دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 8
008
مسألة الجهل المركب
وقع نزاع بين المناطقة في أن الجهل المركب هل هو من أقسام العلم أم أنه من أقسام الجهل؟ وفي بادئ الأمر قد يبدو أن مثل هذا السؤال في غير محله؛ إذ ما دام الجهل المركب مسمى جهلاً فلا بد أنه من أقسام الجهل، وإذا كان من أقسام الجهل فكيف يمكن عده من أقسام العلم؟
توضيح هذا البحث: أن المناطقة عندما تأملوا في الجهل المركب وجدوا أن الجاهل بالجهل المركب لابد أن يكون عنده تصور، وذلك لأن الجاهل بالجهل المركب هو الذي يجهل الواقع ولكنه يعتقد أن ما عنده مطابق للواقع، فالجهل المركب لما كان يشتمل على اعتقاد فهو يشتمل على حكم، وإذا كان مشتملا على حكم فلا بد أن يكون ذلك الحكم مسبوقاً بالتصور؛ لأن الحكم على شيء فرع تصوره، ولأن الحكم هو الإذعان بأن النسبة التصورية مطابقة للنسبة الواقعية، فلا بد أن هناك نسبة تصورية، فإذا كان الجهل المركب مشتملاً على الاعتقاد فهو مشتمل بلا إشكال على صورة وحكم، فيكون الجهل المركب مندرجاً تحت التصديق الذي هو قسم من أقسام العلم.
وقسم القسم قسم لذلك الشيء، فإذا انقسم العلم إلى تصور وتصديق، وانقسم التصديق إلى جهل مركب، كان الجهل المركب من أقسام العلم، إلا أن الماتن (قدس سره) ذهب إلى أن هذا الزعم في غير محله.
اعتراضات الماتن على دخول الجهل المركب في أقسام العلم
اعترض على القائلين بدخول الجهل المركب تحت أقسام العلم باعتراضات ثلاثة:
الاعتراض الأول: أن الجهل المركب لو كان مندرجاً تحت التصديق لكان مندرجاً تحت العلم، وإذا كان مندرجاً تحت العلم فيفترض أن يصدق عليه تعريف العلم؛ لما عرفنا من أن القسم عبارة عن المقسم وزيادة، فالتعريف الذي نعطيه للمقسم يجب أن ينطبق على كل قسم من الأقسام، وإلا لم يكن القسم قسماً، حتى يكون قسماً لابد أن يكون عبارة عن المقسم وزيادة، فأي تعريف نحن نعطيه للحيوان لابد أن ينطبق على الإنسان، وإلا لم يكن الإنسان فرداً من أفراد أو نوعاً من أنواع الحيوان، تمام؟ جيد.
فحاصل الاعتراض الأول: أن الجهل المركب لو كان من أقسام العلم لوجب أن ينطبق عليه تعريف العلم، ولكن تعريف العلم لا ينطبق على الجهل المركب، فلا يكون الجهل المركب من العلم. بيان ذلك أننا إذا رجعنا إلى تعريف العلم فهو حصول صورة الشيء في الذهن، فالصورة هاهنا قد أضيفت إلى الشيء، أي حضور الصورة التي هي لذلك الشيء في الذهن، والجاهل بالجهل المركب لا تحضره الصورة الصحيحة لذلك الشيء؛ فمن نظر إلى حائط أو من سمع بكلمة فانتقل ذهنه إلى غير معناها فلا يصدق على هذه الصورة الحاصلة عنده أنها صورة لذلك الشيء، وإنما هي صورة يزعم أنها صورة للشيء.
وبعبارة ثانية: في تعريف العلم قد أضيفت الصورة إلى الشيء، وهذا يعني أن العلم عبارة عن حصول الصورة التي هي منسوبة واقعاً لذلك الشيء، فلو حضرت عند الإنسان صورة لا تكون مطابقة لواقعه، يعني الصورة الخاطئة، فلا يصدق على هذه الصورة أنها صورة ذلك الشيء. والجاهل بالجهل المركب يستحضر صورة غير أن هذه الصورة ليست صورة لذلك الشيء، فلا ينطبق على الجهل المركب تعريف العلم، وإذا لم ينطبق عليه تعريف العلم يكون خارجاً عنه. هذا تمام الكلام في الاعتراض الأول.
الاعتراض الثاني: أن الجهل المركب لو كان داخلاً في أقسام العلم لألزم أن يجتمع النقيضان. بيان ذلك أن الجهل كما عرفنا هو مقابل للعلم؛ إذ الجهل والعلم متقابلان، لأن الجهل عبارة عن عدم العلم ممن شأنه التعلم، والشيء وعدمه لا يمكن أن يجتمعا. ثم عرفنا أيضاً أن الجهل المركب هو واحد من أقسام الجهل، لأن الجهل هو الذي قسمناه إلى بسيط ومركب، فمعنى أن يكون الجهل المركب من أقسام الجهل أن يكون مندرجاً تحته، ومعنى أن يكون الجهل المركب داخلاً تحت العلم أن يكون هذا الجهل قد اندرج تحت مقابل الجهل، ولا يكون الشيء من أقسام مقابله، فلا يكون الجهل قسماً من أقسام العلم الذي هو مقابل للجهل؛ لأن معنى اندراجه تحت الجهل أنه عبارة عن عدم العلم، فلو أدرج بعد ذلك تحت العلم لاجتمع الشيء وعدمه في وقت واحد في محل واحد من جهة واحدة.
