دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 69
069
مفهوم القياس وتعريفه
يقع الكلام في مبحث القياس، وهو أهم طرق الاستدلال في المنطق الأرسطي. ولما كان الحكم على شيء فرعاً عن تصوره، فلابد أن نتصور القياس بحدّه أو برسمه ليصح لنا بعد ذلك أن نشرع في البحث عن أحكامه.
وقد عرفنا في الجزء الأول من هذا الكتاب أن التعريف يجب أن يكون جامعا مانعا، يجب أن يكون مدخلا لكل الأفراد ومخرجا لكل الأغيار، ولذلك يجب في تعريفنا للقياس أن يكون مشتملا أنواع القياس وأشكاله، ويجب في الوقت ذاته أن يكون التعريف مخرجا لكل استدلال ليس قياسا. وقد عرفنا في الدرس السابق أن القياس سير من العام إلى الخاص أو من العام إلى العام، فهو سير من العام في الجملة. وأما الاستقراء فهو سير من الخاص إلى العام، والتمثيل سير من الخاص إلى الخاص. ولذلك فيجب في تعريفنا للقياس أن يكون مخرجا لمثل الاستقراء، ولمثل التمثيل أيضا. هذا من جهة. ومن جهة ثانية فلا بد في تعريف القياس من قيد يخرج مثل العكوس وعكس النقيض، يعني العكوس وملحقاتها، لأنه يصدق على العكس أنه سير وانتقال، إذ ننتقل من صدق الأصل إلى صدق العكس أو من كذب العكس إلى كذب الأصل، فمباحث العكوس هي واحد من طرق الاستدلال، غاية ما في الأمر أن الاستدلال فيها يكون استدلالا مباشرا، يكون السير من المعلوم إلى المجهول سيرا دفعيا مباشرا، كلما صدق الأصل فإننا ننتقل منه على تقدير الصدق إلى صدق العكس، فهو انتقال من معلوم إلى مجهول، فهو واحد من أنواع الاستدلال، غاية ما في الأمر أنه استدلال مباشر كما عرفنا، بخلاف القياس فانه لا يكون الانتقال من المعلوم إلى المجهول، بل يكون الانتقال من جملة معلومات إذا رتبت ترتيبا صحيحا أفادت ذلك المجهول.
إذا اتضح ذلك، فالماضن (قدس سره) قد عرف القياس بأنه: قول مؤلف من قضايا متى سُلِّمت لزم عنه لذاته قول آخر. نكتب هذا التعريف ثم نبينه: (قول مؤلف من قضايا متى سُلِّمت لزم عنه لذاته قول آخر).
شرح مفردات تعريف القياس
يقع الكلام في شرح مفردات هذا التعريف وبيان مانعيته وجامعيته.
القيد الأول: (قول)
المراد منه هاهنا هو المركب التام الخبري. والمركب التام الخبري، أما المركب فنريد منه اللفظ الذي يدل جزؤه على جزء معناه، أو الذي له جزء يدل على جزء المعنى. ثم المركب كما عرفنا في دروس سابقة لا يخلو، إما أن يكون بحيث يصح السكوت عليه فهذا هو المركب التام، أو لا فهو مركب ولكنه ناقص. ثم المركب التام الذي يصح السكوت عليه تارة يكون له واقع وراءه يطابقه أو لا يطابقه فهذا هو الخبر، وتارة لا يكون للمركب واقع وراء الكلام، وإنما ينظر إليه على أنه يراد إيجاد واقعه في الخارج وهذا هو الإنشاء.
إذا اتضح ذلك، فالقياس عبارة عن مركب تام خبري، ومنه يعلم أن الإنشائيات لا تجري في الأقيسة، فلا يمكن تركيب استدلال قياسي من أمور إنشائية، ليش؟ لأن الإنشائيات ليس لها واقع وراء عالم الكلام، وبالتالي فهي لا تثبت واقعا، لأن ما لا واقع له لا يثبت واقعا، والقياس إنما يطلب من أجل إثبات الواقع ومعرفته، فما لا واقع له لا يثبت واقعا.
وهذا القيد وهو قوله (قول) بمثابة الجنس في هذا التعريف، والجنس كما عرفنا شأنه الإدخال وليس شأنه الإخراج، ولذلك نجد أن القول هاهنا أي المركب التام الخبري مفهوم صادق على القياس، وعلى الاستقراء، وعلى التمثيل، وعلى سائر الاستدلالات المباشرة من العكوس وملحقاتها، فإن العكس المستوي مثلا هو أيضا قول، لأنه مركب تام خبري، تقول: (كل باء جيم)، هذه قضية موجبة كلية إذا فهي خبرية.
القيد الثاني: (مؤلف)
التأليف في اللغة عبارة عن ضم جزء إلى آخر بشرط وجود إلفة وتناسب بين الأجزاء. وهذا بخلاف التركيب، فإنه عبارة عن ضم جزء إلى آخر، سواء وجدت الإلفة والتناسب بين الأجزاء أو لم توجد. ومن هنا يعلم أن التركيب أعم مطلقا من التأليف وأن التأليف أخص، إذ كلما صدق التأليف فقد صدق التركيب، لأن التأليف حتى يصدق يحتاج إلى أمرين: إلى ضم جزء إلى آخر، وإلى وجود إلفة بين الأجزاء. فكلما صدق التأليف معنى ذلك أنه قد تحقق الأمران، وأحد هذين الأمرين هو ضم جزء إلى آخر، فكلما صدق التأليف صدق التركيب، ولكن قد يصدق التركيب من غير أن يصدق التأليف، كما إذا ضممنا جزءا إلى آخر من غير وجود إلفة بينهما، فقد صدق ضم جزء إلى آخر، فقد صدق التركيب، ولكن لم يصدق التأليف إذ لا إلفة بينهما. مثال التركيب من غير إلفة كما تقول مثلا: (زيد عمرو)، فقد ضممنا جزءا إلى آخر، ولكن لا وجود لألفة بين الجزئين، ليش؟ إذ لم يسند أحدهما إلى الآخر، ولذلك لا يتشكل من مجموعهما فائدة. وهذا بخلاف قولنا: (زيد قائم)، شوف، فقد ضممنا زيداً إلى القائم، ولكن انضمام هذا الجزء إلى الآخر كان مع وجود إلفة بينهما، ولذلك صح إسناد أحدهما إلى الآخر.
إذا اتضح ذلك، فإن الإلفة والتناسب في كل علم بحسبه. فالتناسب والإلفة عندما يبحث عنها في علم النحو تؤخذ بمعنى ينسجم مع الغرض من علم النحو، ولكنها عندما يبحث عنها في المنطق تؤخذ بمعنى آخر ينسجم مع الغرض المنطقي.
