منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 87

تحميل Word

087

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى آله الطيبين الطاهرين.

وصل الكلام إلى الاعتراض الثاني الذي يمكن أن يسجل على الاستقراء التام ودليليته. وحاصل هذا الاعتراض أن النتيجة الكلية الحاصلة من الاستقراء التام - الآن نحن عندما نتتبع بحسب الفرض كل أفراد الحديد لنستنتج أنها تتمدد بالحرارة، فنقول في مقام النتيجة: كل حديد يتمدد بالحرارة - هذه النتيجة الكلية الحاصلة من الاستقراء التام لا تخلو إما أن يكون مفادها ثبوت الحكم لكافة أفراد الموضوع الموجودة منها والمقدرة، أي نثبت التمدد لكافة أفراد الحديد، سواء في ذلك الأفراد الموجودة فعلاً للحديد، والأفراد التي لم تنوجد حتى الآن ولكنها ستنوجد فيما بعد أو قد لا تنوجد أيضاً ولكنها يمكن أن تنوجد، أو الأفراد التي كانت موجودة ثم عدمت ولم يعد لها وجود.

فالحكم على مستوى النتيجة إما أن يكون ثابتاً لكل أفراد الموضوع الموجودة منها والمقدرة، وإما أن يكون الحكم ثابتاً لخصوص الأفراد الموجودة فعلاً للموضوع. أما إذا كان مفاد النتيجة ثبوت الحكم لكافة أفراد الموضوع الموجودة والمقدرة، ففيه حينئذ أن النتيجة سوف تكون أعم من المقدمات، أو فقلت سوف تكون النتيجة زائدة على مقدماتها؛ وذلك لأن الأفراد المقدرة لم تصل إليها يد التتبع، فتعميم الحكم إليها يكون طفرة فكرية. فيُشكل حينئذ تصحيح الاستقراء التام، لأنه حقيقة لا يكون استقراءً تاماً، إذ الفرض في الاستقراء التام أن النتيجة دائماً تكون مساوية للمقدمات، والنتيجة كلية فلا بد أن تكون مقدمة هذه النتيجة عبارة عن جميع جزئيات ذلك الكلي.

فهذه النتيجة إن كان الحكم فيها ثابتاً للأفراد الموجودة والمقدرة، فالنتيجة حينئذ وإن كانت كلية، كلية حقيقية، وهذه النتيجة وإن كانت صالحة للتعميم، غير أنها نتيجة غير مستبطنة في المقدمات؛ لأن المقدمات بحسب الفرض عبارة عن تتبع جزئي، والتتبع إنما يطال الأمور الموجودة فعلاً، ولا يطال الأمور المقدرة والتي لم تنوجد بعد.

وأما إذا كان مفاد النتيجة ثبوت الحكم لخصوص الأفراد الموجودة فعلاً، لا لكل أفراد الحديد ولو الحديد الذي لم ينوجد بعد، لا، التمدد إنما ثبت لخصوص الأفراد الموجودة فعلاً في زمن التتبع، ففيه حينئذ أن النتيجة وإن كانت مساوية للمقدمات حينئذ، لكن كليتها تكون كلية صورية، ولا تكون النتيجة صالحة لتعميم الحكم إلى الأفراد التي لم تنوجد بعد من أفراد الحديد، ولازم ذلك أن لا تكون النتيجة نتيجة استدلالية.

وذلك لما عرفنا من أن المنطق إنما يبحث في المعلوم التصديقي وفي المعلوم التصوري من حيث إنهما يوصلان إلى مجهول تصديقي وإلى مجهول تصوري، ولا يبحث عن المعلوم إلا لجهة كونها موصلة إلى معرفة مجهول تصوري أو تصديقي. وهنا مع انحصار الحكم في الاستقراء بالأفراد الموجودة، فحينئذ لا تكون تلك النتيجة بحيث تصلح لأن توصل إلى معرفة مجهول تصوري أو تصديقي؛ وذلك لأننا بحسب الفرض تتبعنا كافة أفراد الحديد الموجودة فعلاً، فعرفنا أن لها حكم التمدد بالحرارة، ثم استفدنا منها نتيجة وهي أن كل حديد فهو متمدد بالحرارة، تمام؟ ثم هذه النتيجة قلنا الحكم فيها إنما يثبت للأفراد الموجودة فعلاً، وحينئذ فهذه النتيجة لا توصل إلى معرفة مجهول تصديقي أو تصوري.

ليش؟ لأننا إن أردنا أن نتمسك بهذه النتيجة لإثبات تمدد حديدة موجودة فعلاً، فهذه النتيجة معلومة قبلاً وفي رتبة سابقة، إذ الفرض أننا تتبعنا كل حديدة حديدة في رتبة سابقة وعرفنا أنها تتمدد بالحرارة. وإن أردنا أن نتمسك بهذه النتيجة لنثبات تمدد حديدة مقدرة الوجود، ففيه أن هذه النتيجة بحسب الفرض إنما يثبت الحكم فيها للأفراد الموجودة فعلاً لا للأفراد المقدرة.

