب -لأنك على كل تقدير حينئذ تعرف أن المحمول قد سلب عن موضوعه في ذلك الآن الذي ثبت له- قال: أي أن بعض الإنسان ليس بكاتب دائماً، وهذه دائمة وهي لازمة لنقيض المطلقة العامة.
ولا حاجة إلى ذكر تفصيل نقائض الموجهات، فلتطلب من المطولات إن أرادها الطالب، على أنه في غنى عنها، وننصحه أن لا يتعب نفسه بتحصيلها، فإنها قليلة الجدوى. ونحن ننصحه بتحصيلها لأنه إذا لم يشتغل بها فسوف لا يشتغل بشيء.
قال: ملحقات التناقض وهي التداخل والتضاد والدخول تحت التضاد، يأتي هذا غداً إن شاء الله والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد
