منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 71

تحميل Word

071

أقسام القياس الاقتراني والاستثنائي

قد عرفنا أن القياس ينقسم إلى قسمين: إلى قياس اقتراني وإلى قياس استثنائي. وقد بينا وجه تسمية كل واحد منهما بما ذكر. أما القياس الاقتراني فلأن استفادة الننتيجة فيه متوقفة على تقارن حد من القضية الأولى مع حد من القضية الثانية، وذلك عن طريق حد مشترك بينهما نسميه الحد الأوسط؛ وذلك لأن القياس كما عرفنا لابد أن يتركب من قضيتين، ثم كل قضية من هاتين القضيتين هي بالتحليل والتفكيك تنقلب إلى حدين وهما الأجزاء الذاتية للقضية: موضوع القضية الأولى ومحمولها وموضوع القضية الثانية ومحمولها.

ولكي يكون القياس منتجاً كما سيأتي بعد قليل، لابد أن يكون هناك حد مشترك بين القضيتين، فلما كان الحد مشتركاً أفضى ذلك إلى تقارن المقدمتين فينتج القياس. وسوف يأتي توضيح ذلك مفصلاً بعد قليل. فالقياس إنما سمي اقترانياً بسبب أن الإنتاج أو استفادة النتيجة متوقفة على تقارن حد من القضية الأولى مع حد من القضية الثانية.

وأما القياس من النوع الثاني فهو القياس الذي يشتمل على أداة الاستثناء ولذلك سمي قياساً استثنائياً. وهذا النحو وذلك لأن استفادة النتيجة من القياس الاستثنائي موقوفة على إجراء قاعدة العلة والمعلول - أو فقل: موقوفة على وجود ملازمة بين شيئين بحيث إذا وجد الملزوم (أي العلة) وجد اللازم ولا عكس، وإذا انتفى اللازم (أي انتفى المعلول) انتفت العلة ولا عكس -.

فلما كان هذا القياس مبتنياً في إنتاجه -في كونه منتجاً- على وجود مثل هذه الملازمة، عُلم أن هذا القياس لا يجري في القضايا الحملية، لأن القضايا الحملية إنما يحكم فيها بثبوت شيء لشيء أو بنفيه عنه، ولا تدل القضية الحملية على وجود لزوم من عدمه، وإنما الذي يدل على لزوم بين الطرفين هي القضية الشرطية المتصلة، أو القضية الشرطية المنفصلة باعتبار أن المنفصلة على ما سيأتي معنا أيضاً يمكن تحويلها إلى قضية متصلة.

فلما كانت القضية المتصلة تفيد وجود اللزوم بين المقدم والتالي بحيث كلما وجد المقدم وجب وجود التالي ولا عكس، وكلما انتفى التالي -يعني استثنينا نقيضه- انتفى وجود المقدم ولا عكس، عُلم أن مثل هذا القياس لا يجري إلا في القضايا الشرطية. وبهذا صح لنا أن نعرف القياس الاقتراني بأنه ما يتركب من مقدمتين ويفيد نتيجة ولكنه في إفادته للنتيجة مبتن على تكرر حد بين القضيتين.

وبعبارة ثانية: القياس الاقتراني هو القياس الذي يوصل إلى النتيجة عن طريق تقارن المقدمتين، وإنما يتقارنان بذلك الحد المشترك أي الحد الأوسط، ولذلك سمي الحد حداً أوسط لأنه واسطة في الوصول إلى النتيجة. وأما القياس الاستثنائي فهو القياس الذي يوصل إلى النتيجة عن طريق الملازمة بين العلة والمعلول.

إلا أننا إذا عرفنا كل واحد من هذين النوعين بهذا التعريف، سوف لا يكون تقسيم القياس إلى اقتراني واستثنائي تقسيماً حاصراً؛ لأننا عرفنا القياس الاقتراني بأنه ما يوصل إلى نتيجة عن طريق تقارن المقدمات، وعرفنا القياس الاستثنائي بأنه ما يوصل إلى النتيجة عن طريق التلازم بين المقدم والتالي في القضايا الشرطية، ولكن مثل هذين التعريفين لا يجعلان أحد التعريفين في قبال الآخر حتى كأنه لا واسطة بينهما، لأن التقسيم الحاصر هو ما يكون مبتنياً على الترديد بين النفي والإثبات، ما يكون مبتنياً على القسمة المنطقية الثنائية بأن نقول: الشيء لا يخلو إما أن يكون كذا أو لا، لأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.

ولذلك عمد المناطقة إلى تعريف هذين القياسين أو هذين النوعين بطريقة مختلفة لكي يشعر التعريف بالانحصار وعدم وجود نوع ثالث من أنواع القياس. فتأملوا في هذين النحوين فوجدوا أن القياس الاستثنائي تذكر النتيجة أو نقيض النتيجة في نفس المقدمات، وأما القياس الاقتراني فإن النتيجة لا تكون مذكورة في واحد من المقدمتين.

بيان ذلك أننا إذا أخذنا القياس الاقتراني فقلنا: الخمر مسكر، وكل مسكر حرام. نجد أن حدود القضية الأولى: الخمر ومسكر، وحدود القضية الثانية: مسكر وحرام، أما النسبة والكم والكيف والجهة فهذه كلها بعد التفكيك لا يكون لها وجود، تمام؟ فيوجد حد من القضية الأولى قد تكرر بعينه في القضية الثانية وهو (مسكر). هذا الحد هو الذي سبب إلى الحكم وإلى استفادة نتيجة جديدة وهي قولنا: (الخمر حرام). فهذا الحد واسطة بسببها صح لنا أن نحكم بالحرمة على الخمر، تمام؟

فالنتيجة التي استفيدت من القياس الاقتراني هي قولنا: (الخمر حرام) أو فقل: الحكم بالحرمة على الخمر. الآن إذا أخذنا هذه النتيجة وهي القضية التي تكون الحرمة فيها حكماً على الخمر، هذه القضية لا وجود لها في المقدمة الأولى، لأن المقدمة الأولى إنما حكمت بالإسكار على الخمر ولم تحكم بالحرمة على الخمر، ولا وجود لهذه النتيجة أيضاً في المقدمة الثانية، لأن المقدمة الثانية إنما حكم فيها بالحرمة ولكن على الإسكار لا على الخمر.