الاعتراض الثالث: أن الجاهل بالجهل المركب وإن كان عنده اعتقاد إلا أن اعتقاده هذا لا يغير الحقائق؛ فمن رأى شبحاً من بعيد أو من رأى زيداً من بعيد فظنه شبحاً، وهذا لا يعني أن زيداً صار شبحاً حقيقة. بعبارة ثانية: الجاهل بالجهل المركب يستحضر صورة ثم يحكم عليها بأنها مطابقة للواقع، إلا أن مجرد الحكم عليها بالمطابقة لا يصيرها مطابقة للواقع حقيقةً، فالاعتقاد مجرد الاعتقاد لا يغير الحقائق، ومعنى ذلك أن الجاهل بالجهل المركب لا يلزم من اعتقاده أن ينقلب واقعاً، فلا يكون عالماً؛ لأن العلم هو إصابة الواقع، عندما يقال: فلان يعلم المسألة، أي أنه يصيب واقعها.
الجيد والجاهل بالجهل المركب غاية ما في الأمر أنه عنده صورة وعنده اعتقاد، إلا أن هذا الاعتقاد خاطئ ولا يلزم منه أن يكون مصيباً للواقع، ومجرد الاعتقاد لا يغير الحقائق. جيد، فحاصل الاعتراض الثالث أن الجهل المركب لو كان علماً لكان مصيباً للواقع، إذ لا نريد من العلم إلا الانكشاف، أي انكشاف الواقع، فلان يعلم أي ينكشف له الواقع، جيد. فجهل المركب لكي يكون علماً لابد أن يكون مصيباً للواقع، ولكن الجهل المركب لا يعدو أن يكون مشتملاً على أكثر من الاعتقاد، ومجرد الاعتقاد لا يغير الحقائق.
فحسب من مجموع هذه الاعتراضات تضارب وتهافت بين دليل كل واحد من الفئتين، لان الفئة التي تقول بأن الجهل المركب من أقسام العلم قد تمسكت بأن الجهل المركب يشتمل على تصور أولاً، بلا إشكال، لأنه يشتمل على اعتقاد فهو يشتمل على حكم، والحكم فرع وجود التصور، فيصار يصدق على الجهل المركب بأنه تصور يستتبع حكماً، فصار تصديقاً، إذ لا نريد من التصديق إلا ما كان صورة تستتبع حكماً. ولكن من الجهة الثانية إذا وقفنا مع اعتراضات الماتن (قدس سره) نجد أن اعتراضاته أيضاً صحيحة وتستلزم أن لا يكون الجهل المركب من العلم. تمام، إذا هذان قولان ولكل واحد منهما أدلة واعتراضات.
الجواب عن التهافت وإصلاح الاصطلاحات
والجواب الذي يرفع هذا التهافت بين القولين هو أن العلم له جملة من الاصطلاحات، وأن الماتن (قدس سره) قد خلط بين نوعين من هذه الاصطلاحات. وقبل أن نبين هذه الاصطلاحات نستعين على التوطئة للجواب بهذا التساؤل البسيط:
الآن، لو أنك سئلت عن مجيء زيد أو عدم مجيئه، وكنت لا تعرف ما إذا كان قد جاء فعلاً أو لم يكن قد جاء، فأنت تشك في مجيئه وعدمه، فسئلت: هل جاء زيد؟ فما هو الجواب الذي تقدمه؟ لا أعلم، لا أعلم. مع أن الشك في كلمات الماتن قد جعل واحداً من أقسام التصور الذي هو من أقسام العلم. فكيف يكون الشك من أقسام العلم عند الماتن؟ في حين أنه يرفض -أو كيف يرفض الماتن (قدس سره)- أن يكون الجهل المركب من أقسام العلم، في حين أنه يقبل كون الشك من أقسامه؟
فيدلنا ذلك على أن المراد من العلم هاهنا نوع آخر غير الذي نريده من العلم بالمعنى المتعارف عليه. بعبارة ثانية: أن للعلم جملة من الاصطلاحات، واحد من هذه الاصطلاحات أن يطلق لفظ العلم ويراد منه العلم المصيب للواقع، ومثل هذا العلم لا يشمل الشك ولا يشمل الوهم أيضاً ولا يشمل الجهل المركب. ولكن المصطلح الذي نريده للعلم هاهنا ليس بمعنى اليقين، وإنما بمعنى مطلق التصور. ليش؟
وذلك لأننا إنما بحثنا عن العلم هاهنا وعن أقسامه وعن الجهل وأقسامه ليكون توطئة وتمهيداً لمعرفة موضوع علم المنطق، أي لنعرف من خلال هذه الأبحاث أن المنطق في أي شيء يبحث؟ وهذا السؤال يكمن جوابه في ثلاث مقدمات:
المقدمة الأولى: أن هناك جملة من التصورات التي تحصل في أذهاننا، وهذه المقدمة في غاية الوضوح، وقد عرفناها من خلال بحثنا للعلم؛ إذ قلنا العلم هو حصول الصورة في الذهن. إذاً هناك جملة من التصورات. يعني المنطقي عندما يريد أن يستدل على موضوع المنطق وعندما يريد أن يبين لنا أن المنطق في أي شيء يبحث، فإنه يبين لنا هذا الجواب من خلال مقدمات ثلاث.
المقدمة الثانية: أن هذه التصورات على قسمين: إما تصورات لا حكم معها، وإما تصورات معها حكم، وهذه المقدمة الثانية قد عرفناها من خلال بحثنا للتصور. انتبه، فعندنا تصورات وهذه التصورات على قسمين، بعضها يستتبع حكماً وبعضها لا يستتبع حكماً.
المقدمة الثالثة: أن كل واحد من هذه التصورات ينقسم إلى قسمين: إلى بديهي وإلى نظري، فعندنا تصورات خالية عن الحكم تكون بديهية، وعندنا تصورات خالية عن الحكم تكون نظرية، شو يعني؟ يعني غير بديهية، جيد؟ وعندنا تصديقات يعني تصورات معها حكم بديهيات، وعندنا تصورات خالية عن الحكم أيضاً -عفواً- عندنا تصورات مع حكم تكون نظرية، جيد. وسيأتي معنا في هذه المقدمة الثالثة أنه ما معنى النظري؟ هو الذي يقبل الخطأ.