وعلى هذا فالنتيجة الاستقرائية لا تخلو إما أن يكون الحكم فيها ثابتاً لخصوص الأفراد الموجودة فعلاً، أو يثبت الحكم للأفراد الموجودة والمقدرة. فإن قلنا بأن الحكم يثبت لخصوص الأفراد الموجودات، فهذه النتيجة صحيحة ومساوية للمقدمات، إلا أن كليتها كلية صورية لا تصلح لتطبيقها على الجزئيات التي سوف تنوجد فيما بعد، فلا تكون نتيجة استدلالية لأنها لا توصل إلى معرفة مجهول.

وإن قلنا أن الحكم ثابت للأفراد الموجودة والمقدرة فعلاً، فهذه النتيجة وإن كانت نتيجة استدلالية، إلا أن هذه النتيجة زائدة على مقدماتها، لأن المقدمات مقدمات استقرائية قائمة على التتبع وإعمال الحواس، والحس إنما يطال الأمور الموجودة فعلاً ولا يطال الأمور المقدرة، فتكون النتيجة زائدة على المقدمات، ولا يكون الفرع زائدا على أصله.

وبالجملة، لما كان الاستقراء - وما معنى الاستقراء؟ هو التتبع - لما كان الاستقراء قائماً على التتبع والملاحظة، والتتبع والملاحظة فرع الوجود الفعلي للشيء الملاحظ والمتتبع، ومن هنا اختص الحكم في النتيجة الاستقرائية بالأفراد الموجودة فعلاً في أزمنة التتبع، ومن هنا يكون تعميم الحكم إلى غيره من الأفراد الموجودة في غير زمن التتبع عبارة عن طفرة فكرية وتكون النتيجة زائدة على المقدمات.

هذا تمام الكلام في الاعتراض الثاني؛ فالاعتراض الأول كان مرجعه إلى أن النتيجة الاستقرائية ليس لها قيمة معرفية لأنها فاقدة لوصف الضرورة واللزوم. الاعتراض الثاني مرجعه إلى أن الاستقراء التام ليس له أو لا يعد استدلالاً، لأن الاستدلال هو ما كان موصلاً من المعلوم إلى المجهول، والاستقراء ما دام مختصاً بالأفراد الموجودة فعلاً فهو فاقد لخاصية الإيصال.

الاعتراض الثالث: أن تطبيق النتيجة الكلية الحاصلة من الاستقراء على أي من جزئياتها لا ينتج معرفة جديدة ولا يوصل إلى مجهول تصديقي، بداهة أن فرض تمامية الاستقراء - ما معنى أن يكون الاستقراء تاماً؟ - فرض تمامية الاستقراء يقتضي أن يكون المتتبع قد وقف على كل جزئي جزئي من جزئيات ذلك الكلي. ففرض تمامية الاستقراء يقتضي أن يكون المتتبع قد وقف على جميع الجزئيات ولاحظ ثبوت الحكم لها، أو لاحظ ثبوت الحكم فيها لكل جزئي من هذه الجزئيات، التفت، بما في ذلك الجزء الذي يراد تطبيق النتيجة عليه فيما بعد.

فيَلزم حينئذ أن يكون حكم ذلك الجزئي معلوماً قبل حصول النتيجة وتكونها. فلو كان إثبات الحكم له متوقفاً على تطبيق النتيجة لزم الدور. بعبارة ثانية، نحن إنما نجري عملية الاستقراء لكي نستفيد حكماً كلياً بتمدد كل حديد، ليصح لنا بعد ذلك أن نتمسك بهذه النتيجة وأن نطبقها على تلك الحديدة بعينها أنها تتمدد بالحرارة. فنقول مقتضى أن الاستقراء تام أن المتتبع قد لاحظ كل جزئي جزئي من جزئيات الحديد في رتبة سابقة وعرف أنها تتمدد بالحرارة، ومن ضمن تلك الجزئيات ذلك الجزئي، تلك الحديدة التي نريد أن نستكشف حكمها فيما بعد، فيلزم حينئذ أن يكون حكم هذه الحديدة معلوماً حتى قبل النتيجة. فلو توقف معرفة حكم هذه الحديدة على تلك النتيجة للزم أن يتوقف الشيء على نفسه، وأن يكون الشيء معلوماً قبل أن يكون معلوماً، وهو واضح البطلان. واضح؟

إذاً فمقتضى أن الاستقراء تام أننا قد تتبعنا كل حديدة من أفراد الحديد، وحينئذ هذه النتيجة التي ننتهي إليها وهي أن كل حديد يتمدد بالحرارة، عندما نريد أن نستخدمها وأن نطبقها على جزئي لمعرفة حاله، فإننا ننقل الكلام إلى ذلك الجزئي، أليس واحداً من أفراد الحديد؟ إذاً لابد أن يكون حكمه قد لوحظ وقد تتبع في رتبة سابقة، إذاً فلا يتوقف حينئذ معرفة حكم هذه الحديدة على تلك النتيجة. فيُشكل كون الاستقراء استدلالاً حينئذ.

