منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 70

تحميل Word

070

قد عرفنا في الدرس السابق أن القياس عبارة عن قول مؤلف من قضايا، متى سلمت تلك القضايا فإنه ــ أي القول ــ يقتضي لذاته صدق قضية أخرى. وقلنا إن قيد «لذاته» ــ يرحمكم الله ــ قد جيء به لإخراج قياس المساواة. وهو أن يقال إن ألف مساو لباء، وباء مساو لجيم، فينتج أن ألف يساوي جيم. فإن هذا القياس وإن كان منتجا إلا أن النتيجة هاهنا ليست ناشئة من ذات المقدمات، إذ لو كانت ناشئة من ذات المقدمات لأعتقد... أنتج هذا القياس بمعزل عن مادته، أي عن المقدمات المأخوذة. ولكننا نجد أن هذا القياس لا ينتج فيما إذا كانت المعادلة هي معادلة النصف في قولنا: ألف نصف باء، وباء نصف جيم. وذلك لصدق القضية الخارجية... لعدم صدق القضية الخارجية، وهي أن النصف... أن نصف النصف نصف.

المساواة هو ناشئ من مقدمة خارجية، أو فقل: الذي اقتضى صدق النتيجة في قياس المساواة هو وجود قاعدة خارجية ــ أي خارجة عن المقدمات ــ صادقة، وهي قولنا إن مساو المساو مساو. ولكنه لما لم تصدق القاعدة القائلة بأنه نصف النصف نصف، فلم ينتج القياس في جميع الحالات.

ولقائل أن يتساءل: إن قياس المساواة إذا كان واحدا من أنواع القياس، إذ يقال إنه قياس مسواة، فهو فرد من أفراد القياس أو نوع من أنواع القياس، وإذا كان قياس المساواة نوعا من مطلق القياس، فلأي شيء نخرجه عن تعريف القياس؟ والتعريف ينبغي أن يكون جامعا لكل أفراده.

والجواب على ذلك من جهات، منها أن قياس المساواة وإن أطلق عليه لفظ القياس، ولكن إطلاق لفظ القياس عليه يكون من باب الاشتراك اللفظي، لا أنه يندرج تحت مطلق القياس اندراج الجزئي تحت كلي؛ فهو وإن اشترك مع القياس لفظا ولكنه يغايره مفهوما ومعنى، ولذلك يجب إخراجه. ومن الأجوبة التي قيلت أيضا أن قياس المساواة وإن كان قياسا في الحقيقة، غير أنه قياس مركب من قياسين على ما سيأتي في محله. والتعريف المذكور إنما هو تعريف للقياس الواحد المركب من قضيتين ومقدمتين لا أكثر. فقياس المساواة قياس، غير أنه قياس مركب من قياسين على ما سيأتي. والتعريف إنما هو للقياس الواحد. والقياس الواحد لا يشمل القياس المركب من قياسين.

فهذان الجوابان متباينان بحسب الرأي الذي سوف نتبناه في هذه المسألة: هل إن قياس المساواة قياس حقيقة أو ليس قياسا؟ فإن لم يكن قياسا فالأمر سهل، ويكون الأمر من باب الاشتراك اللفظي. ولكنه إذا كان قياسا، فالوجه في إخراجه حينئذ أنه قياس مركب من مجموع قياسين على ما سيأتي.

المصطلحات العامة في القياس

يقع الكلام في بيان الاصطلاحات العامة التي سنتداولها في بحث القياس، وفي توضيح هذه الاصطلاحات، ثم بعد ذلك نقسم القياس إلى مجموعة من الأقسام، ثم نتعرض إلى المصطلحات الخاصة لكل واحد من هذه الأقسام. والحاصل أن هناك جملة من المصطلحات التي تجري في كل قياس، سواء كان القياس إقترانيا أو كان استثنائيا، ولذلك فإن الماتن (قدس سره) قدم البحث عن هذه المصطلحات قبل التقسيم، وذلك لأن هذه الاصطلاحات تجري في كل قياس.

ثم بعد ذلك نقسم القياس إلى قسمين: إلى قياس من النوع الإقتراني، وإلى قياس من النوع الاستثنائي. ولكل واحد من هذين القسمين اصطلاحات تخصه، فسوف نتعرض إليها وإلى بيانها بعد التقسيم.

أما الاصطلاحات العامة فمنها قولنا صورة القياس، ومنها قولنا مادة القياس. والحاصل أن كل قياس، كما عرفناه، فلا بد أن يتركب من قضيتين. فإذا ما نظرنا إلى كل واحدة من هاتين القضيتين من حيث هي هي، ومن حيث كونها موضوعا ومحمولا ونسبة بينهما، فيقال لهذه القضية إنها مادة القياس، ويقال للمجموع إنهما مواد القياس. وقد يقال أيضا للمادة إنها مقدمة. فالمراد من مادة القياس أو مقدمة القياس هي القضية التي يتشكل منها القياس، ولكن النظر إلى هذه القضية يكون نظرا إليها بما هي هي، من حيث كونها موضوعا ومحمولا ونسبة قائمة بينهما.

وأما إذا نظرنا إلى المقدمتين ــ إلى القضيتين، إلى المادتين ــ من حيث طريقة الترتيب في القياس، بأن جعلت هذه المقدمة هي الأولى وجعلت تلك هي الثانية، فيقال للمقدمة حينئذ إنها هيئة القياس. وقد أوضحنا ذلك في الدرس السابق، إذ المراد من الهيئة هي الطريقة النهائية التي تكون عليها القضية. إذاً، صورة القياس أو هيئة القياس هي الترتيب النهائي الذي توضع على أساسه المقدمتان، بأن تكون الأولى موجبة أو سالبة والثانية تكون موجبة أو سالبة، كلية أو جزئية، بأن تجعل هذه المقدمة في البداية وتجعل تلك في عقبها.

فالاصطلاح الأول إذاً صورة القياس، والمراد منه طريقة ترتيب المقدمات. الاصطلاح الثاني مقدمة القياس، ويراد منها مادة القياس، وهي نفس القضية التي يتشكل منها القياس. الاصطلاح الثالث المطلوب، وهي النتيجة التي ننتهي إليها بعد تشكيل المقدمات. والحاصل أن النتيجة قبل... نجري عملية القياس تسمى مدعاً، لأنها قبل قيام الدليل عليها لا تكون أكثر من مجرد دعوى، لا دليل عليها ولا مثبت لها. فالنتيجة قبل الشروع في عملية الاستدلال، قبل الشروع في عملية ترتيب المقدمات، تسمى مدعاً، ثم إن الشروع وأثناء الاشتغال بترتيب المقدمات تسمى مطلوبا، وذلك لأن الذهن عندما شرع في ترتيب المقدمات فلا بد أنه طالب لإثبات هذه النتيجة، فتسمى مطلوبا. ثم بعد الانتهاء من ترتيب القياس ومن ترتيب مقدماته، فإنها تسمى نتيجة، إذ الفرض أن الذهن قد انتهى من ترتيب المقدمات إلى تلك القضية. فالقضية التي تثبت بالقياس تسمى مدعاً قبل الشروع في عملية ترتيب المقدمات، وتسمى هي بعينها مطلوبا أثناء الاشتغال بترتيب المقدمات، وتسمى نتيجة بعد تحصيل هذه القضية من القياس.