فهاهنا يصح أن يقال إنها ليست مذكورة بعينها لا في المقدمة الأولى ولا في المقدمة الثانية، ولا نقيضها أيضاً مذكور في المقدمة الأولى ولا المقدمة الثانية. ما هو نقيض (الخمر حرام)؟ الخمر ليس بحرام. فلا المقدمة الأولى ولا المقدمة الثانية قد ذكرت هذه النتيجة بعينها ولا بنقيضها، وإنما قلنا بعينها لأن النتيجة دائماً لابد أن تكون موجودة في ضمن المقدمات. ليش؟ إذا فرض أن هذه النتيجة إنما تستنبط وتتفرع عن هذه المقدمات، واستنباط شيء من شيء فرع وجوده في المستنبط منه، وانتزاع شيء من شيء فرع وجود الأمر الانتزاعي في منشأ انتزاعه، والفرض أننا نستخلص النتيجة وننتزعها من المقدمات.

إذا كانت المقدمات فاقدة لهذه النتيجة فكيف تستفاد النتيجة من مقدماتها؟ فاقد الشيء لا يعطيه، فكل نتيجة لابد أن تكون موجودة في مقدماتها ولكن بوجود ضمني لا بوجود عيني. فقولنا: (الخمر حرام) أي هذه القضية بما هي حالة كون الحرمة حكماً على الخمر، لا وجود لها في المقدمة الأولى ولا وجود لها في المقدمة الثانية تمام؟

فالنتيجة ليست موجودة بعينها -يعني حال كون محمولها محمولاً وموضوعها موضوعاً- لا وجود لها بعينها لا في المقدمة الأولى ولا في المقدمة الثانية، ولا وجود لنقيضها أيضاً وهو (الخمر ليس حراماً)، هذا واضح. نعم، هذه النتيجة موجودة في إحدى المقدمتين وجوداً ضمنياً. شو يعني وجوداً ضمنياً؟ عندما تقول: (كل مسكر حرام) فقد حكمت بالحرمة على كل فرد من أفراد المسكر، ومن جملة أفراد المسكر الخمر، فحقيقةً أنت عندما تقول: (كل مسكر حرام) فقد شملت بحكمك هذا الخمر باعتباره واحداً من أفراد المسكر، فهذه النتيجة موجودة في ضمن هذه القضية الكلية، فكل نتيجة حقيقةً يجب أن تكون موجودة في مقدماتها ولكن بوجود ضمني لا بوجود عيني.

ولذلك عرفوا القياس الاقتراني قالوا: هو القياس الذي لا تذكر فيه النتيجة بعينها ولا بنقيضها في المقدمات تماماً.

أما القياس الاستثنائي فأنت تقول مثلاً: (لو كان محمد نبياً لكان معصوماً). التفت، هذه المقدمة الأولى وهي قضية شرطية لها حدان، أحدهما هو المقدم وهو قولنا: (كان محمد نبياً)، وثانيهما هو التالي وهو قولنا: (كان معصوماً)، ثم نحكم باللزوم بين كون العصمة وبين كون النبوة، ثم ماذا نقول في المقدمة الثانية؟ (لكنه نبي) ماذا ينتج؟ إذاً هو معصوم. أنت فهمت؟

النتيجة التي نريدها حقيقةً هي الحكم على محمد (صلى الله عليه وآله) بالعصمة، تمام؟ فالنتيجة هي قولنا: (هو معصوم). تمام؟ وإذا كانت هذه هي النتيجة فنجد أن هذه النتيجة مذكورة بعينها في واحد من المقدمات وهي قولنا: (لكنه نبي) -أعني كونه معصوماً مذكور في المقدمة كافتراض معلق، أو فقل التعبير: كأنه معصوم-. نعم، عندما ذكرت في المقدمات ذكرت على سبيل كونها مجرد افتراض، فلم تذكر النتيجة باعتبار كونها نتيجة وإلا لما احتجنا إلى هذا الاستبصار إذا كانت النتيجة معلومة في المقدمات. ولكن هذه النتيجة بما هي بما لها من ألفاظ -حال كون المحمول فيها محمولاً والموضوع موضوعاً- كان لها ذكر موجود بعينها في المقدمات. نعم، عندما ذكرت في حيز المقدمات لم تذكر باعتبار كونها نتيجة، وإنما جعلت فرضاً معلقاً على تقدير كون محمد نبياً. فنجد أن هذه النتيجة هاهنا قد ذكرت بعينها في المقدمات. ولذلك عرفوا القياس الاستثنائي بأنه القياس الذي تكون النتيجة فيه مذكورة بعينها أو بنقيضها في المقدمات.

شو يعني بنقيضها؟ نحن قلنا القياس الاستثنائي ينتج في موردين: المورد الأول: استثناء المقدم ينتج عين التالي. المورد الثاني: استثناء نقيض التالي ماذا ينتج؟ نقيض المقدم.