وهذا الإشكال لا ينحصر بالاستقراء التام، بل إن أصحاب المذهب التجريبي - أعني التجربيين وأصحاب المنطق الوضعي - قد أوردوه على استدلال تكون النتيجة فيه مساوية للمقدمات، يعني أوردوه على القياس أيضاً؛ وذلك لأن العلم بالنتيجة إذا كان موقوفاً على العلم بالمقدمات وكانت تلك النتيجة بنفسها موجودة في المقدمات - ألستم تقولون في القياس، ألسنا نقول في القياس أن النتيجة مستبطنة في المقدمات؟ - فالنتيجة إذا كان العلم بالنتيجة متوقفاً على العلم بالمقدمات وكانت تلك النتيجة بعينها موجودة وين؟ في المقدمات، لزم أن يتوقف الشيء على نفسه.

وكذلك في الاستقراء التام، النتيجة مساوية للمقدمات لأن النتيجة كلية والمقدمات - أعني الجزئيات المتتبعة - هي جميع الجزئيات، فيوجد تساوي حينئذ بين النتيجة وبين مقدماتها، فيلزم حينئذ أن تكون تلك النتيجة متوقفة على مقدماتها، ثم يراد أن يتمسك بهذه النتيجة لإثبات جزئي من تلك الجزئيات، والفرض أنه ما من جزئي إلا وقد دخل في عملية التتبع والملاحظة، فيتوقف الشيء على نفسه. وعلى هذا فلا يكون التوصل من المقدمات إلى النتيجة من المعلوم إلى المجهول، بل من المعلوم إلى المعلوم، ويكون هذا تحصيلا للحاصل.

وهذه الاعتراضات الثلاثة - الاعتراض الذي ذكرناه في الدرس السابق مع الاعتراضين اللذين ذكرناهما الآن - هذه الاعتراضات الثلاثة يرجع بعضها إلى بعض، حقيقة يوجد تلازم بين هذه الاعتراضات الثلاثة، ولذلك كثيراً ما قد يشتبه على الطالب أمر هذه الاعتراضات فيظنها اعتراضاً واحداً. وذلك لأن الاستقراء لما كان قائماً على التتبع والملاحظة - شوف حتى نسلسل هذه الاعتراضات كيف ترى - نقول: إن الاستقراء لما كان قائماً على أساس التتبع والملاحظة، وهما فرع الوجود الفعلي للجزء المتتبع أو الجزء الملاحظ، امتنع حينئذ استحالة الانفكاك، ولازم ذلك أن تخلو النتيجة عن وصف الضرورة واللزوم، فلا تكون النتيجة نتيجة برهانية، وهذا هو الاعتراض الأول.

ويلزم من خلو النتيجة عن وصف الضرورة واللزوم فقدان صلاحيتها للتعميم، فلا تستطيع أن تعود صالحة لأن نعمم الحكم على الأفراد التي لم تنوجد بعد. ليش؟ لأن ما يمكن أن يكون منشأ للتعميم هو كون المحمول ضروري الثبوت لموضوعه بحيث كلما وجد الموضوع فقد وجد المحمول، ومع عدم ما يدل على الضرورة يمتنع حينئذ ذلك التعميم. إذاً الفرض، التفت، ما يمكن أن يكون منشأ للتعميم هو أن تكون ذات الحرارة علة للتمدد فيكون هناك اللزوم، ونحن بحسب الفرض قلنا إن النتيجة خالية عن وصف الضرورة واللزوم، فغاية ما نستفيده من الاستقراء هو أن المحمول قد ثبت لموضوعه، أما أنه قد ثبت لموضوعه لاقتضاء ذلك الموضوع إياه ولأن ذات الموضوع تقتضي المحمول فهذا لا دليل يثبته.

إذاً فالاعتراض الأول هو الذي سبب الاعتراض الثاني؛ لأن الاعتراض الأول مرجعه إلى خلو النتيجة عن وصف الضرورة واللزوم، إذاً الموضوع لا دليل على أنه يقتضي لذاته ذلك المحمول، فلا لزوم بينهما أو لا دليل على اللزوم بينهما، وإذا لم يكن هناك لزوم أو دليل على اللزوم بينهما فمن أين نعلم أنه إذا وجدت حديدة فيما بعد فسوف تكون ذاتها مقتضية للتمدد عند تعرضها للحرارة؟ لا دليل يدل على ذلك. إذاً فخلو النتيجة عن وصف الضرورة واللزوم هو الذي أدى إلى الاعتراض الثاني وهو فقدان النتيجة لصلاحيتها للتعميم، لا تصلح لتعميمها على الأفراد المقدرة، تمام.