الاصطلاح الرابع الحدود، والمراد من الحدود الأجزاء الذاتية لكل مقدمة من مقدمتي القياس. بيان ذلك أننا قد عرفنا أن كل قياس فإنه يتركب من قضيتين، وتسمى كل واحدة من هاتين القضيتين مقدمة القياس. ثم إن القضية تتركب من موضوع ومن محمول، شوف، ومن نسبة قائمة بين الموضوع والمحمول. فأجزاء القضية الحملية حقيقة ثلاث، ولكننا إذا قمنا بتحليل هذه القضية ــ ونريد من تحليلها هاهنا تفكيكها ــ إذا قمنا بتفكيك هذه القضية فسوف لا نجد إلا جزأين اثنين لا ثلاثة، والسبب في ذلك أن النسبة بين الموضوع والمحمول، كما عرفنا، إنما تتقوم بالموضوع والمحمول، فالنسبة لا واقع لها وراء الموضوع والمحمول، بل هي تنوجد بوجود الطرفين. ولكننا عندما نقوم بتفكيك القضية إلى أطرافها ــ بمعنى أننا نحلل القضية ونفككها ــ أننا قد أزلنا الارتباط بين الموضوع والمحمول، وإذ قد زال الارتباط بين الموضوع والمحمول، فلا يعود للنسبة أي وجود.

إذا اتضح ذلك، فنريد من الحدود لا مطلق أجزاء القضية، بل الأجزاء التي تبقى في القضية حتى بعد تفكيكها. والقضية بعد تفكيكها لا يبقى منها إلا موضوعها ومحمولها، وأما النسبة فإنما تنوجد بوجود الطرفين، والفرض أننا قد فككنا بين الطرفين فلم يعد مجال لوجود النسبة. وهذا معنى قول الماتن إن المراد من المقدمة أو من الحد هو الجزء الذاتي للمقدمة. ونريد من الجزء الذاتي هو الجزء الذي يبقى لذاته وجود حتى بعد تفكيك القضية وتحليلها. فالنسبة وإن كانت واحدا من أجزاء القضية، إلا أنها جزء من أجزاء القضية قبل التفكيك، أما بعد تفكيك القضية إلى أطرافها فلا يعود للنسبة أي وجود.

وبهذا يظهر أن للقياس الواحد كم حد؟ أربعة حدود. لأن كل قياس فهو مركب من قضيتين، وكل قضية عندما نفككها لا يبقى منها إلا موضوعها ومحمولها. فحدود القياس أربعة: موضوع المقدمة الأولى ومحمولها، وموضوع المقدمة الثانية ومحمولها، على تفصيل سيأتي. هذا إذا كانت القضية حملية.

وأما إذا كانت القضية شرطية، فالقضية الشرطية هي التي تتركب من مقدم وتال ونسبة لزومية أو اتفاقية بين المقدم والتالي. ومن الواضح أن مثل هذه القضية عندما نفككها لا يبقى منها إلا المقدم والتالي، فالمقدم في القضية الشرطية بكل ما له من ألفاظ يكون حدا.

وإنما سميت حدودا، لأن الموضوع هو الحد الذي تبدأ به القضية الحملية، والمحمول هو الحد الذي تنتهي عنده القضية الحملية. وهذا بخلاف النسبة. وحد الشيء هو فناؤه، فيقال إن حدود هذا الكتاب تنتهي هاهنا، هذا يعني أن الآن أو النقطة التي ينتهي ويتناهى وجود هذا الكتاب هي عند هذا المكان أو في هذا الزمان. فالحد هو نهاية المحدود، والقضية الحملية آخرها من جهة البداية موضوعها، وآخرها من جهة النهاية محمولها، ولذلك سميت هذه حدودا.

وسوف يأتي معنا أن الحدود وإن كانت أربعة، ولكن دائما يوجد حد من القضية الأولى يجب أن يكون مشتركا مع حد من القضية الثانية. كما تقول مثلا: الخمر مسكر، وكل مسكر حرام؛ فإن القضية الأولى لها حدان: الخمر ومسكر، والقضية الثانية لها حدان أيضا وهما: مسكر وحرام. فنجد دائما أنه في قياس الإقران يجب أن يكون أحد الحدين من القضية الأولى مشتركا مع أحدهما من القضية الثانية، سواء كان هذا المشترك موضوعا في القضية الأولى وموضوعا في القضية الثانية، أو كان موضوع محمولا في القضية الأولى ومحمولا في القضية الثانية، أو كان موضوعا في الأولى ومحمولا في الثانية، أو كان بالعكس. ولذلك سوف ينقسم القياس بحسب هذا الاختلاف إلى عدة أقسام.

وهذا الحد المشترك نسميه حدا أوسط لما سيأتي. فالحدود إذا صارت ثلاثة، ما كان أربعة انقلب ثلاثة. جيد؟

حد أول: وهو الجزء الذاتي المطلق المختص، يعني الذي لا يشترك مع جزء آخر من القضية الثانية في القضية الثانية... في القضية الأولى.

حد أوسط: وهو الحد المتكرر بين القضية الأولى والقضية الثانية، سواء كان موضوعا أو محمولا لا يهم.

وحد مختص بالقضية الثانية.

ويسمى الحد المختص بالقضية الأولى حدا أصغر، والحد المختص بالقضية الثانية يسمى حدا أكبر. وهذا لم يتعرض إليه الماتن هاهنا، لأن هذه الاصطلاحات ــ اصطلاحات الحد الأصغر والحد الأوسط والحد الأكبر ــ ليست من المصطلحات العامة التي تجري في كل قياس، لما سيأتي من أنها تجري في القياس إذا كان إقترانيا، أما إذا كان شرطيا فلا تجري فيه هذه الاصطلاحات. نعم، كلمة الحد تجري في كل قياس. هذا تمام الكلام في بيان المصطلحات العامة.

