منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 63

تحميل Word

063

مباحث العكوس

وصلت نوبة الكلام إلى مباحث العكوس، والمراد من العكوس مباحث ثلاثة: وهي عبارة عن العكس المستوي، وعن عكس النقيض الموافق، وعن عكس النقيض المخالف.

ثم يلحق بهذه الأبحاث الثلاثة عكس النقد. والمراد من العكوس هي القضايا التي ينعكس فيها الموضوع فينقلب محمولاً، وينعكس المحمول فينقلب موضوعاً. ثم هذه القضايا التي يُعكس فيها الطرفان تختلف باختلاف الشروط، فتنقسم إلى عكس مستوٍ، وإلى عكس نقيضٍ، وإلى عكس نقدٍ، كما سوف يأتي بيان ذلك.

إننا في الأبحاث السابقة عندما تعرضنا إلى مبحث التناقض والتضاد بين القضايا والتداخل، وإلى القضيتين المتداخلتين، هناك كنا نبحث عن النسب والعلاقات والملازمات الكائنة بين القضايا ذات الموضوع والمحمول الواحد، فكنا نقول مثلاً: كلما صدق (كل ب ج) كذب نقيضه وهو (س ب ج)، فهناك علاقة وتلازم بين هاتين القضيتين ذات الموضوع والمحمول الواحد. فإن التناقض بين القضايا يكفي فيه تغاير القضيتين كماً وكيفاً وجهةً، مع بقاء موضوعهما ومحمولهما واحداً، بل إن من شروط التناقض بين القضايا اتحادهما في الموضوع، واتحادهما في المحمول كذلك.

وكذلك العلاقة بين الموجبة الكلية والموجبة الجزئية، فإن إحداهما داخلة في الأخرى، فهما متداخلتان، فكلما صدقت الكلية صدقت الجزئية، ويلزم من كذب الجزئية كذب الكلي. وهذه العلاقة وهي علاقة التداخل ها هنا علاقة لزومية كائنة بين قضيتين لهما موضوع ومحمول واحد.

وأما في العكوس، فيبحث عن العلاقات وعن النسب وعن التلازم القائم بين القضايا مع اختلاف في موضوعهما ومحمولهما. وإنما سميت هذه المباحث بمباحث العكوس؛ لأن الموضوع ينعكس في القضية الأولى فينقلب محمولاً في القضية الثانية، والمحمول الذي كان محمولاً في القضية الأولى ينعكس فيصير موضوعاً في القضية الثانية. ومن هنا يُعلم أن المراد من العكس هو تبديل طرفي القضية. فإذا كانت القضية الأصل (كل ب ج)، فالقضية المنعكسة سوف تكون بمعزل عن كمها وكيفها، سوف تكون (جيم باء)، فينقلب (جيم) موضوعاً و(باء) محمولاً. إذا اتضح ذلك، يقع الكلام في النوع الأول من أنواع العكوس.

العكس المستوي

ويمكن تعريفه بأنه: (تبديل طرفي القضية مع بقاء الصدق والكيف).

أما قولنا (تبديل طرفي القضية)، فهذا بمثابة الجنس؛ لأنه يشمل كل العكوس، لأن كل مباحث العكوس إنما سميت عكوساً؛ لأن الموضوع فيها ينعكس فيصير محمولاً، فنحن نبدل الموضوع ونجعله محمولاً في القضية الثانية، وكذلك المحمول نعكسه فنجعله ونصيره موضوعاً. فقولنا (تبديل طرفي القضية) هذا التعبير بمثابة الجنس؛ لأنه يشمل العكس المستوي، ويشمل عكس النقيض الموافق، ويشمل عكس النقيض المخالف، ويشمل عكس النقد، هذه المباحث التي سوف يأتي بيانها. فالقدر المشترك بين كل هذه المباحث هو أن الطرفين في القضية الأولى يتبدلان وينقلبان وينعكسان في القضية الثانية.

ثم ينضم إلى هذا الجنس خاصةً وهي قولنا (مع بقاء الصدق والكيف). أما قولنا (مع بقاء الصدق) فبمعنى أن التبديل وأن العكس يجب بحيث يكون هناك تلازم بين القضيتين في الصدق، فإذا ما صدقت الأولى لابد أن تصدق الثانية، وهذا معنى قولنا مع بقاء الصدق، أي إننا نبدل طرفي القضية، ولكن بشرط أن يكون هذا التبديل محافظاً على صدق القضية الثانية، بأن تكون القضية الأولى مستلزمة للقضية الثانية، أو فقل بأن يكون صدق القضية الأولى سبباً وعلة مستلزمة لصدق القضية الثانية.

وأضاف أيضاً قال: (مع بقاء الكيف أيضاً). فإن كانت القضية الأولى موجبة، فلا بد أن تكون القضية المنعكسة موجبة كذلك، وإن كانت سالبة فسالبة.

وأما الكم، يعني الكلية والجزئية، فلم يُشترط في العكس المستوي ذلك، فلم يُشترط في العكس المستوي أن تتحد القضيتان في الكم، فليس كلما كانت الأولى كلية فيجب أن تكون الثانية كلية أيضاً، ولا إذا كانت جزئية يجب أن تكون الثانية جزئية، فلا يشترط الاتحاد، ولا يشترط الاختلاف أيضاً، فلا يلزم إذا كانت الأولى كلية أن تصير الثانية جزئية، بل قد تكون كلية وقد تكون جزئية.

