دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 88
088
وصلت نوبة الكلام إلى الاستقراء الناقص، وهو عبارة عن تتبع جملة من الأفراد من أجل استنباط حكم كلي ينطبق على تلك الأفراد المتتبعة، وعلى غيرها من الأفراد التي لم تصل إليها يد التتبع. كما إذا تتبعنا جملة من أفراد الحديد، فوجدنا أنها تتمدد عند تعرضها للحرارة. فإننا نستخرج بعد هذا التتبع حكماً كلياً بتمدد كرة الحديد، حديد عند تعرضه للحرارة، ويكون هذا الحكم الكلي شاملاً للجزئيات المتتبعة ولغيرها من الجزئيات التي لم تصل إليها يد التتبع. فأي حديدة نضع يدنا عليها فيما بعد، فإننا نطبق عليها ذلك الحكم من أجل استكشاف معلوم تصديقي جديد وهو أن هذه الحديدة التي وجدت الآن لها حكم التمدد عند تعرضها للحرارة.
وبهذا يظهر أن الاستقراء الناقص مع كونه ناقصاً لا يعاني من المشكلة التي كان يعاني منها الاستقراء التام؛ وذلك لأن الاستقراء عندما يكون تاماً فمقتضى تماميته أن المتتبع يضع يده على كل فرد فرد من أفراد ذلك الحديد. وحينئذ عندما يستخرج حكماً كلياً بضرورة تمدد كل حديد, فإنا لنا أن نتساءل: هذه القاعدة الكلية على أي جزئي سوف تطبقها فيما بعد؟ ما من جزئي يراد تطبيق هذه القاعدة عليه إلا وهو معلوم حاله في رتبة سابقة، إذ الفرض أنه قد تتبع كل أفراد الحديد فاستكشف تمدد كل واحدة من أفراد هذا الحديد.
وحينئذ، هذه القاعدة الكلية لا تصلح لأن يستكشف منها مجهول تصديقي، لا تصلح لأن توجدنا إلى معرفة مجهول تصديقي؛ لأن أي جزئي يراد تطبيق هذا الحكم عليه لابد أن يكون معلوماً حاله في رتبة سابقة. وهذا بخلاف الاستقراء الناقص، وذلك لأن الحكم الكلي لا يتولد من تتبع جميع الأفراد، وإنما هو وليد تتبع بعض أفراد الحديد. وحينئذ فهذا الحكم الكلي -شوف- يكون متوقفاً على تتبع بعض أفراد الحديد، ويكون صالحاً لأن يطبق على البعض الآخر من أفراد الحديد، ذلك البعض الذي لم تصل إليه يد التتبع.
فيصح أن يقال حينئذ إن النتيجة الكلية الحاصلة من الاستقراء الناقص توصل إلى معرفة مجهول تصديقي؛ وذلك لأننا نفترض أننا تتبعنا (أ) و(ب) و(ج) من أفراد الحديد فاستخرجنا حكماً بضرورة تمدد كل حديد، ثم إننا في مقام الطواف إلى معرفة مجهول تصديقي نقوم بتطبيق هذه النتيجة لا على (أ) و(ب) و(ج) فإن هذه الأفراد قد علم حالها، وإنما نطبقها على (د) و(هـ) و(و) من أفراد الحديد، وهذه الأفراد لم نتتبعها في رتبة سابقة فليس حالها معلوماً قبل النتيجة. وبهذا يصح أن يقال إن النتيجة الاستقرائية المتولدة من الاستقراء الناقص صالحة لأن توصل إلى معرفة مجهول تصديقي إذ نقوم بتطبيقها على الأفراد غير المتتبعة.
وهذه النتيجة هي وليدة الأفراد المتتبعة، فلم يتوقف الشيء على نفسه؛ فمعرفة حال الأفراد غير المتتبعة هذه المعرفة موقوفة على النتيجة الكلية، والنتيجة الكلية موقوفة على الأفراد المتتبعة، فلم يتوقف الشيء على نفسه، فلا يلزم الدور، ولا يلزم الانتقال من المعلوم إلى المعلوم، ولا يلزم بطلان كون هذه النتيجة موصلة، فلا يلزم أن لا يكون استدلال، بل هو استدلال.
إذاً، فالاستقراء الناقص مع نقصانه أو لنقصانه لا يعاني من ذات المشكلة التي كان يعاني منها الاستقراء التام، إلا أن هذا النحو من الاستقراء يبتلي بمشكلة جديدة من نوع آخر.