فإذا كان عندي تصورات وهذه التصورات على قسمين، جيد، فعندي صور لا حكم معها تقبل الخطأ، وعندي صور معها حكم تقبل الخطأ أيضاً. فكم خطأ صار عندي؟ صار عندنا خطأان: خطأ ناشئ من التصورات، وخطأ حاصل وين؟ في التصديقات. فلما كان هناك خطأان احتجنا إلى كم قانون؟ إلى قانونين، يبحث كل واحد منهما عن تصحيح أحد الخطأين.
وبعبارة ثانية: لا شك أن هناك تصورات تحضر في أذهاننا، وهذه التصورات على قسمين، بعضها معه حكم وبعضها لا حكم معه، وكل واحد من هذين النوعين ينقسم إلى بديهي وإلى نظري، فصار عندي تصور نظري وتصديق نظري، وسيأتي معنا أن النظري هو الذي يقبل الخطأ، فصار عندي خطآن في الاستدلال وفي الفكر: خطأ واقع في التصورات، وخطأ واقع في التصديقات. فاحتجنا أولاً إلى قانون يعصمنا عن الخطأ في التصورات، أي يمكننا من أن نتصور الأمور تصوراً مصيباً للواقع. واحتجنا ثانياً إلى قانون يعصم ذهننا عن الخطأ في التصديقات، أي نحتاج إلى قانون يمكننا من أن نجري عملية الاستدلال بطريقة صحيحة.
وسمي القانون الأول العاصم الأول -يعني ما يعصم عن الخطأ في التصور- بالمعرِّف، وسمي القانون الثاني بالحجة. ولذلك سوف يأتي معنا موضوع علم المنطق ما هو؟ المعرِّف والحجة؛ لان هناك تصورات وعندنا نحوان من التصورات، فعندنا خطان: أحدهما واقع في التصور، والثاني واقع في التصديق، فاحتجنا إلى قانونين: أحدهما يعصم عن الخطأ في التصور، أي يمكننا من أن نتصور الأمور تصوراً حقيقياً، والثاني يعصم عن الخطأ الواقع في التصديقات، أي يمكننا من أن نجري عملية الاستدلال وأن نتوصل إلى الحكم بطريقة صحيحة.
وسمي الأول معرِّفاً والثاني حجةً، ولذلك قالوا: المعرِّف هو الذي يمكنك من التصور الصحيح، والحجة هي ما يمكنك من التصديق الصحيح.
إذاً، هذه المقدمة الأولى التي جاء بها الماتن (قدس سره) وهي أن هناك تصورات لا يمكن أن تكون بمعنى اليقين؛ لأن العلم فيها إذا كان بمعنى اليقين لا يصح لنا بعد ذلك أن نقسم هذا اليقين إلى ما يقبل الخطأ وما لا يقبل الخطأ، لأن اليقين المطابق للواقع لا يقبل الخطأ، بل لابد أن يكون المراد من العلم مطلق التصورات، أي صورة تحصل في الذهن، سواء كانت مصيبة أو مخطئة، وإلا فإن الصور المصيبة لا يمكن أن تنقسم إلى صور مصيبة وإلى صور غير مصيبة وصور خاطئة. واضح؟
فظهر أن الحاجة التي دعت إلى المجيء ببحث العلم هو بيان أن هناك خطأين في علم المنطق، أو خطأين نحتاج إلى تصحيحهما في علم المنطق. فلو كان المراد من العلم هاهنا ما كان مطابقاً للواقع دائماً، لما صح أن نقسم هذا العلم فيما بعد إلى ما يقبل الخطأ وما لا يقبله، جيد؟
إذاً فالمراد من العلم مطلق التصور، سواء كانت الصورة مطابقة للواقع أو غير مطابقة للواقع، ومثل هذا المعنى للعلم يندرج تحته الجهل المركب بلا إشكال، ولا يكون الجهل المركب مسمى جهلاً حينئذ، هو علم تصور هو صورة ومعه حكم. وبالجملة: فإن أريد من العلم مطلق التصور كان الجهل المركب داخلاً فيه كما أن الشك داخل فيه، وإن أريد من العلم ما يكون مصيباً للواقع فيخرج الجهل المركب كما يخرج الشك أيضاً، ومعه فلا يصح من الماتن أن يدرج الشك وأن يخرج الجهل المركب، بل إما أن يدرجهما معاً وإما أن يخرجهما معاً.
