دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 68
068
الاستدلال ومكانته في علم المنطق
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين. ﴿اللهم صلِّ على محمد وآل محمد﴾.
الباب الخامس في الحجة وهيئة تأليفها، أو فقل: في مباحث الاستدلال. والمراد بباب الحجة: الباب الذي سوف نتعرض فيه إلى الطرق التي يمكن للذهن أن ينتهجها ويتبعها من أجل التوصل إلى المطلوب. أو فقل: هو باب نبحث فيه عن طرق الاستدلال، وأنه كيف نرتب جملة من القضايا المعلومة من أجل أن توصلنا إلى قضايا مجهولة.
الحاصل أننا قد عرفنا في الجزء الأول من الكتاب، في بدايات هذه الدروس، أن موضوع علم المنطق عبارة عن مبحثين: مبحث المعرِّف، ومبحث الحجة، وذلك لأن المنطق يعصم الذهن عن الأخطاء الواقعة في الفكر. وما يقع في الفكر من الأخطاء على نحوين: أخطاء هي أخطاء في التصور، وأخطاء هي أخطاء تصديقية. أو فقل: إن الجهل إما هو جهل بصورة لو علمت لم يكن معها حكم، وإما جهل بصورة لو علمت لكان معها حكم. وحينئذ فالأخطاء الواقعة في الذهن وفي العملية الفكرية إما أخطاء في التصورات، وإما أخطاء في التصديقات. ولذلك احتجنا إلى قانونين عاصمين عن هذين الخطأين:
القانون الذي يعصمنا عن الخطأ في التصورات، أي القانون الذي يؤسس لنا كيفية صحيحة لتصور الأشياء، هو الذي يقال له: مبحث المعرِّف.
والقانون الذي يعصم الذهن عن الأخطاء الواقعة في التصديقات هو الذي يقال له: مبحث الحجة.
إذا اتضح ذلك، فإن الغرض الأسمى الذي يهدف إليه المنطقي هو مبحث الحجة، أو فقل: هي طرق الاستدلال، أو فقل: هي المسائل التي تعلمنا كيف نصدق بتصوراتنا تصديقا جازما. وأما بحث التصورات من أوله إلى آخره، فهو ليس إلا مقدمة من أجل تحصيل التصديق؛ وذلك لما عرفنا من أن التصديق عبارة عن صورة تستتبع حكما، ولا يمكن أن نتوصل إلى الحكم على شيء من دون أن نتصوره في رتبة سابقة.
ولذلك فإن الخطأ إما خطأ في أساس التصور، وإما نتصور الأمر تصورا صحيحا، ولكن لا نكون بحيث نمتلك الأدوات التي تخولنا لأن نحكم بأن هذه الصورة مطابقة للواقع أو غير مطابقة. العلم الحقيقي هو العلم الذي يكون على نحو الجازم، هي الصورة التي تكون حاصلة على نحو اليقين، أما الصورة التي لا حكم معها أو الصورة المظنونة فهي لا تغني عن الحق شيئا. ولذلك نجد أن النفس لا تسكن إلى المعلومة إذا لم يكن معها دليلها، ولا تسكن إلى الدليل ما لم يكن دليلا جازما يقينيا. ومن ثم قيل: إن الظن لا يغني عن الحق شيئا.
ومن هنا فإنا لا نبالغ إذا قلنا إن كل المباحث التي تقدمت من أولها إلى آخرها ليست إلا توطئة وتمهيدا للدخول في مباحث الحجة؛ فإننا بعد أن عرفنا القواعد التي يجب أن نتبعها من أجل أن نتصور الأشياء على حقيقتها، وتعرضنا أيضا إلى جملة من طرق الاستدلال المباشر، وهي مباحث التناقض والعكوس وملحقاتها، يقع الكلام في الطرق التي تمكننا من الاستدلال على تلك الصور التي نحصلها في رتبة سابقة، وهي طرق ثلاثة: القياس، والاستقراء، والتمثيل.
طرق الاستدلال الثلاثة: الاستقراء، التمثيل، القياس
يقع الكلام في بحث القياس. وإنما كانت طرق الاستدلال ثلاثة؛ لان العملية الفكرية والسير الذهني من المعلوم إلى المجهول، لأننا قلنا في تعريفنا للحجة إنه المعلوم التصديقي من حيث إنه يوصل إلى مجهول تصديقي. إذاً، الكلام إنما هو في الطريقة التي يسير فيها الذهن بين المعلومات والمجهولات، وكيفية تنقل الفكر أو الذهن بين أفكاره من أجل الاستدلال على صحة تلك الصور التي يحصلها. فنقول إن العملية الفكرية، أو فقل إن حركة الفكر من المعلوم إلى المجهول، تارة تكون حركة من العام إلى الخاص، وتارة ثانية تكون حركة من الخاص إلى العام، وتارة ثالثة تكون من الخاص إلى الخاص، ورابعة تكون حركة من العام إلى العام.