إذاً، كل قياس فهو مركب من قضيتين. فإذا نظرنا إلى القضية من حيث مفادها ومن حيث تركبها من موضوع ومحمول ونسبة، أو من مقدم وتال ونسبة، فإنها تسمى مقدمة القياس، ويقال لها أيضا مادة القياس. إذا نظرنا إلى طريقة الترتيب، الصورة النهائية التي ترتبت على أساسها المقدمتان، يقال للمقدمتين إنهما صورة القياس أو هيئة القياس. إذا نظرنا إلى القضية التي نريد أن نستفيدها من القياس: قبل الشروع في القياس، قبل الشروع في ترتيب المقدمات تسمى مدعاً. أثناء ترتيب المقدمات تسمى مطلوبا. وبعد الانتهاء من ترتيب المقدمات واستخلاص هذه القضية تسمى نتيجة. جيد؟

ثم كل مقدمة إذا أخذنا أجزائها التي تبقى حتى بعد تفكيكها، فإنها تسمى تلك الأجزاء حدودا. وحدود كل مقدمة إما موضوعها ومحمولها، وإما مقدمها وتاليها.

قال (قدس سره): «لابد أولا من بيان المصطلحات العامة» ــ شوف، قال ــ «عدا المصطلحات بكل نوع التي سيرد ذكرها في مناسباتها»، أي بعد تقسيم القياس إلى أقسام. والسبب في ذلك واضح، لأن الشروع في المصطلحات الخاصة فرع معرفة اختصاصها، فلا بد أن نقسم القياس إلى قسمين ليصح لنا بعد ذلك أن نحكم على كل قسم بما يخصه.

قال: «وهي» ــ أي المصطلحات العامة ــ:

«هيأة التأليف الواقع بين القضايا». وقلنا التأليف يعني التناسب بين القضيتين، يعني طريقة الترتيب، فيقال صورة القياس ويقال هيئة القياس.

«المقدمة وهي كل قضية تتألف منها صورة القياس والمقدمات تسمى أيضا مواد القياس». طيب.

«المطلوب وهو القول اللازم من القياس» ــ يعني القول الذي يترتب على ترتيب المقدمات بهذه الطريقة ــ «ويسمى مطلوبا عند أخذ الذهن في تأليف المقدمات، أما قبل ذلك فيسمى مدعاً لأنه صرف دعوة حينئذ».

«النتيجة وهي المطلوب عينها، ولكنه يسمى بها» ــ يعني يسمى بهذه التسمية ــ «بعد تحصيله من القياس».

فرق اعتباري حقيقة، الفرق بين النتيجة وبين المطلوب والمدعى هو فارق في اللحاظ؛ إذا لاحظناها قبل الأخذ في ترتيب المقدمات فهي دعوة، وأثناءه فهي مطلوب، وبعده فهي نتيجة.

قال: «الحدود وهي الأجزاء الذاتية للمقدمة» ــ شوف، لأن كلمة «الذاتية» هاهنا كلمة موهمة، لأن الذاتي عادة يكون في قبال العرضي أو العرضي، تمام؟ وليس المراد من الذاتية هاهنا هذا المعنى، ولذلك كان لابد من تفسيره مباشرة، ولذلك قال: «ونعني بالأجزاء الذاتية»، حتى لا نتوهم أن هذا جري على الاصطلاحات السابقة، هذا اصطلاح من... اصطلاح تبرعي من الماتن (قدس سره)، ولكنه أراد منه هذا المعنى، قال: «ونعني بالأجزاء الذاتية الأجزاء التي تبقى بعد تحليل القضية، فإذا فككنا وحللنا الحملية مثلا إلى أجزاء، لا يبقى منها إلا الموضوع والمحمول دون النسبة»، لا لأن النسبة جزء عرضي مثلا، لا معنى لأن يكون الشيء جزءا ويكون عرضيا، جزء لا يمكن للكل أن يتحقق من دونه، فما من جزء إلا وهو ذاتي تمام! ولكنه أراد من الذاتي هنا ما يبقى الجزء بذاته حتى بعد التفكيك، قال: «لأن النسبة إنما تقوم بالطرفين للربط بينهما، فإذا أُفرد كل منهما» ــ يعني من الطرفين ــ «عن الآخر فمعناه ذهاب النسبة بينهما».

طيب، هذا بالنسبة إلى النسبة، طيب سور القضية، جهة القضية، كمها، كيفها؟ قال: «وأما السور والجهة ــ التفت ــ ما هو الكم والكيف؟ أوصاف بالنسبة، والجهة أيضا كيفية بالنسبة»، تمام؟ لأن انتساب المحمول إلى موضوعه هل هو انتساب على نحو الدوام أو لا؟ فكل من الجهة والكم والكيف من أوصاف النسبة، والموصوف عند انعدامه ينعدم جميع أوصافه، ولذلك فلا يبقى من القضية إلا موضوعها ومحمولها؛ لأن الكم هو بيان عدد الأفراد ــ شوف ــ التي نسبت من المحمول إلى موضوعه، الكيف حيث هو بيان أن انتساب المحمول إلى موضوعه هل هو على نحو الإيجاب أو على نحو السلب، فلما انعدمت النسبة بعد التفكيك بسبب التفكيك انعدمت جميع أصافها، لأن الصفة عدم عند عدم موصوفها؛ ليش؟ لأن الموصوف هو الذي تتحقق... هو الوجود الذي تقوم به الأوصاف، وإذا انعدم الجوهر انعدمت جميع أعراضه.

قال: «وأما السور والجهة فهما من شؤون النسبة، فلا بقاء لهما بعد ذهابها. وكذلك إذا حللنا الشرطية إلى أجزائها لا يبقى منها إلا المقدم والتالي. فالموضوع والمحمول أو المقدم والتالي هي الأجزاء الذاتية للمقدمات، وهي الحدود فيها».

ولنوضح هذه المصطلحات بالمثال، فنقول: شارب الخمر فاسق، وكل فاسق ترد شهادته، ينتج: شارب الخمر ترد شهادته. فبواسطة نسبة كلمة «فاسق» إلى «شارب الخمر» في القضية الأولى، ونسبة «رد الشهادة» إلى «كل فاسق» في القضية الثانية، استنبطنا النسبة بين «رد الشهادة» و«الشارب» في القضية الثالثة التي هي الننتيجة. فكل واحدة من القضيتين الأولى والثانية مقدمة ومادة، و«شارب الخمر» و«فاسق» و«ترد شهادته» حدود. فكم حدا ذكر؟ ثلاثة؛ لأن هناك حدا مشتركا.