ثم إذا ما رجعنا إلى الغرض الذي لأجله جيء ببحث العلم نجد أن هذا الغرض إنما يتأتى عند تفسير العلم بمعنى مطلق التصور لا عند تفسيره بمعنى اليقين المصيب للواقع، فوجب لذلك أن نلتزم بأن الجهل المركب داخل في أقسام العلم. والذي ولد هذه الإشكالية والخلط عند الماتن (قدس سره) هو أن تعريف العلم بمعنى مطلق التصور هو عينه تعريف العلم بمعنى اليقين! فإنهم عندما عرفوا العلم بمعنى مطلق التصور قالوا: هو حصول الصورة في الذهن. وعندما عرفوا العلم بمعنى اليقين المطابق للواقع أيضاً عرفوه بأنه حصول الصورة المطابقة -حصول صورة الشيء- وين؟ في الذهن. ولكن المغايرة بين التعريفين وين؟
المفارقة أين؟ أنك عندما تفسر العلم بمعنى مطلق التصور وتقول: هو حصول صورة الشيء في الذهن، فأنت لا تريد حصول صورة ذلك الشيء، وإنما تريد حصول الصورة التي تظن أو تتوهم أو تتصور بأنها صورة لذلك الشيء. أما عندما تقول "صورة الشيء" في تعريف العلم بمعنى اليقين المطابق للواقع، فحينئذ فأنت تريد من صورة الشيء الصورة المطابقة لواقع الشيء، جيد؟
طيب، فالعلم بمعنى مطلق التصور هو عبارة عن حصول الصورة التي نزعم أنها صورة للشيء، سواء كانت صورة له حقيقة أو لم تكن، فيشمل المصيبة وغير المصيبة. والعلم بمعنى اليقين الجازم المطابق للواقع هي حصول الصورة الواقعية لذلك الشيء في الذهن. وبهذا يندفع كلام الماتن وتندفع اعتراضاته جميعاً:
أما اعتراضه الأول فنقول: لأن هذا التعريف صار بحيث يصدق على الجهل المركب، لأننا نريد من صورة الشيء الصورة التي نزعم أنها صورة للشيء، أو الصورة التي يتراءى لنا أنها صورة للشيء، سواء كانت له حقيقة أو لم تكن.
وأما الاعتراض الثاني: فإن الجهل المركب إنما يكون قسماً من أقسام مقابله إذا فسرنا العلم بمعنى اليقين المطابق للواقع، وأما إذا فسرنا العلم بمعنى مطلق التصور -جيد؟- فحينئذ سوف يكون الجهل مندرجاً تحت المقسم ولا يكون مندرجاً تحت الجهل. يعني عندما نفسر العلم بأنه مطلق التصور، ماذا يقابل مطلق التصور؟ عدم التصور، مطلق عدم التصور، جيد. عدم التصور يعني أن لا يكون هناك صورة في الذهن أساساً، وهذا ما هو؟ الجهل البسيط. أما الجهل المركب فلما كان مشتملاً على اعتقاد فهو مشتمل على حكم، وإذا اشتمل على حكم فلا بد يشتمل تصور، تمام؟
إذاً فمطلق التصور إنما يقابل الجهل البسيط ولا يقابل مطلق الجهل، تمام؟ جيد. هذا مطلق التصور نقول: إما صورة خالية -يعني خالية من الحكم- وإما صورة معها حكم. الجهل، هذه الصورة التي معها الحكم إما مطابقة للواقع هذا يسمى اليقين الجازم، وإما غير مطابقة للتصور -غير مطابق للواقع- هذا هو الذي يقال له الجهل المركب، جيد؟
فالماتن خلط بين اصطلاحين: ما هما؟ مطلق التصور، وبين العلم بهذا المعنى ما يكون مطابقاً للواقع. وقد عرفنا أن للعلم جملة من الاصطلاحات، نحن في اللغة المتعارفة عندنا عندما نقول: فلان عالم، نريد أن عنده تصورات مطابقة للواقع، وأن هذه تصورات جازمة فهو يعلم. فالماتن قد فسر العلم بمعنى مطابقة الواقع، فاعترض بأن الجهل المركب لا يمكن أن يدخل تحت المطابقة؛ لأن الاعتقاد لا يغير الواقع ولا يغير الحقائق. ولكن ما ينبغي أن نفسر العلم به هو مطلق التصور، وإلا كيف صح له أن يدخل الشك تحت أقسام العلم وأن يخرج جهلاً مركباً؟ بل إما يدخلهما معاً وإما يخرجهما معاً.
فالإشكال على الماتن ليس في أنه خلط بين الاصطلاحين فقط، بل حتى لو سلمنا بأن المراد من العلم هو ما كان مطابقاً للواقع، يشكل عليه حينئذ بأن الشك حينئذ كيف اندرج عندك تحت العلم؟ واضح صار المطلب أو لا؟ واضح، جيد.
نقرأ هذا المقدار: قال (قدس سره): يزعم بعضهم دخول الجهل المركب في العلم فيجعله من أقسامه، نظراً إلى أنه يتضمن الاعتقاد والجزم -بعبارة ثانية: نظراً إلى أنه يتضمن الاعتقاد يعني يستبطن حكماً يعني يستبطن تصوراً- والجزم وإن خالف الواقع. ولكن إذا دققنا تعريف العلم نعرف ابتعاد هذا الزعم عن الصواب، وانه -أي هذا الزاعم من الجهل المركب، نفس هذا الزاعم، نفس الذي يعني التفت فالماتن ادعى أن الذي يقول بأن الجهل المركب داخل في أقسام العلم عنده جهل مركب، جيد؟ ونحن نقول إن الجهل المركب إنما تركب عند الماتن (قدس سره)، ولكنا إذا دققنا تعريف العلم نعرف ابتعاد هذا الزعم عن الصواب، وأن هو أي هذا الزعم من الجهل المركب- عجيب!
لأن معنى حضور صورة الشيء عند العاقل أن تحضر، شوف صورة النفس ذلك الشيء تمسك بالإضافة، أما إذا حضرت صورة غيره بزعم أنها صورته فلم تحضر صورة الشيء بل صورة شيء آخر زاعماً أنها هي، عجيب! والشاك لا تحضر عنده الصورة المطابقة لذلك الشيء، تمام؟ وهذا هو حال الجهل المركب، فلا يدخل تحت تعريف العلم. هذا الاعتراض الأول: فمن يعتقد أن الأرض مسطحة لم تحضر عنده الصورة النسبة الواقعية وهي أن الأرض كروية، وإنما حضرت صورة نسبة أخرى يتخيل أنها الواقع، جيد؟
وهذا هو الاعتراض الثاني: لأن الاعتقاد لا يغير الحقائق فلا يصيب الواقع، لا يجعل الواقع مصاباً. وفي الحقيقة هذا الاعتراض الثالث قال: وفي الحقيقة أن الجهل المركب يتخيل صاحبه أنه من العلم ولكنه ليس بععلم، وكيف يصح أن يكون الشيء من أقسام مقابله؟ لا، هذا هو الاعتراض الثاني، قال: والاعتقاد لا يغير الحقائق؛ فالشبح من بعيد الذي يعتقده الناظر إنساناً وهو ليس بإنسان بل كان فرساً -رأيت جسماً عن بعيد تماماً- لا يصيره الاعتقاد على الحقيقه.