وما يقع الكلام فيه ها هنا هو أنه: متى يجب أن تكون الثانية، يعني القضية المنعكسة، كلية، ومتى يجب أن تكون جزئية؟ بعبارة ثانية، نحن نبحث في العكس المستوي عن الملازمة وعن العلاقة اللزومية بين القضية الأصل وبين القضية العكس (يعني التي نعكسها عنها)، ثم إننا نسأل: أن هذه الملازمة متى تتحقق؟ هل تتحقق عندما تكون القضية المنعكسة كلية، أو أنها تتحقق عندما تكون القضية المنعكسة جزئية؟ ولذلك يجب أن نتعرض إلى كل قضية قضية على حدة، فنأخذ الموجبة الكلية، فنقول: إن الموجبة الكلية متى يكون هناك علاقة لزومية بينها وبين عكسها؟ هل يوجد تلازم بين الموجبة الكلية وبين عكسها الموجبة الكلية أيضاً، فكلما صدق (كل ب ج) فلا بد أن يصدق (كل ج ب) مثلاً، أو أن اللزوم إنما هو بين الموجبة الكلية وبين الموجبة الجزئية، فإذا صدق (كل ب ج) فلا يصدق إلا (بعض ج ب)؟

ومن هنا فإن العكس المستوي هو عبارة عن تبديل طرفي القضية مع بقاء الصدق والكيف، ثم يقع الكلام عن الكم وعن تحديده للحفاظ على مرتبة الصدق حتى تبقى القضية الثانية صادقة، فما هو كم القضية المنعكسة؟ هل يجب أن يكون كلياً أو يجب أن يكون جزئياً؟

قبل أن ندخل في هذه المباحث، لابد أن نشير وأن ننبه على مسألة، وهي أن كلمة (العكس) في المنطق تطلق على أحد معنيين:

تارة نطلق لفظ العكس ونريد منه المعنى المصدري للعكس، أي حدث العكس، الحدث الذي يقوم به الإنسان وهو أنه يعكس الطرفين فيبدلهما، وبهذا المعنى فالمراد من العكس نفس عملية تبديل الطرفين، ويقال: العكس بمعناه المصدري.

وتارة يطلق لفظ العكس ونريد منه القضية المنعكسة، أو فقل نطلق العكس ونريد منه القضية التي وقع عليها العكس. فإذا قلنا مثلاً: ⟦كل إنسان ناطق⟧، هذه هي القضية الأصل، تمام؟ ثم إذا أردنا أن نعكسها، فإننا نقوم بتبديل الطرفين فنقول: ⟦بعض الناطق إنسان⟧. الآن، التفت، كانت القضية ⟦كل إنسان ناطق⟧، الآن تقول ⟦بعض الناطق إنسان⟧، نفس عملية تبديل الطرفين هذه التي يقال لها عكس بالمعنى الأول، فالقضية الأولى لا تسمى عكساً، والقضية الثانية لا تسمى عكساً أيضاً؛ لأن العكس بمعناه الأول عبارة عن تبديل الطرفين، نفس عملية التبديل. ولكن بالاصطلاح الثاني للعكس، وهو أن نطلق العكس على القضية التي وقع عليها العكس، فإننا نطلق على القضية الثانية أنها (العكس) حينئذٍ، مع أن العكس بمعناه الأول ليس إلا عملية تبديل الطرفين. فلا القضية الأولى تسمى عكساً، ولا القضية الثانية تسمى عكساً بالاصطلاح الأول. وأما بالنظر إلى الاصطلاح الثاني، فيطلق على القضية الأولى أنها (الأصل)، وعلى القضية الثانية أنها (العكس)؛ لأن العكس ما يُطلق ويراد منه القضية التي وقع عليها العكس.

وهذا تماماً كما يجري في علم النحو، فإن كلمة لفظ، شوف الآن تقول مثلاً لفظ زيد، ما معنى لفظ؟ لفظ، كلمة لفظ لها معنيان أيضاً، تطلق ويراد منها أحد معنيين. اللفظ في اللغة عبارة عن الرمي، يقال لفظت النواة أي رميتها، ويقال لفظه الحوت يعني رماه خارجاً، فاللفظ عبارة عن الرمي، ومن جملة ما يُرمى أنك ترمي الصوت فتخرج هذا الهواء من الرئتين محتكاً بالأوتار الصوتية، فالهواء الذي يخرج من الرئتين محتكاً بالأوتار الصوتية عملية إخراجه تسمى رمياً، هذا هو المعنى الأول للفظ، ولكنه استعمل بمعناه الثاني، وهو أنه أطلق على الصوت الذي وقع عليه الرمي، فيطلق اللفظ على الملفوظ حقيقة، نفس الرمي هو عبارة عن إخراج الهواء، نفس اللفظ عبارة عن رمي الهواء، ولكن أطلق اللفظ وأريد منه المرمي، ما رميته وما رميته هو هذا الصوت، فيقال لفظ زيد ولفظ عمر. فتارة يؤخذ اللفظ بمعناه المصدري فيراد منه نفس الرمي، وتارة يؤخذ ويراد منه أو يطلق ويراد منه اسم المرمي (المفعول) أي يطلق ويراد منه الصوت الذي وقع عليه الرمي.

وكذلك في العكس، تارة، يعني عندما قلنا العكوس فمرادنا تبديل طرفي القضية، فالعكس عندما أُخذ عنواناً للبحث أريد منه معناه المصدري وهو نفس عملية تبديل الطرفين، ولكن عندما نقول عكس هذه القضية هو كذا، فنريد من العكس عبارة عن نفس القضية التي وقع عليها التبديل المذكور.

ثم إننا قد ذكرنا أن تبديل طرفي القضية في العكس المستوي يجب أن يكون مع بقاء الصدق، فقد شُرط في القضية التي هي العكس أن تكون صادقة على تقدير صدق القضية التي هي الأصل. وإنما تكون القضية العكس -التفت، نفس القضية الآن سنسميها العكس، تمام؟- هذه القضية التي هي العكس إنما تكون صادقة على تقدير صدق القضية الأولى، يعني إنما يكون هناك تلازم بين القضيتين في الصدق إذا كانت الأولى بحيث تستلزم صدق الثانية. ومن هنا نحن نقول: كلما صدقت القضية الأصل وجب أن تصدق القضية العكس؛ وذلك لأن التصديق بالقضية الأولى علة وسبب للتصديق بالقضية الثانية، والعلة إذا وجدت وجب وجود معلولها، فإذا قلنا -التفت- الأصل دائماً التصديق به سوف يكون سبباً للتصديق بالعكس، يعني بالقضية المنعكسة -التفت-، وحينئذ فمعنى أن يكون الأصل سبباً أن الأصل علة، ومعنى أن يكون العكس مسبباً أن العكس معلول، وكلما وجدت العلة فوجب أن ينوجد معلولها، فنستلزم من ذلك أنه كلما صدق الأصل صدق العكس -التفت-، ولكن ولا عكس، ليس كلما صدق الأصل فإذا صدق العكس فيجب أن يصدق الأصل، ليش؟ لأن العكس بمثابة المعلول، ووجود المعلول لا يستلزم بالضرورة وجود هذه العلة بعينها؛ إذ كثيراً ما يكون للمعلول الواحد أكثر من علة، فوجود العلة يستلزم بالضرورة وجود المعلول، فكلما وجدت النار وجب أن تنوجد الحرارة، ولكن لا عكس، ليس كلما وجدت الحرارة فيجب أن تنوجد النار، نعم كلما وجدت الحرارة وجب أن يكون هناك شيء قد أوجد الحرارة، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هو النار؛ لأن هذا المعلول أعم من علته، أو فقل إن اللازم أعم، شو يعني اللازم؟ اللازم يعني معلول، اللازم أعم من ملزومه، فليس كلما صدق العكس فقد صدق الأصل، ليش؟ لاحتمال أن يكون العكس لازماً أعم، يعني احتمال أن يكون للعكس أكثر من علة، احتمال أن يكون للمعلول أكثر من علة، فليس كلما وجد العكس فقد وجد الأصل، هذه القضية الأولى.

