دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 89
089
تحليل الموقف الأرسطي من الاستقراء الناقص
كان الكلام في تحليل الموقف الأرسطي من الاستقراء الناقص. وقد عرفنا أن الاستقراء الناقص إذا كان عبارة عن مجرد تتبع لجملة من الأفراد، إذا فسر الدليل الاستقرائي على أنه مجرد تتبع لجملة من الجزئيات، فمثل هذا الاستقراء من الواضح أنه لا ينتج يقيناً ولا يبرر ولادة النتائج اليقينية منه.
ولكن المنطق الأرسطي لا يرى في الدليل الاستقرائي أنه مجرد تتبع، بل هو تتبع لجملة من الجزئيات ينضم ذلك التتبع فيما بعد ويستند إلى جملة من المبادئ العقلية من أجل أن ينتج نتيجة كلية تفيد اليقين وتكون صالحة للتعميم على سائر الأفراد المتتبعة وغير المتتبعة.
وذلك لأن المستقرئ عندما يتتبع جملة من الجزئيات فإنه يلاحظ اشتراكها في حكم لم يكن ثابتاً لها من قبل ثم يولد ذلك الحكم ويثبت. وحيث إن هذا الحكم لم يكن ثم كان فلا يكون واجبا ولا ممتنعا وإنما يكون ممكناً، وعندما يثبت إمكانه فلا بد أن يكون محتاجاً إلى علة توجده.
وحيث إن هذا الأمر الذي يحتاج إلى علة مشترك بين جملة من الجزئيات، فينبغي أن تكون علته مشتركة أيضاً بين تلك الجزئيات؛ لأن المعلول المشترك يكشف عن كون علته مشتركة. وهكذا يحاول المستقرئ حينئذ أن يستقرئ أيّاً من الظواهر هي التي صاحبت وتقارنت مع ذلك الحكم، ليستكشف علية هذه الظاهرة لذلك الحكم. ثم بعد ذلك يقوم المستقرئ بتعميم هذه التجربة لكل أفراد ذلك النوع، بما في ذلك الأفراد التي لم يتتبعها.
وذلك لأن الحالات المتشابهة تعطي نتائج متشابهة؛ فإن المستقرئ عندما جرب الحديدة الأولى فوجد أن الحرارة قد أوجدت تمدداً فيها، ثم لاحظ حديدة ثانية ووجد أن الحرارة فيها أوجدت تمدداً أيضاً، فإنه يستكشف أن الحالات المتشابهة أي الحرارة في الحديدة الأولى التي تشبه الحرارة في الحديدة الثانية إنما تعطي نتائج متشابهة، وهي تمدد في الحديدة الأولى وتمدد آخر في الحديدة الثانية. فإذا ما وجدت حديدة ثالثة فيما بعد وحصل فيها حرارة، فإن مثل هذه الحالة سوف تعطي نتيجة مشابهة للنتائج التي أعطتها الحالات الأولى من الحرارة.
وهكذا نجد أن الدليل الاستقرائي يعتمد أولاً على ضرورة وجود سبب للتمدد، فلا بد أن نعتقد في رتبة سابقة بأن التمدد الحاصل في الحديد أمر يحتاج إلى سبب. وثانياً، لا بد أن نعتقد بأن السبب هو تلك الحرارة التي صاحبت وتقارنت مع هذا الحكم. ولا بد أن نعتقد ثالثاً بأن حرارة ثالثة أو رابعة لو وجدت في حديد آخر فإنها سوف تعطي نتائج مشابهة للنتائج التي أعطتها الحرارة الأولى والثانية في الحديدة الأولى والثانية.
فليس الاستقراء المولد للنتيجة الكلية عبارة عن مجرد تتبع؛ لأنه لو كان مجرد تتبع فالنتيجة سوف تكون زائدة على المقدمات. نعم، بانضمام هذا التتبع الجزئي لبعض الأفراد إلى تلك المبادئ العقلية يمكن أن نستفيد اليقين. فها هنا خطوات يجب على المستقرئ أن يحرزها:
1. أولاً: لابد أن يتقصى وأن يتقرى عن الحالة التي لم تكن ثم كانت، ثم يستكشف من وجودها بعد انعدامها أنها حالة ممكنة تحتاج إلى علة؛ عملاً بمبدأ السببية المطلق القائل بأن لكل مسبب سبباً.