فتقول مثلاً: (لو كان حسن نبياً لكان معصوماً، ولكنه ليس معصوماً) ماذا ينتج؟ (إذاً هو ليس نبياً). النتيجة ما هي؟ الحكم بانتفاء النبوة عن حسن، تمام؟ انتفاء المعلول يوجب انتفاء العلة، هذه هي النتيجة، فالنتيجة التفت هي نفي النبوة حقيقةً، ونفي النبوة لا ذكر له في واحد من مقدمتي القياس؛ لأننا في المقدمة الأولى قلنا: (لو كان حسن نبياً)، فنحن حقيقةً ماذا ذكرنا في المقدمات؟ نقيض النتيجة، تمام؟ فالذي ذكر هاهنا هو نقيض النتيجة.

ومن هنا عرّفوا القياس الاستثنائي بهذا التعريف، قالوا: هو القياس الذي تكون النتيجة بعينها أو بنقيضها مذكورة في واحدة من المقدمات، وأما القياس الاقتراني فلا تذكر النتيجة فيه بعينها ولا بنقيضها. نعم، لابد أن تكون النتيجة -ما دامت نتيجة متفرعة عن المقدمات- لابد أن تكون النتيجة موجودة في ضمن المقدمات ولكن بوجود ضمني لا بوجود عيني.

طبعاً هذا الكلام الذي ساقه المناطقة أوقعهم في كثير من الإشكالات سوف يأتي بيانها لاحقاً، ولكن نشير إليها إشارة إجمالية؛ من هذه الإشكالات ما قيل: إن النتيجة إذا كانت مذكورة في المقدمات بعينها، لزم الدور حينئذ ولزم أن يتوقف الشيء على نفسه؛ إذ الفرض أن كل نتيجة فإنما تتوقف على مقدماتها، فلو كانت النتيجة بعينها موجودة في المقدمات لتوقف الشيء على نفسه، ولو كان المذكور نقيض النتيجة لا نفس النتيجة لتوقف الشيء على نقيضه، فلا يصدق الشيء إلا إذا صدق معه نقيضه، مع أن النقيضين لا يجتمعان. هذا من جهة.

ومن جهة ثانية: أوردوا إشكالاً على القياس الاقتراني، قالوا: القياس الاقتراني لا قيمة له؛ لأن النتيجة إذا كانت يجب أن تكون موجودة في ضمن المقدمات، فوجب أن تكون النتيجة معلومة قبل أن تكون معلومة! الآن أعطيك مثالاً: أنت متى تحكم بأن كل مسكر حرام؟ إذا بحثت عن كل فرد من أفراد المسكر فوجدته حراماً، فهذا يعني أن الحكم بهذه القاعدة الكلية (كل مسكر حرام) موقوف على إحصاء أفراد المسكر والتي من جملتها الخمر، فأنت عندما تقول: (الخمر مسكر وكل مسكر حرام) التفت، هاتان المقدمتان ماذا تنتجان؟ تنتجان أن (الخمر حرام). فقولنا: (الخمر حرام) لما كان نتيجة فلا بد أنها موقوفة على صحة كل واحدة من المقدمتين، فصارت هذه النتيجة -شوف- موقوفة على صحة هذه القاعدة وعلى القضية الأولى؛ لأن كل نتيجة لما كانت تتفرع عن مقدماتها فهي متوقفة في رتبة سابقة على صحة مقدماتها، تمام؟

فالحكم بحرمة الخمر يصدق أنه موقوف على الحكم بقولنا: إن كل مسكر حرام. ثم إننا نسأل: متى نحكم على كل مسكر بأنه حرام؟ عندما نبحث ونحصي أفراد المسكر جميعاً ونقف عليها فرداً فرداً فنجد أن كل أفرادها تتصف بالحرمة، فهذه الكلية حتى نحكم بها لابد أن نكون في رتبة سابقة قد أحصينا كل أفراد المسكر، ومن جملة أفراد المسكر الخمر، فصار الحكم بحرمة الخمر موقوفاً على صحة الحكم بحرمة كل مسكر، والحالحكم بحرمة كل مسكر موقوف كذلك على إحصاء جميع أفراد المسكر ومعرفة كونه حراماً ومن جملة ذلك الخمر!

ولذلك ذهب أصحاب المنطق الوضعي -أي التجريبيون- إلى إنكار القياس، قالوا: القياس ليس إلا ترتيباً للأفكار، لا أنه ترتيب موصل إلى نتائج مجهولة. بعبارة ثانية: القياس لا يلزم من ترتيب مقدماته أن يوصلك إلى شيء مجهول، وإنما يوصلك إلى شيء معلوم في رتبة سابقة. وسوف يأتي تفصيل هذه الإشكالات والإجابة عليها جميعاً.

هذا تمام الكلام في تقسيم القياس إلى اقتراني واستثنائي. وقد عرفنا أن الحامل لهم على كل ما ارتكبوه هو أنهم أرادوا أن يبينوا لنا انحصار القياس في نوعين، أو حرصوا على إيجاد تعريف يشعر بانحصار أنواع الاستدلال والسير من العام إلى الخاص بهذين النحوين، فقالوا: القسمة إليهما حاصرة. طيب، كيف حاصرة؟ قالوا: لأن النتيجة إما أن تذكر بعينها أو بنقيضها في واحد من المقدمات أو لا. فقد بنوا الشيء على الترديد بين النفي والإثبات فصار التقسيم حاصراً. ونقول: هذا كله لا قيمة له وليس بحيث يرجع إلى معنى محصل؛ يكفي أن نعرف القياس الاقتراني بطريقة إنتاجه، والاستثنائي بطريقة إنتاجه أيضاً، ونلتزم بأنه لا مانع من أن ينوجد نوع آخر من السير، من طرق السير من العام إلى الخاص، يعني لا مانع من أن ينوجد قياس من نوع آخر وإن لم نجد ذلك.

أقسام القياس بحسب المادة والهيئة

نقرأ هذا المقدار ثم ندخل في كل واحد من القسمين مع بيان أحكامه: قال قدس سره: أقسام القياس بحسب مادته وهيئته.