مشكلة الاستقراء الناقص وتبرير المعارف البشرية
وحاصل هذه المشكلة هو أن النتيجة التي تتولد من الاستقراء الناقص نتيجة كلية صالحة للانطباق على كل الأفراد، سواء في ذلك الأفراد المتتبعة أو غير المتتبعة، مع أن المقدمات التي يقوم بها المتتبع من أجل الوصول إلى هذه النتيجة هي عبارة عن خصوص الأفراد المتتبعة. فيلزم حينئذ أن تكون النتيجة زائدة على مقدماتها، والنتيجة لا يمكن أن تزيد على المقدمات؛ لأن الفرع لا يزيد على أصله، ولأن النتيجة إنما سميت نتيجة لأنها متضمنة في المقدمات. فكيف تكون النتيجة أكبر من مقدماتها؟
بعبارة ثانية: المتتبع إنما لاحظ من أفراد الحديد (أ) و(ب) و(ج) و(د) مثلاً، ومجرد ملاحظة هذه الجزئيات الأربع إنما تخوله للحكم على تلك الجزئيات الأربع، فمن أين صح له منطقياً أن يعمم هذا الحكم إلى فرد لم تصل إليه يد التتبع؟
ومن الواضح أن أغلب معارفنا البشرية ترجع إلى هذا النوع من الاستقراء، إلى الاستقراء الناقص. أما القياس، فلما عرفنا في الدرس السابق من أن حجيته منحصرة في القضايا الفلسفية، فباب الاستفادة من القياس باب ضيق، ونحن أكثر معارفنا من التجريبيات، لا من الأمور الفلسفية العقلية الأولية. أكثر مدركاتنا ترتكز على إعمال الحواس، فهي ليست أموراً فلسفية، وإنما هي أمور تحتاج إلى إقامة الحس والتجربة، أي التتبع.
وأما الاستقراء التام، فلما عرفنا من أن الاستقراء في أغلب موارده هو استقراء متعذر الحصول؛ لأن معنى أن يكون الاستقراء تاماً هو أن تتتبع جميع الأفراد، بما في ذلك الماضي والحاضر والمستقبل والتي سوف تنوجد، أو التي يمكن أن تنوجد ولو لم تنوجد فعلاً؛ لأنه يصدق أن هذه الأفراد التي لن تنوجد، وإن أمكن وجودها، يصدق أنها أفراد ذهنية أو لا، إذن فهي مصادق مفترضة.
وإذا تعذر القياس لندرة مورده، وتعذر الاستقراء التام، فلم يبق أن تكون مدركاتنا مستفادة إلا من الاستقراء الناقص. ومن الواضح أن أكثر معارفنا هي وليدة الاستقراء الناقص؛ لوضوح أننا لا ندعي أننا قد تتبعنا جميع أفراد الحديد فوجدنا أنها تتمدد بالحرارة، كما أننا لم نتتبع جميع أفراد التماسيح مثلاً، أفراد التمساح على مر العصور لنستكشف أن كل تمساح فهو يحرك فكه الأعلى.
ومن هنا فنحن مطالبون من الناحية المنطقية لأن نجد مبرراً وتخريجاً عقلياً في أنه كيف نبني معارفنا ومدركاتنا على أساس استدلال فيه مثل هذه المشكلة. لابد أن نوائم بين النظرية وبين التطبيق، لابد أن نجد مبرراً منطقياً لطريقة انتقال ذهننا من مثل هذا التتبع الناقص إلى تلك الاستنباطات والاستفادات الكلية؛ فإن العقل له أن يحتمل وجود جزئي آخر من جزئيات ذلك الكلي فيما بعد وليس له ذلك الحكم.
فإننا في وجداننا نقر بأننا لا نجد تناقضاً منطقياً، لا نشعر باجتماع النقيضين فيما إذا فرضنا وجود حديدة فيما بعد ولم يكن لها حكم التمدد. مثل هذا الافتراض لا يستبطن تناقضاً منطقياً، ومعنى أنه لا يستبطن تناقضاً منطقياً أن العقل يحتمله، ومعنى أن العقل يحتمله أن العقل لا يأباه، ومعنى أنه لا يأباه أن احتمال الطرف المخالف موجود.
ومع وجود احتمال الطرف المخالف ينتفي اليقين ولا يتحقق إلا الظن. فلا يسعنا حينئذ إلا أن نقول إن الاستقراء الناقص أكثر ما يفيده هو الظن، ولو كان ظناً بنسبة عالية، إلا أن هذه النسبة الراجحة ما دام يوجد في قبالها نسبة ولو كانت ضئيلة من احتمال المخالفة، إذن فهذه النسبة الراجحة لم ترق إلى مستوى اليقين، وإنما ترقى إلى مستوى الظن، ولو كان ذلك الظن ظناً عالياً بنسبة هائلة.
ولازم هذا الكلام أن ترجع جميع مدركاتنا وأكثرها إلى أن تكون مدركات ظنية، وهذا في الحقيقة دخول تدريجي في باب السفسطة والتشكيك وإنكار الواقع، ولا سيما أننا لا نتعامل مع هذه القضايا التجريبية على أنها قضايا ظنية، فإننا الآن نقول: كل نار هي محرقة، مع أننا نجرب كل نار ولم نضع يدنا على كل نار، فنحن نتعامل مع هذه القضايا والمعارف على أنها معارف يقينية تسد باب الاحتمال وتلغي باب الظن.
ولكننا من الناحية العقلية نجد أنفسنا عاجزين عن تبرير هذه المعاملة، لما كان الذهن بحيث يتعامل مع هذه القضايا على أنها يقينية في حين أن العقل لا يجد تناقضاً وتهافتاً في احتمال الخلاف. ومن هنا تتوجه أنظار جميع المناطقة بعد الأرسطيين بل والأرسطيون أنفسهم، توجهت أنظارهم إلى علاج هذه المشكلة، وقد تعددت أقوال واختلفت النظريات في هذه المسألة، والذي يهمنا في هذا الكتاب هو أن نتعرض إلى طريقة علاج المنطق الأرسطي لمشكلة الاستقراء الناقص، ولن نتعرض إلى المعالجات التي ذكرناها المدارس الأخرى.