ويلزم من امتناع التعميم في النتيجة انحصارها بالأفراد، إذا لم تصلح للتعميم للأفراد المقدرة، إذاً هي منحصرة بالأفراد الموجودة فعلاً، فيلزم من امتناع التعميم في النتيجة انحصارها بالأفراد المحققة أي الموجودة فعلاً. ولكن تطبيقها على تلك الأفراد الموجودة فعلاً لا ينتج معرفة جديدة، إذ الفرض أن العلم بالنتيجة متفرع عن العلم بأحكام تلك الأفراد، فهو انتقال من معلوم إلى مثله وتحصيل للحاصل، لأنه إذا اختصت النتيجة بالأفراد الموجودة فعلاً، فهذه النتيجة على أي فرد يراد تطبيقها، ما من فرد يراد تطبيقها عليه إلا وهو مندرج في المقدمات، فهو معلوم في رتبة سابقة عندما حصل تتبع له. ومن هنا نستكشف أن مشكلة الاستقراء ترجع إلى مسألتين أساسيتين:

الأولى: أن الاستقراء لا ينتفع بنتيجته في العلوم، وهذا هو مؤدى الاعتراض الأول والثاني، له نتيجة إلا أن هذه النتيجة لا ننفعها في العلوم. أما في الاعتراض الأول فلأنها نتيجة غير برهانية. أما في الاعتراض الثاني فلأنها نتيجة صحيحة ولكن لا تصلح للتطبيق على الأفراد المقدرة.

المسألة الثانية: أن الاستقراء ليس استدلالاً من أول الأمر، وهذا هو مرجع ومؤدى الاعتراض الثالث. في الاعتراض الأول والثاني كنا نقول إن الاستقراء يعطي نتيجة لكن هذه النتيجة لا تنفعنا، أما في الاعتراض الثالث فنحن نقول إن الاستقراء لا ينتج فهو ليس استدلالاً، لأن تطبيقه على أي فرد من الأفراد لا يعطينا معرفة جديدة.

إذا قد اتضح ذلك، فإن هذه الاعتراضات التي سجلها أصحاب المدرسة الوضعية على الاستقراء من جهة أنه ليس باستدلال - طبعاً أعني الاستقراء التام - هذه الاعتراضات في غير محلها؛ وذلك لأن النتيجة الكلية الحاصلة من الاستقراء ليست عبارة عن مجرد تجميع جزئيات حتى يكون الانتقال من المقدمات إليها انتقالاً من المعلوم إلى مثله ومن الشيء إلى نفسه، بل إن الاستقراء عبارة عن مجموع استقرائين يضم العقل أحدهما إلى الآخر.

مشكلة أو أساس الاعتراض الذي أوردوه على الاستقراء ما هو؟ هو أن الاستقراء أنت تقوم بتجميع هذه الجزئيات وإحصاء حكمها، ثم بعد ذلك تأتي على مستوى القاعدة الكلية وتقول: كل حديد يتمدد بالحرارة. وهذه النتيجة لجهة اختصاصها بالأفراد الموجودة فعلاً فهي مساوية لتلك الأفراد التي حصل تتبعها وملاحظة حكمها، إذاً فهذه النتيجة على أي فرد تريد أن تطبقها فيما بعد، أي فرد تريد أن تطبق النتيجة عليه سوف يكون داخلاً ومشمولاً في المقدمات، فهو انتقال من الشيء إلى نفسه، وهو تحصيل للحاصل، هو انتقال من المعلوم إلى المعلوم؛ لأن هذه النتيجة - يلتفت - التي تريد أن تطبقها على جزئي لمعرفة حكمه، هذا الجزئي ما دام جزئياً من جزئيات ذلك الكلي فلا بد أنه قد حصل تتبع حكمه في رتبة سابقة، إذاً لابد أن حالة هذه الحديدة معلومة في رتبة سابقة، فالانتقال من النتيجة إلى ذلك الجزيء انتقال من المعلوم إلى المعلوم وليس انتقالاً من المجهول إلى المجهول، ولذا لا يكون الاستقراء استدلالاً؛ لأن الاستدلال هو ما ينقلنا من معلوم إلى مجهول. تمام.

هذا الاعتراض إنما يرد فيما إذا فرضنا أن عملية الاستقراء هي مجرد هذا التجميع. لو كان الاستقراء عبارة عن مجرد ذلك التجميع لتلك الجزئيات لصدق حينئذ أن الاستقراء هو عين مقدماته، فالانتقال من النتيجة إلى حال جزئي من الجزئيات انتقال من الشيء إلى نفسه. إلا أن الاستقراء حقيقة عبارة عن مجموع تتبعين، يضم العقل نتيجة أحدهما إلى الآخر. بيان ذلك أن النتيجة الاستقرائية - ولنأخذ مثالاً لذلك قولنا: كل حديد يتمدد بالحرارة - النتيجة الاستقرائية وهي قولنا: كل حديد يتمدد بالحرارة لا يكفي في حصولها أن نتتبع ألفاً من الحديد وباء منها وجيم، بعبارة ثانية لا يكفي في حصول النتيجة أن نقرر وأن نستقرئ حكم ألف من أفراد الحديد وحكم باء منها وحكم جيم ونجد أن الثلاثة تتمدد بالحرارة. ليش؟ لوضوح بإمكان أن يكون هناك حديدة رابعة حينئذ وتكون موجودة فعلاً وهي الحديدة دال بحسب الفرض ولم تصل إليها يد التتبع، فحينئذ لا تكون النتيجة مساويه للمقدمات، ولا يكون الاستقراء استقراءً تاماً بل يكون استقراءً ناقصاً.