ويتفرع على ذلك أيضاً: أنه إذا كُذب العكس فيجب أن يكذب الأصل ولا عكس، فليس كلما كذب الأصل وجب أن يكذب العكس -التفت-. قد فرضنا أن الأصل دائماً هو علة لعكسه، التصديق بالقضية الأصل يستلزم التصديق بالقضية العكس، فأساس هذه القواعد مبني على هذا الافتراض وهو أن القضية الأصل علة تستلزم صدق القضية العكس، وبالتالي فإن استخراج القواعد إنما هو مبتنٍ على افتراض العلة والمعلول، ونحن نعلم أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول لاستحالة تخلف المعلول عن علته، وهذه القضية في غاية البداية. ولكن لا يلزم من وجود المعلول وجود العلة، ليش؟ لاحتمال أن يكون المعلول أعم، لاحتمال أن يكون لهذا المعلول أكثر من علة توجبه، وحينئذ فالصدق الأعم لا يستلزم صدق الأخص وهذا واضح.

إذاً فكلما وجدت العلة وجد المعلول ولا عكس، يعني وليس كلما وجد المعلول وجدت العلة. طيب، وكلما انتفى المعلول انتفت العلة، لانه ما معنى أن ينتفي المعلول؟ أنه لا وجود له، فلا يمكن أن تكون علته موجودة؛ لأنها لو كانت موجودة لوجب أن ينوجد المعلول وقد فرضنا أنه منتفٍ. فكلما انتفى المعلول انتفت علته ولا عكس، يعني ولكن ليس كلما انتفت العلة فقط انتفى المعلول؛ لاحتمال أن يكون للمعلول أكثر من علة، فانتفاء المعلول حينئذ -التفت عفواً- انتفاء هذه العلة بعينها لا يلزم منه انتفاء النار، لا يلزم منه انتفاء الحرارة؛ إذ قد تكون الحرارة ناشئة من علة أخرى. فيقال: كلما وجدت العلة وجد المعلول ولكن لا عكس، وكلما انتفى المعلول انتفت العلة ولا عكس أيضاً، تمام؟

جيد، وقد عرفنا أن الأصل أن القضية الأصل هي العلة، وأن القضية العكس هي المعلول، فلنقم بإبدال لفظ العلة بلفظ الأصل فنقول: كلما صدق الأصل صدق العكس ولا عكس، وكلما انتفى العكس فقد انتفى الأصل ولا عكس، يعني وليس كلما كذب الأصل فقد كذب العكس. هذا أو هاتان القاعدتان هما الأساس في بحث العكس المستوي، يعني النتائج التي تترتب على العكس المستوي هو أنه كلما صدق العكس أو عفواً كلما صدق الأصل فقد صدق عكسه ولا عكس، فليس كلما صدق العكس المستوي يجب أن يصدق أصله، وأنه كلما كذب العكس فقد كذب الأصل ولا عكس، يعني فلا يلزم من كذب الأصل كذب العكس.

والسبب في ذلك هو أن التصديق بالقضية الأصل يستلزم ويسبب التصديق بالقضية العكس، فقد فُرِض الأصل علة والعكس معلولا، والعلة يلزم من وجودها وجود معلولها من غير عكس، والمعلول يلزم من انتفائه انتفاء جميع علله؛ لأن المعلول إذا لم ينوجد، حتى لو كان له أكثر من علة توجده، ما دام غير موجود، فلا يمكن لأي علة من علله أن تكون موجودة، فانتفاء المعلول يدل على انتفاء جميع علله، نعم انتفاء العلة لا يلزم منه انتفاء المعلول، لاحتمال أن يكون المعلول موجوداً بعلة أخرى غير هذه العلة المنتفية.

إذا اتضح ذلك، يقع الكلام في تحديد عكس كل قضية، والقضايا التي هي الأصل أربع قضايا: إما موجبة كلية، أو موجبة جزئية، وإما سالبة كلية، وإما سالبة جزئية. يقع الكلام في تحديد العكس المستوي لكل واحدة من هذه القضايا الأربعة، حتى إذا ما عرفنا العكس المستوي لهذه القضايا تمكنا بعد ذلك من الحكم بصدق العكس كلما حكمنا بصدق الأصل في رتبة سابقة، وحكمك بكذب الأصل -عفواً- كلما حكمنا بكذب العكس في رتبة سابقة.

العكس المستوي للموجبة الكلية

يقع الكلام أولاً في تحديد العكس المستوي بالموجبة الكلية. وعندما نقول موجبة كلية فنحن نصطلح عليها بأن (كل ب ج)، و(ب) يرمز به إلى الموضوع و(ج) إلى المحمول كما عرفنا. طيب، قبل أن ندخل في تحديد العكس المستوي لهذه القضية، لابد أن نذكر بمبحث سابق، وهو أن النسب الأربعة أو الأربع كل واحدة منها تنحل إلى جملة من القضايا:

فنسبة التساوي تنحل دائماً إلى قضيتين موجبتين كليتين من الطرفين: (كل ب ج) و(كل ج ب).

ونسبة العموم والخصوص المطلق تنحل إلى قضيتين: إحداهما موجبة كلية موضوعها الأخص ومحمولها الأعم (كل إنسان حيوان)، وسالبة جزئية موضوعها الأعم ومحمولها الأخص (بعض الحيوان ليس بإنسان).