بعبارة ثانية: الاستقراء على شيء إنما هو عبارة عن التمسك بجملة من القضايا المعلومة، ثم ترتيب هذه القضايا من أجل أن توصلنا إلى معرفة قضية مجهولة؛ فلا بد أن يتم التنقل، ولابد أن يكون هناك سير وابتداء من قضية من هذه القضايا، ثم الانتهاء بقضية أخرى منها. فهذا الانتقال وهذا السير إما هو سير من القضايا الكلية (هذا هو مرادنا من العام) إلى القضايا الجزئية، وإما سير من الجزئيات إلى الكلي، وإما سير من الكلي إلى الكلي، أو من الجزئي إلى الجزئي، ولا وجود لفرضية خامسة فوق هذه الأربعة.
1. الاستقراء (الانتقال من الخاص إلى العام)
أما الانتقال من الخاص إلى العام، فكما إذا أردنا مثلا أن نستدل على أن النار محرقة. شوف، عندما تقول: النار محرقة، فهذه قضية كلية أو جزئية؟ كلية، إذ المراد كل نار فإنها سوف تكون محرقة. فما نريد أن نستدل عليه وننتهي إليه هي هذه القضية الكلية. ولكننا عندما نستدل على إحراق النار، كيف نستدل عليها؟ نأتي إلى النار الأولى في الخارج فنتحسسها نجدها محرقة، فنقول: هذه النار ثبت بحواسنا أنها محرقة. ثم ننتقل إلى نار ثانية ونجربها فنجد انها تحرق أيدينا، ثم تأخذ نارا ثالثة ورابعة وخامسة فنجد أننا نقف على كل نار نار على حدة، وكل واحدة من هذه النيران هي عبارة عن أمر جزئي متشخص.
فهذا انتقال من الخاص إلى العام؛ لأنك تأخذ النار الأولى فتجد أنها محرقة، فتقول: هذه النار محرقة (وهذه قضية جزئية)، ثم تأخذ نارا ثانية وتجربها فتجدها محرقة، فنقوم باستقراء -أي بتتبع جملة من الأفراد وعدد من الجزئيات- ثم ننتقل من أحكام هذه الجزئيات إلى حكم كلي. فهذا استدلال، ولذلك إذا سئلت: كيف عرفت أن كل نار فهي حارة؟ فإنك تجيب: لأنني بحثت عن نار أولى فوجدتها حارة، وتتبعت نارا ثانية فوجدتها حارة، وثالثة فكانت كذلك حارة، فاستنتجت أن كل نار فإنها يجب أن تكون حارة.
الآن بمعزل عن أن هذا الاستدلال هل هو استدلال يقيني أو لا، ولكنه نوع وطريق من طرق الاستدلال، أو فقل: هو طريق من الطرق التي يتبعها الذهن للاستدلال من شيء على شيء أو للانتقال من معلوم إلى مجهول. ولذلك، التفت الآن مثلا: إذا جئنا وفتشنا عن النار الأولى وتحسسناها فوجدناها حارة، ثم تحسسنا نارا ثانية وثالثة فوجدناها أيضا حارة، فإننا نقوم بعد ذلك باستنتاج نتيجة كلية وهي أن كل نار فإنها حارة. ثم إن هذه النتيجة الكلية تمكننا فيما بعد على الحكم على نار خامسة بأنها حارة حتى لو لم نتحسس تلك النار؛ فلو رأينا بعد ذلك نارا من بعيد من غير أن نتحسسها لجزمنا مباشرة بأن هذه النار لابد أن تكون حارة.
ومن هنا فإن هذا الاستدلال يعبر عنه بالاستقراء؛ لأن المراد من الاستقراء في اللغة هو التتبع، والتتبع إنما يكون للأمور الجزئية. ليش؟ لأنه ما معنى التتبع؟ التتبع إنما هو من خواص الحواس، والحواس ليس لها قدرة إلا على تتبع الجزئيات، أما الكليات فهي أمور موطنها الذهن، فلا قدرة للحواس على ملاحظة وتتبع الأمور الجزئية. ولذلك فإن الاستقراء عبارة عن تتبع عدد من الظواهر الحسية لاستكشاف أمر كلي. ويسمى هذا النوع من السير والانتقال من الخاص إلى العام بالاستقراء. سوف يأتي كلام مفصل فيه عندما نصل إلى هذا المبحث وسوف نقسم الاستقراء إلى قسمين.
ثم سوف نشكل: أن هذا الاستقراء كيف أفاد اليقين؟ أو أنه لا، هل يفيد اليقين أو لا يفيد اليقين؟ وإذا كان يفيد، فكيف يفيد؟ الآن معرفتي بأن هذه الحديدة وتلك وتلك قد تمددت بالحرارة، من أين أوجب أن تكون الحديدة الرابعة بحيث تتمدد أيضا بالحرارة؟ فإنني لم أتتبع إلا هذا العدد من الأفراد، فكيف يصح أن تعمم الحكم فيما بعد لفرد لم تصل إليه يد التتبع؟
ومن هنا وقع إشكال عند المناطقة، فذهبوا إلى أن الاستقراء لا يفيد اليقين، وأقصى ما يفيده الاستقراء ما هو؟ هو الظن؛ فإنك إذا رأيت تمساحا أولا فوجدته يحرك فكه الأعلى، وإذا تتبعت أفراد التماسيح إلى عشرة أفراد مثلا، أو إلى مائة فرد، أو إلى ألف فرد، فإنك تحكم بعد ذلك بأن كل تمساح فإنه يحرك فكه الأعلى. فلو وجد فرد من أفراد التماسيح غير الأفراد التي وصلت إليها يد التتبع، فهل يحكم العقل بضرورة أن يكون هذا التمساح بحيث يحرك فكه الأعلى؟ أو أن العقل لا يحكم بذلك؟
إذا قلنا: إن العقل يجزم بذلك، فهذا يعني أن الاستقراء صار يفيد اليقين والقاطع. وإذا قلنا: إن العقل لا يأبى من أن ينوجد تمساح في يوم من الأيام ولا يكون بحيث يحرك فكه الأعلى، فيقال حينئذ إن النتيجة الاستقرائية أقصى ما تفيده هو الظن ولا تفيد اليقين، وإذا كانت تفيد الظن، فالظن لا يغني عن الحق شيئا.