والقضية رقم ثلاثة تسمى مطلوبا أثناء الاشتغال بالمقدمات، ونتيجة بعد الفراغ عن التأليف. والتأليف بين المقدمات ــ يعني طريقة الترتيب ــ تسمى صورة القياس. ولا يخفى أننا استعملنا هذه العلامة، وهي النقطتين... فوقهما نقطة... النقط الثلاث، ووضعناها قبل النتيجة، وهي علامة هندسية تستعمل للدلالة على الانتقال إلى المطلوب، هي تعتبر إذا باللغة العربية، جيد. ويمكن أن نستبدلها بسهمين، التي هي يعتبر باللغة الأجنبية (Implies that) مش هيك؟ ينتج يعني، تمام.

طيب، طبعا في الاصطلاحات الهندسية مرة تكون النقطتان في الأسفل، مرة تكون النقطتان في الأعلى. إذا كانت النقطتان في الأعلى تكون بمعنى «بما أنه» سينس باللغة الأجنبية، إذا كانت بهذه الطريقة النقطتان في الأسفل تستعمل للاستنتاج، أي ينتج أو إذا كذا. طيب، ووضعناها قبل النتيجة، وهي علامة هندسية تستعمل للدلالة على الانتقال إلى المطلوب وتقرأ «إذاً»، وسنستعملها عند استعمال الحروف فيما يأتي للاختصار والتوضيح.

أقسام القياس بحسب مادته

أقسام القياس بحسب مادته وهيئته: قد عرفنا أن كل قياس فإنه مركب من قضيتين، ثم القضيتان أو المقدمتان إذا نظرنا إليهما بمعزل عن طريقة ترتيبهما فهما مادة القياس، وإلا فإن نظرنا إليهما من حيث الترتيب الواقع بينهما والتأليف والنسب الواقع بين القضيتين فيقال صورة القياس. وكذا عرفنا أن المنطق لا يبحث في مادة القياس وإنما يبحث في هيئاتها وفي صوراتها، وإلا فلو كان المنطق يبحث في تصحيح مواد القياس لوجب على المنطقي أن يبحث في جميع العلوم، فينقلب المنطق جميع العلوم، في حين قد فرضنا أن المنطق إنما جيء به ليخدم في سائر العلوم.

والحاصل أن المسألة... فالفيزيائي عندما يريد أن يستدل على قضية تجريبية، فإنه يذهب إلى المنطقي ويأخذ منه شروط الهيئة، ثم يتكفل هو بتصحيح مادة القياس أو مقدمات القياس، فينتج نتيجة صحيحة، والسبب في ذلك هو أن شروط الهيئة شروط تجري في كل أنواع استدلال، بمعزل عما إذا كانت المقدمات فيزيائية أو كيميائية أو شرعية دينية أو وجدانية أو حسية أو غير ذلك.

ومن هنا فإن المنطقي قد أبدى اهتمام بهيئة القياس وليس له اهتمام بمادة القياس، فكان مقتضى الأصل حينئذ أن لا نتعرض إلى مادة القياس أساسا، وأن لا نقسم القياس باعتبار مادته إلى أي قسم؛ لأن التقسيم من شروطه أن يكون للأقسام ثمرة، ونحن كمنامق لا ثمرة لمثل هذا التقسيم عندنا.

نعم، المناطقة قد قسموا القياس باعتبار مادته إلى جملة من الأقسام، غير أن هذا التقسيم تقسيم عام مجمل، لا أننا نقسم القياس باعتبار كون المقدمات فيزيائية أو شرعية أو عقلية أو فلسفية، لا، هذا لا ثمرة له في علم المنطق. نعم، يوجد تقسيم عام مجمل هو كفهرست للصناعات التي سوف يأتي بيانها في الجزء الثالث.

والحاصل أن القياس بحسب اختلاف طبيعة مقدماته ــ شوف، أولا سنقسم القياس باعتبار المادة، ثم بعد ذلك سوف نقسمه باعتبار الهيئة، ومحل بحثنا حقيقة هو القياس باعتبار الهيئة، أي أقسام القياس باعتبار هيئته، ولكن الماتن ذكر تقسيما للقياس باعتبار مادته ــ فنقول: كل قياس إذا نظرنا إلى مقدمتيه بحسب اختلاف طبيعة هذه المقدمات، من كونها يقينية أو ظنية أو تخيلية أو موهومة أو مشكوكة مثلا، فنقول: القياس باعتبار الاختلاف بين طبيعة المقدمات لا يخلو إما أن يفيد في نتيجته تصديقا أو لا. ومعنى أنه يفيد تصديقا أنه يفيد ترجيحا لنسبة على نسبة أخرى. والتصديق، كما عرفنا، يشمل اليقين ويشمل الظن؛ لأن الظن ترجيح لأحد الطرفين الوقوع أو اللا وقوع، ولكن مع احتمال الطرفين.

فالقياس لا يخلو إما أن يفيد نتيجة... أو إما أن يفيد تصديقا في نتيجته، تكون تصديقية تفيد ترجيح أحد الطرفين، أو يفيد نتيجة لا ترجيح فيها أساسا، لا يوجد ترجيح فيها، سوف نبين ذلك.

ثم إذا كانت نتيجته بحيث تفيد التصديق، فلا يخلو: إما أن يكون التصديق جازما، أي لا يقبل الخلاف، أو لا. وإذا كان تصديقا غير جازم فهي نتيجة ظنية.

ثم إذا كان التصديقا جازما، فلا يخلو: إما أن يكون مطابقا للواقع أو لا؟ بأن يكون جهلا مركبا، وفيه تصديق جازم، ولكن هذا التصديق غير مطابق للواقع. الآن أنا أقيم لك دليلا على شيء، وهذا الشيء لا واقع له، وأنت تقتنع بالدليل، فقد استفدت تصديقا جازما وأيقنت في نظرك أن هذا الأمر واقع، ولكنه لا واقع له. فإما أن يكون مطابقا للواقع أو لا.

ثم إذا كان مطابقا للواقع، فإما أن يكون الغرض من إقامة هذا التصديق الجازم المطابق للواقع هو كشف الحقيقة ــ يعني هذه ترجع إلى نية المستدل ورفع الجهل ــ وإما أن لا يكون الغرض عبارة عن كشف الحقيقة، بل يكون الغرض... بل يكون الغرض إلى مجرد الإفحام. أنا لا أريد أن أقيم لك دليلا على شيء واقع ــ ألتفت! ــ أقيم لك دليلا على شيء هو واقع في نفس الأمر، له حقيقة في نفس الأمر والواقع، مطابق للواقع، غير أن الباعث على إقامة هذا الدليل والباعث على إبراز هذا الواقع لم يكن من أجل أن أرفع جهالة عندك، وإنما من أجل أن أوقعك في الحرج، من أجل إفحام الخصم.