وأما نسبة العموم والخصوص من وجه فكذا عرفنا أنها تنحل إلى كم قضية؟ إلى أربع قضايا: موجبتين جزئيتين وسالبتين جزئيتين، فتقول: (بعض الطائر أبيض)، و(بعض الأبيض طائر)، و(بعض الأبيض ليس بطائر)، و(بعض الطائر ليس بأبيض).

وأما نسبة التباين فتنحل إلى سالبتين كليتين من الجانبين: (لا شيء من الحجر بشجر) و(لا شيء من الشجر بحجر) وهكذا بالعكس يعني، تمام؟

إذا اتضح ذلك، فإننا عرفنا أيضاً أنه ما من مفهومين إلا وتقع بينهما واحدة من هذه النسب الأربعة؛ لأن تقسيم النسب إلى هذه الأربع كان تقسيم القسمة المنطقية الثنائية الدائرة بين النفي والإثبات، أو القائمة على الترديد بين النفي والإثبات، والقسمة المنطقية الثنائية تفيد دائماً انحصار الأقسام.

إذا اتضح ذلك فنقول: عندما نقول (كل ب ج)، فلا يخلو إما أن يكون بين مفهوم الموضوع ومفهوم المحمول نسبة التساوي، أو أن يكون بينهما عموم مطلق، أو أن يكون بينهما عموم من وجه، أو بينهما تباين. هذا ولو بالنظرة البدوية، يعني في بادئ الأمر نحن نعرف أن النسب أربعة، وحينئذ الموضوع والمحمول مفهومان فلا بد أن يكون بينهما واحد من النسب الأربعة.

أما التباين فهذه النسبة لا يمكن أن تكون موجودة بين الموضوع والمحمول في الموجبة الكلية؛ ليش؟ لأن التباين ينحل إلى سالبتين كليتين، وإذا كان هناك سلب كلي بين الطرفين فهذا يعني أنهما لا يجتمعان ولا يقترنان في شيء، مع أن الموجبة الكلية مفادها الاتحاد والاقتران بينهما في جميع الأفراد، فلا يمكن إذاً أن يكون بين الموضوع والمحمول في الموجبة الكلية تباين، وهذا واضح في غاية البداية. بعبارة ثانية: لأن الموجبة الكلية تفيد الحمل، والحمل ما معناه؟ هو الاتحاد، والتباين يستلزم سلب الاتحاد.

وكذا لا يمكن أن يكون بين الطرفين عموم من وجه؛ ليش؟ لما عرفنا من أن نسبة العموم من وجه تنحل إلى أربع قضايا: (ع ب ج)، و(ع ج ب)، و(س ب ج)، و(س ج ب) -انتبه-. فنقول: لو كان بين (ب) و(ج) في الموجبة الكلية عموم من وجه لصدقت هذه القضايا الأربع ومن جملتها السالبة الجزئية (س ب ج)، وهذه القضية السالبة الجزئية ليست نقيضاً للإيجاب الكلي، ولا يمكن أن يصدق الشيء ونقيضه؛ لأن النقيضين لا يرتفعان معاً، لا يكذبان معاً ولا يصدقان معاً -واضح المطلب أو لا؟- فلو كان بين (ب) و(ج) عموم من وجه لصدقت السالبة الجزئية، وإذا صدقت السالبة الجزئية كُذِب نقيضها وهو الموجبة الكلية، هذا خلف؛ إذ قد فرضنا أن الموجبة الكلية صادقة. إذاً لا يمكن أن يكون بين (ب) و(ج) في الموجبة الكلية -التفت- في أي موجبة كلية صادقة لا يمكن أن يكون بين الطرفين عموم من وجه.

إذاً فالنسبة بين الموضوع والمحمول في الموجبة الكلية لا تتعدى هاتين النسبتين، وهما:

أن يكون بين الطرفين تساوي، كما تقول: (كل إنسان ناطق) و(كل ناطق إنسان).

أو يكون بينهما عموم وخصوص مطلق -التفت- ولكن بشرط أن يكون الموضوع هو الأخص؛ لأن نسبة العموم والخصوص المطلق دائماً تنحل إلى قضيتين: الأولى موجبة كلية موضوعها الأخص ومحمولها الأعم، ثم سالبة جزئية موضوعها الأعم ومحمولها الأخص -التفت-.

إذاً ففي المورد الذي تكون الموجبة الكلية صادقة، فلا يخلو:

الاحتمال الأول: إما أن يكون (جيم) مساوياً لـ (ب)، وذلك إذا كان بينهما نسبة التساوي.

وإما أن يكون (جيم) أعم من (ب)، ولا يوجد احتمال ثالث في المقام بالقسمة المنطقية الثنائية العقلية تماماً.

فنقول: أما إذا كان بينهما نسبة التساوي فقد عرفنا أن نسبة التساوي بين (ب) و(ج) تنحل دائماً إلى قضيتين هما: (كل ب ج) و(كل ج ب). فإذا كان بين (ب) و(ج) نسبة التساوي -التفت- فيصدق أن (كل ج ب). فالعكس المستوي حينئذ للقضية ماذا يقول؟ ينبغي أن يكون موجباً كلياً، وموجب كلياً وموجباً كلياً، ولكن إذا صدقت الموجبة الكلية صدقت الموجبة الجزئية بطريق أولى؛ لأن صدق الكل يستلزم صدق الجزء.

إذاً فإذا كانت النسبة بين (ب) و(ج) هي التساوي، انحلت هذه النسبة إلى قضيتين: (كل ب ج) وهذه هي القضية الأصل، وإلى (كل ج ب) وهذه القضية العكس تماماً. وإذا صدقت (كل ج ب) يصدق أيضاً أن (بعض ج ب)؛ لأنه كلما صدق الكل صدق الجزء تماماً -ليش؟- أو فقل لأنه يوجد تداخل بين القضيتين، وقد عرفنا أن هناك علاقة لزومية بين الكلية والجزئية، كلما صدقت الكلية صدقت الجزئية. إذاً فإذا كانت النسبة بين (ب) و(ج) هي التساوي، فيصدق (كل ج ب) ويصدق (ع ج ب).