وعلى هذا الأساس، وعلى أساس النتيجة التي نتبناها في هذا المبحث، انقسمت المدارس المنطقية وتعددت:
فالأرسطيون ذهبوا إلى أن الاستقراء لا يفيد اليقين، وإنما الذي يفيد اليقين هو طريق واحد من الطرق الثلاثة التي سوف نتعرض إليها وهو القياس. ولذلك فإن قوام المنطق الأرسطي هو في الإيمان بأن الاستقراء لا يولد يقينا وإنما يولد الظن.
وهذا في قبال جملة من المدارس الأخرى، منها أصحاب المنطق الوضعي وتسمى مدرستهم بالمدرسة الوضعية. وهؤلاء -أو هذه المدرسة- إنما أسسها الغربيون أتباع التجربة؛ فإن قسمًا كبيرًا من الغربيين يرون أن المعرفة لا يمكن إلا أن تكون وليدة الحس والتجربة، ولا وجود لمعرفة سابقة على الحس والتجربة، فلا يوجد معارف عقلية. مصادر المعرفة عندهم منحصرة بالحس، فالحواس أساس كل استدلال وأساس كل معرفة، فما لا يدرك بالحس لا يمكن أن يكون موجودا، وما هو موجود هو ما يدرك بالحس وحده. هؤلاء لم يؤمنوا بالقياس وإنما آمنوا بالتجربة، والتجربة ليست إلا عبارة عن التتبع والملاحظة لتلك الأفراد والظواهر والجزئيات الموجودة في عالم الخارج. ولذلك كان لابد من أن يصححوا الاستقراء وينكروا القياس.
وأما أصحاب المدرسة الثالثة، والتي أسس إليها السيد السعيد الشهيد -قدس سره- السيد محمد باقر الصدر، وتعرف مدرسته بمدرسة المنطق الذاتي، فهو يرى أن القياس طريق يوصل إلى اليقين لوضوح أنه يؤمن بالمعارف العقلية ولوضوح أنه لا يحصر المعرفة بالتجربة وبالحس، ولكنه يرى أن الاستقراء أيضا ينتج اليقين ويوصل إلى اليقين ولو إلى نحو أو نوع آخر من اليقين سوف يأتي توضيحه في آخر هذا الكتاب. ولكن كل من القياس والاستقراء يمكن عدهما من مصادر المعرفة، أو فقل: من طرق الاستدلال التي توجب اليقين.
ومن هنا فإن المنطق الأرسطي قد أعمل عنايته واهتم بخصوص مباحث القياس ولم يعط أهمية للاستقراء؛ باعتبار أن الاستقراء -كما سياتي- لا ينتج اليقين، وما لا ينتج اليقين فهو لا يوصل إلى معرفة حقيقية. كيف كان، فالاستقراء إذاً عبارة عن السير والانتقال من الخاص إلى العام.
2. التمثيل (الانتقال من الخاص إلى الخاص)
الطريق الثاني من طرق الاستدلال هو أن يسير الذهن في حركته الفكرية من المعلوم إلى المجهول سيرا من الخاص إلى الخاص. كما إذا رأينا خمرا فشربناه فوجدنا أن هذا الخمر مسكر -التفت- ثم عرفنا بعد ذلك بأن الخمر حرام. فالخمر إلى الآن صار له خصوصيتان: الخصوصية الأولى أنه مسكر، والثانية أنه حرام. ثم بعد ذلك وضعنا يدنا على الحشيشة فوجدناها تسكر أيضا، فنقوم بإعطائها حكم الحرمة بسبب مشابهتها للخمر في الإسكار. فنحن في الحقيقة قد انتقلنا من جزئي إلى جزئي آخر لعلاقة مشابهة بينهما؛ فإننا لما وجدنا تشابها بين هذا الخمر وهذه الحشيشة في أن كل منهما يفقد العقل ويحقق الإسكار، ثم عرفنا أن أحدهما قد صدر فيه نهي وتحريم، فإننا نقوم بتعميم هذا التحريم من هذا الجزئي لذلك الجزئي لمجرد وجود مشابهة بينهم.