أما في علم النحو، فلما كان الغرض من النحو هو الإعراب، فإن المراد حينئذ من الإلفة والتناسب: الإلفة والتناسب التي تصحح المعنى الإعرابي، كما تقول مثلا: (جاء زيد)، فإن إسناد المجيء إلى زيد هو الذي جعل زيداً فاعلا في المعنى فصار مرفوعا. فيقال إن المراد من الإلفة بين الجزئين في علم النحو هو أن يكون بينهما إسناد، أي أن يصح إسناد أحدهما إلى الآخر، ولذلك إذا قلت (جاء زيد)، تجد أن لهذا الكلام معنى، وهذا المعنى إنما نشأ بسبب انضمام جزء إلى آخر مع وجود إلفة بين الجزئين ونريد من الألفة التناسب بحيث يصح أن يتسلط أحدهما على الآخر، فإن المجيء قد تسلط على زيد، أو فقل إن المجيء أسند إلى زيد. أما إذا قلت مثلا هكذا: (جاء قتل) أو جاء مثلا (العب أو في عن)، شوف، في كلمة (في) وعن كلمة (عن)، فقد صدق أننا ضممنا جزءا إلى آخر، إلا أنه لا يوجد إسناد بين الجزئين، فانتفاء الإسناد دل على عدم وجود إلفة بينهما، ولذلك لا يصدق على مثل قولنا: (في عن) إنه مركب تام، لا يصدق أنه كلام لأنه لا يفيد فائدة أساسا، مع أنه صدق أننا ضممنا جزءا إلى جزء آخر، ولكن في النحو لا يراد من التركيب مجرد ضم جزء إلى آخر كيفما كان، بل لابد من الألفة بينهما والتناسب، والألفة في علم النحو مردها إلى وجود إسناد بين الجزئين، بحيث يسند أحدهما إلى الآخر، فيتسلط بلفظه على لفظه، ويكون هناك تفاهم أو انسجام بين اللفظين في المعنى. هذا في علم النحو.
وأما في علم المنطق فلا يراد من الإلفة والانسجام هو مجرد وجود الإسناد بينهما، بل المراد من الإلفة أن يكون ضم إحدى المقدمتين إلى المقدمة الأخرى بحيث يتشكل من مجموعهما نتيجة. أما لو ضممنا قضية إلى قضية أخرى وكانت كل واحدة من القضيتين صادقة في نفسها، ولكن لا يلزم من الجمع بينهما، لا يؤدي الجمع بينهما إلى أي نتيجة، فيقال إننا ضممنا قضية إلى أخرى، ولكن لا وجود لإلفة بين القضيتين. بعبارة ثانية: لما كان الغرض من القياس هو التوصل إلى المجهول، فالمراد من الألفة والتناسب بين القضايا هي أن يكون ضم إحداها إلى الأخرى بحيث يؤدي إلى هذه النتيجة المجهولة. أما إذا كان لا يؤدي إلى نتيجة أساسا فيقال إنه لا انسجام بين القضيتين، وان كانت كل واحدة منهما قد تكون صادقة بنفسها.
ولذلك اختلف معنى التأليف أو مصداق الألفة في علم المنطق عن مصداق الألفة ومعناه في علم النحو. لأنه في النحو إنما يبحث عن الإعراب والبناء، فالتآلف هو بمقدار ما يكون هناك إعراب ومعانٍ إعرابية. وأما في المنطق فالغرض إنما هو الحجة والوصول إلى النتيجة، فالتآلف بين المقدمات إنما هو بمقدار ما توصل إلى هذه النتيجة.
ولذلك، شوف الآن، إذا قلنا: (النار محرقة) و(كل محرق ذو دخان)، فإننا نجد أن هذه المقدمة إذا اجتمعت مع تلك المقدمة كان بينهما تآلف وتناسب، وهذا التآلف والتناسب هو لجهة تكرر الحد الأوسط على ما سيأتي. شوف عندما تقول مثلا: (هذا خمر وكل خمر مسكر)، هنا يوجد قضيتان، هذه القضية الأولى وهي مركب تام خبري فهي قول، وهذا مركب تام خبري أيضا وهو قول، لأن القول هو المركب التام الخبري، إلا أن انضمام هذا القول إلى ذاك كان مع وجود ألفة وتناسب بينهما، مرجع هذه الألفة والتناسب على ما سيأتي في المباحث الآتية، هو أن لفظ (الخمر) قد وقع محمولا في إحدى القضيتين وموضوعا في القضية الثانية، فيقال إنه قد تكرر هذا الحد، هذا القيد قد تكرر، وهذا القيد موضعه في الوسط فيسمى حدا أوسط، ولذلك سوف يأتي معنا أنه من شروط القياس، من شروط أن يكون القياس منتجا يعني ذا نتيجة، أن يتكرر الحد الأوسط، فتكرر الحد الأوسط هاهنا هو الذي أوجد التناسب والتأليف بين القضيتين. ولذلك نجد أن انضمام إحدى القضيتين إلى الأخرى بحيث تنتج أن (هذا الخمر مسكر).
ولكننا إذا قلنا مثلا: (كل إنسان حيوان) و(كل حجر جسم)، يصدق في المقام على القضية الأولى أنها قول وهي صادقة في نفسها، ويصدق على القضية الثانية أنها قول وهي صادقة في نفسها، ولكنها لا تنتج لعدم تكرر الحد الأوسط، ولذلك فهذا قول ولكنه غير مؤلف. وبهذا يظهر أن قوله (مؤلف) شرط لازم للقياس، فإذا وجد قول ولم يكن مؤلفا لم يصح عده قياسا، إذ من شروط القياس لكي ينتج أن ينضم أو أن يكون انضمام إحدى القضيتين إلى الأخرى بحيث يكون هناك تناسب بينهما، والمراد من التناسب أن تكون القضيتان بحيث تنتجان نتيجة.
أو مثلا إذا قلنا مثلا: (زيد غير عمرو) و(عمر إنسان)، لقائل أن يقول: لما لم ينتج مثل هذا القياس؟ ماذا ينتج؟ (زيد غير عمرو) و(عمر إنسان)، ما هو الذي تكرر؟ تمام، فكان يفترض أن تنتج: (زيد غير إنسان)، هذه نتيجة فاسدة، سوف يأتي أن انضمام إحدى المقدمتين إلى الأخرى لا وجود لتناسب وإلفة بينهما. والحاصل أن قوله (مؤلف) هو إشارة إلى شروط الإنتاج، وسوف نتعرض إلى الشروط التي يجب على المستدل أن يراعيها لكي ينتج القياس أو لكي يكون القياس منتجا، جيد؟
هذا تمام الكلام في القيد الثاني. سوف يأتي معنا أن قولنا: (زيد غير عمرو وعمر إنسان) لا ينتج، طيب ليش؟ سوف يأتي معنا أنه من شروط الإنتاج الإيجاب في هذا الشكل وإيجاب الصغرى وكلية الكبرى، وكلاهما غير متحقق على منع الخلو على ما سيأتي.