ولكن إذا كانت النسبة بين (ب) و(ج) في القضية في الموجبة الكلية هي العموم والخصوص المطلق، أو فقل إذا كان (جيم) أعم من (ب)، يعني إذا كان المحمول أعم من الموضوع -جيد- فنحن في العكس لا يمكن أن تصدق القضية الكلية؛ ليش؟ لأنه إذا كان (جيم) أعم من (ب)، فماذا سوف يصدق؟ قضيتان، ما هما القضيتان؟ الأولى: (كل ب ج) وهذه الأصل، والثانية سالبة جزئية: (س ج ب) -التفت- (س ج ب). وإذا صدقت (س ج ب) ماذا يكذب؟ نقيضها، وما هو نقيضها؟ (كل ج ب). فإذا صدقت إذا كان بينهما عموم وخصوص مطلق انحلت هذه النسبة إلى قضيتين: الأولى موجبة كلية موضوعها الأساس، والثانية سالبة جزئية موضوعها الأعم. وقد فرضنا أن المحمول هو الذي يكون أعم من الموضوع فيصدق (س ج ب)، وإذا صدقت السالبة الجزئية كذبت نقيضها وهو (كل ج ب)، فـ (كل ج ب) لا تكون صادقة إذا كان بين (جيم) و(ب) عموم وخصوص.

ومن هنا يُعلم أنه كلما صدقت الموجبة الكلية بمعزل الآن عن النسب بين الطرفين، ليس كلما صدقت الموجبة الكلية فإن عكسها هو موجب كلي. نعم، متى يكون عكسها موجباً كلياً؟ عندما يكون هناك تساوي بين الطرفين. ولكن نسبة التساوي بين الطرفين ليست منحصرة، قد يكون في الموجبة الكلية المحمول أعم من موضوعه، فلا يحصل، فلا يمكننا أن نقول إن الموجبة الكلية تنعكس دائماً إلى موجبة كلية.

إنه حتى يكون هناك علاقة لزومية بين الأصل وعكسه، لابد أن يكون هناك قدر مشترك ثابت على كل تقدير، ومهما اختلفت النسبة بين الموضوع والمحمول. ولكن عندما تصدق (كل ب ج)، نجد أن هذه القضية تصدق في موردين: في مورد التساوي وفي مورد العموم والخصوص المطلق. نعم عندما يكون صدقها في مورد التساوي فتصدق الموجبة الكلية (كل ج ب). ولكن من أين لنا أن نعرف أن هناك نسبة هي نسبة التساوي دائماً بين الطرفين؟ جيد، وعندما تكون النسبة هي العموم والخصوص المطلق، فلا يمكن أن تصدق (كل ج ب)؛ إذ يصدق نقيضها أيضاً، والنقيضان لا يجتمعان لا في الصدق ولا في الكذب.

ومن هنا نقول: إن الموجبة الكلية لا يمكن أن تنعكس موجبة كلية، بمعنى -مش يعني لا يمكن، مش يعني لا يمكن أن تنعكس موجبة كلية في أي مورد من الموارد، هي تنعكس موجبة كلية إذا كان هناك تساوٍ- ولكن لا يمكن أن نلتزم بأن القدر المشترك والثابت على كل تقدير هو الموجبة الكلية.

إذاً ما هو القدر الثابت على كل تقدير؟ الموجبة الجزئية. الموجبة الجزئية. طيب ليش؟ نقول: أما إذا كان بين (ب) و(ج)... ليش القدر المشترك هو الموجبة الجزئية؟ نقول: لأن بين (ب) و(ج) إما يوجد علاقة التساوي، وإما يوجد علاقة العموم والخصوص والمحمول هو الأعم تماماً.

أما إذا كان بين (ب) و(ج) علاقة التساوي فلأنه تنحل النسبة إلى قضيتين: إلى (كل ب ج) وإلى (كل ج ب)، ويلزم من صدق (كل ج ب) صدق ما يدخل تحتها وهو (ع ج ب). إذاً فهذه القضية صادقة على تقدير التساوي.

طيب وأما إذا كان بين (ب) و(ج) نسبة العموم والخصوص المطلق -التفت- وكان (جيم) أعم من (ب)، شو يعني؟ فإذا كان -التفت- فإذا كان (جيم) أعم من (ب) فماذا يصدق؟ يصدق (كل ب ج) -التفت- وكل... وعفواً (س ج ب) -جيم جيم جيم-. تعال إلى (كل ب ج) هذه إذا صدقت يصدق ما يدخل تحتها وماذا يدخل تحتها؟ (ع ب ج) (بعض باء هو جيم). طيب -التفت- ما معنى أن بعض باء هو جيم؟ أن (باء) قد اقترن مع (جيم) في مورد من الموارد، إذاً فلا بد أن (جيم) قد اقترن مع (باء) في نفس هذا المورد؛ لأن الحمل ماذا يعني؟ الحمل يعني الاتحاد والاقتران والتصاحب، وإذا كان (باء) قد صاحب (جيم) ولو في مورد من الموارد، فلا بد أن (جيم) قد صاحب (باء) في نفس ذلك المورد.

إذ ما معنى تصاحب (باء) و(جيم)؟ وجودهما معاً. فلا معنى حين يلزم من صدق (ع ب ج) (ع ج ب)، فصار (ع ج ب) وهو -التفت- تبديل طرفي القضية مع بقاء الصدق إذ القضية صادقة -التفت- والكيف؟ لأن هذه موجبة وهذه أيضاً موجبة. فالقدر المشترك الثابت على كل تقدير هو أنه كلما صدقت الموجبة الكلية صدقت الموجبة الجزئية.

فتقول: العكس المستوي للموجبة الكلية ما هو؟ هو (ع ج ب) لا (كل ج ب)، ليس كلما صدق (كل ب ج) فقد يصدق (كل ج ب)؛ لأنه قد يصدق وقد لا يصدق. شوف: (كل إنسان ناطق) يصدق (كل ناطق إنسان) لان النسبة هي التساوي، ولكن شوف: (كل إنسان حيوان) لا يصدق (كل حيوان إنسان)، نعم يصدق (بعض الحيوان إنسان). ولذلك لو كانت القضية (كل إنسان حيوان) فما هو عكسها المستوي؟ شوف تبديل طرفي القضية بأن نجعل المحمول موضوعاً والموضوع محمولاً مع بقاء الكيف -الأولى موجبة والثانية لابد أن تكون موجبة تماماً- والكيف -عفواً مع بقاء الكيف والصدق- والصدق إنما يبقى إذا فرضنا العكس جزئياً -واضح صادق المطلب أو لا؟-.