2. ثانياً: لابد أن يفحص عن السبب الخاص، أو فقل عن تعيين السبب الذي أوجد ذلك المسبب. في الرتبة الأولى كان يبحث عن إثبات احتياج هذه الظاهرة إلى سبب، فيقول إنني نظرت إلى الحديدة فلم تكن متمددة ثم تمددت؛ فوجود التمدد لها بعد أن لم يكن يكشف عن أن هذا التمدد حادث، يعني ممكن، ليس واجباً وإلا لكان متمدداً منذ الأزل، وليس ممتنعاً وإلا لما امتنع تمدده الآن، إذاً هو ممكن، والممكن يحتاج في وجوده إلى علة. في الرتبة الأولى لابد أن نحرز أصل الاحتياج إلى سبب. في الرتبة الثانية لابد أن نتقرى عن السبب الفعلي الذي أوجد هذه الحادثة، وحينئذ لابد أن نبحث عن الظاهرة التي تصاحبت وتقارنت مع هذا الحكم في كافة الجزئيات ومع اختلاف ظروفها وتبدلها، فنجد أن التمدد قد تصاحب مثلاً مع الصدق ومع الحرارة في الحديدة الأولى، وفي الحديدة الثانية تصاحب مع اللون ومع الحرارة ولم يتصاحب مع الصدق، فنستكشف أن الصدق ليس علة للتمدد؛ لأن التمدد موجود في الحديدتين مع أن الصدق موجود في الحديدة الواحدة، فلو كان الصدق سبباً للزم أن ينوجد التمدد من دون سببه في الحديدة الثانية.
إذاً هذه الحالة الثانية أو الرتبة الثانية لابد أن نفحص عن السبب الفعلي الذي أوجد التمدد في الحديد، وهذا إنما يتم عن طريق اختزال الظروف المتبدلة والمتغيرة بين جزئي وآخر. بعبارة ثانية: أيّ من الظواهر هي التي تصاحبت وتقارنت مع الحكم الذي نريد تعليله، تكون هذه الظاهرة هي العلة. ويقال لذلك إنه مبدأ السببية النسبي أو مبدأ السببية الخاص في قبال مبدأ السببية المطلق القائل بأصل وجود احتياج المسبب إلى سببه.
في الرتبة الثانية نقول: بعد التسليم بأن الأمر يحتاج إلى سبب، فإن سببه هو هذه الظاهرة بعينها لا تلك.
3. ثالثاً: لابد في الرتبة الثالثة أن نثبت أن الحديدة الثالثة التي لم تصل إليها يد التتبع لو وجدت فيها حرارة فهل سوف تكون تلك الحرارة مقتضية للتمدد أيضاً؟ فإن غاية ما وصلنا إليه هو أن هذه الحرارة في هذه الحديدة هي التي أوجدت ذلك التمدد في ذلك الحديد، أما أن حرارة ثانية في حديدة ثانية سوف توجد التمدد ثانياً، فمن أين لنا أن نعرف ذلك؟
هنا يتمسكون بقولهم: إن الحالات المتشابهة تعطي دائماً نتائج متشابهة. فلا بد أن نثبت أن الحرارة التي سوف تنوجد فيما بعد في حديدة لم تصل إليها يد التتبع سوف تؤثر عين الأثر الذي أثرته الحرارة الأولى المشابهة لها عندما لاحظناها وتتبعناها في الحديدة الأولى.
فهذه أمور ثلاثة، بعبارة ثانية لنا أن نتساءل: إن الأرسطيين أولاً من أين لهم أن يجزموا بأن للتمدد سبباً؟ فلما لا نحتمل أن التمدد كان حاصلاً صدفة واتفاقاً ومن دون سبب؟ ومع هذا الاحتمال يبطل الدليل الاستقرائي من أوله؛ لأن الدليل الاستقرائي عند الأرسطيين قائم على هذه المبادئ الثلاثة، على هذه الخطوات العقلية الثلاث. فلنا أن نتساءل أولاً -نحن لا نتساءل كإسلاميين الآن، نتساءل كمناطقة تمام؟-: من أين حكمتم بأن للتمدد سبباً؟ ولما لا نفترض أن التمدد في الحديد كان حاصلاً من غير سبب؟ ومع حصوله من غير سبب فربما يحصل التمدد مع الحرارة وربما يحصل مع عدمها وربما تحصل الحرارة ولا يحصل معها التمدد، فمن أين تجزمون بأن كل حديد يتمدد بالحراره مثلاً؟ هذا أولاً.