القيد الثالث: (من قضايا)
قوله: (قول مؤلف من قضايا)، القضايا جمع قضية، ولكن المراد من الجمع هاهنا الجمع المنطقي. والحاصل أن الجمع تارة يكون جمعا لغويا وحينئذ فهو يدل على الثلاثة فما فوق في قبال المفرد وهو الواحد وفي قبال المثنى وهو ما يدل على اثنين. وأما الجمع المنطقي فيراد منه ما ليس بواحد، فيشمل الجمع اللغوي ويشمل التثنية، يشمل القضيتين مثلا. إذا اتضح ذلك، فالمراد من القضايا هاهنا ما يكون جمعا منطقيا لا ما يكون جمعا لغويا، ليش؟ وذلك لما سيأتي معنا من أن القياس لا يمكن أن يتركب من ثلاث قضايا أو أكثر، كل قياس فإنما يتركب من قضيتين لا أقل ولا أكثر، لأنه إذا كان أقل فلا يمكن أن يكون قياسا بل يصير استدلالا مباشرا، لأنه إذا كان القياس مركبا من قضية واحدة فأنت تنتقل من هذه القضية الواحدة انتقالا دفعيا إلى النتيجة المجهولة، فصار كالانتقال من الأصل إلى العكس، فصار هذا من أنواع الاستدلال المباشر. وأما أنه لا يتركب من ثلاثة قضايا فلما سيأتي أيضا من أن شروط القياس لا تتحقق، بل القياس الذي يتركب من ثلاثة قضايا هو حقيقة قياس مركب من جملة من الأقيسة، يعني إذا وجد لنا قياس وكان بظاهره يتركب من أكثر من مقدمتين، يعني من أكثر من قضيتين، نقول هذا ينحل إلى أقيِسة مركبة، فهو قياس مركب من أقيسة. ونحن هاهنا لا نريد أن نعرف القياس المركب، وإنما نريد أن نعرف القياس البسيط، يعني القياس الواحد، وكل قياس واحد لا يمكن إلا أن يتركب من قضيتين لا أقل ولا أكثر. ومن هنا فلا يمكن أن يكون المراد من لفظ القضايا هاهنا الجمع اللغوي، إذ لو كان المراد من القضايا الجمع اللغوي فالجمع اللغوي لا يصدق إلا على الثلاثة فما فوق، فلا يصدق على القضيتين الاثنتين، وحينئذ لا يكون هذا التعريف شاملا للقياس، أو فقل لا يكون جامعا لأفراده. بل المراد من القضايا هاهنا الجمع المنطقي، أي ما ليس بقضية واحدة، فكأنه قال: قول مؤلف من أكثر من قضية لا من قضية واحدة.
وإذا كان لا من قضية واحدة، فقد خرج بهذا القيد مباحث العكوس وملحقاتها، لان مباحث العكوس، العكس المستوي وعكس النقيض الموافق والمخالف ونقد الموضوع والمحمول والطرفين، كل هذه القضايا يكون الانتقال من الأصل إلى العكس انتقالا مباشرا، لأنك تقول: إذا صدقت الموجبة الكلية، جيد؟ على تقدير صدق هذه القضية الواحدة فإننا ننتقل ونعرف من خلالها مجهولا تصديقيا آخر، ننتقل منها إلى النتيجة وهي صدق الموجبة الجزئية وهي عكسها المستوي يعني مثلا. فمباحث العكوس يصدق أنها قول، وهذا القول مؤلف إذ يوجد ألفة بين الأجزاء، إلا أن هذا القول لم يتألف من قضايا، إلا من قضية واحدة، ولم يتألف من قضايا. والمراد من القضايا هاهنا قلنا الجمع المنطقي فيشمل القضيتين، وهذا هو المراد.
إذاً، قوله: (قول مؤلف) هذا بمثابة الجنس، فالقول لوحدها جنس بعيد، (قول مؤلف) مجموعهما جنس قريب. ليش؟ ليش جعلنا المؤلف داخل في الجنس؟ نقول لأن القيد إما أن يكون مدخلا وإما أن يكون مخرجا، وما من شأنه الإدخال هو الجنس، وما من شأنه الإخراج هو الفصل، تمام؟ طيب، قوله: (قول مؤلف) كل واحد من هذين القيدين إنما جيء به لأجل الإدخال لا لأجل الإخراج، لأجل الجامعية لا لأجل المانعية، ولذلك فمجموعهما يشكل جنسا قريبا. والجنس البعيد حينئذ هو القول، لأن القول إما أن يكون مؤلفا أو غير مؤلف، فالقول المؤلف أخص من مطلق القول. وأما قوله: (من قضايا) فهذا القيد مخرج لمباحث العكوس وملحقاتها.
القيد الرابع: (متى سُلِّمت لزم عنه لذاته قول آخر)
قوله: (متى سُلِّمت)، إشارة إلى أن مقدمات القياس ليس بالضرورة أن تكون مسلمة. بعبارة ثانية، إشارة إلى أن مقدمات القياس ليس بالضرورة أن تكون صادقة بالفعل، بل قد لا تكون المقدمات صادقة ولكن على تقدير صدقها يلزم صدق قضية أخرى. وإنما جاء بهذا القيد ليدخل في التعريف بعض أنواع القياس التي لا تكون المقدمات فيها مسلمة بل لا تكون صادقة، كما في قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء: 22)، فإن هذه الآية هي عبارة عن قياس شرطي قياس استثنائي كما سوف يأتي، هذا نوع من أنواع الأقيسة، وهو أن تقول: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، ثم تكمل: (ولكنهما لم تفسدا، إذا السماوات والأرض لم تفسدا، فلا بد أنه لا وجود لآلهة فيهما غير الله). مع أن مقدمة -التفت- مع أن الآن مقدمة القياس ما هي؟ (كان فيهما آلهة غير الله)، هذه مقدمة، ومقدمة ثانية: (لفسدتا)، وكل واحدة منهما غير صادقة في نفسها، ولكن هذا لا يخل بالقياس. نعم، يلزم من التسليم بوجود الآلهة التسليم بوجود الفساد، ولكن ليس بالضرورة أن يكون المقدم صادقا في نفسه، ولذلك قلنا في مباحث سابقة إن الشرطية تصدق مع انتفاء طرفيها.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فسوف يأتي معنا أن مقدمات القياس ليس بالضرورة أن تكون مقدمات يقينية، بل قد تكون المقدمات موهومة أو مظنونة، التفت. كما إذا فرضنا مثلا أن المقدمة الأولى كانت ظنية، شو يعني ظنية؟ يعني ثابتة بالظن. أو فقلت شو يعني ثابتة بالظن؟ مظنونة يعني نظن بصدقها. والمظنون -التفت- والمظنون ليس مسلم الوقوع، قد يكون خاطئا، غاية ما في، ليش؟ لأنه يحتمل أن مع وجود النسبة الراجحة يحتمل الخلاف أو لا، وما دام الخلاف محتملا فهذه المقدمة ليست يقينية، فلا يمكن أن نقول إنها صادقة قطعا.