موقف المنطق الأرسطي من الاستقراء الناقص
كيف كان الاستقراء في فهم المنطق الأرسطي؟ إذا نظرنا إليه على أنه مجرد تتبع لعدد لا بأس به من الجزئيات، إذا نظرنا إلى الاستقراء على أنه مجرد تتبع لجملة من الأفراد، فمن الواضح أن مثل هذا النحو من الاستدلال لا يفيد قاعدة الكلية ولا يفيد اليقين؛ لأن النتيجة لا يمكن أن تزيد على مقدماتها، لأن ذلك الزائد على المقدمات من أين اتينا به؟ بحسب الفرض النتيجة إنما سميت نتيجة لأنها تستنتج وتستخرج من المقدمات، فإذا كانت النتيجة زائدة على المقدمات، فهذا يعني أن الزائد لم يكن موجوداً في المقدمات، إذاً فهو زيادة لا دليل يدل عليها، ومع عدم الدليل لا يمكن أن ندعي اليقين.
فنحن إذا تتبعنا عشرة من أفراد التماسيح، إنما يصح لنا أن نحكم على عشرة من أفراد التماسيح، أما الحكم على التمساح الحادي عشر فهذه نتيجة زائدة على المقدمات، فلا دليل يدل على ضرورة كون التمساح الحادي عشر بحيث يحرك فكه الأعلى للأسفل.
فإذا نظرنا إلى الاستقراء الناقص على أنه مجرد تتبع حسي لعدد من الأفراد، فإن موقف المنطق الأرسطي من مثل هذا الاستدلال هو أنه استدلال عقيم لا يفيد إلا الظن. ولكن المنطق الأرسطي قد عالج مشكلة الاستقراء الناقص وصححها بدعوى أن الاستقراء الناقص الذي يفيد اليقين ليس عبارة عن مجرد تتبع للظواهر، بل هو عبارة عن تتبع مستند إلى جملة من المبادئ العقلية.
يعني هذا التتبع إذا أخذناه لوحده فلا ينتج اليقين وهذا واضح، ولكننا إذا أخذنا ذلك التتبع وضممناه إلى بعض المبادئ والقواعد العقلية، صح حينئذ أن يوصلنا مثل هذا التتبع بمعونة تلك المبادئ العقلية إلى درجة اليقين، ونحن سوف نشرح ذلك بطريقتين: طريقة مختصرة، ثم نشرحها بطريقة واسعة ومسهبة.
أما بيان ذلك بطريقة مختصرة فنقول: إن الاستقراء الناقص الذي يفيد اليقين بحسب الفهم الأرسطي -طبعاً- يستند إلى جملة من المبادئ؛ فنلاحظ أثناء تتبعنا أن هذه الأفراد قد ثبت لها حكم لم يكن ثابتاً من قبل، كما إذا أخذنا الحديد فتتبعنا أفراد الحديد، فنجد أن هذه الحديدة قد حصلت لها حالة لم تكن موجودة من قبل وهي التمدد. ليست كل حديدة متمددة، الآن تمددت هذه الحديدة فقد حصل لها حالة وحكم لم تكن هذه الحالة ولم يكن هذا الحكم حاصلاً من قبل.
وحيث إن هذه الحالة لم تكن موجودة -التفت- ثم وجدت، إذن فالتمدد ليس ضرورياً بالنسبة إلى الحديد؛ إذ لو كان ضرورياً بالنسبة إلى الحديد لوجب أن يكون كل حديد متمدداً، لامتنع انفكاك التمدد عن الحديد، والفرض أننا نقول إن هذه الحديدة لم تكن متمددة ثم تمددت. والشيء الذي لم يكن موجوداً ثم ينوجد لا يمكن أن يكون واجباً؛ إذ لو كان واجباً لامتنع انفكاكه، ولا يمكن أن يكون ممتنعاً؛ إذ لو كان ممتنعاً لامتنع وجوده. وإذا لم يكن واجباً ولا ممتنعاً فلم يبق إلا أن يكون ممكناً. فهذه الحال التي لاحظنا وجودها ولم تكن موجودة نحكم بإمكانها، وكل ممكن فإنه يحتاج في وجوده إلى علة.
ثم إن هذه الحالة التي تحتاج إلى علة ألا وهي التمدد لما كانت مشتركة بين سائر الأفراد المتتبعة -نحن بحثنا عن الحديدة الأولى فوجدنا أنها لم تكن متمددة ثم تمددت، بحثنا عن الحديدة الثانية وجربناها فوجدنا أنها لم تكن متمددة ثم تمددت- فنقول: إن التمدد لما لم يكن موجوداً ثم وجد، إذاً فهذا التمدد معلول ويحتاج إلى علة. ثم إن التمدد بكونه مشتركاً بين سائر الأفراد المتتبعة، فلا بد أن يكون سببه وتكون علته أمراً مشتركاً كذلك.