قلنا إن المقدمات تسمى مواد القياس، والهيئة التأليفية بينهما تسمى صورة القياس. فالبحث عن القياس من نحوين، أو فقل: تقسيم القياس تارة يكون بلحاظ المادة، وأخرى يكون بلحاظ الهيئة.

النحو الأول: من جهة مادته بسبب اختلافها مع قطع النظر عن الصورة، عن طريحة الترتيب -بأن تكون المقدمات يقينية، أو ظنية، أو من المسلمات، أو المشهورات، أو الوهميات، أو المخيلات، وسوف يأتي تفصيل هذه القضايا أو غيرها مما سياتي في بابه في الجزء الثالث من الكتاب، ويسمى البحث فيها حينئذ (الصناعات الخمسة) التي عقدنا لأجلها الأبواب السادسة الآتية- فإنه ينقسم القياس بالنظر إلى ذلك إلى البرهان، والجدل، والخطابة، والشعر، والمغالطة، وقد أوضحنا الوجه في هذه الأقسام.

قال ثانياً: من جهة صورته بسبب اختلافها مع قطع النظر عن شأن المادة، وهذا الباب معقود للبحث عنه من هذه الجهة، وهو ينقسم من هذه الجهة إلى قسمين: إلى اقتراني واستثنائي.

طيب، وجه الانقسام إلى هذين القسمين خاصة من دون قسم ثالث؟ قال: باعتبار التصريح بالنتيجة أو بنقيضها في مقدماته وعدمه، يعني وعدم التصريح بالنتيجة أو بنقيضها. فالأول -يعني ما يصرح- قال: وهو المصرح في مقدماته بالنتيجة أو بنقيضها. طبعاً يلتفت، الذي صرح هو النتيجة، لكن لا بعنوان كونها نتيجة؛ صرح بألفاظ النتيجة حقيقة مع ما بين اللفظين من النسبة، وهذا بنفسه يدفع الإشكال عن القياس الاستثنائي.

طيب، يسمى استثنائياً. طيب، ليش سمي استثنائياً؟ قال: لاشتماله على كلمة الاستثناء وهي (لكن) وتستطيع أن تقول (إلا)؛ يعني تقول مثلاً: (لو كان محمد نبياً لكان معصوماً، إلا أنه نبي فيكون معصوماً).

(إن كان محمد عالماً فواجب احترامه، لكنه عالم، فمحمد واجب احترامه). التفت، لم يقل: ولكنه واجب احترامه فيكون عالماً؛ لأن وجود المعلول لا يستلزم وجود العلة، إذ قد يكون المعلول -أي اللازم- أعم. احفظوا ذلك جيداً، عندما نقول اللازم فنريد المعلول، وعندما نقول الملزوم فنريد العلة، تمام؟ وإلا في قادم الأبحاث سوف لا نستعمل مصطلح العلة والمعلول، وإنما سوف نستعمل اللازم والملزوم، وإن كان حقيقة الملزوم هو العلة ولكن الملزوم أعم من العلة، الملزوم هو ما يقتضي الشيء وليس كل ما يكون مقتضياً يكون علة على ما يأتي.

طيب، فالنتيجة رقم ثلاثة مذكورة بعينها في المقدمات، وهي في المقدمة رقم واحد: (إن كان محمد عالماً فواجب احترامه) -يعني واجب احترام محمد-. طيب، مثال آخر لنقيض النتيجة، قال: (لو كان فلان عادلاً فهو لا يعصي الله، ولكنه قد عصى الله، إذاً ما كان فلان عادلاً). استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم. طيب، شوف: (ما كان فلان عادلاً) -نفي العدالة عن فلان، ولكن المذكور في المقدمة هو إثبات العدالة له: لو كان فلان عادلاً-. إذا حذفنا السور والكم والكيف والجهة، المقدم ما هو؟ (فلان عادل)، فقد ذكرت النتيجة وصرح بنقيضها في المقدمة رقم واحد.

ثم قال: والثاني -يعني النوع الثاني من القياس- وهو غير المصرح في مقدماته بالنتيجة ولا بنقيضها، طبعا المراد غير المصرح بعين النتيجة، ولذلك استعمل كلمة التصريح وإلا النتيجة دائماً موجودة في مقدماتها ولكن لم تذكر بالصراحة. يسمى اقترانياً؛ كالمثال المتقدم في أول البحث، فإن النتيجة -يعني شارب الخمر ترد شهادته- غير مذكورة بهيئتها صريحاً في المقدمتين ولا نقيضها مذكور أيضاً، وإنما هي مذكورة -شوف- بالقوة أي لا بالفعل، يعني بالقابلية، في قوة الموجود؛ لأنها موجودة وجوداً ضمنياً باعتبار وجود أجزائها الذاتية في المقدمتين، أعني الحدين وهما: (شارب الخمر) و(ترد شهادته)، فإن كل واحد منهما مذكور في مقدمة مستقلة.

ثم الاقتران قد يتألف من حمليات فقط فيسمى حملياً، وقد يتألف من شرطيات فقط: (كلما كان محمد نبياً كان معصوماً، وكلما كان معصوماً كان لا يعصي -مثلاً- لا يسهو). جيد، فيكون الحد الأوسط هو عبارة عن تكرر التالي مع المقدم أو التالي مع التالي أو المقدم مع المقدم بين القضيتين. وقد يتألف من شرطيات فقط أو شرطية وحملية فيسمى شرطياً.