طيب، إذا جئنا بمقدمة ظنية، ثم وضعنا مقدمة ظنية أخرى -لا أريد أن أدخل في أمثلة حتى لا يطول البحث، وإلا هذا سوف يأتي في الجزء الثالث من الكتاب- إذا فرضنا أننا جئنا بمقدمة أولى ظنية، وبمقدمة ثانية ظنية، وكانت الشروط موجودة، الحد الأوسط موجود، فهذا مثل هذا القياس ينتج أو لا؟ ينتج نتيجة، غاية ما في الأمر أن هذه النتيجة ماذا تكون؟ ظنية. فهذا نوع من الاستنتاج أو الاستدلال، لو سلمت هذه وتلك فإنها تنتج هذه القضية، غاية ما في الأمر أنها تكون مظنونة.
أو لو جينا بمقدمة موهومة، يعني احتمال صدقها أقل من النصف، جيد؟ يعني يترجح احتمال كذبها، ووضعنا معها مقدمة موهومة وتكرر الحد الأوسط وكانت الشروط متحققة، فإنه ينتج، ولكن ينتج نتيجة موهومة، تمام؟ كما إذا كنت مثلاً -التفت- أتوهم أن كل إنسان -التفت- أتوهم أن كل إنسان فهو حجر، وأتوهم أيضا أن كل حجر هو نبات، فأنا حقيقة، حقيقة أتوهم أن كل إنسان فهو نبات، صحيح أو لا؟ إذا كنت أتوهم أو إذا كنت أظن أن الإنسان حجر وأظن كذلك أن كل حجر فإنه فيل، فأنا في الحقيقة أظن، شوف في الحقيقة وفي نفس الأمر والواقع أنا أظن أن الإنسان فيل، ولذلك هذا إنتاج، جيد؟ فالمراد من القياس هو أن تكون ضرورية على تقدير صحة المقدمات. ومن هنا فقوله: (متى سُلِّمت) إشارة إلى أنه لا يشترط في المقدمات أن تكون مسلمة، ولكنها على تقدير صحتها فإنها تستلزم صحة قضية أخرى.
وبهذا دخل في القياس الموهومات والمظنونات والخطابيات والجدليات كما سوف يأتي في محله. هذا من جهة، ومن جهة ثانية هذا القيد، يعني شوف هذا القيد فيه جنبة إدخال وجنبة إخراج. أما جنبة الإدخال فقد بيناها، لأنه يدخل حينئذ في القياس، القياس الذي تكون مقدماته موهومة أو مظنونة أو غير ذلك أو مشكوكة. وأما جنبة الإخراج، ففي هذا القيد أيضا جنبة إخراج، وهو أن هذا القيد يشير إلى أن القياس لا يبحث فيه عن المادة، وإنما يبحث فيه عن الصورة.
بيان ذلك: أن كل قياس كما عرفناه فإنه يتركب من مقدمتين، أي قضيتين، فالقضية الواحدة من هاتين القضيتين إذا نظرنا إلى مضمونها وأنها صادقة بالفعل أو ليست بصادقة، فيقال إن هذه القضية هي مادة القياس. كل قياس لابد له من مادتين، فالقياس -التفت- كل قياس يتركب من قضيتين، إذا نظرنا إلى هاتين القضيتين من حيث معناهما وأنهما هل هما صادقتان في نفس الأمر والواقع أو أنهما كاذبتان، فيقال إن هذه القضية هي مادة القياس. وإذا نظرنا إلى هاتين القضيتين لا من جهة معناهما، ولا من جهة صدقهما وكذبهما، وإنما ننظر إليهما لجهة ترتيبهما، أنه هل يجب وضع هذه القضية قبل تلك أو يجب وضع تلك قبل هذه؟ إذا نظرنا إلى القضيتين من حيث نفس معناهما فهي مادة القياس، إذا نظرنا إلى القضيتين من لجهة ترتيبهما وطريقة وضعهما في الاستدلال فيقال للقضيتين إنهما هيئة القياس.
وهذه الكلمة، كلمة المادة وكلمة الهيئة، أخذت واستعيرت من مادة الكلمة وهيئتها. الآن مثلا إذا أخذت الكلمة (ضرب) فعل ماضي، مرة ننظر إلى هذا الفعل نظرا إلى نفس الحروف التي يتركب منها الفعل بمعزل عن طريقة ترتيب تلك الحروف، فيقال أنها مادة الكلمة، فمادة الكلمة ما هي؟ الضاد والراء والباء. وإذا أردت قلت هي الضاد والباء والراء، أو قلت هي الباء والضاد والراء، لأن المراد من المادة هي نفس الحروف التي تتشكل منها الكلمة، فسواء قلت ضاد وراء وباء أو باء وراء وضاد، لا فرق. وتارة ثانية تنظر إلى الترتيب النهائي الذي تكون عليه تلك الحروف، بأن تكون الضاد أولا مفتوحة ثم تليها الراء مفتوحة كذلك ثم يؤتى بالباء بعدها، فيقال هذه هيئة الكلمة. فالهيئة عبارة عن الترتيب النهائي للحروف، أو فقل الهيئة عبارة عن الصيغة النهائية التي تكون عليها مادة الكلمة.
والكلام في القياس كذلك، فنقول إن نفس القضية بما هي هي هي مادة من مواد القياس، لأن المادة ما معنى مادة؟ المادة يعني العنصر، والقياس يتركب من قضيتين فيتركب من عنصرين، ولكن الصيغة النهائية التي تكون عليها تلك المواد هي التي يقال لها هيئة القياس أو يقال لها صورة القياس، لأن المراد من الهيئة كما عرفنا الصورة النهائية التي تترتب على أساسها.
إذا اتضح ذلك، فإن الماتن (قدس سره) عندما قال: (متى سُلِّمت تلك القضايا؟) أشار إلى أن هذه القضايا لا يجب أن تكون مسلمة، وإذا كانت هذه القضايا بحيث لا يجب أن تكون مسلمة فهي قد تكون خاطئة حقيقة لا أنها فقط مظنونة أو موهومة بل قد تكون القضايا خاطئة ومع ذلك تنتج، ولكن غاية ما في الأمر أن هذه النتيجة صادقة على تقدير صدق المقدمات. وفي هذا إشارة إلى أن المنطق الأرسطي لا يعنى بتصحيح المواد، وإنما يعنى دراسة الشروط اللازمة لترتيب هذه المواد، حتى إذا رتبت بترتيب صحيح فإنها تنتج نتيجة صحيحة.