فإذا ما لاحظ المتتبع حينئذ اقتران هذا الحكم -يعني التمدد- المشترك بين أفراد الحديد بظاهرة مشتركة أيضاً، استكشف حينئذ علية تلك الظاهرة لذلك الحكم، فيحكم العقل حينئذ على نحو القاعدة الكلية بأنه كلما وجدت هذه الظاهرة ثبت لها الحكم، ولو في غير الأفراد المتتبعة. ليش؟ للزوم وجود المعلول عند وجود علته.
فمن وقف على جملة من أفراد الحديد ولاحظ تمددها حكم بضرورة وجود سبب لذلك التمدد. ليش يحكم بوجود سبب؟ قال: لأن هذا التمدد لم يكن موجوداً ثم وجد. إذاً فالتمدد ليس واجباً بالنسبة إلى الحديد، وإلا لما انفك عنه، وليس ممتنعاً وإلا لما وجد، إذاً لابد أن يكون ممكناً، والممكن يحتاج في وجوده إلى علة.
فمن وقف على جملة من أفراد الحديد -التفت- ولاحظ تمددها حكم بضرورة وجود سبب لذلك التمدد. ليش؟ لأن التمدد حالة لم تكن ثم كانت، لم تكن موجودة ثم وجدت -تمام-. وحيث إن هذا التمدد مشترك بين كل هذه الأفراد التي تتبعها، فعلة التمدد يجب أن تكون مشتركة بين جميع هذه الأفراد التي تتبعها. فإذا لاحظ أن التمدد في هذه الأفراد العشرة مثلاً قد اقترن وتصاحب مع ظاهرة في الأفراد العشرة أيضاً، حكم حينئذ بأن هذه الظاهرة المشتركة هي سبب ذلك الحكم المشترك، فيحكم بعلية الحرارة حينئذ للتمدد. ليش؟ لأن المعلول المشترك يجب أن تكون علته مشتركة.
وهكذا يعمم الحكم في هذه النتيجة لكل أفراد الحديد بما في ذلك الأفراد التي لم تصل إليها يد التتبع -طيب ليش؟- قال: استناداً إلى المبدأ العقلي القائل: إن العلة عندما تنوجد يجب أن ينوجد معلولها؛ لأنه إن فرض وجود الحرارة في حديدة أخرى ونحن فرضنا أن الحرارة سبب للتمدد، فقد وجد ما هو سبب وعلة للتمدد، والمعلول يجب وجوده عند وجود علته. وعلى هذا فيصح للعقل أن ينتقل من تتبع بعض الأفراد إلى الحكم الكلي على هذه الأفراد وعلى غيرها من الأفراد التي لم تصل إليها يد التتبع.
ولكن الاستقراء بهذا البيان لا يكون عبارة عن مجرد تتبع، بل هو استقراء قائم ومستند إلى جملة من المبادئ العقلية؛ منها أن المعلول يحتاج إلى علة دائماً، ومنها أن المعلول المشترك يجب أن تكون علته مشتركة كذلك، ومنها أن حكم المثلين فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، ومنها أن الاتفاق لا يكون أكثرياً. هذه المبادئ هي التي سوف نشرحها عندما نتعرض إلى الطريقة المسهمة.
الطريقة المسهمة في تصحيح الاستقراء
كيفك؟ التفت، لماذا نقول إن المعلول المشترك يجب أن تكون علته مشتركة؟ وذلك لأننا لنفترض مثلاً الآن أننا تتبعنا عشرة من أفراد الحديد، فوجدنا أن هذه الأفراد العشرة تشترك جميعاً في أن فيها صفة التمدد، والتمدد حالة لم تكن ثم وجدت، إذن هي حالة ممكنة فتحتاج إلى علة -تمام؟-.
نقول: علة التمدد في هذه العشرة يجب أن تكون أمراً مشتركاً في جميع هذه الأفراد وفي جميع هذه الظواهر العشرة. ليش؟ لأننا إذا فرضنا -تعال لنفرض ذلك- لنفترض عندنا الحديد الأول والحديد الثاني والحديد الثالث والحديد الرابع، تتبعنا هذه الحالات الأربع فوجدنا أنها تشترك في خصوصية واحدة، ما هي هذه الخصوصية؟ هي (أ).
و(أ) حالة لم تكن موجودة، إذاً فهي ليست واجبة، ثم وجدت، إذاً فهي ليست ممتنعة، إذاً (أ) لابد لها من علة، لابد من وجود علة هي التي أوجدت واقتضت (أ) في هذه الأفراد وفي هذه الظواهر أو الأفراد الأربع -تمام؟-.
ثم نرجع إلى الحديدة الأولى، فأردنا أن نلاحظ ما هي الخصوصيات الموجودة مع (أ) في هذا الفرد، فوجدنا أن هذه الحديدة التي لها صفة (أ) تتصف أيضاً بصفة (ب) و(ج). وحينئذ نحن نحتمل أن تكون (ب) هي سبب (أ)، ونحتمل أيضاً أن تكون (ج) هي سبب (أ)، ويوجد معها (د)، ونحتمل أيضاً... لأن دليل العلية أقصى ما يفيده هو أن المعلول يجب أن يكون هناك علة هي التي أوجدته، أما أن تكون هذه العلة هي (ب) بعينها أو (ج) بعينها أو (د) بعينها فهذا لا دليل يدل عليه.