ثانياً: لو سلمنا بأن لكل مسبب سبباً، ولكننا نتساءل أيضاً: من أين جزمتم، إذا التزمتم بأن سبب التمدد في الحديد هو هذه الحرارة بعينها، فلما لا نفترض أن للتمدد سبباً ولكنه كان شيئاً آخر غير التمدد، وهو ظاهرة لم تلحظوها أنتم في استقرائكم؟ أنتم تتبعتم هذه الظاهرة وزعمتم أنكم تتبعتم كل خصائصها، ولكن ما المانع العقلي من أن يكون هناك خصوصية لم تصل إليها يد التتبع، لم تقدروا على ملاحظتها وتشخيصها، وتكون هذه الظاهرة وهذه الخصوصية هي سبب التمدد حقيقة، وتكون هذه الخصوصية مصاحبة لجميع الجزئيات -ما عندنا مشكلة- ولكنها خصوصية لم تلحظوها أنتم في استقرائكم؟
بعبارة ثانية: لم لا يكون التتابع والتصاحب والتقارن بين التمدد والحرارة محض اتفاق وصدفة، ويكون للتمدد سبب، غير أن سببه ليس هو عبارة عن الحرارة، بل خصوصية أخرى لم تلحظوها أنتم وهي خصوصية مشتركة بين جميع الجزئيات ولكن لا قدرة لكم على إدراكها أو لم تدركوها أو كان الحس قاصراً عن إدراكها فاتكم أن تدركوا تلك الخصوصية؟
وثالثاً: لنا أن نتساءل أيضاً: لو سلمنا أن للتمدد سبباً، وسلمنا أيضاً أن سببه عبارة عن الحرارة، إلا أن القدر المتيقن هو أن هذه الحرارة التي لاحظناها كانت سبب هذا التمدد الذي لاحظناه، فمن أين لكم أن تجزموا أن حرارة أخرى لو وجدت فيما بعد فإنها سوف تكون سبباً للتمدد كذلك؟ ما المانع أن تزول علية الحرارة للتمدد فيما بعد وينشأ التمدد في الحديد الآخر بسبب آخر عن غير الحرارة؟ فلا يصح لكم حينئذ تعميم هذه الحالات التي وقعت عليها التجربة إلى حالات أخرى لم تقع عليها التجربة بعد.
ولذلك وجد الأرسطيون أنفسهم معنيين بإثبات مبادئ عقلية ثلاثة:
1. مبدأ أصل السببية، وهي القاعدة القائلة بأن كل معلول فإنه يحتاج إلى علة.
2. مبدأ السببية الخاص، وهو القائل بأن كل ظاهرتين تتصاحبان فإن إحداهما تكون علة للأخرى.
3. قانون التعميم والاضطراد، وهو القائل بأن الحالات المتشابهة تعطي نتائج متشابهة؛ والحرارة الأولى تشبه حرارة ثانية وثالثة ورابعة تشبهها في تمام الماهية النوعية -هذه حرارة وهذه حرارة من نوع واحد تمام؟- وهذه لما كان بينها تشابه نوعي فلا بد أن يكون بينها تشابه من حيث الآثار.
إذا ثبتت هذه المبادئ العقلية الثلاثة، صح للأرسطيين حينئذ أن يتمموا الدليل الاستقرائي، ويكون الدليل الاستقرائي الناقص منتجاً لنتيجة كلية يقينية تقبل التعميم على كل الأفراد، بما في ذلك الأفراد التي لم تصل إليها يد التتبع.
علاج المشكلة الأولى: مبدأ السببية
أما القاعدة الأولى، المبدأ العقلي الأعم وهو مبدأ السببية، أو فقل قانون العلية، فهذا المبدأ عند الأرسطيين عبارة عن مبدأ عقلي أولي لا يحتاج إلى إثبات، بل لا يمكن إثباته. وذلك لأن مبدأ السببية عبارة عن القاعدة القائلة بأن كل معلول فإنه يحتاج إلى علة. ونحن إذا تأملنا في هذه القاعدة نجد أنها عبارة عن قضية حملية مركبة من موضوع هو المعلول ومن محمول وهو الاحتياج إلى علة.