ولذلك شوف، لو ولذلك سمي المنطق الأرسطي في كلام القدماء المنطق الصوري -مش الصوري، تمام؟ يخطئ البعض- المنطق الصوري، قالوا لأن المنطق إنما يبحث عن صورة القياس ولا يبحث عن مادة القياس. فلذلك شوف الآن مثلا، الآن أنت تقول: (العالم حادث وكل حادث متحرك، فينتج: العالم متحرك)، هذا القياس مادته عقلية فلسفية، لابد أن تثبت أن العالم هل هو حادث أو قديم، ثم تثبت أن الحادث هل هي حصل، العالم متحرك، متحرك وكل متحرك حادث، هذا سوف يأتي معنا في العقائد ان شاء الله، جيد، فيثبت ينتج العالم العالم حادث. المنطق لا يأتي ويثبت لك أن العالم هل هو متحرك أو لا، هذه المقدمة تؤخذ مسلمة من وين؟ من علمها وهي تبحث في علم العقائد، قال مثلا ولا يبحث المنطق أيضا عن أن المتحرك هل يجب أن يكون حادثا أو لا، بل تؤخذ هذه المقدمات أصلا موضوعيا، شو يعني أصلا موضوعيا؟ تؤخذ أصلا مسلما.
فالمنطق ماذا يفعل؟ يقول: هاتان المقدمتان على تقدير كونهما صادقتين فإن هناك شروطا يجب أن تراعى فيما بينهما حتى تنتجا نتيجة صحيحة. فيبحث المنطقي عن الشروط التي يجب أن تترتب على أساسها هاتان المقدمتان لتنتجا نتيجة صحيحة وهي أن العالم حادث. فالمنطق لا يبحث أن العالم هل هو متحرك أو لا؟ أو هو المتحرك حادث أو لا؟ دعك من هذا المثال لأنه قريب من المنطق، لأنه مثال له علاقة بالفلسفة، خذ هذا المثال: (هذا حديد والحديد يتمدد بالحرارة). التفت الآن، المنطقي عندما يريد أن يستدل هو الذي يذهب ويأخذ الحديد ويجربها على النار ليستكشف إذا كانت تتمدد بالحرارة أو لا؟ هذه ليست شغلة المنطقي، المنطقي لا، المنطقي ليس هو الذي يجزم بأن الحديد يتمدد بالحرارة أو لا، هذا شغل الفيزيائي، أهل الفيزياء هم الذين يقيمون التجارب في الخارج وفي المختبرات فيقطعون بهذه القضية ويجزمون بها فيقولون إن الحديد يتمدد بالحرارة. ولا المنطقي هو الذي يبحث فيما إذا كان هذا الشيء الذي بين أيدينا حديد أو لا، وإنما هذا شغل الحواس -الحاسة، جيد- أو أهل الخبرة هم الذين يقولون إن هذا المعدن حديد أو لا. غاية ما في الأمر أن المنطقي يأخذ هاتين المقدمتين ويفترضهما مسلمتين، فيقول: بناء على تقدير التسليم بهاتين المقدمتين فإن هناك شروطا لازمة يجب أن نراعيها لكي ينتج مثل هذا القول، لكي ينتج مثل هذا القياس.
فالمنطق لا يبحث في مادة القياس، وإلا لانقلب المنطق عبارة عن جميع العلوم حينئذ، والفرض أن المنطق إنما يدرس لأجل العلوم لا أنه يدرس هو ويدرس في داخله جميع العلوم. إذا كان المنطق هو الذي يبحث في مادة القياس فأي حاجة حينئذ إلى الفيزياء؟ المنطق سوف يبحث فيما يبحث عنه الفيزيائي، وأي حاجة إلى علم الرياضيات، وأي حاجة إلى أي شيء؟ لا حاجة حينئذ إلى أي علم، سوف ينقلب المنطق عبارة عن جميع العلوم، لأن المنطق حينئذ سوف يتكفل أن يثبت جميع المقدمات، جيد؟ وهذا خلاف كون المنطق خادما للعلوم.
ومن هنا حتى يكون المنطق خادما وآلة وحتى يكون خادما في جميع العلوم، فإنه إنما يبحث في شيء مشترك بين جميع العلوم، وهي الهيئة، طريقة الترتيب. المنطق يقول لك مثلا، شوف، نحن نأخذ أمثلة من الشكل الأول ولذلك لا تستشعرون الحاجة إلى دراسة الترتيب والهيئة، مثلا، تعال نأخذ هذا المثال مثلا: (الخمر مسكر وكل مسكر حرام)، ماذا ينتج؟ (الخمر حرام)، تمام، هذا واضح.
طيب، إذا قلنا: (كل خمر مسكر، جيد، وبعض المسكر حرام)، هل مثل هذه القضايا تنتج أو لا؟ هل مثل هذا الترتيب ينتج أو لا؟ إذا قلنا: (كل خمر مسكر وبعض المسكر ليس بحرام)، بمعزل عن أن القضية صادقة أو لا، لا تنظر إلى أن القضية صادقة أو لا، هل مثل هذا القياس ينتج أو لا؟ الآن في بعد النظر لا نعرف، هذا لا ينتج. طيب ليش لا ينتج؟ طيب إذا عكسنا قلنا: (بعض المسكر ليس بحرام وكل حرام لنفترض خمر)، لنفترض ينتج أو لا؟ هذا ينتج، على تقدير صدق المقدمات ينتج، تمام؟
إذا قلت: (بعض المسكر ليس بحرام وقلت بعض الحرام مسكر)، هذا لا ينتج. إذاً ليش ينتج وليش لا ينتج؟ التفت، المنطق لا يأتي ويقول لك هل فعلاً أن بعض المسكر ليس بحرام أو لا؟ لا يبحث عن هذه المنطق، هذه تؤخذ أصلا مسلما وإن من علم الفقه، ولكن المنطقي يدرس الشروط اللازمة للتألف والتناسب بين هاتين القضيتين حتى متى سلمت تلك المقدمات سلمت النتيجة. ومن هنا فالمنطقي يبحث: متى يجب أن تكون الصغرى موجبة ومتى يجب أن تكون سالبة؟ متى يجب أن تكون الكبرى جزئية ومتى يجب أن تكون الكبرى كلية؟ متى يتكرر الحد الأوسط؟ وهل يصح ولماذا يجب أن يتكرر الحد الأوسط؟ وهل يجب أن تكون القضية حقيقية خارجية أو أنها يمكن أن تكون القضية حقيقية فينتج؟ والى غير ذلك من الشروط التي يبحث عنها المنطق.
ولذلك فإن المنطق منطق صوري. ومن هنا من الطبيعي أن من يدرس المنطق فإنه لا يعصم عن أي شيء. الآن نجيب بجواب ثالث غير الأجوبة التي جيء بها في أول الكتاب، نحن في أول الكتاب ماذا قلنا؟ قلنا الناس تدرس المنطق ولكنها لا تعصم عن الخطأ، قلنا لأنهم لا يراعون قواعد المنطق، والآن نحن نقول حتى لو روعيت قواعد المنطق قد نقع في الخطأ، ليش؟ نتيجة لكون مادة القياس مادة مغلوطة، ولكن المنطق يعلمك كيف تتنقل بين الأفكار، أن هذه القضية لو سلمت فيجب حينئذ أن نسلم بقضية أخرى، طرق الاستدلال، تمام؟ ولكن في كثير من الأحيان مادة القياس تكون مغلوطة، واضح؟ وهذا سوف يأتي توضيحه ومزيد بحث فيه فيما بعد.