مثال آخر: ما إذا كان هناك رجل وكان يتكلم بطريقة من اللباقة ويزيد في المجاملات، فعرفنا بعد ذلك أن هذا الرجل شيخ، فيتكلم بلغة المشيخة. ثم بعد ذلك صادفنا شخصا آخر يتكلم بنفس هذه الطريقة من اللباقة أو اللياقة أو المجاملة أو غير ذلك، فإنه قد ينتقل إلى ذهننا الحكم بكونه شيخا بسبب أنه يشبه شيخا ما في أنه يتكلم بنفس الطريقة. فنحن نجد أننا قد انتقلنا من معلوم جزئي إلى مجهول جزئي، والذي برر هذا الانتقال من الجزئي إلى الجزئي -من الخاص إلى الخاص- هو وجود مشابهة بينهما. وهذا نحو من أنحاء الاستدلال، وكثيرا ما نشكل اعتقاداتنا ونبني أفكارنا على هذا الأساس، بأن فلانا يشبه فلانا في هذه المسألة، فلابد أن له نفس الحكم الذي ثبت لفلان.
وهذا النحو من الاستدلال يقال له في المنطق بأنه التمثيل. وهذا التمثيل -والذي هو عبارة عن الانتقال من الخاص إلى الخاص- هو الذي يقال له في الفقه القياس، وهو الذي صدر فيه نهي وتحريم عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، إذ قيل: أول من قاس إبليس: ⟦خلقتني من نار وخلقته من طين⟧. جيد، وهذا نحو من أنحاء القياس. كيف؟ قال: أنا من نار وهو من طين، والنار أهم أو أشد أو أقوى من الطين، فينبغي أن يعطى للأقوى السجود، لا للأضعف. فهذا استدلال من جزء إلى جزء آخر.
وكاستدلال أبي حنيفة حيث سأله الصادق عليه السلام: أيهما أهم، الصلاة أم الصوم؟ فأجاب: الصلاة، فإن الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها. فأجابه عليه السلام: فإذا كانت الصلاة أهم، فما بال الحائض تقضي صومها ولا تقضي ما فات من صلاتها؟ فالأهم يفترض في الأهم أن يكون هو الذي لا يمكن تفويته ويجب تداركه. تمام، فعدل عن ذلك فقال: لا، الأهم هو الصوم. فإذا كان الصوم هو الأهم، فما بال قوله صلى الله عليه وآله: ⟦الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها⟧. وجملة المطلب أن الإمام عليه السلام أراد أن ينهاه عن القياس في الأمور الفقهية.
وكثيرا ما يقع الفقهاء -حتى في فقهاء الإمامية- في شبهة هذا النحو من الاستدلال في شبهة القياس ولو عن غير قصد. والدين إذا قيس محق! ليش؟ لأنه لا يكفي أن يشابه شيء شيئا حتى يستوجب نفس ذلك الحكم الذي له؛ فكثيرة هي الأشياء المتشابهة ومع ذلك فانه لا يسرى الحكم من أحدها إلى الآخر. فالتمثيل المنطقي أو القياس الفقهي لا ينتج اليقين حقيقة، وإذا كان لا ينتج اليقين فالمنطق الأرسطي لا يؤمن إلا بالمعارف اليقينية، ولذلك لم يلق هذا البحث أي اهتمام أيضا في كلمات المنطق الأرسطي.
وقد ظهر من ذلك أولا: أن التمثيل عبارة عن الانتقال والسير من الخاص إلى الخاص، من الجزئي إلى الجزئي، ولذا يمكن أن نعرفه بأنه: إعطاء جزئي حكم جزئي آخر لتشابه بينهما في الخصوصية. من هو الذي يعلمنا أن هذه الخصوصية هي سبب الحكم؟ الآن لنفترض أن ألفا كان يشابه باء في خصوصية من الخصوصيات، من أين وجب أن يكون حكم ألف عين حكم باء؟ نعم، يكون لألف وباء حكم واحد إذا فرضنا أن هذه الخصوصية إذا عرفنا أن هذه الخصوصية هي سبب الحكم. وحينئذ فالخصوصية مشتركة بينهما، والعلة إذا وجدت وجب وجود معلولها. ولكن من أين لنا أن نعلم أن هذه الخصوصية المشتركة بين الشيئين هي سبب الحكم حتى نعمم الحكم؟ ولذلك قالوا: إن التمثيل لا يورث أكثر من الظن. هذا أولا.
وظهرا ثانيا: أن هذا النحو من التمثيل هو الذي يقال له القياس، ولكن في اصطلاح الفقهاء. أما القياس الذي سوف نبحث عنه فهو الذي يقال له في كلمات الفقهاء بأنه الدليل تمام. فالقياس الفقهي القياس في عرف الفقهاء -والذي هو منهي عنه في الشريعه- هو الذي يقال له التمثيل في المنطق، لا الذي يقال له القياس في المنطق. أما الذي يقال له القياس في المنطق هو الذي يقال له في كلمات الفقهاء الدليل. ونحن أتباع الدليل كيفما مال نميل.