مثاله: (كلما كان الماء جارياً كان معتصماً). طبعاً الماء الجاري سمي معتصماً -شو يعني معتصم؟ من العصمة؛ لأنه معصوم عن التأثر بالنجاسة بمجرد الملاقاة، ولذلك سمي الماء المعتصم معتصماً-. الماء المعتصم أي هو الذي لا ينجس بمجرد أن يلاقي النجاسة، فكأنه عُصم ومنع عن التأثر بالنجاسة بمجرد الملاقاة، وإن كان الماء الجاري يمكن أن ينجس إذا تغير لونه وريحه وطعمه إلى آخره، تغير في أحد أوصافه الثلاثة. طيب: (وكلما كان معتصماً كان لا ينجس بملاقاة النجاسات) فينتج: (كلما كان الماء جارياً كان لا ينجس بمجرد الملاقاة) وإن كان ينجس بشيء آخر. طيب، فمقدمتاه شرطيتان متصلتان.

مثال ثانٍ: (المقدمة الأولى: الاسم كلمة)، شوف هذه قضية حملية، والقضية الثانية: (والكلمة إما مبنية أو معربة)، هذه قضية شرطية، فتكون النتيجة: (الاسم إما مبني أو معرب)، وهذا صحيح، جيد؟ مع أن إحدى المقدمتين شرطية منفصلة والقضية الأخرى حملية.

فالمقدمة رقم واحد حملية والمقدمة رقم اثنين شرطية منفصلة، ونحن نبحث أولاً عن الاقترانات الحملية ثم الشرطية ثم الاستثنائي؛ شوف، لأن القياس الاقتراني على قسمين: ما يتركب من الحمليات فقط، وما يتركب من حملية وشرطية أو من شرطيتين، هذا جُعل باباً واحداً لوحده أحكامه، تمام؟

القياس الاستثنائي له وجه واحد لأنه لا يتركب إلا من الشرطيات، تمام؟ ولذلك يقع الكلام أولاً في القياس الاقتراني الحملي، ثم في القياس الاقتراني الشرطي، ثم بعد ذلك في القياس الاستثنائي، وهو الذي يتركب من مقدمات من قضايا شرطية ويكون استثناء المقدم منتجاً للتالي أو استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، هذا آخر نوع نتعرض إليه في باب القياس.

يقع الكلام أولاً في القياس الاقتراني الحملي. ولكن الماتن قدس سره شرع في بيان مصطلحات عامة في كل قياس اقتراني. الآن قد تتساءل: في قبل درسين نحن تعرضنا إلى المصطلحات العامة التي تجري في كل قياس، فيفترض الآن أن نتعرض إلى الاصطلاحات الخاصة بكل نحو من الـ... أو بكل نوع من أنواع القياس، فكان يفترض أن يقول: الاصطلاحات الخاصة بالقياس الاقتراني. فلأي شيء قال: الاصطلاحات العامة التي تجري في القياس الاقتراني؟

السبب في ذلك واضح؛ لأن القياس الاقتراني لما كان بحيث ينقسم إلى قسمين: قياس اقتراني حملي وقياس اقتراني شرطي، صح أن يكون هناك اصطلاحات عامة لكل قياس اقتراني، بمعنى أنها المصطلحات التي تجري في القياس الاقتراني الحملي وفي القياس الاقتراني الشرطي، يعني في القياس الذي يكون مركباً من حمليات أو كان مركباً من شرطيات أو من مختلفين.

من المصطلحات العامة التي تكون في كل قياس اقتراني -أو الكلام ليس في الاصطلاحات بقدر ما هو الكلام في الشروط، يعني في القواعد العامة، في الشروط العامة التي تجري في القياس الاقتراني الحملي أو في القياس الاقتراني الشرطي- جيد.

فنقول: كل قياس اقتراني فلا بد أن يشتمل على حد أوسط، ونريد أو لابد أن يشتمل على حد مشترك بين القضيتين، وهذا هو الأساس في كل قياس اقتراني، والسبب في ذلك أننا قد ذكرنا في بداية البحث أن القياس الاقتراني إنما سمي اقترانياً لأن استفادة النتيجة فيه مبتنية وقائمة على أساس التقارن بين القضيتين.

والحاصل أن كل قياس كما عرفناه فلا بد أن يتركب من مقدمتين، من قضيتين. وكل قضية من هاتين القضيتين إذا حللت وفككت وأزيلت عنها النسبة فلا يبقى منها إلا الطرفان: موضوع الأولى ومحمولها وموضوع الثانية ومحمولها، ويسمى كل واحد من الموضوع والمحمول حداً، ولابد أن يكون هناك حد متكرر بين القضيتين، لأن تكرر هذا الحد هو الذي يصحح من الناحية المنطقية والعقلية أن نستفيد النتيجة.

ليش؟ وذلك لأننا إذا أخذنا القضية الأولى مثلاً: (أ هو باء)، ثم أخذنا القضية الثانية وهي قولنا: (باء هو جيم)، فنستفيد قضية ثالثة في مقام الاستنتاج وهي قولنا: (أ هو جيم). هذه النتيجة لا يمكن استفادتها إلا إذا كانت (باء) متكررة في القضيتين. والسبب في ذلك أننا إذا أخذنا القضية الأولى: (أ هو باء)، فهذه قضية حملية موجبة تفيد ثبوت باء لألف، وقد عرفنا أن القضية الحملية تدل على الاتحاد المصداقي بين الطرفين، ففي قولنا: (أ هو باء) يوجد اتحاد مصداقي بين ألف وباء.

ثم في القضية الثانية نقول: (باء هو جيم)، وهي قضية حملية أيضاً تدل على الاتحاد المصداقي بين محمولها وموضوعها، فصار هناك اتحاد مصداقي بين ألف وباء، وبين باء وجيم، ومعنى الاتحاد المصداقي أن مصداق ألف هو بعينه مصداق باء في الخارج، وإنما الاختلاف في اللحاظ وفي طريقة انتزاع المفاهيم.