إذاً النتيجة الاستقرائية وهي قولنا: كل حديد يتمدد بالحرارة لا تتوقف فقط على تتبع حالة ألف وباء وجيم، لا تتوقف على مجرد التجميع العددي لأفراد الحديد. الآن إذا تتبعت الحديدة الأولى وهي ألف ووجدت لها حكم التمدد، وتتبعت الحديدة الثانية باء ووجدت لها حكم التمدد، ثم تتبعت جيم من أفراد الحديد ووجدتها تتمدد، هذا التجميع العددي لهذه الأفراد لا يكفي لأن تقول كل حديد يتمدد بالحرارة؛ وذلك لاحتمال أن يكون هناك حديدة رابعة هي الحديدة دال وليس لها حكم التمدد ولم أصل إليها في تتبعي، فلم تصل إليها يد التتبع.

ومن هنا فإن هذه النتيجة الاستقرائية لا تتوقف على مجرد هذا التتبع، بل تتوقف على تتبع آخر، وهو أن يكون المتتبع قد لاحظ أفراد الحديد في رتبة سابقة وحصرها بألف وباء وجيم. فها هنا استقراءان وتتبعان:

الاستقراء الأول: تتبع لأفراد الحديد بمعزل عن الحكم، تتبع لأفراد الحديد وحصرها بألف وباء وجيم لينتج أن هذه الثلاثة هي كل أفراد الحديد.

ثم بعد ذلك نجري تتبعاً آخر وهو أن نتتبع حكم كل من ألف وباء وجيم على حدة ونجد أن لها حكم التمدد لنحصل حينئذ.

إذن من ضم نتيجة أحد الاستقرائين إلى نتيجة الآخر نصل إلى نتيجة كلية وهي أن كل حديد يتمدد بالحرارة. فظهر أن النتيجة الكلية ليست عبارة عن مجرد تجميع لقضايا جزئية، بل هي نتاج تركيب العقل لنتيجة التجميع الجزئي الأول مع نتيجة التجميع الجزئي الثاني، وهذا هو المراد من العملية الاستدلالية، فيكون الاستقراء استدلالاً. ولكن - التفت - الاستدلال من أي جهة؟ الاستدلال من جهة الانتقال من المقدمات إلى تلك النتيجة. الاستقراء ليس مجرد تجميع، بل هو تتبع أول لإحصاء أفراد الحديد، وتتبع ثاني لكل فرد من تلك الأفراد لمعرفة حكمها من أجل الوصول إلى ذلك الحكم، فالعقل يضم نتيجة التتبع الأول إلى نتيجة التتبع الثاني ليستخلص منها أن كل حديد يتمدد بالحرارة.

بعبارة ثانية، إن النتيجة المترتبة على مقدمات الاستقراء هي بنفسها المجهول التصديقي الذي أريد التوصل إليه. تعال شوف الآن عندنا مقدمات الاستقراء، ما هي مقدمات الاستقراء؟ مقدمات الاستقراء هي عبارة عن الجزئيات المتتبعة: ألف من الحديد يتمدد بالحرارة، باء من الحديد يتمدد بالحرارة، وجيم يتمدد بالحرارة، تمام. ثم هذه المقدمات توصلنا إلى أي شيء؟ إلى نتيجة كلية، النتيجة الكلية إذ نقول: كل حديد يتمدد بالحرارة. ثم بعد أن نأخذ هذه النتيجة نريد أن نطبقها فيما بعد على جزئي من جزئيات الحديد لمعرفة أنه يتمدد بالحرارة.

فنحن عندنا ثلاث مراحل حقيقة:

أولاً: نتتبع الجزئيات.

ثانياً: نستفيد حكماً كلياً وهو أن الحديد يتمدد بالحرارة على نحو القاعدة الكلية.

ثالثاً: نريد أن نأخذ هذه القاعدة الكلية ثم نتوصل منها لمعرفة جزئي من الجزئيات. انتبه.

تارة يكون نظرنا إلى المقدمات من حيث إنها توصل إلى النتيجة. وتارة يكون نظرنا إلى النتيجة من حيث إنها توصل لمعرفة جزئي من الجزئيات. الإشكال أين يرد؟ ما أورده الوضعيون هو أن هذه النتيجة لا يمكن أن تكون نتيجة استدلالية، طيب ليش؟ قال: لأنها إذا أردت أن تستخدم لمعرفة حكم جزئي من جزئيات الحديد، ففيه أن هذا الجزئي معلوم في رتبة سابقة، فلا يكون الانتقال من معلوم إلى مجهول وإنما هو انتقال من معلوم إلى معلوم، فمن جهة الانتقال من النتيجة إلى جزئي من الجزئيات هذا ليس استدلالاً، تمام.

وأما من جهة الانتقال من المقدمات إلى النتيجة فهو أيضاً ليس استدلالاً، قال: لأنه ما معنى هذه القاعدة الكلية؟ هي عبارة عن نفس تلك الجزئيات المتتبعة، ما معنى كل حديد؟ كل حديد عبارة عن حديد ألف وباء وجيم، وإنما لسهولة التعبير قيل كل حديد فاختصرت تلك الجزئيات، فلا يوجد انتقال من المعلوم إلى المجهول، يعني لا يوجد استدلال، لا على مستوى الانتقال من مقدمات الاستقراء إلى النتيجة، ولا على مستوى الانتقال من النتيجة إلى الجزء الذي نريد أن نطبق النتيجة عليه، فلا يوجد استدلال.