إذاً فقوله: (قول مؤلف من قضايا) التعريف، جيد؟ (من قضايا متى سُلِّمت) إشارة إلى أنه لا يشترط في القضية أن تكون مسلمة، وإذا لم يشترط أن تكون مسلمة فقد تكون مغلوطة، أي قد لا تكون صادقة، فهذا مخرج للبحث في مادة القياس وإشارة إلى أن المنطق إنما يبحث في هيئة القياس.
القيد الخامس: (لزم عنه)
ثم قال بعد ذلك: (متى سُلِّمت)، شوف، (لزم عنه)، (لزم عنه) أي لزم عن ذلك القول يعني بسبب هذا القول المؤلف، يعني هاتان المقدمتان بعد أن تتآلفا ونسلم بصحتهما فيلزم -وقد عرفنا فيما سبق عندما قسمنا العرضي إلى لازم ومفارق أن اللازم هو ما لا ينفك- فمتى سلمت تلك القضايا لزم عنها التصديق بقضية أخرى. وهذا القيد يخرج كلا من الاستقراء والتمثيل، ليش؟ وذلك لما عرفنا في الدرس السابق من أن نتيجة الاستقراء ونتيجة التمثيل نتيجة ظنية، وإذا كانت نتيجة ظنية -التفت- إذا كانت نتيجة ظنية فهي تقبل الخلاف أو لا تقبله؟ تقبل الخلاف، وهذا يعني أن هذه النتيجة ليست أمرا لازما بحيث لا ينفك عما سبق، بل قد أجد ألف تمساح يحرك فكه الأعلى فأستنتج أن كل تمساح يحرك فكه الأعلى، والعقل لا يمنع أن يوجد بعد عشرين سنة تمساح يحرك فكه الأسفل، وإذا كان العقل لا يمنع من ذلك فنقول إن هذه النتيجة وهي القضية الكلية -لأن السير من الخاص إلى العام- هذه النتيجة ليست لازمة، يعني يمكن أن تنفك، سواء انفكت فعلا أو لم تنفك ولكنها ليست ضرورية، ليست لازمة. فلما كانت نتيجة الاستقراء ظنية وكانت نتيجة التمثيل ظنية أيضا، علم أنها نتيجة يمكن أن تتخلف عن مقدماتها، والنتيجة التي يمكن أن تتخلف عن مقدماتها ليست لازمة.
فإن قلت: ولكنكم قلتم إن القياس قد تكون مقدماته أيضا ظنية، كما إذا كنت تظن بأن الإنسان حجر، وتظن أيضا أن الحجر فيل، فأنت تظن أن الإنسان فيل، وإذا كان يشترط في القياس أن تكون النتيجة لازمة، وقد أخرجتم بهذا القيد ما تكون النتيجة فيه ظنية، فيفترض أن يخرج مثل هذا القياس التي تكون مقدماته ظنية؟ قلت: لا، إذ المراد هنا -التفت- عندما تكون مقدمات القياس ظنية، التفت، فنحن نقطع بهذه النتيجة الظنية، فالنتيجة التي ننتجها هنا ما هي -التفت-؟ نحن نقطع أنه إذا كنت أظن بالصغرى وبالكبرى أقطع بأنني أظن بالنتيجة، فالقياس دائما نتيجته قطعية يقينية عندي يقين -شو يعني؟ ولكن متعلق اليقين ما هو؟- أنه عندي يقين بأنني أظن بأن الإنسان فيل، وهذا غير نتيجة الاستقراء، في الاستقراء أنا أظن، مش أنا أظن أن التمساح يحرك فكه الأعلى، أما هنا فهذه المقدمة إنما اتصفت بالظن بسبب أن مقدماتها ظنية، ومقدمات الاستقراء ليست ظنية، مقدمات قطعية، هذا التمساح أنا رأيته وأنا جربته فهو يحرك فكه الأعلى، وهذا التمساح أيضا أنا رأيته وجربته وهو يحرك فكه الأعلى، ولكن النتيجة كانت نتيجة ظنية، إذا أظن أن التمساح الذي لم أره بعد يحرك فكه الأعلى. فهناك كانت المقدمات قطعية والنتيجة ظنية، وهنا المقدمات ظنية، ولذلك كانت النتيجة ظنية أيضا، ولكن هذه النتيجة الظنية -التفت- ضرورية الثبوت، قطعية الثبوت على تقدير هذه المقدمات، ولذلك يصدق على النتيجة أنها قطعية -التفت- ضرورية الثبوت، ولكن غاية الأمر أن مفاد النتيجة ما هي؟ هي الظن، لأن المقدمات ظنية.
فقوله: (لزم عنه) يخرج به الاستقراء والتمثيل لأن نتائجهما ظنية والنتيجة الظنية تقبل الخلاف وإذا كانت تقبل الخلاف فهي يمكن أن تنفك فلا تكون لازمة.
القيد السادس: (لذاته)
ثم جاء بقيد أخير قال (قدس سره): (لزم عنه لذاته قول آخر)، إشارة إلى أن اللزوم يجب أن يكون ناشئا من ذات الترتيب لا من شيء آخر خارج عن ذات الترتيب.
مثال ذلك، التفت: الآن التفت مثلاً، تقول: (محمد نبي وكل نبي معصوم)، هذا ماذا ينتج؟ أن محمدا معصوم. نقول -التفت- هذه النتيجة وهي أن محمدا معصوم، حتى تكون نتيجة لازمة لذات القياس، فهذا يعني أنه مهما تغير في هذا الشكل، جيد؟ فيجب أن تكون النتيجة ثابتة، لأن هذه النتيجة اللازمة ولزومها، ما هو الذي سببه؟ سببه ذات هذا الترتيب.
طيب، إذا أخذنا مكان (محمد) الرمز (باء) و(نبي) اللي هو الحد الأوسط نأخذ (ميم)، (كل باء ميم، وكل ميم جيم)، ماذا ينتج؟ ينتج: (كل باء جيم). فنقول هذا، هذه النتيجة، جيد؟ هي نتيجة لازمة وهي لازمة لذات القول (قول مؤلف، جيد، متى من قضايا متى سُلِّمت لزم عنه)، يعني لزم عن هذا القول، يعني لزم عن هذا الترتيب. نقول هذا الترتيب لذاته يقتضي هذه النتيجة، فمهما -التفت- وضعت مكان (باء) و(ميم) و(جيم) يجب أن تكون النتيجة هي هي بشرط أن تكون المقدمات صادقة، يعني على تقدير صدقها. ولذلك شوف الآن مثلاً قل: (كل إنسان حيوان، طيب شو بدها تكون؟ كل ميم جيم)، (ميم) لابد أن تكون نفس (ميم) الأولى، يعني كل حيوان، نفسه (كل حيوان جسم)، ينتج: (كل إنسان جسم). فهذه النتيجة لازمة للقياس، لا تنفك عنه، ولزومها لذات القياس.