ثم إننا إذا تأملنا في موضوع هذه القضية وهو المعلول، فما معنى أن يكون الشيء معلولا؟ ومعنى أن يكون معلولا أن علة ما قد أوجدته، فنستكشف أن محمول القضية منتزع من نفس مفهومها. نفس تصور المعلول يوجب أن يكون محتاجاً إلى علة، كما في قولنا: النقيضان لا يجتمعان. هذه القضية لا يمكن إثباتها؛ لأن الملاك في بداهة القضية أن يكون محمولها منتزعا من نفس تصور موضوعها، وأنت إذا تصورت النقيضين، ما معنى أن يكون الشيئان نقيضين؟ أن يكونا بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان. فقولك: النقيضان لا يجتمعان، بمجرد أن تفرض هذه الصورة وهذا التصور تستكشف أن المحمول سوف يكون ضروري الثبوت للموضوع؛ لأنه متضمن في نفس تصوره. نفس تصور أن يكون الشيء معلولا يوجب أن يكون بحاجة إلى علة.
وعلى هذا فهذه القضية لا يمكن أن تقبل أن تكون قضية تقبل الإثبات والاستدلال. ليش؟ لأنه ما معنى الاستدلال؟ قد عرفنا في الدروس السابقة أن الاستدلال على الشيء هو استدلال على ثبوت الأكبر للأصغر، استدلال على ثبوت المحمول في النتيجة وهو الأكبر في المقدمات للموضوع في النتيجة الذي هو أصغر في المقدمة الأولى تمام. والاستدلال على ثبوت الأكبر للأصغر إنما يكون عن طريق الحد الأوسط، ونحن قد فرضنا أن المحمول إنما ينتزع من نفس الموضوع فلا يوجد واسطة بينهما، فمعنى أن تكون القضية بحيث تقبل الاستدلال أن يكون هناك حد أوسط هو الذي اقتضى ثبوت المحمول لموضوعه، ومعنى أن يكون المحمول منتزعا من نفس تصور الموضوع أنه لا وجود لحد أوسط بين المحمول وموضوعه، هذا خلف.
إذاً، كل قضية يكون المحمول فيها منتزعا من نفس تصور الموضوع فهي قضية بديهية لا يمكن إثباتها، كما تقول: النقيضان لا يجتمعان؛ نفس تصور النقيضين يأبى عن اجتماعها فالمحمول وهو عدم الاجتماع منتزع من نفس افتراض تناقضهما. وكما في قولك: المعلول يحتاج إلى علة؛ ما معنى أن يكون الشيء معلولا؟ أن علة ما أوجدته، إذاً فالمعلول إنما ينوجد بسبب علته.
وهذا بخلاف قولك مثلاً: الفلك متحرك؛ نفس تصور الفلك لا يستدعي الحركة وإن كانت الحركة لا تفارقه خارجاً تمام، نفس تصور فلكية الفلك لا تتضمن حركته. أو كما يقال: الإنسان ماشي؛ نفس تصور الإنسان عبارة عن تصور الحيوانية والناطقية، غاية ما يتضمنه موضوع القضية هو حيوانيته وناطقيته ولا يتضمن مشيه، ولذلك كان المشي عارِضاً عاماً عليه، يمكن التعقل الإنساني من دون تعقل مشي، فإذا أردنا أن نثبت المشي له لابد من حد أوسط في المقام.
كيف كان؟ أما المبدأ الأول مبدأ السببية فهو عند الأرسطيين مبدأ عقلي قبلي أولي سابق على الحس والتجربة. أما أنه مبدأ بديهي فقد بينا ذلك لأن المحمول فيه منتزع من نفس تصور الموضوع. وأما أنه قبلي فنريد من كونه مبدأ قبلياً أنه مبدأ يدركه الإنسان من دون الاحتياج إلى الحس والتجربة.
بيان ذلك: أن لقائل أن يعترض على مبدأ السببية بأننا حتى لو سلمنا بأن محمول هذه القضية وهو الاحتياج إلى علة منتزع من نفس مفهوم الموضوع -سلمنا ذلك- ولكن الذهن والإنسان حتى يحكم باحتياج المعلول إلى علته لابد أن يرى معلولا في الخارج، وأنت لابد يلتفت.. نعم، نفس تصور المعلول يتضمن الاحتياج إلى العلة، ولكن لابد أولاً أن ندرك وجود معلول في الخارج، ونحن إنما ندرك وجود المعلول في الخارج كيف؟ عن طريق الحس. وإذا كنا ندرك وجود المعلولات في الخارج عن طريق الحس فهذا يعني أن قانون العلية إنما يثبت بالتتبع؛ أنت تتبعت كل معلول فوجدته يحتاج إلى علة.