يعني في أي من هذين الانتقالين لا يوجد انتقال من المعلوم إلى المجهول. أما الانتقال من المقدمات إلى النتيجة قال لأننا بحسب الفرض نتتبع جميع الجزئيات، وهذه الجزئيات المتتبعة جميعاً ليست إلا عبارة عن كل حديد، فالاستقراء عبارة عن مجرد تجميع لقضايا جزئية، فقولك الحديدة ألف تتمدد والحديدة باء تتمدد والحديدة جيم تتمدد ثم تقول بعد ذلك كل حديد يتمدد، هذا عين ذاك وإنما انتخب تعبير يسهل المطلب، تمام.

طيب، وأما على مستوى الانتقال من النتيجة إلى الجزء الذي نريد أن نطبق الحكم عليه فيما بعد، فهذا الجزء ما دام متضمناً وموجوداً في رتبة سابقة، فالانتقال من معلوم إلى معلوم. وأما نحن فقد أجبنا عن هذا الإشكال من أي جهة؟ قلنا إن الاستقراء عندما نقول إنه استدلال فنريد منه أنه استدلال في المرحلة الأولى على مستوى المرحلة الأولى أي على مستوى الانتقال من المقدمات إلى النتيجة، وذلك بأن نقول إن النتيجة الاستقرائية وهي قولنا: كل حديد يتمدد بالحرارة ليست عبارة عن مجرد تجميع عددي لأفراد الحديد؛ لوضوح أننا إذا تتبعنا الحديدة ألف فوجدناها تتمدد والحديدة باء وجيم فوجدناهما تتمددان، لا نستطيع أن نقول كل حديد يتمدد بالحرارة، بل لابد أن نحرز في رتبة سابقة أن الألف والباء والجيم هي كل أفراد الحديد، تمام.

فالمقدمات هاهنا لم تعد مساوية للنتيجة أو لم تعد عينها بهذه الطريقة، حتى يكون الانتقال منها إلى النتيجة انتقالاً من الشيء إلى نفسه، فقولنا كل حديد يتمدد بالحرارة يتضمن أمرين: يتضمن أن ألف وباء وجيم تتمدد بالحرارة، وتتضمن أن أي شيء هو من أفراد الحديد فلا بد أن يتمدد بالحرارة. بعبارة ثانية، هذه النتيجة وليدة استقرائين: وليدة تتبع أفراد الحديد وحصرها بألف وباء وجيم، ووليدة تتبع ألف وباء وجيم ومعرفة أنها تتمدد بالحرارة، ولا نريد من العملية الاستدلالية إلا هذا القدر، وهو أنك تضم شيئاً إلى شيء لمعرفة شيء ثالث جديد، فالاستقراء استدلال على مستوى الانتقال من المقدمات إلى النتيجة.

وأما الوضعيون فلما لم يقفوا على حقيقة القضية الكلية - الآن لا أريد أن أدخل في هذا التفصيل ولكن عند الوضعيين، عند أصحاب المنطق التجريبي، عند الغربيين هم لا يؤمنون بوجود قضايا كلية، هم ينكرون وجود القضية الكلية ويشبهون القضية الكلية بالدرهم الذي يعفو عليه الزمن، كيف؟ الآن مثلاً العملة المعدنية عندما تكون جديدة وعندما تكون بالية يكون هناك نوع من اللاسواء أو اللاسواء في الوضوح، جيد، ولكن هذا لا - التفت - هذا لا يعني أن هذا الحجر ينطبق على كثيرين، هذا الحجر المعدني هو واحد ولكن التفت لغباشة جيد في الرؤية، فأنت تحتمل فيه أن ينطبق على كثيرين، ولكنه هو متشخص جزئي في الخارج، هو في الواقع هذه العملة إما هي من فئة الدرهم أو هي من فئة الدينار، ولكن لوجود لمرور الزمن على هذا المعدن أنت يشتبه عليك الحال. هكذا هم يشبهون القضايا الكلية، لا أريد أن أدخل في هذا التفصيل لأنه يدخلنا في مباحث كثيرة، ولكن الوضعيين لما لم يقفوا على حقيقة القاعدة الكلية ظنوا أن القاعدة الكلية ليست إلا عبارة عن مجرد هذا التجميع الشخصي للجزئيات، وبهذا استشكلوا بأن الانتقال من المقدمات إلى النتيجة ليس انتقالا من المعلوم إلى المجهول وإنما هو انتقال من الشيء إلى نفسه.