الآن أنت عندما تقول: (زيد قائم)، هذا لا يعمي أن هناك زيدا في الخارج وهناك قيام، ليس في الخارج إلا شيء واحد وهو (زيد القائم)، تمام؟ غاية ما في الأمر أنك تارة تنظر إلى هذا الجسم الخارجي فتنتزع عنه مفهوم زيد، وتارة تنظر إليه من زاوية أخرى فتقارنه بالأجسام المسطحة فتنتزع عنه مفهوم القيام. فالاتحاد المصداقي يدل على وجود مصداق واحد وإنما حصل تعدد في المفاهيم بحسب تعدد اللحاظ، تعدد توجه الذهن إلى هذا المصداق الواحد.

فلما كانت القضية الأولى تفيد الاتحاد المصداقي، عُلم أن مصداق ألف ليس إلا هو عبارة عن مصداق باء، ثم في القضية الثانية حُكم بأن مصداق باء هو مصداق جيم، فهما شيء واحد، وإذا كان باء هو عين ألف مصداقاً، وكان جيم هو عين باء، حال كون باء عين ألف، صارت ألف عين جيم مصداقاً! وفي الحقيقة أنا لم استدل على هذه النتيجة وإنما أعدت النتيجة، لأن البديهي لا يمكن الاستدلال عليه وإلا تسلسلت القضايا إلى غير نهاية على ما عرفنا فيما سبق.

كيف كان فالحد المشترك هو الذي يبرر ويصحح نسبة الحد الخاص في القضية الثانية إلى الحد الخاص في القضية الأولى؛ لأنك عندما تقول: (أ هو باء، وباء هو جيم) كل قضية لها حدان هما موضوعها ومحمولها، ولكن (باء) يقال له حد مشترك لأنه قد اشترك بين القضية الأولى والقضية الثانية، تمام؟ فألف صار يسمى حداً خاصاً، والحد الخاص في القضية الأولى يسمى حداً أصغر، والحد الخاص في القضية الثانية ماذا يسمى؟ يسمى حداً أكبر، والقضية الأولى كلها تسمى (صغرى صغرى القياس)، والقضية الثانية يقال لها (كبرى كبرى القياس) -فيما سيأتي- لأن هذه القضية دائماً تكون مندرجة تحت الكبرى، تمام.

وهذه الاصطلاحات هي من الاصطلاحات العامة، مش في كل قياس، هذه الاصطلاحات لا وجود لها في القياس الاستثنائي، ولكنها عامة في كل قياس اقتراني، أي سواء كان حملياً أو شرطياً، تمام؟ والذي صحح الحكم بالحد الأكبر على الحد الأصغر هو وجود هذا الاشتراك بين القضيتين، ولذلك سمي هذا الحد أوسط لأنه واسطة وآلة في إثبات الحد الأكبر للحد الأصغر، ولذلك يقال للحد المشترك إنه حد أوسط، ويقال له واسطة في الإثبات لأنه وسيلة لإثبات الحد الأكبر للحد الأصغر.

احفظوا هذين المصطلحين سوف نستعملهما من الآن، تمام؟ سوف نقول: الحد الخاص من القضية الثانية يسمى حداً أكبر، الحد الخاص من القضية الأولى يسمى حداً أصغر، وما بينهما يجب أن يكون مشتركاً، وهو الذي يسبب صحة الحكم بالأكبر على الأصغر.

طيب، إذن المصطلحات العامة التي تجري في كل قياس اقتراني حملي أو شرطي هي:

الحد الأصغر: وهو الحد الخاص من القضية الأولى.

الحد الأكبر: وهو الحد الخاص من القضية الثانية.

الحد الأوسط: وهو الحد المشترك بين القضيتين، ويمكن أن نسميه أيضاً واسطة في الإثبات. تمام؟ هذا سوف يأتي ليش سمي واسطة في الإثبات؟ في قبال واسطة في الثبوت، هذا في الجزء الثالث يأتي من الكتاب.

إذاً الشرط الأول هو تكرر الحد الأوسط، إذ لو لم يكن الحد الأوسط متكرراً لما كان هناك اتحاد مصداقي بين الحد الأكبر وبين الحد الأصغر، فلا يصح الحكم بأحدهما على الآخر. ولذلك عندما لا يتكرر الحد الأوسط لا يكون القياس منتجاً، فهذا هو الشرط الأول والأساس في شروط القياس، وسيأتي أن كل الشروط الآتية فيما بعد مرجعها إلى هذا الشرط من شروط انتاج القياس الاقتراني: أن يكون الحد الأوسط متكرراً، وكل الشروط التي سوف نتعرض إليها بعد قليل أو فيما بعد سوف ترجع إلى تكرر الحد الأوسط.

ولذلك مثلاً لم ينتج قولنا: (الحائط فيه فأرة... ولها أذنان). التفت، ما هو الحد؟ تعالوا نفكك هذه القضية إلى حديها، الموضوع ما هو؟ الحائط، إذاً فما تبقى هو المحمول، إذاً هذا هو الحد الأصغر. طيب، (والفأرة لها أذنان) أيضاً هذه قضية ثانية لها حدان هما قولنا: (الفأرة) -هذا هو الحد- وقولنا: (لها أذنان)، لا ينتج أن الحائط... مش الحائط، الحائط له أذنان، لا ينتج هذه النتيجة. طيب، ليش؟

قال لأن الحد الأوسط لم يتكرر؛ لأن ما هو حد في القضية الأولى هو قولنا: (فيه فأر)، وليس قولنا: (فأر). فما هو حد مشترك في القضية الأولى هو قولنا: (فيه فأر)، هذا هو محمول القضية، وهذا لم يتكرر في القضية الثانية، لأن ما وجد في القضية الثانية هو قولنا: (فأر) فقط. ولذلك لا ينتج بعد اختزال الحدين أن الحائط له أذنان.