وحينئذ يلزم الدور، يلزم إشكال الدور. ليش؟ لأن الأرسطيين أرادوا أن يصححوا الاستقراء الناقص، أي أرادوا أن يصححوا التتبع، فقالوا: إن التتبع إنما يكون له قيمة معرفية استنادا إلى مبدأ السببية، الاستناد إلى المبدأ العقلي القائل باحتياج المعلول إلى علته؛ فتتوقف قيمة الاستقراء على مبدأ السببية. ثم ننقل الكلام: كيف آمنتم أنتم بمبدأ السببية؟ قالوا: تتبعنا المعلولات فوجدنا أن كل معلول فهو يحتاج إلى علة. فالاستقراء موقوف في قيمته المعرفية على مبدأ السببية، في حين أن مبدأ السببية إنما يثبت بالاستقراء، فهذا من إثبات الاستقراء بالاستقراء، إثبات الشيء بنفسه، وهو توقف قيمة الاستقراء على قيمة الاستقراء، وهو واضح في أنه دور ومحال.
ولذلك أجاب الأرسطيين عن هذا الإشكال بأن هذا المبدأ مع بداهته هو مبدأ قبلي، والمراد من كونه قبلياً أي أنه سابق على الحس والتجربة، يمكن للعقل أن يدرك احتياج المعلول إلى علته من دون ملاحظة الظواهر الخارجية ومن دون أعمال حواس وذلك عن طريق التجربه.. الآن تقول قبل التجربة؟ آه، أريد من التجربة هنا شيئاً آخر، وذلك عن طريق التجربة العملية في داخل النفس، فإن النفس يحصل لها -التفت- يحصل لها الكثير من الانفعالات المختلفة، من الحزن والألم والغضب والفرح والسرور، وهذه المدركات تدركها النفس بالعلم الحضوري لا بالعلم الحصولي؛ إذ تحضر هذه الانفعالات بنفسها عند المدرك لا بصورها. ثم إن الذهن يقارن بين النفس وبين انفعالاته فيدرك أن هذه الانفعالات متأخرة رتبة عن النفس، وأن النفس هي التي توجد تلك الانفعالات، فينتزع عن هذه المقارنة بين النفس وبين أفعالها.. الآن شوف، النفس هي التي تريد، وهي التي تهدم إرادتها، هي التي تعزم، وهي التي تزيل عزمها، النفس.. الذهن يقارن، يستطيع أن يجري هذه المقارنة البسيطة بين الأمور التي معلومة حضوراً، لا نحتاج إلى الحواس والى الملاحظة والى التتبع للجزئيات، كل إنسان إذا رجع إلى نفسه فإن له أن يقارن بينها وبين نشاطاتها المختلفة وبين أفعالها، فينتزع عن مفهوم المقارنة بين النفس وبين أفعالها مفهوم العلة ومفهوم المعلول، إذ يدرك احتياج هذه الانفعالات إلى النفس ويدرك أن النفس هي التي تؤثر على تلك الانفعالات فتوجدها.
وهكذا فإن للذهن أن ينتزع هذه القاعدة من دون أن يتتبع تتبَعاً حسيّاً أي معلول في الخارج، ولذلك كانت معرفة النفس لوحدها كافية في معرفة الإله (من عرف نفسه فقد عرف ربه)؛ لأن إجراء عملية المقارنة بين النفس وبين أفعالها وآثارها المختلفة هو لوحده كاف لأن ينتزع عن مقام هذه المقارنة مفهوم علة ومفهوم معلول. جيد؟ ويحكم الذهن بكلية مثل هذه القاعدة لأن المحمول منتزع من نفس مفهوم الموضوع، ثم بعد ذلك يسير في الأرض فيطبق هذه القوانين ليدرك احتياج كل هذه الموجودات إلى واجب عزّ وجلّ.
كيف كان؟ هذا تمام الكلام في المبدأ الأول. ومن الواضح أن هذا المبدأ مبتنٍ على الإيمان بوجود معارف قبل الحس والتجربة، ولذلك الأرسطيون قالوا -التفت- قالوا: نحن نؤمن بوجود معرفة قبل الحس والتجربة، يمكن للإنسان أن يدرك أشياء قبل أن يتصل بالعالم الخارجي.