احترازا عما تكون النتيجة صادقة، لازمة، ولكن يكون اللزوم لشيء آخر خارجا عن ذات الترتيب. مثاله كما تقول، التفت: (ألف مساوي لباء، وباء مساوي لجيم)، ماذا ينتج؟ (ألف مساوي لجيم). في بادئ النظر قد تقول إن هذا القياس ينتج نتيجة وهذه النتيجة لازمة وهذا اللزوم ناشئ من ذات الترتيب، نقول: ليس ناشئا من ذات الترتيب، ليش؟ لأنه لو كان ناشئا من ذات الترتيب لأنتج دائما، ولكنه لا ينتج دائما. الآن شوف: (ألف أكبر من باء، وباء أكبر من جيم)، ينتج أو لا؟ ينتج، ماذا ينتج؟ (ألف أكبر من جيم). إذاً هذه نتيجة لازمة.
ولكن انتبه، لو قلت مثلا: (ألف نصف باء، وباء نصف جيم)، هل ينتج (ألف نصف جيم)؟ ألف نصف باء وباء نصف جيم، ماذا ينتج؟ أمم، ألف ربع جيم، إذا فلا ينتج أن ألف نصف جيم. فظهر أن هذه النتيجة وإن كانت صادقة هاهنا، إلا أن صدقها ليس ناشئا من ذات الترتيب، معنى الترتيب واحد، شوف: (ألف مساو لباء وباء مساو لجيم)، (ألف أكبر من باء وباء أكبر من جيم)، تمام، (ألف نصف باء وباء نصف جيم)، نجد أنه لا ينتج هاهنا أن ألف نصف جيم.
شوف: (زيد أخو عمرو، وعمرو أخو بكر)، هل ينتج (زيد أخو بكر)؟ ليس بالضرورة، التفت، جيد؟ زيد أخو عمرو، ولكن أخوه من شو؟ أخوه من أمه، تمام؟ أو أخوه من أبيه لنفترض، جيد، وزيد أخو عمرو وعمرو أخو بكر، ولكن أخوه من أمه، فلا يلزم أن يكون زيد أخا لعمرو! وأمثلتها في ضيعتنا كثير، جيد؟ من عندنا؟ ها؟ جيد عندنا؟ نعم، عندي عمي وزوجته بينهما أخت مشتركة، تمام؟ فهي أخت الزوجة لجهة الأم وأخت الزوج لجهة الأب، تمام؟ إذاً لا ينتج.
فظهر أن هذا الإنتاج لو كان ناشئا من ذات الترتيب فهو لا يتخلف عنه، لأن العلة كلما وجدت وجد معلولها، فدلنا ذلك على أن الذي اقتضى النتيجة هاهنا ليست ذات الترتيب بل شيء خارج عنه. ما هو هذا الشيء الخارجي؟ هو أن هناك قاعدة خارجية صادقة وهي أن (مساوي المساوي مساوي)، ولكن لم تصدق القاعدة وهي أن (أخ الأخ أخ) أو أن (نصف النصف نصف)، فلما لم تصدق هذه القاعدة الخارجية لم يصدق القياس.
فهذه النتيجة وإن كانت في قولنا: (ألف مساوي لباء وباء مساوي لجيم) وإن كانت تصدق النتيجة (ألف مساوي لجيم) وهي نتيجة لازمة، ولكنها ليست لازمة لذات الترتيب بل لازمة بسبب صدق القضية الخارجية وهي أن مساوي المساوي مساوي، ولو كانت لازمة لذات الترتيب فمتى وجد هذا الترتيب وجد الإنتاج، ولكنه قد ينوجد الترتيب من غير إنتاج كما في نصف النصف وككما في أخ أخ الأخ. نعم، هذا تمام الكلام في تعريفنا.
طبعا ولذلك يسمى هذا القياس -التفت، ماذا يسمى؟- (ألف مساوي لباء وباء مساوي لجيم) يقال له: (قياس المساواة). لك أن تعترض: ولكنكم تقولون أنه قياس فيجب أن تدخله في التعريف، كيف أخرجته؟ سوف يأتي الجواب عن ذلك: قياس المساواة ليس قياسا بالمعنى الذي نصطلح عليه وناخذه، وإن كان يمكن إرجاعه إلى قياس بهذا المعنى.
أنواع الحجة ومصاديقها في الاستدلال اليومي
نقرأ هذا المقدار: قال (قدس سره): من منا لم يحصل له العلم بوجود النار عند رؤية الدخان؟ شوف، هذا إشارة إلى الانتقال من العلة إلى المعلول، يعني إشارة إلى القياس. ومن ذا الذي لا يتوقع صوت الرعد عند مشاهدة البرق في السحاب؟ أيضا مثال للانتقال من العام إلى الخاص. ومن ذا الذي لا يستنبط أن النوم يجم القوى؟ هذا بالاستقراء، لأنك كلما نمت وجدت نفسك تستيقظ متعبا مثلا. وأن الحجر يبتل بوضعه في الماء؟ التفت، العقل مهما بقي يتأمل في الحجر فسوف لا يستنتج أن الحجر يبتل بوضعه في الماء إلا عندما يضعه بنفسه في الماء ويجربه في الطبيعة، تمام؟ فهذا مثال للاستقراء. وأن السكين تقطع -عفوًا- أن السكين تقطع الأجسام الطرية؟ جيد، هذا أيضا يحتاج إلى تجربة، إذا هو وليد الاستقراء.
وقد نحكم على شخص بأنه كريم لأنه يشبه في بعض صفاته كريما نعرفه ولو كانت طريقة قص الشعر، جيد، هكذا أصلا التفاؤل والتشاؤم في حياتنا هو وليد مثل هذه الأمور، البارحة قبل أن أتعرض لهذه الصدمة مثلاً، جيد، سمعت صوت البوم، إذا اليوم سمعت صوت البوم إذا فسوف أتعرض إلى صدمة مماثلة مثلاً. التفاؤل والتشاؤم ليس وليد قياس، وإنما هو وليد التمثيل، وهو لا يغني من الظن شيئا، ولذلك كان مثل كان التشاؤم منهيا عنه في الشريعة، لأنه إيمان بالأشياء من دون وجود أسبابها، نحسب ما ليس بعلة علة، وهكذا. أو نحكم على قلم بأنه حسن لأنه يشبه قلما جربناه، مع أنه لا يوجد ملازمه، وهكذا إلى آلاف من أمثال هذه الاستنتاجات تمر علينا كل يوم.