فإذا كان نتيجة القياس تصديقا جازما مطابقا للواقع، وكان الباعث على ذلك هو كشف الحقيقة، يسمى هذا القياس حينئذ بأنه البرهان، وتعرف صناعة البرهان، وهذا هو أكثر الأقسام التي يهتم بها المنطق، ولذلك نجد أن أكثر ما بحث فيه الماتن (قدس سره) في الجزء الثالث هو عن البرهان وعن شروطه وأركانه إلى آخره، تمام.

وأما إذا كانت نتيجة القياس تصديقا جازما مطابقا للواقع، ولكن الباعث على مثل إبراز الواقع كان مجرد الإفحام، فيقال لهذا القياس إنه صناعة الجدل. والجدل وإن كان لا يفترق عن البرهان لجهة أن المقدمات يجب أن تكون يقينية ــ وإلا كيف تطابق؟ ألتفت! وإلا إذا لم تكن يقينية فكيف تعطي نتيجة يقينية؟ النتيجة دائما تتبع أخس المقدمات كما سياتي ــ فالجدل يشترك مع البرهان في أن المقدمات يجب أن تكون يقينية ويجب أن تكون مطابقه للواقع، وإلا كيف تفيد نتيجة غير... وإلا كيف تفيد نتيجة مطابقه للواقع؟ فاقد الشيء لا يعطيه، وبالتالي فإن هذه المقدمات يجب أن ترجع إلى مقدمة بديهية.

ولكن النية عند المستدل هي التي توجد اختلافا بين البرهان والجدل، ولذلك نجد أن الماتن (قدس سره) سوف يذكر آدابا وشروطا للجدل، جيد، ويعني يريد أن يعلمك كيف تستخف بخصمك عندما تريد أن تجادله، هذه تسمى آداب الجدل، هي قد تكون منافية للأدب، جيد، ولكنها آداب بمعنى يعني الأمور التي على المجادل أن يرتكبها من أجل أن يستخف؛ لأن الغرض بحسب الفرض هو الإفحام، فحتى يتحقق الإفحام لابد أن تبرز بصورة القوي، جيد، ولذلك هنا نتحدث عن آداب الجدل، أي الطرق التي علينا أن ننتهجها إذا أردنا أن نستخف بخصومنا، تمام، ولذلك قيل: «منطق تزندق»، تمام.

ثم إذا كانت نتيجة القياس تصديقا جازما، غير أنه لا يطابق الواقع، فيقال له صناعة المغالطة. كما يقال مثلا: الآن زيد غير عمرو، وعمرو إنسان، أنت حقيقة... تستنكر هذه النتيجة لأنك تراها شبهة في مقابل البديهة، ولكنني لو حذفت زيد وعمرو وإنسانا ووضعت ألف وباء وجيم، فإنك سوف تحكم بأن ألف غير جيم، فهذه تفيدك تصديقا جازما، غير أن هذا التصديق أنت تعرف أنه غير مطابق للواقع، بسبب أن هذه الشبهة في مقابل البديهة، لأن وجدانك شاهد أو الحواس شاهدة على أن زيد ليس إلا إنسانا، تمام.

وأما القياس الذي تكون نتيجته تصديقا غير جازم، فيقال له صناعة الخطابة وفن الخطابة، وهو ما يستعمله المبلغون على منابرهم من أدلة إقناعية هي ليست بأدلة حقيقية ــ لأن الدليل حتى ينتج يجب أن يكون يقينيا، جيد ــ وإنما تستعمل جملة من القضايا المسلمة أو من القضايا المشهورة، التي قد لا يكون عليها إثبات ولا واقع، من أجل إقناع الجمهور. وذلك لأن الجمهور ليس كله من أهل الخاصة، الذين يعرفون أحكام العقل ويميزون بين الحقيقة وبين الوهم، فنعتمد عادة في مجال إقناعهم على الأمور الظنية، أو على الأمور التي تستفز عواطفهم، انفعالاتهم، جيد. ونحن كثيرا ما نثبت ولاية الفقيه على المنابر بهذه الطرق الظنية، مع أنها في بعض الأحيان قد لا تجافي... قد لا تجافي أو قد تجافي هذه الأدلة الواقع، وإن لم تجافي النتيجة واقعها، كيف كان.

القسم الخامس، وهو أن تكون نتيجة القياس بحيث لا تورث التصديق. وإذا كانت لا تورث التصديق، فالمراد أن النتيجة ليس الغرض منها بعث النفس على الحكم؛ لأن المراد من التصديق هو حكم النفس أو إذعانها، أو فقل: ميل النفس إلى إحدى الكفتين الوقوع أو اللا وقوع. فنقول القياس إما أن يكون الغرض منه هو إذعان النفس وجعلها بحيث تميل إلى إحدى الكفتين، أو لا يكون الغرض من القياس ميل النفس، بل المراد هو إيجاد انفعالات نفسية، لا أنك ــ ألتفت! ــ مع العلم بأن هذه الانفعالات النفسية وأن هذه الصور لا واقع لها.

كمن شاهد محبوبته وقد جلست في ظله فأراد أن يتغزل بها، فقال لها:

قامت تظللني من الشمس نفس أعز إلي من نفسي

قامت تظللني ومن عجب شمس تظلل من الشمس

فصورها بصورة الشمس في حسنها ورونقها وبريقها ولمعانها، جيد، وأخذ ونفى عن اللوازم المنفرة من الشمس، فقال: شمس، ومع ذلك فهي تظلل من الشمس مثلا. فنجد أن مثل هذا التركيب ــ طبعا هذا ليس قياسا، هذه قضية ــ مثل هذا التركيب ليس الباعث على ذكره هو أن نجعل النفس بحيث تميل إلى وقوع الشيء أو عدم وقوعه، فإن من يسمع بهذه الأبيات لا يحكم بأن فلانة صارت شمسا حقيقة، ومع ذلك نجد أن لمثل هذا البيت أو لمثل هذا الكلام أثرا، أثرا في النفس، وهو أنه يستجيب لهذه الانفعالات النفسية، تمام. أو كما يقال مثلا: جاء قمر من صور الحبيب على أنه وجه القمر، فنجد أن مثل هذا الكلام يحدث انفعالات نفسية كالتخيل والعُجب، أو العجب، يؤتى بهذه الانفعالات فقط لأجل أن نستجيب لحاجة النفس ولجوعتها، ولذلك عندما لا يعود الحبيب حبيبا، يصبح مثل هذا الكلام منفررا ويفقد أثره.