وأما التجريبيون من أهل الغرب الذين ينكرون وجود معارف قبلية ويحصرون المعرفة بخصوص التجربة -يوجد حس إذاً يوجد معرفة، لا يوجد حواس إذاً لا يوجد معرفة- فحينئذ لا يتسنى لهم أن يثبتوا مبدأ السببية بهذا المعنى الذي ذكرناه. إذاً كيف يثبت مبدأ السببية عندهم؟ مبدأ السببية يمكن أن يثبت بالحس والتجربة. نقول: نحن تتبعنا فوجدنا أن الكتاب لابد له من كاتب وأن البيت لابد له من بَانٍ تمام، فاستكشفنا أن لكل مسبب سبباً. ومثل هذا النحو من الإيمان بمبدأ السببية لا ينفع لتصحيح الاستقراء؛ لأنه من تصحيح الاستقراء بالاستقراء، لأن الاستقراء عندهم سوف يكون ثابتاً بمبدأ السببية، ومبدأ السببية ثابتاً بإيه؟ بالاستقراء، وهو دور.
وأما الأرسطيون فقالوا: إننا نؤمن بمبدأ السببية على أنه مبدأ بديهي، يعني أولي قبلي، أي سابق على الحس والتجربة. طيب، هذا تمام الكلام في علاج المشكلة الأولى وهي مشكلة أصل الإح.. إذاً، إلى الآن ثبت لنا أننا كلما لاحظنا ظاهرة ما فلا بد أن تكون هذه الظاهرة بحيث تحتاج إلى سبب، طبعا إذا كانت ممكنة. طيب.
مشكلة التعميم
وأما المشكلة الثانية، الثالثة.. المشكلة الثانية سوف نؤجلها، مبدأ السببية الخاص سوف نرجئه إلى آخر البحث. وأما المشكلة الثانية وهي مشكلة التعميم، وهي أنه من أين لنا أن نعرف أن الحرارة التي سوف تنمجد فيما بعد سوف تكون بحيث تؤثر نفس ذلك الأثر الذي أثرته تلك الحرارة الأولى التي لاحظناها في الحديدة الأولى؟ من أين عرفتم أن الحالات المتشابهة تعطي نتائج متشابهة؟ ما هو المانع أن تزول علية الحرارة للتمدد جيد، وأن ينشأ التمدد فيما بعد في الحديد عن طريق شيء آخر غير الحرارة؟ ما هو المانع؟ لا يوجد مانع.
هذه المشكلة عالجها المنطق الأرسطي عن طريق الإيمان بقاعدة عقلية مفادها قولهم: (حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد). فالمثلان إذا جاز لأحدهما شيء جاز للآخر لمثله. ولا نريد من المثل هاهنا الشبيه، وإنما نريد من المثلين المثلين المنطقيين، أي المشتركين في تمام الحقيقة النوعية في تمام الماهية. فإذا صح لأحد المثلين شيء، أثره أو خصوصية، صحت لمثله، وإذا امتنع خصوصية ما عن أحد المثلين امتنعت عن مثله.
ومن الواضح أن الحرارة الأولى في الحديدة الأولى وإن كانت من حيث وجودها تباين وجود الحرارة الثانية في الحديدة الثانية، ولكنها تشاركها في تمام الحقيقة النوعية، فهما مشتركان في تمام الماهية وإنما يختلفان وجوداً؛ الحرارة الأولى متشخصة بوجودها في الحديدة الأولى، والحرارة الثانية متشخصة بوجودها في الحديدة الثانية. وإذا صح في الحرارة الأولى أن تكون سبباً للتمدد ومقتضية له بالحس والتجربة وقد لاحظنا ذلك، فإن الحرارة المماثلة لها أي مثلها وهو أي حرارة سوف تنوجد فيما بعد سوف يكون لها ذلك الاقتضاء وذلك الأثر. ليش؟ قال: لأن حكم المثلين فيما يجوز وما لا يجوز واحد.
وأما دليلهم على هذه القاعدة فهو حقيقة يختلف باختلاف المباني؛ إن قلنا بأصالة الوجود فالدليل على هذه القاعدة سوف يكون بطريقة وببيان، وإن قلنا بأصالة الماهية فسوف يكون الدليل بطريقة وببيان آخر. ولذلك أرى أن نرجئ الاستدلال على هذه القضية إلى مطالب أخرى وإلى كتاب آخر. كيف كان؟ ولكن الأرسطيين قد آمنوا بهذه القاعدة العقلية، وهي قاعدة عقلية صحيحة، ليست بديهية وأولية ولكنها ترجع إلى قضايا أولية؛ لأن هذه القضية ترجع إلى قاعدة لزوم السنخية، وقاعدة لزوم السنخية ترجع إلى مبدأ السببية، ومبدأ السببية قد عرفنا أنه مبدأ قبلي عقلي أولي. طبعا شو يعني لزوم السنخية؟ هذا أيضاً يأتي في محله.