شوف، أكثر معلوماتنا وأكثر اعتقاداتنا نشكلها على أساس التمثيل حقيقة، لا على أساس القياس. وفي الحقيقة أن هذه الاستنتاجات الواضحة التي لا يخلو منها ذو شعور ترجع كلها إلى أنواع الحجة المعروفة التي نحن بصدد بيانها، ولكن على الأكثر لا يشعر المستنبط أنه سلك أحد تلك الأنواع، يعني بطريقة لا واعية يستبطن أو يستنبط النتيجة من دون أن يلتفت إلى الطريقة التي استنتج بها هذه النتيجة، هذه أهمية المنطق أنك مع النتيجة تلتفت إلى الطريقة التي اتبعتها، جيد، وتقيم تلك الطريقة.
وإن كان من علماء المنطق وقد تعجب لو قيل لك أن تسعة وتسعين بالمائة من الناس هم منطقيون بالفطرة من حيث لا يعلمون، يستنتجون بالطريقة التي يستنتج بها المنطق، ولكن يستنتجون استنتاجات بحق تارة قياسية وتارة استقرائية وثالثة تمثيلية. ولما الإنسان، ولما كان الإنسان مع ذلك -يعني مع كونه منطقيا- يقع في كثير من الخطا في أحكامه أو يتعذر عليه تحصيل مطلوبه، لم يستغن عن دراسة الطرق العلمية للتفكير الصحيح والاستدلال المنتج.
والطرق العلمية للاستدلال عدا طريق الاستدلال المباشر الذي تقدم البحث عنه، هي ثلاثة أنواع رئيسة:
1. القياس: وهو أن يستخدم الذهن القواعد العامة -شوف، المسلم بصحتها- في الانتقال إلى المطلوب، وهو العمدة في الطرق عند المنطق الأرسطي.
2. التمثيل: وهو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما.
3. الاستقراء: وهو أن يدرس الذهن عدة جزئيات فيستنبط منها حكما عاما، يعني السير من الجزء إلى الكلي.
نصوص المتن المنطقي والتعليق عليها
القياس: قال (قدس سره): عرفوا القياس بأنه قول مؤلف من قضايا متى سُلِّمت لزم عنه لذاته قول آخر.
القول جنس ومعناه المركب التام الخبري فيعم القضية الواحدة والأكثر.
مؤلف من قضايا فصل، يعني مؤلف من قضايا إلى آخره. فصل، والقضايا جمع منطقي، أي ما يشمل الاثنين ويخرج بقيد القضايا الاستدلال المباشر، لأنه كما سبق قضية واحدة على تقدير التسليم بها تستلزم قضية أخرى.
متى سُلِّمت من التسليم، وفيه إشارة إلى أن القياس لا يشترط في قضاياه أن لا يشترط فيه أن تكون قضاياه مسلمة فعلا، بل شرط كونه قياسا أن يلزم أن يلزم منه على تقدير التسليم بقضاياه قول آخر، كشأن الملازمة بين القضية وبين عكسها أو نقضها، هناك أيضا قلنا نقول: (لو صدق الأصل لصدق العكس)، ولا لا ندرس الأصل هل هو صادق أو لا، ولذلك نتعاطى الموضوع والمحمول بطريقة الرموز. واللازم يتبع الملزوم فقط -عفوًا- بالصدق فقط دون الكذب كما تقدم في العكس المستوي، لجواز كونه لازما أعم، ومنه يعرف أن كذب القضايا المؤلفة لا يلزم منه كذب القول اللازم، لا نعم كذبه يستلزم كذبه.
واضح في بعض الأحيان -التفت- تكون هذه المقدمات لا تستلزم تلك النتيجة مع أن النتيجة صادقة. أعطيك مثال الآن، إذا قلت مثلا: (كل إنسان حجر وكل حجر جسم)، هذا المقدم، هذه المقدمات ماذا تنتج؟ (كل إنسان جسم). تتفق، عجيب! هذه القضية صادقة، مع أن النتيجة لا تستلزمها، واضح؟ النتيجة لا تستلزمها، لكن النتيجة صادقة. أو كما تقول مثلاً: (كل أو العالم متحرك وكل متحرك حادث)، فماذا ينتج؟ أقول ينتج: (علي ولي الله)، النتيجة صادقة، ولكن هذه النتيجة لم تستلزمها هذه المقدمات! طيب، في بعض الأحيان -التفت- قد تكون المقدمات فاسدة، ولكن النتيجة صحيحة، لا يلزم من كذب الأصل كذب -العكس- ولا يلزم من كذب -شوف، المقدمات هي بمثابة العلة، ولا يلزم من كذب كذب العلة كذب المعلول- احتمال أن يكون المعلول موجودا بعلة أخرى، فليس كلما كذبت المقدمات فقد كذبت النتيجة، النتيجة قد تكون صحيحة، غاية ما في الأمر أنها ليست مسببة عن هذه المقدمات، ولو بأن تكون مسببة عن مقدمات أخرى.
لزم عنه: يخرج به الاستقراء والتمثيل، لأنهما وإن تألفا من قضايا لا يتبعهما القول الآخر على نحو اللزوم. وإن تألفا من قضايا ولكنهما لا يتبعهما القول الآخر على نحو اللزوم، ليش؟ لجواز تخلفه عنهما، لأنهما أكثر ما يفيدان الظن، إلا بعض الاستقراء اللي هو الاستقراء التام كما سوف يأتي.
إذا كان بعض الاستقراء -شوف، إذا كان بعض الاستقراء نتيجة لازمة، فكيف نخرجه من التعريف؟ فيلزم أن يكون التعريف غير مانع من دخول الأغيار- لأن بعض الاستقراء كما يقول (إلا بعض الاستقراء)، شو يعني؟ يعني بعض الاستقراء نتيجته يقينية، وإذا كانت نتيجته يقينية فهي نتيجة لازمة أو لا؟ فهو يصدق عليه أنه يلزم عنه لذاته قول آخر، فيلزم أن يكون التعريف غير مانع من دخول الأغيار، سوف يأتي معنا أن هذا النوع النحو من الاستقراء يدخل تحت القياس، يرجع إلى قياس، وبالتالي لا مانع من دخوله تحت القياس، لأنه ليس إلا قياسا حقيقة، وسيأتي، سيأتي أن هذا النوع من القياس من الاستقراء لا يحصل أساسا.
لذاته: يخرج به قياس المساواة كما يأتي في محله، فإن قياس المساواة إنما يلزم منه القول الآخر لمقدمة خارجة عنه لا لذاته، مثل: (باء يساوي جيم، وجيم يساوي دال، فباء يساوي دال)، ولكن لا لذاته، بل لصدق المقدمة الخارجية وهي (مساوي المساوي مساوي)، ولو كان لذاته لأنتج هذا الترتيب دائما، ولذا لا ينتج مثل قولنا: (باء نصف جيم، وجيم نصف دال)، لأن نصف النصف ليس نصفا بل ربعا.
الاصطلاحات العامة في القياس تأتي هذه إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.