ومن -يعني الاعتراض الثالث كأن الماتن يريد أن يقول هكذا-: لو كان الجهل المركب علماً لترتبت عليه خصائص العلم، ومن خصائص العلم أنه يكشف الواقع ويصيبه تماماً، ومجرد الاعتقاد لا يغير الواقع عن حاله فلا تترتب عليه خصائص العلم.
هذا تمام الكلام في مطلب تقسيم العلم إلى تصور وإلى تصديق، وبه يتم الكلام عن المقدمة الأولى وعن المقدمة الثانية.
المقدمة الثالثة: انقسام التصور والتصديق إلى بديهي ونظري
وقد ظهر مما تقدم أن هناك جملة من التصورات التي ترتسم في أذهاننا، وأن هذه التصورات على قسمين: بعضها معه حكم وبعضها لا حكم معه. يقع الكلام في المقدمة الثالثة، وهي أن كل واحد من التصور والتصديق ينقسم إلى قسمين: إلى بديهي لا يقبل الخطأ، وإلى نظري يقبل الخطأ، فصار عندنا خطان، فنحتاج إلى قانون يعصم ذهننا عن الخطأ الواقع في التصورات، وإلى قانون آخر يعصم ذهننا عن الخطأ الواقع في التصديقات.
ويسمى القانون الأول بالمعرِّف؛ لأنه يمكننا من أن نتعرف على حقائق الأمور أي أن نتصورها تصوراً صحيحاً، ويسمى الثاني حجةً؛ لأنه يمكننا من إقامة الحجج والبراهين على تلك الأحكام التي تترتب على الصور.
قبل أن نشرع في تقسيم العلم إلى ضروري ونظري، يحسن أن نشير إلى أن الجهل المركب لا يمكن أن يكون من أقسام العلم، جيد، لا على قول الماتن ولا حتى على تفسير العلم بأنه مطلق التصور. ليش؟ لما تقدم معنا في الدروس السابقة من أن الجهل هو انعدام صورة لو وجدت لكان معها حكم، التفت.
والجاهل بالجهل المركب وإن كان عنده اعتقاد فعنده صورة تماماً، إلا أن جهله هو لجهة انعدام الصورة الواقعية. طيب، التفت. فمن سمع كلمة [غير مفهوم]، التفت، فانتقل -أو دعك كمان نريد جهلاً مركباً، جيد- هذا الجهل، من سمع كلمة [غير مفهوم] فانتقل ذهنه إلى صورة للحائط ثم صدق وحكم بأن هذه الصورة هي مفهوم ذلك اللفظ، فهذا جهل مركب، لأنه يشتمل على اعتقاد ويشتمل على تصور. ولكن التفت، نفس هذه الصورة التي حضرت عنده لا تسمى جهلاً مركباً، وإنما الصورة الواقعية وهي [غير مفهوم] التي لم توجد في ذهنه هي التي تسمى جهلاً مركباً؛ لأن الجهل كما عرفناه انعدام صورة لو وجدت لكان معها حكم أو لكانت خالية عن الحكم، لا يهم، جيد. هو انعدام صورة لو وجدت، فالجهل المركب يسمى جهلاً لجهة الصورة المنعدمة.
أما -ولكن التفت- يلازم انعدام هذه الصورة في الجهل المركب وجود صورة بديلة، تمام، بعبارة ثانية: الجهل دائماً عبارة عن صورة منعدمة لو وجدت لكانت إما معها حكم فهو الجهل التصديقي، أو لا حكم معها فهو الجهل التصوري. ولكن في خصوص الجهل المركب لأنه يشتمل على اعتقاد فلا بد أن يكون هناك حكم، فلا بد أن يكون هناك صورة، وتكون هذه الصورة بديلة عن شو؟ عن الصورة المنعدمة، تمام؟
فنقول إن الجهل المركب هاهنا لجهة هذه الصورة الصورة المنعدمة هي التي تسمى جهلاً، وهذه عدة أمر عدمي لا يندرج تحت مطلق التصور حتى. نعم، يلازم الجهل المركب، الجهل المركب دائماً يلازمه وجود صورة تندرج تحت مطلق التصور، تمام؟ فان كان مرادهم من إدراج الجهل المركب تحت مطلق التصور هو هذا التسامح، جيد، ويكون مرادهم ما يلازم الجهل المركب، فلا مشاحة بيننا وبينهم، وإلا فلا بد من التأمل.
يقع الكلام في تقسيم التصور والتصديق إلى ضروري ونظري. والحاصل أن إذا أخذنا التصورات التي لا حكم معها فإننا نقطع وجداناً بأن هذه التصورات لا يمكن أن تكون كلها معلومة بالبداهة، وإلا كان كل واحد منا متصوراً لكل شيء ونحن نشعر من أنفسنا أن كثيراً من الأمور نحن نجهل تصورها، فالتصورات كلها لا يمكن أن تكون بديهية.