ولكننا إذا رجعنا إلى الحديد الثاني فأردنا أن نلاحظ ما تشتمل عليه من خصائص وجدنا أنها تشتمل على (ب) و(ج) و(د) ليست موجودة، لا يوجد معها خصوصية... هنا نحن نقطع بأن (د) ليست هي علة (أ)، ليش؟ إذ لو كانت (د) هي التي تقتضي (أ) -تمام- للزم أن تنوجد (أ) في الحديد الثاني من دون وجود... لزم أن تنوجد (أ) من دون وجود (د) -تمام-. لو كانت (د) هي علة (أ) هذا يعني أن الذي أوجد (أ) في الحديدة الأولى ما هي؟ (د) هي (د)، ليست (ج) ولا (ب) -تمام-. فـ(ب) لا تقتضي (أ)، و(ج) لا تقتضي (أ)، وإنما الذي يقتضيها ما هو؟ هي (د).
وهذا ممنوع ليش؟ لأننا عندما تتبعنا الحديدة الثانية وجدنا أن (أ) موجودة، ومع ذلك فإن (د) ليست موجودة، فلو كانت (د) هي التي أوجدت (أ) في الحديدة الأولى، للزم أن ينوجد المعلول في الحديدة الثانية من دون علة، وهذا الأمر -وجود المعلول من دون علة- باطل. لك أن تسأل: لم لا نفترض أن (ب) هي التي أوجدت (أ) في الحديدة الثانية؟ قلنا: لأن (ب) لو كانت هي التي توجد (أ)، لكانت (ب) سبباً توجد (أ) في الحديدة الأولى أيضاً، مع أنكم فرضتم أن (د) هي التي توجد... -جيد-.
ثم تتبعنا الحديدة الثالثة فوجدنا معها من الخصائص (ب) و(ج) و(هـ) و(و). نحن إلى الآن... و(ج)، (أ) و(ب) و(ج) و(هـ) و(و). طيب، هنا بمعزل عن الحديدة الأولى والثانية نقول: (أ) تحتاج إلى علة، وقد تكون علتها هي (ب) أو (ج) أو (هـ) أو (و) -تمام-. جيد، ولكن لا يمكن أن تكون علة (أ) في الحديدة الثالثة هي (و)، إذ لو كانت (و) علة لـ(أ)، للزم أن تكون (أ) في الحديدة الثانية قد وجدت في الأول من دون وجود ما هو علة لها.
تقول: لماذا نفترض أن (ب) و(ج) هي علة... هي يعني (ب) أو (ج) هي علة (أ)؟ نقول: لأن (ب) لو كانت هي علة (أ) في الحديدة الثانية لكانت هي علة (أ) في الحديدة الثالثة؛ لأن العلة متى وجدت يجب وجود معلولها، مع أنكم قد فرضتم أن (و) هي العلة.
إذاً نجد أننا إلى الآن عند تتبعنا للحديدة الأولى والثانية والثالثة لم نخرج عن أحد احتمالين: إما أن تكون علة (أ) هي (ب) لأنها مشتركة أو (و)... أين الجميع؟ وإما أن تكون العلة هي (ج)، ونختزل علية (د) وعلية (و) وعلية (هـ).
فإذا تتبعنا الحديدة الرابعة فوجدنا أن (أ) لم تقترن إلا مع ظاهرة واحدة مشتركة وهي (ب) مثلاً واشتركت مع (هـ) و(و) أو لم تشترك مع (هـ) و(و)، لا يهم. نجد أن هذه الحالة التي تصاحبت مع الظاهرة الملاحظة والمتتبعة هي علة هذه الظاهرة.
فعندما نستكشف بسبب اختزال هذه الخصائص الحاصلة من تراكم التجربة -ولذلك لا تسألني كم تجربة علي أن أقيم لأستنبط حكماً كلياً -تمام؟ قد تسأل: الاستقراء التام هو أن تستقرئ جميع الجزئيات، الاستقراء الناقص، كم جزئياً تستقرئ؟ ثلاثة، أربعة، مائة، عشرة، ألف؟ نقول: هذا خاضع إلى التجربة، أنت تتتبع عدداً من الجزئيات حتى يتسنى لك أن تختزل الظواهر غير الدخيلة في العلية، وتبقى عندك الظاهرة الدخيلة وين؟ في عليتها للحكم المشترك. وهذا معنى قولهم إن المعلول المشترك يجب أن تكون علته أمراً مشتركاً -تمام؟-.
هذا النحو من الاختزال ليس وليد مجرد التتبع، أنت لا تنظر إلى الحديدة فتجد أن لها تمدداً وحرارة، ثم تنظر إلى الثانية فتجد أن لها تمدداً وحرارة، فتستنبط حكماً بضرورة التمدد عند التعرض إلى الحرارة، وإنما تقيم جملة من المبادئ -يعني أن... يعني- تضم هذه التتبعات إلى جملة من المبادئ العقلية؛ منها أن الحالة التي لم تكن ثم كانت يجب أن يكون لها علة هي التي أوجدت ذلك المعلول، ومنها أن العلة كلما وجدت وجب وجود معلولها.
ومن هنا نحن عندما نطبق هذه النتيجة على الأفراد التي لم تصل إليها يد التتبع، على أي أساس نطبقها؟ نقول: لأن التمدد إذا وجد في أي فرد آخر من أفراد الحديد وقد فرضناه سبباً للتمدد، إذن يجب أن ينوجد ذلك التمدد أيضاً في هذا الفرد؛ لأن العلة عندما تنوجد يجب وجود معلولها.