فعلى كل حال، يسمى القياس الذي تكون نتيجته بحيث توجد انفعالات نفسية وصورا تخيلية، يقال له صناعة... العَجَب... الشعر، وليس المراد من الشعر هنا كتابة الشعر هناك، يقال له صناعة الشعر، والأشعار في بلاغتها موقوفة على أن تشتمل على مثل هذه الأقيسة، عادي، مقدمة موهومة أو متخيلة، جيد، ثم نرتبها مع مقدمة أخرى موهومة ومتخيلة، فينتج عن الجمع بينهما صورة عجيبة أنيقة تلبي الاحتياجات والرغبات النفسية.

كيف كان، لا أريد أن أدخل في هذا البحث، سوف ندخل... سيأتي هذا إن شاء الله في محله. طبعا هذه الأقسام الخمسة وهي: صناعة البرهان، والجدل، والمغالطة، والخطابة، والشعر؛ هذه الأقسام الخمسة هي التي لأجلها أُفرد باب وجزء ثالث في المنطق، ويقال له باب الصناعات الخمس. ومن هنا يتضح لنا السبب في أن كثيرا من الطلبة لا يدرسون الجزء الثالث، باعتبار أن هذه الصناعات الخمس هي أقسام... هي من اقسام القياس بحسب مادته، والبعض يوفق بين الفعل والترك بأنه يكتفي فيدرس باب البرهان، لأن له ربطا بباب الأقيسة؛ إذ يحصل اليقين المطابق لنفس الأمر والواقع.

كيف كان، هذه إشارة إلى تقسيم القياس بحسب مادته، وقد ظهر بوضوح أن هذا التقسيم ليس تقسيما بحسب المادة فعلا، هو تقسيم عام، تقسيم مجمل بحسب... تفصيليا بحسب المادة؛ لأن التقسيم التفصيلي بحسب المادة هو أن نقول إن المقدمات إما أن تكون شرعية، أو أن تكون واقعية، وإذا كانت واقعية فإما أن تكون تجريبية، أو تكون عقلية، ولكن مثل هذا البحث لم يبحث الأرسطيون فيه.

هذا تمام الكلام في تقسيم القياس بحسب مادته، بحسب طبيعة هذه المقدمات: هل المقدمة يقينية فتنتج يقينا فتنتج برهانا أو جدلا؟ هل المقدمة ظنية فسوف تنتج خطابيات، تمام؟ هل المقدمة موهومة ــ أنا أتوهم أحدث في ذهني صورة لقمرية وجه الحبيب ــ فسوف تكون النتيجة حينئذ شعرا.

أقسام القياس بحسب هيئته

وأما تقسيم القياس بحسب هيئته، بمعزل أكانت يقينية أو موهومة أو مظنونة، تجريبية، عقلية، فلسفية، لا يهم، بمعزل عن طبيعة المقدمات وإنما ننظر إلى طريقة ترتيب المقدمات، فينقسم القياس بحسب هيئته إلى قسمين: إلى قياس إقتراني، وإلى قياس استثنائي. وبيان ذلك بالطريقة البدوية ولو بنظرة موجزة هو أن نقول إن القياس الإقتراني سمي قياسا إقترانيا باعتبار أن هناك إقترانا بين حدوده. كما تقول: الخمر مسكر، وكل مسكر حرام، فنجد أن حدود المقدمة الأولى قد تقارنت مع حدود المقدمة الثانية لوجود جزء مشترك بينهما، فقد اقترنت حدود المقدمة الأولى مع حدود المقدمة الثانية لوجود هذا المشترك، تمام. وأما القياس الاستثنائي فإنما سمي استثنائيا لاشتماله على أداة الاستثناء.

لكن، طيب، بيان ذلك: نأخذ أمثلة لكل واحد من القسمين، ثم بعد ذلك نستخلص تعريفاً لكل واحد منهما. طبعا ومن طريقة العرض هاهنا يظهر لكم أن تقسيم القياس إلى هذين القسمين ليس قسمة... ليس تقسيما منطقيا ثنائيا وليس تقسيما حاصرا دائرا بين النفي والإثبات، ولكننا لم نجد في الخارج أكثر من هذين النوعين.

ألتفت! تارة يكون الاستدلال بهذه الطريقة، تقول: الخمر مسكر، وكل مسكر... حافظ، زائد، قائد، زائد، إنسان، وكل إنسان إنسان حيوان ناطق، ما شئت فعبر بهذه الطريقة التي تجد أن هناك تقارنا ــ ألتفت! ــ بين حد من حدي المقدمة الأولى وبين حد آخر من حدي المقدمة الثانية.

وقد لا يكون التقارن بهذه الطريقة، قد يكون التقارن مثلا تقول: الإنسان حيوان، وتقول الإنسان... وكل الإنسان ناطق. نجد أن حدود المقدمة الأولى إنسان وحيوان، وحدود المقدمة الثانية إنسان وناطق، فنجد أن أحد الحدين قد تقارن مع الحد الآخر.

وقد يكون بالعكس: الإنسان حيوان، وبعض الحجر ليس بحيوان ــ ألتفت! ــ هنا عندما تقول: الخمر مسكر، وكل مسكر حرام، تكون النتيجة واضحة بديهية قطعية. لكن ألتفت! عندما يصبح الاستدلال بهذه الطريقة، نقول هذا قياس ــ الآن ينتج أو لا ينتج، هذا سوف يأتي في محله ــ غاية ما في الأمر أنه قد تقارن أحد حدي المقدمة الأولى، وهي قولنا: الإنسان حيوان، مع أحد حدي المقدمة الثانية وهو قولنا: بعض الحجر ليس بحيوان؛ لأن الحد هو حيوان وحيوان.

وتارة لا، تقول: المسكر حرام، وتقول أيضا والحرام... تقول ــ ألتفت! ــ مثلا: الإنسان أو الناطق إنسان، وتقول: بعض الحيوان ناطق أيضا؛ قد تشارك الناطق من المقدمة الأولى مع الناطق من المقدمة الثانية. ألتفت! هنا الحد المتكرر قد وقع محمولا في القضية الأولى موضوعا في القضية الثانية.

ما هي الصور؟ لا يوجد أكثر من هذه الصورة، لا خامس لهذه الصور.

وفي المثال الثاني: الحد المتكرر موضوع في القضية الأولى وموضوع في القضية الثانية.

في الصورة الثالثة ــ في المثال الثالث ــ: الحد المتكرر محمول في القضيتين، في الأولى وفي الثانية.