وكذا لا يرد هذا الاشكال على القياس - أو قبل أن نبين طريقة اندفاع الإشكال عن القياس، لابد أن نلخص الموقف، نقول إن النتيجة المترتبة على مقدمات الاستقراء هذه النتيجة هي بنفسها المجهول التصديقي الذي أريد التوصل إليه، لا أن هذه النتيجة بعد حصولها نريد أن نتوصل منها إلى مجهول تصديقي آخر، هي تلك الجزئيات المندرجة تحتها، هذه المشكلة، الوضعيون كان اعتراضهم حقيقة هاهنا، أن هذه النتيجة لا تنفع لتطبيقها على أي جزئي، إذ ما من جزئي إلا وهو مندرج في المقدمات، فنقول نحن إن هذه النتيجة هي بنفسها المجهول التصديقي الذي أردنا أن نتوصل إليه من المقدمات، والمقدمات ليست عبارة عن أو هذه النتيجة ليست عبارة عن نفس المقدمات، بل هي عبارة عن مجموع تتبعين، ضم العقل نتيجة أحدهما إلى الآخر، تمام؟ لا أن هذه النتيجة يراد أن نتوصل منها إلى مجهول تصديقي، بل هي بنفسها المجهول التصديقي الذي نريد أن نتوصل إليه.

فالمستقرئ لا يريد أن يتوصل إلى أن الحديدة ألف تتمدد بالحرارة حتى لا يرد الاعتراض بأن هذه النتيجة معلومة في مقدمات الاستقراء، بل يريد التوصل إلى أن كل حديدة تتمدد بالحرارة، هذا هو الذي يريد أن يتوصل إليه، وهذه معرفة كلية جديدة ناشئة من ضم مجموع استقرائين، ولا يراد من الاستدلال أكثر من هذا. أما الوضعيون فلما أنكروا الكليات فسروها بأنها مجرد تجميع للجزئيات فتوهموا ورود الإشكال.

وكذا لا يرد هذا الإشكال على القياس، كما لو قيل مثلاً شوف: محمد إنسان، وكل إنسان فان، ينتج: محمد فان، التفت. لأن هذه النتيجة - كما إذا قلنا محمد إنسان وكل إنسان فان، فينتج محمد فان - فإن هذه النتيجة وهي أن محمداً فان وإن كانت مستبطنة في كبرى القياس، لأن محمداً فان لجهة كونه إنساناً، جيد؟ فيشمله حكم الفناء، فهذه النتيجة وإن كانت مستبطنة في كبرى القياس إلا أن هذه الكبرى لم يحصل العلم بها عن طريق تتبع كل أفراد الإنسان، لم نصل إلى هذه الكبرى عن طريق الاستقراء التام بمن في ذلك محمد، وإنما نصل إلى الحكم بالكبرى عن طريق الوقوف على علاقة الضرورة واللزوم بين موضوع القضية وبين محمولها، فيكون المحمول في الكبرى قد ثبت للموضوع بوصفه الكلي ومن دون ملاحظة ما إذا كان محمد من أفراده أو لا.

وحينئذ فلابد لاستفادة الحكم بفناء محمد من الاستعانة بالصغرى، وهو أن تثبت أن محمداً فرد من أفراد الإنسان. طبعا لا تركزوا كثيراً في هذا المثال، نعم هذا لا يوجد وصف لزوم مثلاً هاهنا في هذا المثال، ولذلك وقع في كلام المناطقة أن مثل هذا المثال ليس قياساً حقيقة. ليش؟ لأن القياس يجب أن تكون نتيجته برهانية، أي يجب أن تكون نتيجته مشتملة على وصف الضرورة واللزوم، وإذا كانت النتيجة مشتملة على وصف الضرورة واللزوم فلا بد أن تكون المقدمات أيضاً مشتملة على وصف الضرورة واللزوم.

نعم، مثل هذا المثال ليس قياساً حقيقة عند المناطقة، نعم له صورة القياس، تمام؟ والذين اعترضوا على القياس اعترضوا على القياس من مثل هذا المثال، هم قالوا أنت كيف تثبت أن كل إنسان - إذاً كيف أثبت أن كل إنسان فان؟ - لابد أنك تتبعت كل أفراد الإنسان فوجدت أن لهم حكم الفناء ومن جملة أولئك الأفراد محمد، إذاً فأنت تعلم بأن محمداً فان قبل النتيجة. بعبارة ثانية، هذه النتيجة موقوفه على مقدمتيها الصغرى والكبرى، فيتوقف الحكم بفناء محمد على الحكم بفناء كل إنسان، والحكم بفناء كل إنسان متوقف في رتبة سابقة على إثبات الفناء لكل فرد من أفراد الإنسان بمن في ذلك محمد، فقد توقف الشيء على نفسه، فيأتي الجواب إن القياس الذي هو قياس عند المناطقة يجب أن لا تكون الكبرى فيه ثابتة بطريق الاستقراء التام، بل يجب أن تكون الكبرى فيه ثابتة - التفت - عن طريق اللزوم بين الموضوع والمحمول، كما تقول مثلاً: كل معلول - شوف - كل معلول يحتاج إلى علة، هذه القضية ليست قضية ثابتة بالاستقراء، أنت لا تذهب وتقترئ وتبحث عن كل معلول ثم تستكشف أنه يحتاج إلى علة، لا، تتتبع أفراد المعلول ولكن يكفيك أن تفرض أنه معلول، ما معنى أن يكون الشيء معلولاً؟ أن له علة، إذاً نفس الموضوع صار مقتضياً بذاته لثبوت ذلك المحمول. نعم، حينئذ تحتاج إلى أن تثبت معلولية شيء حتى يلحق ذلك الحكم وهو الاحتياج إلى العلة، تمام.