ولذلك حتى نجعل هذا القياس منتجاً لابد أن يتكرر الحد الأوسط. كيف يتكرر الحد الأوسط؟ بأحد طريقين:

إما أن نقول: (الحائط فيه فأر، وكل فأر له أذنان) وحينئذ يكون القياس منتجاً، ولكنه منتج شو؟ على تقدير صدق المقدمتين، متى سلمت لزم منه قول آخر وإن كانت النتيجة فاسدة؛ لأن إحدى المقدمتين سوف تكون فاسدة، هذا نوع من أنواع تصحيح الحد الأوسط ولكنه تصحيح بحيث يوجب نتيجة فاسدة.

أو لا، ماذا نقول؟ (الحائط فيه فأر، وكل ما فيه فأر له أذنان) -نعم، وكل ما فيه فأر له أذنان- ماذا ينتج؟ (الحائط له أذنان)، وهذه أيضاً نتيجة فاسدة، يعني نحن حتى نكرر الحد الأوسط بين القضيتين، إما أن نختزل فيه من القضية الأولى فيتكرر الحد الأوسط ولكن تفسد المقدمة الأولى، وإما أن نضيف الجار والمجرور (فيه) في المقدمة الثانية وتفسد النتيجة ولكن لفساد الكبرى حينئذ لا لفساد الصغرى، تمام؟

جيد، الاحتمال الثالث ما هو؟ الاحتمال الثالث أن تقول: (الحائط فيه فأر، وكل ما له أذنان فأر). تكرر الحد الأوسط أو لا؟ تكرر، ولو لم يكن محمولاً في القضية الأولى موضوعاً في الثانية، ولكنه محمول في القضية الأولى ومحمول في القضية الثانية؛ قلنا يكفي المراد أن يكون هناك حد من أحد الحدين في القضية الأولى مشاركاً ومشتركاً بينه وبين حد من أحد الحدين في القضية الثانية، تمام، ينتج. ماذا ينتج؟ (الحائط فيه ما له أذنان)، وهذا صحيح. لا أن الحائط له أذنان، بل الحائط فيه شيء له أذنان. واضح صار المطلب أو لا؟ فينتج. ولكن العبرة في ذلك على تكرر الحد الأوسط.

أو كما إذا قيل كيف؟ أنتجت، معناه الثانية... كب... مش كل ما له أذنان فأر، بعض ما له أذنان فأر، خليني التقط... لا، قصدي حتى النتيجة تطلع صحيحة مع أنها هي غلط.

لا، جيد، خلينا نقول: بعض ما له أذنان فأر، هذا يصدق بلا إشكال، ينتج: (الحائط فيه ما له أذنان). هلا بالنسبة إلى الكلية والجزئية، الإيجاب والسلب، هذا سوف يأتي في سائر الشروط، تمام.

ولذلك مثلاً أيضاً فسد الاستدلال في مثل قولهم: (الذهب عين، وكل عين تدمع) فإنه لا ينتج أن الذهب يدمع؛ لأن الذهب وإن كان عيناً إلا أن معنى لفظ العين عندما يحمل على الذهب يكون مبايناً لمعنى لفظ العين عندما يحكم عليها بأنها تدمع، وذلك لما عرفنا من أن لفظ العين من الألفاظ المشتركة التي وضعت لمعان متعددة، وليس المراد من تكرر الحد الأوسط تكرر لفظه، وإنما المراد هو تكرر المعنى، ليش؟ حتى يُحكم في القضية الأولى بالاتحاد المصداقي بين الموضوع والمحمول، ثم نعود ونحكم بالاتحاد المصداقي بين الموضوع والمحمول في القضية الثانية، ويكون أحد الحدين متكرراً بين المقدمتين فيصح حينئذ أن نحكم بالاتحاد المصداقي بين الأكبر وبين الأصغر.

نقرأ هذا المقدار: قال قدس سره: يجب أن يشتمل القياس الاقتراني على مقدمتين لتنتجا المطلوب، وهذا واضح، يعني كل قياس يتركب من قضيتين. تمام، ويجب أيضاً أن تشتمل المقدمتان على حدود ثلاثة، حد متكرر مشترك بينهما -يعني هي الحدود أربعة حقيقة، ولكن لمكان الاشتراك صارت ثلاثة، وحد يختص بالاولى وحد بالثانية، والحد المتكرر المشترك هو الذي يربط بين الحدين الآخرين ويحذف في النتيجة التي تتالف من هذين الحدين- إذ يكون أحدهما موضوعاً لها والآخر محمولاً، فهو كالشمعة تفني نفسها لتضيء لغيرها.

ولنعد إلى المثال المتقدم في المصطلحات العامة لتطبيق الحدود عليه، فنقول: اللي هي (شارب الخمر... فاسق) إلى آخره. (فاسق) هو المتكرر المشترك الذي أعطى الرابطة بين شارب الخمر وبين قولنا: (ترد شهادته). (شارب الخمر) وهو الحد المختص بالمقدمة الأولى. و(ترد شهادته) وهو الحد المختص بالمقدمة الثانية. تنتج المقدمتان: (شارب الخمر ترد شهادته) بحذف الحد المشترك.