وبهذا يتضح أن الاستقراء الناقص بهذا الفهم يجب أن يرجع دائماً إلى قاعدة العلة والمعلول، أو يجب أن يستند إلى قاعدة العلة والمعلول. بعبارة ثانية: يجب أن يرجع الاستقراء الناقص دائماً إلى التصاحب والتقارن بين ظاهرتين، حتى تكون إحدى الظاهرتين علة وتكون الظاهرة الأخرى معلُولاً.
في مثل هذا المثال المسألة واضحة؛ لأننا أوجدنا تصاحباً وتقارناً بين ظاهرة التمدد وبين ظاهرة الحرارة فنقول: الحديد كلما تمدد أو كلما تعرض إلى الحرارة فانه يتمدد. وكذلك عندما نستقرئ أفراد التماسيح مثلاً، فنحن لابد ملزمون بأن نوجد تصاحباً وتقارناً بين ظاهرتين؛ الظاهرة الأولى ما هي؟ ظاهرة التمساحية، والظاهرة الثانية هي ظاهرة تحريك الفك الأسفل... الفك الأعلى، فإننا نقوم باختزال جميع الخصائص التي ليس لها مدخلية في تحريك الفك الأعلى، كما إذا أتينا بتمساح بري وتمساح بحري مثلاً، فوجدنا أن كليهما يحرك فكه الأعلى، فنقول: إذاً لا خصوصية للبحر أو البرية في الاقتضاء؛ إذ لو كانت علة تحريك الفك الأعلى هي برية الحيوان، للزم أن لا يكون البحري بحيث يحرك فكه الأعلى، ولو كانت العلة هي البحرية هي البرية، للزم أن لا يحرك البحري، إذن نختزل هذه الخصوصية.
وهكذا نضم إلى تجاربنا ملاحظة بعد ملاحظة، حتى نختزل جميع الخصائص، من أجل أن يبقى ما هو سبب مشترك لكل هذه الأفراد بما لها من ظاهرة مشتركة، فنحكم حينئذ بعلية هذه الظاهرة المشتركة لتلك الحادثة المشتركة.
وبهذا يقال إن الاستقراء الناقص هو نحو من أنحاء الاستدلال الذي يفيد اليقين، ولكن بهذا الفهم. ومن هنا فإن الاستقراء الناقص إذا نظر إليه على أنه مجرد تتبع فيقال إنه دليل ظني لا يفيد اليقين، وإذا نظرنا إليه على أنه عبارة عن تتبع ينضم إلى جملة من المبادئ العقلية فإنه يكون طريقاً إلى اليقين. وبهذا فرق المناطقة بين القضايا أو بين الاستقراء الناقص وبين التجريبيات؛ فالتتبع إذا انضم إليه... انضمت إليه تلك المبادئ العقلية يقال له... يقال للنتيجة أنها نتيجة تجريبية، أو يقال للقاعدة المستنبطة إنها قاعدة تجريبية.
والتجريبيات عند المناطقة، عند الأرسطيين، هي واحدة من أقسام القضايا اليقينية. وأما إذا بقيت هذه التتبعات خالية عن انضمام المبادئ العقلية إليها، فهي لا تفيد إلا الظن. وبهذا يظهر أن ما نسب إلى المنطق الأرسطي من أنه لا يعتني بالاستقراء الناقص في غير محله، بل المنطق الأرسطي يعتني ويعطي قيمة للاستقراء الناقص على حد القيمة التي يعطيها للقياس، غاية ما في الأمر أن المناطقة عندما قالوا إن الاستقراء لا يفيد إلا الظن قصدوا الاستقراء الذي هو عبارة عن التتبع الخالي عن المبادئ العقلية.
ومن هنا نحن نفرق بين التتبع الذي معه المبادئ العقلية فنسميه تجربة، وبين الاستقراء الذي هو خال عن المبادئ العقلية فنسميه استقراءً، أي مجرد تتبع -نعم-.
هذا من جهة، من جهة ثانية هذا النحو من تصحيح الاستقراء يقال له في عرف المناطقة الأرسطيين بأنه استقراء مبني على التعليل؛ لأنه عبارة عن تتبع للظواهر بغرض اختزال ما ليس دخيلاً في علية الظاهرة ليبقى ما هو علة لتلك الظاهرة المشتركة، وبهذا صار استقراءً منتجاً لليقين.
هذا تمام الكلام في بيان موقف المنطق الأرسطي من الاستقراء الناقص ولكن بطريقة مختصرة.
الاعتراضات الثلاثة على الاستقراء الناقص
وأما الطريقة المفصلة، فبيانها بأن هذه الطريقة التي استفدنا من خلالها اليقين من التتبع الناقص يمكن أن يتوجه عليها ثلاثة تساؤلات. بعبارة ثانية: إن الاستقراء الناقص مبتلٍ بثلاثة اعتراضات، إذا ما أمكن للمنطقي أن يجيب عنها جميعاً صح له أن يستفيد اليقين، وإذا لم يتمكن من الإجابة عن أحدها لم يكن الاستقراء الناقص منتجاً لليقين.