إذاً فالموجبة الكلية ماذا تنعكس؟ موجبة جزئية. هذه القاعدة التي وصلنا إليها بالاستدلال بأننا تقصينا عن الاحتمالات العقلية التي يمكن أن تكون موجودة بين الطرفين في القضية الموجبة الكلية، فعرفنا أن هذه النسبة لا تخرج عن واحدة من أمرين: إما بأن يكون بين الطرفين تساوي، وإما بأن يكون بين الطرفين عموم وخصوص مطلق ولكن يكون المحمول هو الأعم. ثم رتبنا على كل واحدة من النسبتين حتى وصلنا إلى قدر مشترك. فالموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية، ونجد هنا أن القضيتين قد توافقتا في الكيف ولكن لم تتوافقا في الكم.

العكس المستوي للموجبة الجزئية

المطلب الثاني: الموجبة الجزئية ماذا تنعكس؟ سوف يأتي أنها تنعكس إلى موجبة جزئية.

فنقول في كل موجبة جزئية ما هو رمزها؟ (ع ب ج). لا تخرج النسبة بين الموضوع والمحمول عن واحدة من احتمالات أربعة: إما أن يكون بين (ب) و(ج) نسبة التساوي، وإما أن يكون بين (ب) و(ج) عموم وخصوص مطلق وباء هو الأعم، أو عموم وخصوص مطلق وباء هو الأخص، وإما أن يكون بين (ب) و(ج) عموم من وجه -التفت-، وإما أن يكون بين (ب) و(ج) تباين. هذه النسب: تساوي، عموم وخصوص مطلق، عموم من وجه، وتباين. غاية ما في الأمر أن العموم والخصوص المطلق ينقسم إلى قسمين؛ لأن الأعم إما هو الموضوع وإما هو المحمول. أما نسبة التباين فلا يمكن أن تكون موجودة بين الطرفين في كل قضية موجبة؛ لأن القضية الموجبة هي التي تفيد اتحاد الموضوع والمحمول وتقارنهما، والقضية السالبة تنفي هذا الاتحاد. بعبارة ثانية: لو كان بين (ب) و(ج) -التفت- تباين لصدق مرجع التباين، وما هو مرجع التباين؟ كل -عفواً- لا (ب ج) ولا (ج ب)، وإذا صدق (لا ب ج) فيكذب نقيضها، ونقيض السالبة الكلية موجبة جزئية تماماً. إذاً فلا يمكن أن يكون بين (ب) و(ج) في الموجبة الجزئية تباين -واضح المطلب؟- لأن الموجبة الجزئية إذا كانت صادقة امتنع أن يكون بين (ب) و(ج) تباين؛ إذ لو كان بينهما تباين لصدقت السالبة الكلية وهي نقيض الموجبة الجزئية، فيلزم أن يجتمع النقيضان، إذاً فلا يمكن أن يكون بين (ب) و(ج) تباين.

بقي عندنا، لا نحتاج، نعم، بقي عندنا هذه النسب الأربعة:

أما أن يكون بين (ب) و(ج) -التفت- تساوي، حتى نأخذ هذه القضايا بشكل يعني مرتب: إذا كان (ع ب ج)، أما إذا كان بين (ب) و(ج) في الموجبة الجزئية تساوي، فسوف يصدق (كل ب ج) وكل (ج ب) -نعم نحكي بالعكس- كل (ج ب). نعم يصدق (كل ب ج) وكل (ج ب). وإذا صدق (كل ج ب) فيصدق أيضاً (ع ج ب)، ويصدق أيضاً (ع ب ج). كل هذه القضايا تصدق إذا كان بين (ب) و(ج) تساوي؛ لأنه إذا كان بينهما تساوي فتنلحل نسبة التساوي إلى موجبتين كليتين: (كل ب ج) و(كل ج ب) تماماً. ثم كل قضية تستلزم صدق ما يدخل تحتها لعلاقة التداخل التي مرت. طيب، فإذا صدقت (كل ب ج) صدقت (ع ب ج)، وإذا صدقت (كل ج ب) فيصدق (ع ج ب). هذا إذا كان بين (ب) و(ج) نسبة التساوي.

أما إذا كان بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق وكان الموضوع هو الأعم، فماذا يصدق؟ مرجع العموم والخصوص المطلق ما هو؟ موجبة كلية موضوعها الأخص -شو يعني الأخص؟- (كل ج ب)، وسالبة جزئية موضوعها (س ب ج) -الأعم-. فيصدق (كل ج ب) و(س ب ج). وإذا صدقت (كل ج ب) -التفت- فيصدق ما دخل تحتها لعلاقة التداخل، إذاً الكلية تستلزم صدق الجزئية، فماذا يصدق أيضاً؟ (ع ج ب) -التفت إلى الآن إلى الآن ما هو القدر المشترك بين هاتين النسبتين؟ (ع ج ب) وبعد وكل (ج ب) أيضاً تماماً- واضح المطلب إلى الآن أو لا؟

أما إذا كان بين (ب) و(ج) عموم وخصوص مطلق وكان (ب) هو الأخص فماذا يصدق؟ يصدق موجبة كلية موضوعها الأخص، يعني (كل ب ج)، وسالبة جزئية موضوعها الأعم (س ج ب). وإذا صدقت (كل ب ج) فماذا يصدق؟ (ع ب ج) -ها؟- يصدق أيضاً (ع ب ج)، وبعد يصدق عكسها المستوي، ما هو العكس المستوي للموجبة الكلية؟ (ع ج ب). اكتفيتم الآن؟ واضح كيف نستفيد مما تقدم؟ إذا صدقت (كل ب ج) فيصدق ما يدخل تحتها وهو (ع ب ج) وهذا واضح، بل يصدق (ع ب ج) بلا إشكال، ويصدق عكسها المستوي والموجبة الكلية تنعكس بالعكس المستوي إلى (ع ج ب). إلى الآن لم يعد القدر المشترك هو قضيتان، في البداية قلنا إن القدر المشترك عبارة عن (كل ج ب) و(ع ج ب)، هنا لم يعد في هذه النسبة الثالثة لم يعد هناك (كل ج ب) ليش؟ لأنه عندنا (س ج ب) وهذه سالبة جزئية ونقيضها ما هو؟ (كل ج ب)، وإذا صدقت هنا فلا يمكن أن تصدق (كل ج ب)، إذاً فالقدر المشترك إلى الآن ما هو؟ القدر المشترك يعني الموجود بين هذه النسب كلها هو (ع ج ب).

وإذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه فتنحل إلى أربع قضايا: (ع ب ج)، و(ع ج ب)، و(س ج ب)، و(س ب ج). والقدر المشترك ما هو؟ (ع ج ب). ولا يمكن أن تصدق (كل ج ب) ههنا؛ لأنه قد صدق نقيضها وهو (س ج ب)؛ لأن نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية، ولا يصدق الشيء ونقيضه.

ومن هنا يُعلم أن القضية الموجبة الجزئية لا يخلو إما بين طرفيها تساوي، وحينئذ يصدق عكسها المستوي كلياً وجزئياً، وإما الموضوع هو الأعم فيصدق أيضاً عكسها المستوي كلياً وجزئياً، ولكن إذا كان المحمول هو الأعم فلا يصدق إلا الإيجاب الجزئي، وإذا كان بين الطرفين عموم من وجه أيضاً لا يصدق إلا الإيجاب الجزئي. فدلنا ذلك على أن القدر الثابت على كل تقدير في جميع هذه النسب ما هو؟ الموجبة الجزئية، عبارة عن الإيجاب الجزئي. ومن هنا قيل إن الموجبة الجزئية تنعكس موجبة نفسها، جزئية، تنعكس إلى نفسها.

فالموجبتان الكلية والجزئية تنعكسان موجبة، لا جزئية لا بمعنى أنه تصدق الموجبة الجزئية ولا يمكن أن تصدق الموجبة الكلية، بل بمعنى أن صدق الموجبة الكلية ليس على نحو الضرورة وليس على نحو اللزوم، يعني قد ينفك وقد لا ينفك. فهنا إذا كان بين الطرفين تساوي تصدق الموجبة الجزئية وتصدق الكلية، ولكن هذا ليس ثابتاً على جميع التقادير ومهما كانت النسبة بين الموضوع والمحمول. وبهذا كلما صدق -شوف- (كل إنسان ناطق) فيصدق (بعض الناطق إنسان) كقدر متيقن، وإن كان البعض الآخر فعلاً سوف يكون ناطقاً لسبب آخر وهو أنه يوجد علاقة التساوي بين الطرفين. ولكن الكلام إنما هو في تبديل الطرفين بمعزل عن النسبة بينهما، ولذلك نحن نتعاطى مع الرموز (ب) و(ج) بمعزل عن طبيعة العلاقة بين الموضوع والمحمول.

نعم، إذا عرفنا طبيعة العلاقة بين الموضوع والمحمول لا نحتاج إلى كل هذه الأبحاث، وإنما نرجع النسب إلى قضاياها التي تنحل إليها، ولكن في كثير من الأحيان نحن نتعاطى مع قضية لا نعرف طبيعة العلاقة بين طرفيها، بين الطرفين فيها. ولذلك يمكننا أن نتمسك بالقدر الثابت على كل تقدير وهو عكسها المستوي، فكلما صدقت الموجبة الكلية صدقت الموجبة الجزئية، أما الموجبة الجزئية الأخرى -يعني التي تتمم الجزئية ككلية- فقد تثبت وقد لا تثبت، وكلما صدقت الموجبة الجزئية صدق عكسها وهو الإيجاب الجزئي، ثم إذا كذب العكس وجب أن يكذب الأصل، وهكذا نقرأ هذا المقدار.

العكس المستوي وتفاريعه

قال قدس سره: العكوس، طبعا والقضايا سميت عكوساً هذه القضايا لأنه ينعكس فيها طرفاها كما هو واضح.

قال: سبق في أول هذا الفصل أن قلنا إن الباحث قد يحتاج للاستدلال على مطلوبه إلى أن يبرهن على قضية أخرى لها علاقة مع مطلوبه. في بعض الأحيان قد لا أستطيع أن أتمسك أو أصل إلى نتيجة تثبت لي أن (ع ج ب)، ولكن قد يكون عندي قضية موضوعها (ب) ومحمولها (ج)، ثم بالعكس المستوي أصل إلى هذه النتيجة. طيب، قد يحتاج للاستدلال على مطلوبه إلى أن يبرهن على قضية أخرى لها علاقة مع مطلوبه، يستنبط من صدقها صدق القضية المطلوبة للملازمة بينهما في الصدق، وهذه الملازمة واقعه بين كل قضية وعكسها المستوي، وبينها وبين عكس نقيضها -فنحن الآن نبحث عن القسمين: العكس المستوي وعكس النقيض، هذا سوف يأتي فيما بعد، وعكس النقيض ينقسم إلى قسمين: عكس النقيض الموافق وعكس النقيض المخالف، ثم يلحق بهذه المباحث عكس النقد كما سوف يأتي-.

طيب، العكس المستوي قال: أما العكس المستوي فهو تبديل طرفي القضية مع بقاء الكيف والصدق، أما الكم فغير معلوم؛ لأنه تارة يبقى كما في الموجبة الجزئية، وتارة لا يبقى كما في الموجبة الكلية؛ أي إن القضية المحكوم بصدقها تحول إلى قضية تتبع الأولى في الصدق، شو يعني؟ يعني صدقها متفرع عن صدق الأولى، وفي الإيجاب والسلب بتبديل طرفي الأولى بأن يجعل موضوع الأولى محمولاً في الثانية والمحمول موضوعاً، هذا في الحملية. طيب، في القضية المتصلة قال: أو المقدم تالي والتالي مقدم، حتى في القضايا الشرطية تجري هذه المسألة من غير فرق. طيب، في القضية المنفصلة قال: لا معنى لذلك في القضية المنفصلة؛ لأن المنفصلة لك أن تجعل أياً من الطرفين مقدماً ولك أن تجعل أياً منهما تالياً. بعبارة ثانية: القضية المنفصلة ليس مفادها إلا التنافي والتباعد بين الطرفين، جيد، وبالتالي أياً جعلت أولاً سوف لا يهم، ولذلك لا معنى للعكس المستوي ولا ثمرة له في القضايا المنفصلة على ما سيأتي.