وقد سموا كل واحد من الحدود الثلاثة باسم خاص:

1. الحد الأوسط أو الوسط: وهو الحد المشترك لتوسطه بين رفيقيه في نسبة أحدهما إلى الآخر -لتوسطه، يعني مش لوقوعه في الوسط بينهما هذا لا ينفع إلا في الشكل الأول، لا ينفع في بقية الصور- لتوسطه أي لوساطته، لكونه واسطة وآلة، جيد، ولذلك قال: في نسبة أحدهما إلى الآخر، ويسمى أيضاً (الحجة) لأنه يحتج به على النسبة بين الحدين؛ لأنه هو الحجة، هو الشيء الذي بسببه صح الاحتجاج. ويسمى أيضاً (الواسطة في الإثبات) لأنه به يتوسط -يعني آلة يتوسط- أي واسطة في إثبات الحكم بين الحدين، ونرمز له التفتوا جيداً إلى بحرف (ميم)، فتقول: (كل باء ميم، وكل ميم جيم ينتج كل باء جيم)، ليش؟ لأننا سوف ندخل فيما في الاستدلال على الأشكال الباقية عن طريق الرموز والاستفادة من العكس المستوي أو عكس النقيض وملحقاتهما، لأن هذاك البحث قد انتهى، الآن سوف يأتي تطبيقه في هذه المباحث.

2. الحد الأصغر: وهو الحد الذي يكون موضوعاً في النتيجة وتسمى المقدمة المشتملة عليه (الصغرى)، سواء كان موضوعاً فيها أم محمولاً، لا يهم، هذا الحد المختص أكان موضوعاً أو محمولاً يقال له حد أصغر لوجوده في الصغرى، ونرمز له بحرف (باء).

3. الحد الأكبر: وهو الذي يكون محمولاً في النتيجة وتسمى المقدمة المشتملة عليه (كبرى)، سواء كان هو محمولاً فيها أم موضوعاً، ونرمز له بحرف (جيم).

والحدان معاً يسميان طرفين. التفت، مثلاً: (الحائط فيه فأرة، والفأرة لها أذنان). الحد المشترك هو الذي نرمز له بشو؟ بـ(ميم)، فهنا ماذا نفعل؟ نقول: كل هذا هو الحد الأصغر (باء ميم) -تمام؟- كل (ميم جيم) ينتج كل (باء جيم).

ولكن قد تقول: (الحائط فيه فأر، وكل أو بعض ما له أذنان فأر). القضية الأولى واضح: (كل باء ميم)، هنا ماذا تصبح؟ (عين جيم) -أحسنت- (عين جيم)، الحد المختص من القضية الثانية هو الذي يقال له الحد الأكبر وهو الذي يرمز له بـ(جيم)، سواء كان موضوعاً أو محمولاً، والمشترك لا نقول: (عين ميم جيم)، وإن كان إذا صدقت (عين جيم ميم) صدق (عين ميم جيم) ليش؟ لأنها عكس ألف مستوية، نعم، ونصرنا.

والحدان معاً يسميان طرفين، فإذا قلنا: (كل باء ميم وكل ميم جيم ينتج كل باء كل باء جيم) بحذف المتكرر وهو (ميم).

القواعد العامة للاقتران

قال: للقياس -سواء كان حملياً أم شرطياً- قواعد عامة، قواعد عامة أساسية يجب توفرها فيه ليكون منتجاً. من هذه الشروط العامة:

الشرط الأول، وهو أساس كل الشروط: قولهم (تكرر الحد الأوسط)، أي يجب أن يكون مذكوراً بنفسه في الصغرى والكبرى من غير اختلاف في المعنى، لا يهم اللفظ، وإلا لما كان حداً أوسط متكرراً، ولما وجد الارتباط أي الاتحاد المصداقي بين الطرفين، وهذا بديهي. ولذلك أنا حقيقة لم أستدل على ذلك وإنما بينت الاتحاد المصداقي.

مثال: إذا قيل: (الحائط فيه فأرة، وكل فأرة لها أذنان) فإنه لا ينتج: (الحائط له أذنان)؛ لأن الحد الأوسط هنا لم يتكرر، فإن المحمول في الصغرى (فيه فأر) مش (فأر)، والموضوع في الكبرى (فأر) فقط من دون (فيه). ولأجل أن يكون منتجاً فإما أن نقول في الكبرى: (وكل ما فيه فأر له أذنان) -ولكن هذه القضية: كل ما فيه فأر له أذنان؟ لا، كل ما فيه فأر فيه ما له أذنان، تمام؟- وإما أن نعتبر المتكرر كلمة (فأر) فقط فتكون النتيجة: (الحائط فيه ما له أذنان) وهي صادقة.

يعني شوف: (الحائط فيه فأرة)، نعتبر أن الموضوع (الحائط فيه)، و(كل فأرة لها أذنان)، ألن يختزل؟ اختزل المتكرر، يصبح: (الحائط فيه ما له أذنان). واضح صار؟ جيد، وهي صادقة.

مثال ثانٍ: إذا قيل: (الذهب عين، وكل عين تدمع) فإنه لا ينتج: (الذهب يدمع)؛ لأن لفظ (عين) مشترك لفظياً، والمراد منه في الصغرى غير المراد منه في الكبرى، فلم يتكرر الحد الأوسط، ولم يتكرر إلا اللفظ فقط.

الشرط الثاني: إيجاب إحدى المقدمتين، شو يعني؟ يعني لا ينتج القياس إذا كانت المقدمتان سالبتين، بل لابد من إيجاب واحدة على الأقل. التفت، هذا بالشروط العامة، أما في الشروط الخاصة سوف يأتي بعض الأشكال -نحن قلنا الأشكال أربعة- بعض الأشكال يجب فيه إيجاب الصغرى مثل الشكل الأول، وبعض الأشكال يجب فيه إيجاب الكبرى مثلاً، وهكذا. إيجاب إحدى المقدمتين يأتي ذلك وسببه. طبعاً سبب تكرر الحد الأوسط لا نحتاج إليه لأنه بديهي، أما بقية الشروط فنرجعها نحن إلى الشرط الأول إلى موضوع تكرار الحد الأوسط. يأتي غداً إن شاء الله والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.