فمثل قولنا: محمد إنسان وكل إنسان فان، ينتج: محمد فان، هذا القياس قياس صوري يعني له صورة القياس وليس قياساً حقيقياً، تمام؟ لا لأنه يشتمل على قضية جزئية كما ذكر كثيرون، وإنما لأن الكبرى فيه ليس ثبوتها على نحو اللزوم، جيد؟ ومن هنا فإننا نقول: الكبرى في القياس يجب أن تكون العلاقة بين موضوعها ومحمولها علاقة لزومية، بأن يكون ذات الموضوع مقتضياً للمحمول، فيكون المحمول في الكبرى قد ثبت للموضوع بوصفه الكلي ومن دون ملاحظة ما إذا كان محمد فرداً من أفراد الإنسان أو لا.

وحينئذ فلابد لاستفادة الحكم بفناء محمد أن نحرز بضميمة الصغرى أن محمداً فرد من أفراد ذلك الموضوع لكي يلحقه الحكم. ولذلك وقع في كلام المناطقة أن هذا المثال ليس قياساً حقيقة، وإنما هو صورة قياس، لا لأن إحدى مقدمتيه شخصية كما ربما يسبق إلى كثير من الأذهان، بل لأن الكبرى فيه لا تعبر عن وصف الضرورة واللزوم بين طرفيها، وإذا لم يكن هناك ضرورة ولزوم بين الموضوع والمحمول في الكبرى، إذاً فثبوت أحدهما للآخر ينحصر بطريق الاستقراء، وإذا انحصر بطريق الاستقراء صار فناء محمد معلوماً قبل النتيجة القياسية، فلا يكون الانتقال إليها انتقالاً إلى مجهول تصديقي، فلا يكون القياس استدلالاً حينئذ.

وبالجملة، فالقياس إنما يتركب من قضايا لزومية يثبت المحمول فيها لاقتضاء ذات الموضوع بوصفه الكلي، يعني بما هو هو، المعلول بما هو هو، بمعزل عن كونه حديدة أو طاولة أو خشباً أو إنساناً أو أي شيء. الاستقراء أو القياس يتركب من قضايا لزومية يثبت المحمول فيها لاقتضاء ذات الموضوع بوصفه الكلي من غير توقف على تتبع الأفراد وحصرها وملاحظة حكمها، فإذا ما علم من الصغرى أن فرداً ما هو من أفراد ذلك الكلي لحقه الحكم حينئذ الثابت للموضوع في الكبرى، وهذه نتيجة جديدة لم تكن معلومة من قبل، فيكون القياس استدلالاً وموصلاً من المعلوم إلى المجهول.

نعم، لما كانت أكثر القضايا - التفتوا الآن جيدا - لما كانت أكثر القضايا فاقدة لوصفي الضرورة واللزوم، انحصرت فائدة القياس وقيمته المعرفية في مجال ضيق ومحدود لا يتعدى القضايا الفلسفية، ولذلك حقيقة القياس له قيمة معرفية ولكن قيمته المعرفية إنما تنحصر بقضايا الفلسفة؛ لأن قضايا الفلسفة قضايا نظرية لا تحتاج إلى الاحتكاك بالموجودات الخارجية وبعالم المادة، ودائماً ترجع إلى قضايا أولية بديهية يكون المحمول فيها مستفاداً من نفس تصور موضوعها.

وقد تلخص من ذلك أن نتيجة الاستقراء معرفة جديدة واستدلال، لكن لا نفع لها في العلوم لعدم صلاحيتها للتعميم. أي استقراء؟ نتحدث عن الاستقراء التام. تمام؟ نتيجة الاستقراء استدلال، ولكن لا نفع له في العلوم، تمام؟ هذا بالنسبة إلى الاستقراء، فالاستقراء استدلال، ولكن لا ينفع في العلوم لأنه لا يصلح للتعميم للأفراد الموجودة فيما بعد.

وأما القياس فهو استدلال وله نفع في العلوم، لكن في نطاق ضيق ومساحة محدودة لا تتعدى قضايا الفلسفة. إذاً استدلالاتنا الآن، إذاً ما هو الاستدلال الذي له نفع في العلوم؟ لم يبق عندنا إلا الاستقراء الناقص، وهنا يزداد الأمر صعوبة، إذا كان التام لا ينفع لأن يكون للتعميم، فالاستقراء الناقص كيف كان نافعاً للتعميم؟ يقع الكلام في ذلك غدًا إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين. وبهذا يتم الكلام - طبعا وين؟ في الاستقراء التام - يقع الكلام في الاستقراء الناقص، في فلسفته، في بيان الإشكالات عليه، وفيما يمكن أن يكون حلاً لهذه الإشكالات، يأتي إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.

اللهم صل على محمد وآل محمد

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.