الأمر الأول أو الاعتراض الأول: أن هذا النحو من الاستدلال قائم على افتراض ضرورة وجود سبب للتمدد، وفي أساسه يفترض ضرورة وجود سبب للتمدد، فلنا أن نتساءل: من أين حكمتم بضرورة وجود سبب للتمدد؟ فلما لا يمكن أن يكون التمدد في أفراد الحديد مجرد صدفة واتفاق؟ بأن نفترض أن التمدد في أفراد الحديد ليس أمراً ضرورياً، بأن ينوجد التمدد ولو من دون وجود الحرارة، أو ينعدم حتى مع وجود الحرارة.
إذاً فهذا الاستدلال قائم في أساسه على افتراض أن التمدد لابد له من سبب، فمن أين عرفتم أن التمدد لابد له من سبب؟ وهذا هو الذي يسمى... وهذا هو يسمى باحتمال أو بمبدأ السببية. بعبارة ثانية: هذا النحو من الاستدلال قائم في أساسه على أساس مبدأ السببية، وهو أن لكل مسبب سبباً. الآن نحن نقتنع -نحن العقلتيون نقتنع- بأن كل معلول فلا بد له من علة، ولكن البعض -بعض الغربيين- لا يقتنع بهذه المسألة ولا يعتقد بأن المعلول يجب أن يكون له سبب يوجبه -تمام-.
إذاً فهذا النحو من الاستدلال قائم أولاً على افتراض أو على الإيمان والاعتقاد بمبدأ السببية، وهو أن كل معلول فلا بد له من علة. هذا أولاً.
ثانياً: لو سلمنا بأن التمدد لا بد له من سبب -يعني لو آمنا واعتقدنا بمبدأ السببية، وأن كل معلول يجب أن يكون له علة- ولكن ما هو دليلنا على أن سبب التمدد هي هذه الظاهرة بعينها، أي الحرارة؟ فمجرد اقتران ظاهرتين لازم أعم بالنسبة إلى علية أحدهما للأخرى. الآن أنت تقول: نحن اختزلنا جميع الخصائص ولم يبق عندنا إلا خصوصية واحدة مشتركة، فوجب أن تكون هذه الخصوصية هي سبب هذه... هي سبب الحكم المشترك في الجميع.
نقول: هذا في غير محله، ليش؟ لأننا نحتمل أن يكون هناك خصوصية لم نصل إليها في تتبعها. الآن أنت عندما تأخذ هذه الحديدة ثم تعالج ظروفها وتلاحظ خصائصها، ألا يحتمل العقل أن هناك خصوصية ما قد غفلت عن ملاحظتها؟ يحتمل، هذا الاحتمال موجود، فلما لا نحتمل أن هناك خصوصية مشتركة بين الجميع غير (ب) غير الحرارة -جيد- وتكون هذه الخصوصية المشتركة حينئذ هي سبب التمدد؟ فمن أين حكمت بوجود علية بضرورة وجود (أ) عند وجود (ب)؟ قد يكون الذي اقتضى (أ) حقيقة هي تلك الظاهرة غير الملاحظة التي عجزت عن ملاحظتها، ذرة من الذرات غير الموجودة، خصوصية من الخصائص التي عجزت عن إدراكها، وتكون هذه الخصوصية بحسب الفرض مصاحبة لـ(أ) فتكون هي سبباً، هي سببها -تمام- ولا تكون (ب) سبباً، وإنما تكون مصاحبة (ب) لـ(أ) مصاحبة اتفاقية.
إذاً نحن بعد -يعني في الاعتراض الثاني- بعد أن سلمنا بضرورة وجود سبب للتمدد، آمنا بأن هذا التمدد لابد له من سبب، ولكن من أين لنا أن نعلم أن سبب هذا التمدد هي تلك الظاهرة المشتركة بعينها؟ لما لا نفترض أن هذه الظاهرة المشتركة كانت مصاحبتها لهذا التمدد مصاحبة اتفاقية، وكانت العلة حقيقة أمراً ثالثاً لم نلحظه؟ يحتمل العقل ذلك أو لا؟ وإذا كان يحتمل، فكيف يصح لك أن تحكم بأن التمدد... بأن الحرارة كلما وجدت فقد وجب وجود التمدد؟ إذ قد تنوجد حديدة فيما بعد فيها حرارة وليس معها تمدد، ليش؟ لأن تلك الظاهرة غير الملاحظة التي هي السبب الواقعي للتمدد ليست موجودة في هذه الحديدة، فلا يصح لنا التعميم في النتيجة.
ويعبر عن هذا الأمر الثاني بأنه مبدأ السببية -التفت- في الأمر الأول الاعتراض هو عبارة عن إنكار مبدأ السببية: من قال لكم إن كل سبب... إن كل أمر فلا بد له من سبب؟ من قال لكم إن المسبب يحتاج إلى سبب؟ من قال لكم إن المعلول... ما هو دليلكم على أن المعلول يحتاج إلى علة؟ فهو اعتراض قائم على إنكار أساس العلية.