3. القياس (الانتقال من العام إلى الخاص والعام)
الطريق الثالث من طرق الانتقال الفكري من المعلوم إلى المجهول هو الانتقال من العام إلى الخاص، السير من الكلي إلى الجزئي. كما تقول مثلا: محمد نبي. وتقول بعد ذلك: كل نبي معصوم. فماذا ينتج؟ ينتج أن محمدا صلى الله عليه وآله معصوم. فالنتيجة التي وصلنا إليها هي أن محمدا معصوم، وهذه قضية جزئية لأن موضوعها جزء حقيقي. ولكن هذه النتيجة إنما توصلنا إليها من خلال التمسك بقضيتين، ثم ترتيب هاتين القضيتين ترتيبا صحيحا بحيث ينتج هذه النتيجة. ولذلك إذا قلت: كل نبي معصوم ومحمد نبي ينتج، ولكن طريقة الترتيب لا تسوقك إلى النتيجة بطريقة مباشرة. إذا قلت: كل نبي معصوم ومحمد نبي، تجد أن أسهل طريقة للانتقال هو أن ترتبها بهذه الطريقة: محمد نبي، وكل نبي معصوم، فتختزل المتكرر فتستدل على أن محمدا معصوم.
أو كما تقول: هذا خمر، وكل خمر مسكر. فتستنتج نتيجة جزئية وهي أن هذا الخمر مسكر. فنجد أن الانتقال ها هنا كان انتقالا من العام إلى الخاص؛ لأنك قلت -التفت-: هذا خمر، وكل خمر مسكر، النتيجة: هذا مسكر. تمام، التفت، النتيجة التي وصلنا إليها نتيجة جزئية، فهو سير إلى الخاص. ولكن هل هو سير من العام أو من الخاص؟ التفت، إذا هذه النتيجة ما هو الذي أوجبها؟ الذي أوجبها مقدمتان قضيتان: قولنا: هذا خمر، وكل خمر مسكر. تمام؟ جيد. فهذه النتيجة موقوفة في صحتها على صحة كل واحدة من المقدمتين.
ونحن نجد أن المقدمة الأولى جزئية أيضا؛ لأنك قلت: هذا خمر، فأنت تشير إلى شيء متشخص، فإذاً أنت تشير إلى جزئي حقيقي. ولكن مع ذلك هذا الانتقال ليس انتقالا من الخاص إلى العام، بل هو انتقال من العام إلى الخاص. ومرادنا من الانتقال من العام: أن يكفي وجود قضية كلية ليكون الانتقال من العام. وهذه النتيجة لا إشكال في أنها تتوقف على كل واحدة من المقدمتين، وواحدة من هاتين المقدمتين لما كانت كلية علم أن الوصول إلى هذا الجزئي لم يكن ليكون ممكنا لولا أننا عرفنا بتلك القضية العامة، إذاً فيصدق أننا قد صرنا من العام إلى الخاص. ولذلك لو كانت هذه القضية جزئية لما أفادت النتيجة؛ لأنك لو قلت: هذا خمر وهذا مسكر، فلا يعلم أن الذي أشرت إليه بأنه خمر هل هو نفس الذي أشرت إليه بأنه مسكر، أم أنك أشرت إلى شيء فحكمت عليه بالخمرية وإلى شيء آخر فحكمت عليه بالإسكار. جيد، ولذلك يجب أن تكون إحدى المقدمتين دائما كلية.
في بعض الأحيان قد تكون المقدمتان كليتين، فتكون النتيجة حينئذ شو؟ كلية أيضا. من يعطينا مثالا لذلك؟ كل نار فهي محرقة -لنفرضه هكذا- وكل محرق ذو دخان، فماذا ينتج؟ كل نار ذو دخان. التفت، هنا الاستدلال على أن النار تحدث دخانا حصل بتوسط الإحراق، والقضية الأولى "كل نار محرقة" قضية كلية، وقولنا "كل محرق ذو دخان" هي أيضا قضية كلية، ولذلك فإن النتيجة يجب أن تكون كلية. ليش نقول؟ لأن النتيجة دائما إنما تتفرع عن مقدماتها، وإذا كانت المقدمات كلها كلية فالجزئية من أين سوف تأتي؟ فسوف تنتج قضية كلية. واضح؟
وهذا بخلاف ما إذا كانت إحدى القضيتين جزئية، فلا بد أن تكون النتيجة جزئية؛ لأن النتيجة -كما سوف يأتي معنا- دائما تتبع أخس المقدمات، والجزئية أخس من الكلية، فالنتيجة تتبع أخس المقدمات، هذا سوف يأتي توضيحه.
فظهر أن القياس أو ترتيب هذه المقدمات من أجل الحصول على نتيجة، لابد أن يشتمل على أقل تقدير على قضية كلية عامة. غاية الأمر أن هذه القضية العامة إذا كانت القضية الثانية معها عامة أيضا فسوف تنتج نتيجة عامة، وإذا كانت القضية التي في جانبها خاصة فسوف تنتج قضية خاصة. فهذا النحو من الاستدلال يشمل نوعين من السير: يشمل السير من العام إلى العام، ويشمل السير من العام إلى الخاص. ويقال لهذا النحو من الاستدلال إنه القياس في عرف المناطقة، وأما في عرف الفقهاء فيقال لهذا القياس إنه الدليل.