مشكلة تعيين السبب (مبدأ عدم تكرر الصدفة)
فلم يبقى عندنا لكي نصحح الدليل الاستقرائي إلا أن نعالج المشكلة الثانية، وهي أنه من أين لنا أن ندرك أن التمدد.. الحرارة التي صاحبت التمدد هي التي كانت سبباً له؟ لما لا نفترض -التفتوا جيدا- لما لا نفترض أن سبب التمدد كان عبارة عن ظاهرة أخرى مصاحبة أيضاً -التفت- مصاحبة أيضاً للتمدد في جميع الحالات ولكنها ظاهرة لم نلحظها؟
هنا نجد أن المنطق الأرسطي قد تصدى للجواب عن هذه المعضلة بدعوى أن هناك مبدأ عقلياً قبلياً -شوف، يعني مثل مبدأ السببية، مبدأ عقلي وقبلي، يعني مبدأ أولي لا يمكن إثباته تمام- وهو عقلي وقبلي سابق على الحس والتجربة أيضاً. طيب، ما هو هذا المبدأ؟
قال: مفاده أن الاقتران -تقارن، يعني التصاحب في الوجود- أن الاقتران والتصاحب بين ظاهرتين -يعني شو هن الظاهرتين في كلامنا؟ التمدد والحرارة- هذا الاقتران والتصاحب بين ظاهرتين إن كان بشكل أكثري، يعني إن كان بكثرة هذا التصاحب، أو بشكل دائمي، فلا يمكن أن يكون محض صدفة واتفاق. وإذا لم يكن التقارن تقارناً اتفاقياً، إذاً فهو تقارن علّي يكشف عن سببية إحدى الظاهرتين للظاهرة الأخرى.
وأَسَّسُوا على ذلك، أسسوا قاعدة وهي أن الاتفاق لا يكون تكرره دائمياً ولا أكثرياً وأن الصدفة لا تتكرر. التفت.. في سابقاً قلنا: لا يوجد صدفة، لا يوجد صدفة بمعنى أنه لا يوجد مسبب من دون سبب، هذه الصدفة المطلقة هذه نفيناها مطلقاً تمام. ولكن الصدفة النسبية موجودة، الآن التفت، دخولك إلى الغرفة قطعا هو تصاحب مع شيء في هذا العالم مع أشياء، ولو مع موت فلان في آخر العالم، هل هذا يعني أن هذا التصاحب يكشف عن علية دخولك إلى الغرفة لموت فلان؟ لا دائماً. كل حركة من حركات يدي سوف تصاحب مع انفعال من انفعالاتكم، سوف تصاحب مع حركة أي إنسان أو أي كائن في هذا الأرض، دائماً يوجد تصاحب زمني، هل هذا التصاحب يكشف عن علية حركة يدي؟ لا، لا.
إذاً الصدفة النسبية موجودة تمام، يعني اتفاق مرور يدي مع دخول فلان مثلاً، أو اتفاق موت فلان مع مرورك أنت، أو اتفاق انقطاع الكهرباء مع دخولك إلى الغرفة، يحصل تمام. هذا ليس من إنكار السببية عندما نقول هذا حصل صدفة، نحن ننفي الصدفة بمعنى أنه لا يمكن أن تنقطع الكهرباء من دون سبب ولا يمكن أن تنوجد الكهرباء من دون سبب تمام، ولكن نحن نقول بإمكان الصدفة النسبية، وهي أن يتفق حصول شيء مع شيء من دون أن يكون هذا الشيء سبباً له -أما أن له سبباً آخر فهذا واضح واضح تمام-.
التفت، قالوا: إذاً الصدفة لا تتكرر، يعني الصدفة النسبية لا تتكرر، بمعنى أن لحوق إحدى الظاهرتين للأخرى تصاحبهما بشكل متكرر كثيراً أو دائماً لا يمكن أن يكون إلا بسبب اقتضاء إحداهما للظاهرة الأخرى. وحينئذ فالمستقرئ وإن اقتصر في تتبعه على جملة من أفراد الحديث، لكنه لما لاحظ اقتران ظاهرتي الحرارة والتمدد في كافة الأفراد المتتبعة يحكم بوجود سببية بينهما، ليش؟ قال: استنادا إلى مبدأ عقلي بديل وهو أن الصدفة لا تتكرر. وذلك بأن يقول: لو.. التفت، لو كان هذا التكرر والتقارن اتفاقياً لما تكرر، ولكنه تكرر؛ استثناء نقيض التالي ماذا ينتج؟ نقيض المقدم؛ إذاً فلا يكون اتفاقياً، إذاً فيثبت العلية.