وكذلك لا يمكن أن تكون هذه التصورات كلها نظرية، شو يعني نظرية؟ يعني تحتاج إلى عملية فكر واستدلال؛ لأن التصورات كلها لو كانت تحتاج إلى استدلال للزم أن لا نعرف تصورا واحداً. ليش؟ ليش؟ لأن هذا التصور بحسب الفرض متوقف على تصور قبله، جيد، وكل تصور فهو متوقف على شيء قبله، وهكذا يتسلسل إلى ما لا نهاية، والتسلسل باطل على ما سيأتي، جيد؟
إذاً فلا يمكن أن تكون كل تصوراتنا واضحة لوضوح أننا نجد أن بعض التصورات ليست واضحة عندنا، فالوجدان شاهد على ذلك. ولا يمكن أن تكون تصوراتنا كلها غير واضحة؛ لأن معنى عدم وضوح التصور أنه يحتاج في إيضاحه إلى تصور آخر، جيد، والآخر بحسب الفرض محتاج إلى غيره، فهكذا تترتب الصور غير الواضحة بعضها على بعض إلى غير نهاية، إذاً فلا يمكن أن تكون تصوراتنا كلها واضحة كما لا يمكن أن تكون تصوراتنا كلها محتاجة إلى الإيضاح، فوجب أن يكون بعضها واضحاً وبعضها محتاجاً إلى الإيضاح، حتى يتسلسل غير الواضح وينتهي إلى شيء واضح، وإلا لو قلت لي: عرف لي مثلاً الإنسان، فعرفته بمفهوم، وقد فرضنا أن كل المفاهيم تحتاج إلى إيضاح، فسوف تسألني عن إيضاح ذلك المفهوم الآخر، وسوف أوضحه بمفهوم آخر يحتاج أيضاً إلى إيضاح، وهكذا إلى غير نهاية، فسوف لن يتضح لنا شيء.
فلما كان عندنا بعض التصورات الواضحة علمنا أن ليس كل التصورات غير واضحة، ولما كان عندنا بعض التصورات غير الواضحة علمنا أن ليس كل التصورات واضحة، فوجب أن يكون بعض التصور واضحاً وبعضه الآخر غير واضح، ومن ثم قسم التصور إلى قسمين: إلى تصورات ضرورية، وإلى تصورات نظرية.
والمراد من الضروري هاهنا هو ما لا يحتاج في تحصيله إلى شيء؟ مش لا يحتاج إلى شيء، لا، كل تصور يحتاج إلى شيء، ولا أقل من أن تفتح عينك الباصرة وأن تتجه إلى الخارج، ولا يمكنك أن تتصور الحائط من دون أن تفتح عينيك، جيد؟ فلا نريد من الضروري هو ما لا يحتاج في تحصيله إلى شيء، لا، بل ما لا يحتاج في تحصيله إلى إعمال الفكر.
وهذا بخلاف النظر، فهو ما يحتاج في تحصيله إلى إعمال العناية العقلية، إلى إعمال الفكر، إلى إعمال النظر، مش النظر الباصرة، النظر العقلي، التأمل يعني، ولذلك سمي التصور النظري نظرياً؛ لأن المراد من النظر نظر العقل وتأمله الذهني وإجراؤه لعملية الاستدلال والتفكير.
فالتصورات منها ما هو ضروري، بمعنى أنه لا يتوقف في تحصيله على إعمال الفكر، وإن توقف في تحصيله على أشياء أخرى من قبيل فتح الباصرة، أو وجود الحاسة الشامة، أو الذائقة، أو غير ذلك، فإن من فقد حساً فقد فقد علماً.
وكذلك التصديق ينقسم إلى قسمين: إلى ضروري وإلى نظري، وذلك لأن تصديقاتنا كلها لو كانت ضرورية لما جهلنا بأي مسألة، لكان كل واحد منا عالماً بجميع مسائل العلوم، ولم يقع خلاف بيننا، والخلاف خير دليل على وجود القضايا النظرية، فلو كانت قضايانا كلها -أو لو كانت تصديقاتنا كلها- بديهية لما وقع الاختلاف، والاختلاف واقع. ولو كانت كلها نظرية، فما معنى أن تكون نظرية؟ أن تستند كل قضية تصديقية على قضية تصديقية سابقة، والسابقة على أسبق منها، وهكذا إلى ما لا نهاية، فيلزم أن لا يحصل عندنا أي تصديق، والوجدان شاهد على خلافه لأن بعض التصديقات موجودة عندنا، فوجب أن تكون التصديقات أيضاً على قسمين.
إذا اتضح ذلك فمثال التصور البديهي كتصور الحائط عندما ننظر إليه، ومثال التصور النظري كتصورنا للصفات الإلهية. ما هي حقيقة العلم؟ ما هي حقيقة -لا أريد أن أجزم بأن الله تعالى عالم هذا يصبح تصديقاً- ما هو العلم؟ علم الله كيف أصوره؟ قدرة الله هذا تصور نظري، الكهرباء تصور حقيقة الكهرباء تصورها يحتاج إلى تأمل، جيد، بخلاف تصورك لزيد إذا ما واجهته أمامك هكذا، لا يحتاج إلى إعمال عناية فكرية، يكفي أن تفتح عينيك فتنطبع هذه الصورة في الذهن، جيد.
فمن التصورات ما هو ضروري كتصوري المرئيات أو الأشياء عند الأحساس بها، جيد، ومن التصورات ما هو نظري كتصورنا لحقيقة الروح أو كتصورنا لحقيقة الكهرباء أو كتصورنا لصفات الله تبارك وتعالى.
ومن التصديقات أيضاً ما هو ضروري كالتصديق بأنني موجود، نفس أنني استشعر نفسي فأنا أصدق بأنني موجود، بل أعلم بنفسي علماً حضورياً لا حصولياً، لأن نفسي لا تحضر في ذهني وإنما نفسي حاضرة عند نفسي، جيد، فكالتصديق بأنني موجود، أو كالتصديق بأن النار حارة -يكفي أن تضع يدك في النار فتستكشف أن النار حارة، لا تحتاج أن تجري عملية فكرية لكي تستدل على حرارة النار، ضع يدك فيها فتحترق، جيد-.