ولكن في الأمر الثاني نحن لا ننكر قانون العلية ولا ننكر أن المعلول يحتاج إلى علة، ولكن ننكر أن تكونها... أن تكون علة هذا المعلول هي هذه الظاهرة بعينها، فيقال له: مبدأ السببية النسبية. من قال أن هذا المعلول معلول بالنسبة إلى هذه العلة؟ قد يكون معلولاً بالنسبة إلى علة أخرى، فلا يصح حينئذ التعميم في النتيجة، وليس هذا من إنكار مبدأ السببية؛ لأن نفي سببية إحدى الظاهرتين للأخرى التي اقترنت معها، لا يستلزم القول بوجودها بدون سبب. نحن لا نقول إن التمدد قد وجد من دون سبب، وجد وله سبب، ولكن ننكر أن يكون سببه هي هذه الظاهرة بعينها. واضح صار المطلب؟ طيب، هذا هو الأمر الثاني.
الأمر الثالث: أننا لو سلمنا -شوف، يعني كل أمر قائم على التسليم بما قبله- أننا لو سلمنا أن المعلول يحتاج إلى علة، وسلمنا أيضاً أن الحرارة هي سبب التمدد، إلا أنها إنما تكون سبباً للتمدد في خصوص الأفراد المتتبعة، وهذا لا يقتضي أن تكون الحرارة سبباً للتمدد كذلك في غيرها من الأفراد؛ لاحتمال أن تفقد الحرارة سببيتها بعد ذلك، وينشأ التمدد عن سبب آخر، وحينئذ فلا يصح التعميم في النتيجة.
لما لا نفترض؟ ما هو المانع العقلي من أن ندعي أن هذه الحرارة هي التي اقتضت التمدد في الأفراد... في الحديد في الأفراد العشرة من الحديد، ولكن عندما وجدت حديدة حادية عشرة فيما بعد زالت علية الحرارة، لم تعد الحرارة مقتضية للتمدد، وصار التمدد مسبباً عن علة أخرى؟ فمن أين لنا أن نستكشف ضرورة تمدد تلك الحديدة عند تعرضها للحرارة؟
بعبارة ثانية: ما يثبت باستقراء الحديدة الأولى هي علية شخص هذه الحرارة، هذه الحرارة هي التي اقتضت ذلك التمدد. وما يعرض على الحديدة الثانية هي حرارة ثانية، ووجود آخر مباين للحرارة الأولى، هذه حرارة وهذه حرارة أخرى -تمام-. فأنت عندما تستقرئ أفراد الحديد فما يثبت عندك هو علية هذه الحرارة المسلطة على هذه الحديدة للتمدد، ولكن الحديدة الأخرى عندما تريد أن تعرضها إلى الحرارة سوف تعرضها إلى حرارة ثانية مغايرة للحرارة الأولى، وإن كانت تشترك معها في أنها حرارة، ولكنها حرارة من نوع آخر -تمام-. فيحتاج في الانتقال حينئذ من علية أحد... إلى إثبات ملازمة، هل يوجد تلازم بين الحرارة الأولى وبين الحرارة الثانية؟ وهذا لا يحصل بمجرد التتبع.
فهذه إشكالات ثلاثة يبتلى بها الدليل الاستقرائي؛ لأن الاستقراء بحسب الفهم الأرسطي ليس عبارة عن مجرد التتبع، بل هو تتبع ينضم إليه ذلك التحليل العقلي الذي شرحناه، وهذا التحليل العقلي قائم على أمور... على افتراض أمور ثلاثة:
أولاً: أن كل مسبب فلا بد له من سبب، يعني هو قائم على الإيمان بقانون السببية العام.
وقائم أيضاً على الإيمان بقانون السببية الخاص، أي مبدأ السببية النسبية، وهو أن علة هذا التمدد هي تلك الحرارة لا ظاهرة أخرى -تمام-.
وقائم على الإيمان بمبدأ التعميم، وهو أن الحرارة إذا كانت علة للتمدد في الحديدة الأولى، فإن الحرارة الثانية في الحديدة الثانية سوف تكون علة للتمدد في الحديدة الثانية.
هذه الأمور الثلاثة، وهي قانون السببية العام، وقانون السببية الخاص، وقانون الاضطراد، يعني قانون التعميم -من أين تعمم؟ كيف عممت الملازمة بين الحرارة الأولى والتمدد الأول؟ كيف عممت هذه... يعني كيف أوجدت تلازماً بين الحرارة الأولى والتمدد الأول وبين الحرارة الثانية والتمدد الثاني في الحديدة الثانية؟- فالمنطق الأرسطي ملزم بأن يجيب عن هذه الأسئلة الثلاثة، أو بعبارة ثانية: المنطق الأرسطي لكي يصحح الاستقراء الناقص هو ملزم بأن يثبت لنا قانون السببية العامة، يعني أصل الاحتياج أصل احتياج المعلول إلى علة، وقانون السببية الخاص -ومجرد تصاحب ظاهرتين لا يعني أن إحداهما صارت علة للأخرى، لما لا تكون علة تلك الظاهرة أمراً آخر أنت لم تلحظه في تتبعك -تمام- ولا بد أن يثبت لنا قانون التعميم والاضطراد- حتى يتسنى له حينئذ أن يقول إن الاستقراء الناقص يفيد اليقين.
يقع الكلام في طريقة إثبات المنطق الأرسطي وطريقة معالجته لهذه الاعتراضات والأمور الثلاثة، يأتي إن شاء الله غداً.
والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