وتسمى الأولى الأصل -شوف- والثانية تسمى العكس، مع أن العكس عبارة عن المعنى المصدري عملية التبديل، والثانية العكس المستوي. فكلمة العكس هنا لها اصطلاحان: اصطلاح في نفس التبديل، واصطلاح في القضية التي وقع فيها التبديل.

ومعنى أن العكس تابع للأصل في الصدق -تابع يعني معلول له تماماً- أن الأصل إذا كان صادقاً وجب صدق العكس؛ لأن العلة إذا وجدت وجب وجود معلولها. ولكن لا يجب أن يتبعه في الكذب، فقد يكذب الأصل والعكس صادق، قد تنتفي العلة ولا ينتفي المعلول لوجوده بعلة أخرى. ولازم ذلك أن الأصل لا يتبع عكسه في الصدق، ولكنه يتبعه في الكذب؛ فإذا كذب العكس كذب الأصل؛ لأنه إذا انتفى المعلول انتفت كل علله؛ لأنه لو صدق الأصل يلزم من... لأنه صدق العكس والمفروض كذبه، يعني لأنه لو انتفي المعلول ووجدت العلة فيجب أن ينوجد المعلول وإلا تخلف المعلول عن علته.

فهنا قاعدتان تنفعان في الاستدلال:

إذا صدق الأصل صدق عكسه ولا عكس.

وإذا كذب العكس كذب أصله ولا عكس. وهذه القاعدة الثانية متفرعة على الأولى كما علمت.

علمنا أن العكس إنما يحصل بشروط ثلاثة: تبديل الطرفين، بقاء الكيف، وبقاء الصدق. أما الكم فلا يُشترط بقاؤه، وإنما الواجب بقاء الصدق، وهو يقتضي بقاء الكم في بعض القضايا كما في الموجبة الجزئية، ويقتضي عدمه في البعض الآخر أو كما في السالبة الكلية -سوف يأتي السالبة الكلية تنعكس سالبة كلية-. طيب، ويقتضي عدمه في البعض الآخر. والمهم فيما يأتي معرفة القضية التي يقتضي بقاء الصدق فيها -عفواً يقتضي بقاء الصدق في عكسها- بقاء الكم أو عدم بقائه.

ولو تبدلت ولو تبدل الطرفان وكان الكيف باقياً ولكن لم يبقَ الصدق، فلا يُسمى ذلك عكساً، بل يُسمى انقلاباً، يعني لو عكسنا لو قلبنا الطرفين ولم يبقَ الصدق هذا يقال له قلب وليس ولا يُسمى عكساً.

الموجبتان تنعكسان موجبة جزئية، أي إن الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية، والموجبة الجزئية تنعكس كنفسها. فإذا قلت: (كل حاء باء) فعكسها (ع باء حاء) أو (جيم)، لا يهم، المهم أن نصطلح على رمز واحد، سوف نصطلح نحن من هنا إلى آخر الكتاب بـ (جيم)، و(ع ج ب)، فعكسها (ع باء جيم) ولا ينعكسان إلى (كل باء جيم) -شوف يعني الموجبة، التفت الآن، الماتن قدس سره جعل -التفت- جعل (كل ج ب) هي الأصل، نحن في الشرح جعلنا (كل ب ج) هي الأصل والأولى ما فعلناه نحن، ولكن الماتن قدس سره ارتكب هذا، لا يهم، جيد- لأنه طيب طيب (ع ج ب) يعني إذا فرضت أن هذه هي الأصل بدلنا الرموز فقط، فعكسها المستوي هو (ع باء جيم) ولا ينعكسان إلى (كل باء جيم)، مش يعني يعني لا ينعكسان دائماً إلى (كل باء جيم).

البرهان قال في الكلية: إن المحمول فيها إما أن يكون أعم من الموضوع أو مساوياً له. أما بقية النسب فقد اختزلها مباشرة. وعلى التقديرين تصدق الجزئية قطعا؛ لأن الموضوع في التقديرين يصدق على بعض أفراد المحمول. فإذا قلت: (كل ماء سائل) يصدق: (بعض السائل ماء)، وهنا يوجد التساوي -عفواً يوجد عموم وخصوص مطلق-. وإذا قلت: (كل إنسان ناطق) يصدق: (بعض الناطق إنسان).

ولكن لا تصدق الكلية على كل تقدير؛ لأن الموضوع في التقدير الأول لا يصدق على جميع أفراد المحمول؛ لأنه أخص من المحمول، لأن الموضوع أعم بحسب الفرد، تمام؟ فإذا قلت: (كل سائل ماء) فالقضية كاذبة، وهذا هو المطلوب، يعني لا تصدق الكلية، إذاً تصدق الجزئية. أتصور أن الاستدلال على اللوح قد جعل العبارة تنطق أو تنطق لوحدها.

قال: وفي الجزئية إما أن يكون المحمول أعم مطلقاً من الموضوع، أو أخص مطلقاً، أو أعم من وجه، أو مساوياً، واستثنى التباين. وعلى بعض هذه التقادير، وهو التقدير الأول والثالث، لا يصدق العكس موجبة كلية -اللي هي كانت عندنا هنا على التقدير الثالث والرابع لا تصدق الموجبة الكلية- لأنه إذا كان المحمول أعم مطلقاً أو من وجه فإن الموضوع لا يصدق على جميع أفراد المحمول، إنما يصدق لو كان أخص أو مساوياً، أما عكسها إلى الموجبة الجزئية فإنه يصدق على كل تقدير. فإذا قلت: (بعض السائل ماء) يوجد عموم وخصوص مطلق والموضوع هو الأعم ها هنا، يصدق: (بعض الماء سائل). طيب، وإذا قلت: (بعض الماء سائل) يوجد عموم وخصوص مطلق والموضوع هو الأخص، يصدق: (بعض السائل ماء). وإذا قلت: (بعض الطير أبيض) يوجد عموم وخصوص من وجه، يصدق: (بعض الأبيض طائر). وإذا قلت: (بعض الإنسان ناطق) يوجد تساوي بين الطرفين، يصدق أيضاً: (بعض الناطق إنسان). فالقدر الثابت المشترك بين الطرفين على كل تقدير ومهما كانت النسبة بين الطرفين هو الإيجاب الجزئي.

السالبة الكلية تنعكس سالبة... يأتي بيان ذلك إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين، ونصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.