ولكن هناك من التصديقات ما هو نظري، كالتصديق مثلاً بأن الإله لا يمكن أن يكون متعدداً، فهذا تصديق نظري إلى غير ذلك من التصديقات.
شوف: التصديق بأن الحديد يتمدد بالحرارة نظري أو ضروري؟ هو ليس واضحاً، ولكن لا نريد من الضروري ما كان لا يحتاج ما كان غير محتاج إلى شيء، بل نريد من الضروري ما لا يحتاج إلى إعمال العقل. إعمال العقل والتصديق بأن الحديد يتمدد بالحرارة لا يحتاج إلى إعمال العقل، وإن احتاج إلى إقامة التجربة الحسية؛ لابد أن تأتي بحديدة وتحميها وتضعها على النار لتعرف بأنه يتمدد بالحرارة أو لا، جيد. فما نريده من الضروري: لا نريد من الضروري هو ما لا يحتاج في تحصيله إلى شيء، بل ما لا يحتاج في تحصيله إلى إعمال الفكر، إلى إعمال العناية العقلية، إلى إعمال النظر، جيد. وأما النظر فهو ما يحتاج إلى إعمال الفكر.
والضروري قد يحتاج إلى شيء كإقامة التجربة الحسية، ومن هنا فإن الضروري أيضاً قد يقع فيه الخطأ، كما إذا كان هناك خطأ في الحواس كما إذا حصل خلل عضوي في حاسة من الحواس فقد يقع الخطأ، أو لا، كما إذا أصبنا أصيب أحدنا بالعمى فمر من أمامه أحد ما وسمع صوته فظنه عمراً وكان في الواقع زيداً، وقع الخطأ، أو لا.
إلا أن هذا الخطأ ليس مرجعه إلى الخطأ الفكري، ولذلك فإن المنطق لا يبحث عن خطأ عظيم، لأن المنطق إنما يبحث عن تصحيح الأخطاء التي تقع في الفكر، فالضروري لا نريد من الضروري هو ما لا خطأ فيه، قد يقع فيه الخطأ، إلا أن وقوع الخطأ لا يستند إلى خطأ في العملية الفكرية، وإنما يستند إلى خطأ في الحواس أو في سلامة الانتباه أو في غير ذلك من الأمور التي سوف تأتي، إلا أن الأخطاء الواقعة في الضروريات لما كانت لا تستند إلى الفكر فهي أخطاء غير فكرية، والمنطق إنما يتكفل تصحيح الأخطاء الواقعة في الفكر.
ومن هنا ظهر أن المنطق يبحث في حاجتين: يبحث في تصحيح الأخطاء الفكرية الواقعة في التصورات النظرية، ويبحث في تصحيح الأخطاء الفكرية الواقعة في التصديقات النظرية. ومن ثم كان المنطق على بابين: الباب الأول باب المعرِّف، والباب الثاني باب الحجة، فكل كلامنا في الباب الأول عن الطرق الصحيحة التي توصلنا إلى التصور الصحيح بمعزل عن الحكم وعن التصديق وعن الحجة وعن البراهين، وكل كلامنا في الباب الثاني إنما هو عن تحصيل الحجج، ولذلك تجد أن في الباب الثاني يوجد معادلات رياضية، وفي الباب الأول هو خال عن المعادلات الرياضية.
كيف كان؟ قبل أن نختم هذا البحث، لك أن تتساءل: إذا كان كل واحد من التصور والتصديق بحيث ينقسم إلى ضروري ونظري، فلماذا لم يقسم العلم من أول الأمر إلى ضروري ونظري؟ بأن يقول إن هناك جملة من التصورات وهذه التصورات على قسمين، بعضها ضروري والآخر نظري، فبدلاً من تكثير المقدمات بأن تجعل العلم أولاً ثم تقسمه إلى تصور وتصديق، ثم تقسم إلى ضروري ونظري، ما دام الضرورة والنظر موجود في التصور وموجود هذا التقسيم أيضاً وين؟ في التصديق، فلما لم تقسم العلم من أول الأمر إلى ضروري ونظري؟
نقول: لأنه لو قسم العلم ابتداءً إلى ضروري ونظري لم تثبت الحاجة إلى بابين حينئذ، لاحتمال أن تكون الضرورة -جيد- موجودة في التصور فقط مثلاً، وأن يكون النظر موجوداً في التصديق والتصور، أو لاحتمال أن يكون النظري هو التصديق فقط، وأما التصور فهو ضروري، و يعني احتمال أن يكون التصور هو الضروري، واحتمال أن يكون التصديق هو النظري، فحينئذ نحتاج إلى شيء واحد وقانون واحد يصحح لنا الأخطاء الواقعة في التصديقات فقط، ولذلك كان لابد من أن يقسم العلم إلى قسمين هما: تصور وتصديق، ثم يقسم كل واحد من القسمين -مش يقول لا أن يأتي ويقول العلم ينقسم مرة ثانية إلى ضروري ونظري، ولذلك شوف عندما قال: "العلم ضروري ونظري" هذا العنوان خاطئ، ولا أعرف إذا ما كان هذا العنوان من الماتن (قدس سره) أو كان من المعلقين أو من المحققين. ولذلك التفت ماذا قال الماتن (قدس سره) مباشرة، قال:
ينقسم العلم -شوف- بكلا قسميه أشار بهذا القيد إلى ضرورة أن نقسم التصور إلى ضروري ونظري، ثم التصديق إلى ضروري ونظري حتى تقع حتى يقع النظري في موردين: في التصور وفي التصديق، فنحتاج إلى عاصمين لوقوع خطأين.