وهذا أنه من السير من المعلوم إلى المجهول لا إشكال في أنه يفيد اليقين، حتى التجريبيون عندما أنكروا مباحث القياس لم ينكروا القياس بسبب أن القياس لا يفيد اليقين، وإنما أنكروا القياس بسبب أنهم لا يؤمنون إلا بما كان حسيا، فينكرون المعرفة العقلية. ولذلك أنكروا القياس ليش؟ لأننا عندما ننكر المعارف العقلية -أو فقل: لأننا عندما نحصر المعرفة بالأمور الحسية فنحن نحصرها بالجزئيات، لأن الحواس لا قدرة لها إلا على تتبع الجزئيات- فعندما نحصر المعرفة بالحس فنحن حقيقة ننكر الكليات، وإذا كنا ننكر الكليات فلا إشكال في أننا سوف ننكر القياس؛ لأن القياس دائما سير من الكلي، إما إلى كلي مثله وإما إلى جزئي، وما دمنا ننكر وجود الكليات فلا يمكن السير من الكلي إلى الجزئي، سالبة بانتفاء الموضوع.
ولذلك حتى التجريبيين إشكالهم على القياس لم يكن لجهة أن القياس هل يفيد اليقين أو لا يفيد اليقين، قالوا: لا معنى لهذا النحو من الاستدلال لأنه لا وجود لما يسمى الكلي عندكم، أصلاً هذا الذي تسمونه كلي لا وجود له، فكيف نستدل، كيف نسير منه إلى نتيجة أخرى؟ هذا سوف يأتي إن شاء الله مجْملا هنا ومفصلا في كتب أخرى.
كيف كان، فالقياس في اصطلاح المناطقة هو ما كان انتقالا وسيرا من العام إلى إما عام مثله وإما إلى خاص مثله، وهذا النحو من الاستدلال يفيد اليقين بلا إشكال. ليش؟ لما سيأتي أيضا عندما نتعرف على شروط القياس وعلى أركانه وأقسامه وشرائطه، هذا سوف يأتي إن شاء الله. وإذا أصبحت هذه الطرق الثلاثة -ولو بنحو مجمل- فإن المنطق الأرسطي لم يهتم إلا بمبحث القياس؛ لأنه يرى أن الاستقراء والتمثيل لا يفيد إلا الظن، والظن لا يغني من الحق شيئا، ولذلك سوف تجد أن مبحث الاستقراء بحث في كلماتهم بما لا يتعدى الصفحتين، بخلاف مبحث القياس، فإن كل ما تبقى من الجزء الثاني من هذا الكتاب إنما هو معقود للبحث في شرائط القياس وفي أقسامه. جيد.
خصائص الاستدلال غير المباشر (القياس والاستقراء)
إذا اتضح ذلك فلا بد من التنبيه على مسألة، وهو أنه في كل قياس فإننا نجد أن السير من العام إلى الخاص يجب أن يكون سيرا مع ترتيب ما، أو فقل: إن السير من العام إلى الخاص يتميز بجملة من الخصائص:
الخصوصية الأولى: أن السير من المعلوم إلى المجهول لا يكون سيرا من معلومة واحدة من أجل الانتقال إلى مجهول واحد، بل لابد من ضم معلوم إلى آخر حتى يفيد مجموعهما هذه النتيجة. ولذلك انتبه الآن: في قولنا "كل نار محرقة" و"كل محرق ذو دخان"، لو أخذنا هذه القضية لوحدها "كل نار محرقة" فهي لا تنتج أن النار يجب أن تكون ذا دخان. ولو أخذنا "كل محرق فهو ذو دخان" لوحده فهذا لا ينتج أن النار ذو دخان ما لم نعرف أن النار محرقة في رتبة سابقة. ومن هنا فإن السير في القياس ليس سيرا من معلوم واحد والانتقال منه إلى مجهول واحد انتقالا مباشرا، بل لابد من ضم معلوم إلى آخر بطريقة محددة. جيد؟ سوف يأتي شروط هذا الترتيب من أجل أن ينتج مجموعهما ذلك المجهول. ولذلك قيل للقياس إنه من طرق الاستدلال غير المباشر.
وهذا بخلاف مباحث العكوس؛ فإننا كنا نستدل وننتقل من القضية الأصل إلى العكس مباشرة انتقالا مباشرا، فتقول مثلا: إذا صدق "كل باء جيم" صدق عكسه "كل جيم أو بعض جيمات". جيد، ليش؟ فإن الانتقال انتقال من الأصل إلى العكس. نعم -التفت- في مقام الاستدلال على العكوس كنا نجري أقيسة، ولو لم نكن نسميها أقيسة في ذلك الوقت، ولكن في مباحث... عندما يؤتى لك بالأصل الآن وتحكم بضرورة صدق عكسه، فهذا انتقال من معلوم واحد، من قضية واحدة إلى مجهول واحد، فهو انتقال من المعلوم إلى المجهول انتقالا مباشرا من دون حاجة إلى ترتيب هذا المعلوم مع معلوم آخر لكي ينتج.
وكذلك الاستقراء فإنه ليس استدلالا مباشرا، بل هو من أنواع الاستدلال غير المباشر؛ لأنك في الاستقراء في التتبع أنت لا ترصد حالة نار واحدة ثم تحكم بأن كل نار محرقة، بل لابد أن تضم إلى تتبعك الأول للنار الأولى تتبعا ثانيا للنار الثانية، وتتبعا ثالثا للنار الثالثة. فالذي يعطينا نتيجة أن كل نار محرقة ليس عبارة عن تتبعنا لإحراق النار الأولى وحدها، ولا تتبعنا لإحراق النار الثانية وحدها، بل لابد أن نلاحظ كل نار نار على حدة، ثم إن مجموع هذه الظواهر التي تتبعت هو الذي يسوقنا إلى معرفة أن كل نار فهي حارة. فنجد أن الاستقراء أيضا ليس استدلالا مباشرا وليس سيرا من معلوم واحد إلى مجهول واحد سيرا دفعيا مباشرا، بل لابد من ضم معلوم جزئي إلى معلوم جزئي آخر لينتج المجموع نتيجة كلية.