وهذا المثال الرابع: المتكرر موضوع... موضوع في الأولى محمول في الثانية.

وتسمى هذه الصور الأربعة، كما سيأتي، بالأشكال الأربعة؛ أربعة أشكال له، أربعة أشكال، وكل شكل له شروطه الخاصة لكي ينتج.

أكثر هذه الأشكال مش... أو الشكل البديهي من هذه الأشكال الأربعة هو الشكل الأول، ولذلك سمي شكلا أولا لرجوع كل الأشكال إليه، وهو أن يكون الحد المتكرر محمولا في الأولى موضوعا في الثانية، ويقال لهذا الحد إنه الحد الأوسط. ليش أوسط؟ لا لتوسطه بين الموضوع... بين... بين الخمر وبين حرام، بين الموضوع في الأولى والمحمول في الثانية، والا هذا لا يسمى حينئذ حدا أوسط. اه، قالوا: يسمى حدا أوسط لأن هذا الحد هو واسطة ثبوت الحرمة للخمر. فالأوسط لا من الوسط بين شيئين، بل الأوسط من الواسطة أي من الآلة، تمام؟

ليش؟ لأن هذا التقارن وهذا الاشتراك بين القضيتين هو الذي بسببه صح لنا أن ننسب الحرمة إلى الخمر في قولنا: الخمر مسكر، وكل مسكر حرام، تمام.

طيب، في المثال الثاني: الإنسان حيوان، وكل إنسان ناطق ــ طبعا قد لا يكون هذا الشكل منتجا بهذه الطريقة، سوف يأتي، أودعك من هذا المثال ــ عندما يكون الحد المتكرر محمولا في القضيتين، هذا المثال يقال له الشكل الثاني كما سياتي، وهذا له شروط، مثلا: إيجاب الصورة واختلاف المقدمتين في الكيف، هذا ما سيأتي.

طيب، عندما يكون الحد المتكرر موضوعا في القضيتين يقال له الشكل الثالث.

وعندما يكون المحمول... عندما يكون المتكرر موضوعا في الأولى محمولا في الثانية يقال له الشكل الرابع، لأنه أبعد عن كل الأشكال.

الشكل الأول، كما سوف يأتي، إنتاجه بديهي، لا نحتاج إلى استدلال؛ لأن البديهي لا يمكن إقامة الدليل عليه، وإلا لزم التسلسل إلى ما لا نهاية. الأشكال الثلاثة سوف نتعرض إلى الاستدلال عليها: هل ينتج؟ متى ينتج أو لا ينتج؟ هل تنتج عندما تكون الأولى موجبة؟ هل ينتج عندما تكون الأولى سالبة؟ هل تنتج عندما تكون الثانية كلية أو جزئية؟ لابد أن ندخل في كل هذه التفصيلات ونتعرف على شروط هذا الإنتاج.

كيف كان، هذا النحو من الاستدلال بكل صوره الأربعة، بكل أشكاله الأربعة، يقال له قياس إقتراني، تمام. وسمي إقترانيا لتقارن الحدود بين المقدمتين، سواء كان التقارن بهذه الطريقة المتلاصقة كما في الشكل الأول، أو كان تقارنا ولكن مع فصل حد بين الحدود. والمراد من التقارن يعني التكرر، تمام.

ثم هذا القياس الإقتراني قد يكون مركبا من قضايا حملية كما في هذه الأمثلة التي جئنا بها، وقد يكون مركبا من قضايا شرطية، نتفق؟ الآن مثلا نقول ــ شوف ــ كلما كان محمد نبيا كان معصوما ــ شوف ــ وكلما كان معصوما فهو لا يسهو مثلا، ينتج: كلما كان محمد نبيا فهو لا يسهو، تمام؟

ليش؟ لأن حدود القضية الشرطية عبارة عن المقدم والتالي، فهذا هو المقدم: كان محمد نبيا، التالي: كان معصوما. وهذا الحد قد تقارن، وهذا من يقال له قياس من الشكل الأول؛ لأن الحد المتكرر محمول في القضية الأولى موضوع في القضية الثانية. جيد؟

فقد يكون القياس الإقتراني مركبا من حمل... من قضايا حملية، وقد يكون مركبا من قضايا شرطية، وقد يتركب من قضية حملية وأخرى شرطية، كما تقول مثلا: كلما كان محمد نبيا كان معصوما، هذه قضية شرطية حكم فيها بالاتصال بين الأصنام والنبوة، طيب، ثم تقول: المعصوم لا يسو... شو يعني؟ يعني كل... إلى غير ذلك من الصور والتأليفات.

هذا هو... هذا نوع من القياس. الآن شوف، سوف نقارن بين هذا النوع من القياس ــ بين هذه الطريقة في تأليف المقدمات على أساس تقارن الحدود ــ وبين طريقة أخرى ونوع آخر من الاستدلال، وهو القياس الاستثنائي، وهذا لا يجري إلا في القضايا الشرطية.

الان لنفترض مثلا دخل حسن إلى الصف وصدرت منه... غلطة، صدرت منه معصية، تمام، فأنا أريد الآن أن استدل على أنه ليس بمعصوم، فماذا أقول؟

لو كان حسن معصوما ــ شوف ــ لما عصى، ولكنه عصى، فليس بمعصوم.

نجد أن هذا القياس أولا اشتمل على أداة استثناء: لكن. ولكن أداة تفيد الاستثناء في البلاغة، يعني تفيد الاستثناء، تقول: زيد عالم لكنه جبان؛ لأنك عندما تقول عالم فقد جعلت له من أوصاف الكمال، فتوهم المخاطب أن له سائر أوصاف الكمال، لأن من حاز العلم فمن شأنه أن يحوز على الجرأة والشجاعة، فترايد أن تستثني تقول: ولكنه جبان، تمام. فهذه يقال لها أداة استثناء.

طيب، فتقول: لو كان حسن معصوما لما عصى، هذه مقدمة أولى. كل قياس لابد أن يتركب من مقدمتين ولها حدود، حدودها المقدم والتالي، تمام. المقدمة الثانية قال: ولكنه عصى، هذه المقدمة الثانية، جيد. ولها حدان أيضا، لكنه هو هذا الموضوع وعصى المحمول، ماذا ينتج؟ ينتج... أو ينتج: إذا، ليس بمعصوم.

إذا تتذكرون في أول درس من هذه الدورة، جئت لكم بمثال، وكان هذا المثال مغالطة، ولم نجب عليها، حينما قلنا:

لو كان علي نبيا لكان معصوما، لكنه ليس نبيا.