قال: الضروري -ويسمى أيضاً البديهي، طبعا نحن عندما نقول بديهي ما معنى بديهي؟ ولا يقبل الخطأ، جيد، أعطيني مثالاً للبديهيات؟ قالوا: النقيضان لا يجتمعان، وحتى هذا المعنى للبديهي البعض خالف فيه، فئة من الشيوعيين وهي المذهب الديالكتيكي ذهبوا إلى أن النقيضين أو إلى أن الضدين يمكن أن يجتمعان، إلا أن خطأهم هذا لم ينشأ عن عملية فكرية وإنما نشأ عن خطأ في تصور معنى الضدين، فذهبوا إلى أن هذين الشيئين ضدان وقد أجتمعا فحكموا بوجوب اجتماع أو بإمكان اجتماع الضدين، نقول: خطأهم هذا ليس ناشئاً راجعاً إلى خطأ في الفكر، وإنما هو خطأ في تصوري معنى الضدين، يأتي هذا في القسم الثالث إن شاء الله، يوجد تغاير بين اصطلاح البديهي هنا ومصطلح البديهي في الجزء الثالث من هذا الكتاب-.
قال: الضروري ويسمى أيضاً البديهي، وهو ما لا يحتاج في حصوله إلى كسب ونظر وفكر -كسب يعني أن تكتسبه اكتساباً، التفت، مش ما لا يحتاج إلى حصوله إلى شيء، لا، يحتاج إلى فكر ولا ينفيه أن يكون محتاجاً إلى شيء آخر فيحصل بالاضطرار وبالبدااهة التي هي المفاجأة، شو يعني البدااهة؟ هيك فجأة من دون أن يتوقف على أي شيء، قال والارتجال، كيف الذي يرتجل الكلمة؟ يعني يقول كلمة من غير أن يحضر لها في البيت، فهذه الصورة تحضر في ذهنه من دون أن يضطر إلى استعراض جملة من الصور حتى يوسطها في الفهم- قال: من دون توقف، كتصورنا لمفهوم الوجود والعدم، الآن عندما تقول: زيد موجود، ما معنى موجود؟ واضح، وإن كنت طبعاً من أصعب الصعوبات توضيح الواضحات، ولكن المفهوم واضح، المعنى واضح، والعدم ومفهوم الشيء، وكتصديقنا -التفت، هذا مثال للتصور الضروري، مثل الآن مثال التصديق الضروري قال-: وكتصديقنا بأن الكل أعظم من الجزء، واضح؛ ليش؟ لأن الكل عبارة عن الجزء وزيادة، فهذا الجزء موجود في ضمن الكل، وموجود معه الزيادة، لابد أن يكون أعظم من الجزء. وبأن النقيضين لا يجتمعان، وبأن الشمس طالعة -يكفي أن تنظر إلى الشمس فتصدق- وبأن الواحد نصف الاثنين، وهكذا.
والنظري وهو ما يحتاج حصوله إلى كسب ونظر وفكر، كتصورنا لحقيقة الروح والكهرباء، وكتصديقنا بأن الأرض ساكنة أو متحركة حول نفسها وحول وحول الشمس، أو كتصديقنا بأن الأرض كروية -هذا تصديق ضروري أو نظري؟ التفت: إذا كان هذا التصديق حاصلاً من الصعود إلى الفضاء مثلاً والالتفات إلى حجم الكرة فهذا ضروري لا يحتاج إلى فكر يحتاج إلى إعمال الحواس أو التجربة الحسية، وأما على النظرية التي يعني بالطريقة التي أثبتها صاحب هذه الفكرة فهي نظرية؛ لأنه يعني خضع لجمله من المعادلات فوجد أنها لا يمكن أن تصح إلا بالالتزام بأن الأرض كروية-.
قال: ويسمى أيضاً بالكسبي؛ لأنه يتوقف على يكتسب اكتساباً. توضيح القسمين: أن بعض الأمور يحصل العلم بها من دون إنعام نظر وفكر، فيكفي في حصوله أن تتوجه النفس إلى الشيء بأحد أسباب التوجه الآتية -سوف يأتي من أحد أسباب التوجه مثلاً سلامة الحواس، أحد أسباب التوجس شو؟ الانتباه، ما يكونش واحد مثلاً مروبس، ما يكونش واحد غفلان، تمام؟ طيب- من دون توسط عملية فكرية كما مثلنا، وهذا هو الذي يسمى بالضروري أو البديهي، سواء أكان تصوراً أم تصديقاً.
وبعضها لا يصل الإنسان إلى العلم بها بسهولة، بل لابد، شو يعني؟ مش النظري هو ما يصل إليه الإنسان بصعوبة، لأن الصعود إلى الفضاء فيه صعوبة، لكن صعوبة غير فكرية، جيد؟ المراد: لا يصل الإنسان إلى العلم به بسهولة، شو يعني؟ يعني لا يصل من دون النظر، هذا هو المراد من السهولة، بل لابد من إنعام النظر وإجراء عمليات عقلية ومعادلات فكرية كالمعادلات الجبرية، فيتوصل بالمعلومات عنده إلى العلم بهذه الأمور -يعني المجهولات- ولا يستطيع أن يتصل بالعلم بها رأساً من دون توسيط هذه المعلومات وتنظيمها على وجه صحيح لينتقل الذهن منها إلى ما كان مجهولاً عنده، كما مثلنا، وهذا هو الذي يسمى بالنظري أو الكسبي سواء كان تصوراً أم تصديقاً.
توضيح في الضروري يأتي إن شاء الله غداً، والحمد لله رب العالمين.