طبعاً ومن هنا أشكل على الاستقراء في كلمات الأرسطيين: قلتم إن النتيجة لابد أن تتفرع عن مقدماتها، وأنتم في المقدمات لا تتتبعون إلا الجزئيات، فكيف وصلتم إلى أمر كلي؟ ولو تقصيتم كل الأفراد الموجودة فعلا في الخارج، من أين تعرفون أن الحديدة التي سوف تنوجد بعد 1000 سنة سوف يكون لها حكم هذه الحديدة الموجودة الآن؟ ومن هنا قالوا: إن الاستقراء لا يمكن أن ينتج أمرا، أو السير من أو يعني التتبع للأمور الجزئية لا يمكن أن ينتج أمرا كليا، سوف يأتي توضيح ذلك في محله.
إذاً، فكل من القياس ومن الاستقراء لا يمكن أن ينتج -عفوا، لا يمكن أن يكون استدلالا- ليس استدلالا مباشرا، وإنما هو من طرق الاستدلال غير المباشر. ونريد من الاستدلال غير المباشر هو ألا يكون الانتقال من معلوم واحد إلى مجهول واحد انتقالا مباشرا، بل لابد من ضم معلوم إلى آخر لينتج مجموعهما تلك النتيجة.
المقدمات ومبادئ القياس
إذا اتضح لنا ذلك، فحيث إن النتيجة في القياس موقوفة على ضم معلوم إلى معلوم آخر، فيقع البحث حينئذ في أنه: هل ينفع في الاستدلال مطلقا الانضمام -فأي معلوم نضمه إلى أي معلوم آخر فإنه لابد أن ينتج- أو أن انضمام معلوم إلى آخر لابد أن يكون على ترتيب محدد وفق شروط محددة؟ من الواضح أنه لا ينفع في الاستدلال على النتيجة مجرد ضم معلوم إلى معلوم آخر، بل لابد من إلفة بين القضيتين، وتسمى هاتان القضيتان بأنها مقدمات القياس. والنتيجة التي تنبثق عن هاتين المقدمتين تسمى نتيجة القياس.
والقضية الأولى بعينها يقال لها صغرى القياس؛ لأنها غالبا ما تكون جزئية، أو كثيرا ما تكون جزئية. وأما القضية الثانية فيقال لها كبرى القياس؛ لأنها لا يمكن إلا أن تكون كلية، يجب أن تكون كلية. وسوف يأتي بيان هذه الشروط بيانا مفصلا. ومن هنا علم أن القياس عبارة عن ضم قضية إلى قضية أخرى من أجل أن يحصل من مجموعهما نتيجة قطعية.
ثم إن النتيجة الثابتة بالقياس لما كانت ترجع في ثبوتها إلى هاتين القضيتين فهي قضية نظرية إثباتها. وحيث إن الأرسطيين لا يعتدون إلا بالقياس، فكل نتيجة حتى تكون نتيجة يقينية يجب أن تكون ثابتة بالقياس، فهذه النتيجة الثابتة بالقياس معنى أنها ثابتة بالقياس أنها متفرعة عن قضيتين، فننقل الكلام إلى القضية الأولى، فإما أن تكون بديهية فتكون ثابتة من غير حاجة إلى الاستدلال، وإما أن تكون نظرية، ومعنى أن تكون نظرية هو أن تكون ثابتة بقياس آخر، فتكون نتيجة قياسية بقياس أسبق. فهذه القضية يجب أن تنحل إلى قضيتين. والكبرى أيضا إما أن تكون بديهية فلا تحتاج إلى الاستدلال، وإما أن تكون نظرية فيجب أن تنتهي إلى قياس آخر.
ومن هنا يعلم أنه لا يمكن أن تكون النتائج أو القضايا كلها ثابتة بالقياس؛ إذ لو كانت كل القضايا ثابتة بالقياس لوجب أن يتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، إذ يلزم أن يتوقف صدق القضية الواحدة على جملة لا متناهية من القضايا؛ لأن أي قضية سوف تأخذها "كل باء جيم" -ما دامت قضية قياسية- فهي وليدة قضيتين في رتبة سابقة، ثم ننقل الكلام إلى الاثنتين فتنقلبان أربعا، كل واحدة منهما تنحل إلى مقدمتين، ثم تتوقف النتيجة "كل باء جيم" على تلك الأربع، ثم الأربع تنحل إلى ثمانية، وهكذا إلى ما لا نهاية.
نقرأ هذا المقدار: قال قدس سره: إن أسمى هدف للمنطقي وأقصى مقصد له هي مباحث الحجة؛ أي مباحث المعلوم التصديقي الذي يستخدم للتوصل إلى معرفة المجهول التصديقي، هذا هو المراد من مبحث الحجة: الطرق التي نتبعها من أجل الاستدلال على الشيء، من أجل أن يصير ذلك المجهول معلوما. أما ما تقدم من الأبواب فكلها في الحقيقة مقدمات لهذا المقصد، حتى مباحث المعرِّف؛ لأن المعرِّف إنما يبحث عنه ليستعان به على فهم مفردات القضية من الموضوع والمحمول.