شوف، القضية الأولى صادقة أو لا؟ لو كان نبيا بلا إشكال كان معصوما، تمام. القضية الثانية صادقة أو لا؟ أيضا بلا إشكال، لأنه ليس نبيا. فماذا ينتج؟ هناك قلت لكم: لكنه ليس نبيا، إذا ينتج: وليس بمعصوم... بمعصوم! وهذه النتيجة، فإذًأ هنا جاء الخطأ، تمام.

المنطق يتكفل لك بيان وجه الخطأ في هذا الاستدلال، وهو أننا قد عرفنا في الدروس السابقة أننا في القضية الشرطية المتصلة يكون المقدم هو الذي يستلزم التالي؛ إذا تتذكرون قال: هو يوجد علاقة استلزام بين الطرفين، واعترضنا عليه بأن علاقة الاستلزام يجب أن تكون من طرف المقدم، المقدم هو الذي يقتضي التالي، وليس بالضرورة أن يكون التالي مقتضيا للمقدم.

إذاً، فالمقدم دائما يجب أن يكون هو العلة، والتالي ماذا يكون؟ هو المعلول، ألتفت! والعلة كلما وجدت وجد معلولها، لا إشكال، والعكس... ولكن أحسنت، لا عكس، ليس كلما انتفت العلة انتفى المعلول، للاحتمال أن يكون المعلول عام... لازم يكون... تمام.

ولذلك، أنت عندما تقول: لكنه ليس نبيا، أنت حقيقة ماذا فعلت؟ نفيت العلة، ونفي العلة لا يوجب انتفاء المعلول. نعم، ألتفت! لو قلت: لكنه ليس معصوما، نفي المعلول حينئذ سوف يوجب نفي العلة. يعني لو قلت: لكنه ليس... لو كانت القضية صادقة... لو خلينا... خلينا نرجع عند حسن، حسن لو كان حسن نبيا لكان معصوما، لكنه ليس معصوما. لكنه ليس معصوما، نفى المعلول، وانتفاء المعلول يوجب انتفاء كل علة، تمام، تمام، هذه من جهة.

طيب، ولكن إذا قلت: طيب، وجود المعلول هل يكشف عن وجود؟ هذا إذا قلت مثلا: لكنه معصوم، حسن، لكنه معصوم، فلا ينتج أنه نبي. دعك من حسن، خلينا نرجع عند علي: لو كان علي نبيا لكان معصوما، ولكنه معصوم، فلا تقل إذا فيكون نبيا؛ لأن وجود المعلول لا يوجب وجود العلة. العلة... نعم، انتفاء المعلول يوجب انتفاء العلة.

ومن هنا، ألتفت! ماذا قالوا؟ طيب، قالوا: لما كان المقدم في القضية الشرطية بمثابة العلة، وكان التالي بمثابة المعلول، وكان وجود... التفت! يستلزم وجود المعلول ولا عكس، وانتفاء المعلول يستلزم انتفاء العلة ولا عكس. ألتفت! فالذي ينتج ما هو؟ قالوا: ينتج واحد من أمرين.

عندنا أربع صور، قال:

استثناء المقدم، شو يعني استثناء؟ يعني نفي... تعال قل: جاء القوم إلا زيدا، فزيد لم يجئ، فالاستثناء يعني النفي.

استثناء المقدم، شو يعني استثناء المقدم؟ يعني نفي المقدم، يعني نفي العلة. نفي العلة هل يوجب نفي المعلول؟ لا، استثناء المقدم هذا لا ينتج.

طيب، استثناء... أنت فهمت... نقيض المقدم. شو يعني استثناء نقيض المقدم؟ يعني نافي النفي... يعني وجود العلة، تمام. استثناء نقيض المقدم. يعني إثبات المقدم حقيقة. ماذا ينتج؟

استثناء نقيض المقدم تقول: لكنه... إثبات المقدم يعني كيف؟ مش إثبات المقدم يعني؟ عفوا، عفوا، افهم بس، افهم كلمة، لا عفوا شوي، طيب، الاستثناء لا بمعنى تقول: عفوا لو كان محل نبيا لكان معصوما، تمام، فتقول: لك... استثناء نقيض... خليني بنقيض التالي. يعني نفي المعلول، مش يعني نفي النفي، أنا اشتبهت.

استثناء النقيض التالي، يعني نفي التالي، تمام. نفي التالي ماذا ينتج؟ نفي المعلول ينتج نفي العلة. ينتج استثناء نقيض التالي، ماذا ينتج؟ قالوا: نقيض المقدم.

الاستثناء هون المراد من الاستثناء وضعه بعد كلمة الاستثناء، بعد كلمة «لكن»، ما يوضع بعد كلمة «لكن» إما التالي أو نقيضه، إما المقدم أو نقيضه. هذا سوف يأتي مزيد توضيح فيه في محله، ولكن أريد أن أبين الفارق في طريقة الاستدلال.

طيب، استثناء نفس... نفس... يعني أن تقول: ولكنه معصوم، إذا هل ينتج أنه نبي؟ لا، لأن وجود المعلول لا ينتج وجود... استثناء نفس التالي، هذا لا ينتج.

طيب، استثناء... يعني أن تضع بعد أداة الاستثناء شو؟ نقيض المقدم. نقيض المقدم شو يعني؟ يعني تنفي العلة، تمام. نفي العلة لا ينتج نفي المعلول، هذا لا ينتج.

ماذا ينتج؟ استثناء المقدم، ماذا ينتج؟ عندما تقول: لكنه... لكنه نبي مثلا، لنفترض: لو كان محمد نبيا لكان معصوما، لكنه نبي، فماذا ينتج؟ إذا هو... هو معصوم. استثناء المقدم، ماذا ينتج؟ ينتج عين التالي لا نقيضه.

فنجد دائما أن هذا الاستدلال، هذا الطريق من الاستدلال، قائم على أداة الاستثناء، وعلى أنه إذا وجد العلة وجد معلولها ولا عكس، وإذا انتفى المعلول انتفت علته ولا عكس. وأين هذا النحو من الاستدلال عن النحو المتقدم في أشكاله وصوره الأربعة؟

ولذلك قالوا إن القياس الاستثنائي هو الذي يشتمل على أداة استثناء، القياس الإقتراني هو الذي تتقارن فيه الحدود. هذا من جهة، ومن جهة ثانية إذا أردنا أن نقف على خصوصية بين هذين النحوين، ألتفت! قالوا: القياس الاستثنائي ــ يعني الذي يشتمل على أداة الاستثناء ــ نجد أنه دائما في المقدمات يصرح بالنتيجة أو بنقيضها.

هذا سوف يأتي إن شاء الله غدا، والحمد لله رب العالمين.

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.