هنا يعلم أن الثقافة القائمة على تجميع التصورات لا تعد علما في نظر المنطق الأرسطي؛ العلم الذي يبتني على كثرة المطالعة ليس علما ما دمت لا تستطيع أن تبرهن على صدق مسألة أو على كذب مسألة أخرى. ولذلك بعض الناس يطالع الشيء ويطالع ضده، ويعجبه الشيء ويعجبه ضده أيضا، ولا قدرة له على أن يدرك الصحيح من الخاطئ. ولذلك معرفة معلومة واحدة مع يقين بها أفضل من معرفة أو من تصور أمور كثيرة مع انعدام الدليل عليها، ولذلك كانت المباحث التخصصية أفضل وارقى من المطالعة.
كيف كان؟ قال: لأن المعرِّف إنما يبحث عنه ليستعان به على فهم مفردات القضية من الموضوع والمحمول. والحجة عندهم عبارة عما يتألف من قضايا -شوف، إذاً ليس انتقالا مباشرا من معلوم إلى مجهول، وبهذا خرجت مباحث العكوس- بل هو تأليف قضايا. وما هو المراد من التأليف؟ سوف يأتي غدا، يوجد عموم وخصوص مطلق بين التأليف وبين التركيب؛ التركيب عبارة عن ضم جزء إلى جزء آخر سواء كان يوجد مناسبة بين الجزئين أو لا يوجد مناسبة بينهما، ولكن التأليف هو عبارة عن ضم جزء إلى جزء آخر مع وجود إلفة، أي تناسب بينهما، ولذلك سمي التأليف تأليفا لوجود الإلفة، فكلما صدق التأليف صدق التركيب، وقد يصدق التركيب من غير أن يصدق التأليف، هاتان نسبتا العموم والخصوص المطلق. ولذلك ففي القياس لابد من ضم قضية إلى أخرى، ولابد أن يكون هناك إلفة وتناسب بين قضيتين، ولذلك قال: والحجة عندهم عبارة عما يتألف من قضايا يتجه بها إلى مطلوب يستحصل بها، أو يتجه بها إلى مطلوب يستحصل بها.
وإنما سميت حجة -شو يعني يتجه إلى مطلوب؟ يعني إلى النتيجة التي نطلب إثباتها- وإنما سميت حجة لأنه يحتج بها على الخصم، ولذلك كانت علماً يحتج بها على الخصم لإثبات المطلوب. وتسمى دليلا لأنها تدل على المطلوب (يعني أوجه التسمية وإلا المعنى واحد أو المطلب واحد). ولكن القياس يمكن أن تسميه حجة من باب أنك بسببه تحتج على الآخرين، وأنت تستطيع أن تسميه دليلا لأنها تدل على المطلوب. وتهئتها وتأليفها لأجل الدلالة يسمى استدلالا؛ لأن -التفت- استَفْعَل أي طلب الفعل، تقول فلان مثلا استنجد أي طلب النجدة، جيد، استدل أي طلب الدليل، وطلب الدليل إنما هو عبارة عن أنا أطلب الدليل إذا أنا أقوم بعملية التأليف والمناسبة بين المقدمات من أجل أن توصل إلى النتيجة.
فالقياس -التفت- إذا نظرنا إليه من حيث النتيجة يمكن أن نسميه حجة لأن هذه النتيجة تنفع للاحتجاج. وإذا نظرنا إلى القياس من حيث مقدماته فنقول إنه دليل لأن هذه المقدمات تدل على هذه النتيجة. وإذا نظرنا إلى القياس لجهة تآلف المقدمات جهة تناسبها يسمى استدلالا لأنك تطلب الدلالة. واضح صار المطلب؟ فالقياس هو هو، ولكن إذا نظرت إليه من حيث النتيجة فهو حجة، ومن حيث نفس المقدمات فهو دليل لأن فيها صلاحية الدلالة، وإذا نظرت إلى هذه المقدمات لجهة رعاية شروط الألفة والتناسب يسمى استدلالا لأنك تطلب الدلالة.
طيب ومما يجب التنبيه عليه قبل كل شيء: أن القضايا ليست كلها يجب أن تطلب بحجة، لا يمكن أن تكون القضايا كلها نظرية؛ لأنها لو كانت كل قضية نظرية، والقضية النظرية عند المنطق الأرسطي لا تثبت إلا بقياس، فيتوقف صدق كل مقدمة على مقدمتين، والمقدمتان على أربعة، ويتسلسل إلى ما لا نهاية. إن القضايا ليست كلها يجب أن تطلب بحجة وإلا لما انتهينا إلى العلم بقضية أبدا، بل لابد من الانتهاء إلى قضية بديهية ليس من شأنها أن تكون مطلوبة، وإنما هي المبادئ للمطالب (يعني مقدمة بديهية مبادئ المطالب)، وهي رأس المال للمتجر العلمي. طرق الاستدلال أو أقسام الحجة هذه تأتي قراءتها غدا إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين، ﴿اللهم صلِّ على محمد وآل محمد﴾.