ومن هنا نحن نستكشف استحالة أن يكون هناك علة أو خصوصية غير ملحوظة هي السبب؛ لأننا نعرف أن المعلول الواحد كم له علة؟ له علة واحدة تمام. التفت، وأنا قد لاحظت وجود التمدد في الحديد في هذه الأفراد، ووجدت.. لاحظت تصاحب التمدد مع أي شيء؟ مع الحرارة تمام. الآن أنت تقول: لما لا نفترض أن علة التمدد هي خصوصية أخرى أيضاً مصاحبة لجميع حالات التمدد؟ أقول: هذا مستحيل، ليش؟ نقول: لأن المعلول الواحد يحتاج إلى علة واحدة، لا يجتمع.. علتان لا تجتمعان على معلول واحد، المعلول الواحد توجبه علة واحدة تمام. انقل الكلام إلى التمدد فأقول إن هذا التمدد قد تصاحب تصاحباً أكثرياً، فلو لم تكن الحرارة سبباً لما تكررت، ولكنها تكررت فتكون سبباً. وإذا ثبتت سببية الحرارة استحالت سببية شيء آخر. التفت، المعلول الواحد يمكن أن يكون له أكثر من علة، ولكن لا يمكن أن توجده.. أن توجده أكثر من علة في وقت واحد؛ وإلا لزم أن يتكثر المعلول بتكثر العلة، أو لا تكون العلة الواحدة علة مستقلة وإنما تكون أجزاء لعلة واحدة. كيف كان؟
ومن هنا يظهر أن الاستقراء الناقص في المدرسة الأرسطية هو استدلال تام وصالح للتعميم. فالأرسطيون لا ينكرون الاستقراء الناقص، بل يصححونه ويتممونه، غير أن قيمته المعرفية عندهم لا تنشأ من مجرد التتبع، وإنما تستند إلى تلك المبادئ العقلية: قانون السببية، قانون استحالة تكرر الصدفة، وقانون الاضطراد، يعني حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد. بداهة أن التتبع لوحده لا يصلح لإثبات السببية بين الظاهرتين المقترنتين والمتصاحبتين.
ومن هنا نعرف أن ما وقع في كلام المناطقة من نفي حجية الاستقراء كما سوف يأتي من الماتن قدس سره وأن نتيجة الاستقراء الناقص هي نتيجة ظنية، هذا ناظر إلى نفي حجية الاستقراء كتتبع، أو فقل هو ناظر إلى نفي الحجية الذاتية للاستقراء، يعني نفس التتبع من حيث إنه تتبع لا ينتج أكثر من الظن. نعم، هذا الظن إذا انضم إلى مبادئ عقلية -وهي هذه المبادئ الثلاثة- أصبح يولد اليقين.
ولذلك نجد أن أرسطو قد ذكر في كتابه أن الاستقراء الناقص هو قياس غير أن صغراه استقراء، وذلك بأن تقول -التفت؛ لأنك بالتتبع بالاستقراء الناقص تحرز صغرى القياس، وهي أن التمدد والحديد ظاهرتان مقترنتان اقترانًا أكثرياً، في كثير من الحالات- ثم تظن الكبرى وهي المستندة إلى المبدأ العقلي، فتقول: والأكثري لا يكون اتفاقياً، فتقارنهما ليس اتفاقياً، إذاً تقارنهما علّي. فصار الاستقراء الناقص.. شوف، شوف المنهجية العقلية الأرسطية دائماً ترجع إلى شو؟ إلى القياس، إلى السير من العام إلى الخاص تمام، أو من العام إلى العام، المهم أن السير ينطلق دائماً من العام، أما الخاص.. الانطلاق من الخاص إنما يكون لإحراز صغرى القياس.
ولذلك ذهب أرسطو إلى أن الاستقراء قال: هو قياس صغراه ثابتة بالاستقراء وأما الكبرى فهي تلك المبدأ.. المبادئ العقلية. ومن هنا أيضاً يتضح لنا أنه لا تهافت بين كلام المناطقة عندما ذكروا -كما سوف يأتي في الجزء الثالث معنا- عندما ذكروا تارة أن القضايا الثابتة بالاستقراء هي قضايا ظنية، ثم بعد ذلك عندما أرادوا أن يعددوا لنا القضايا اليقينية ذكروا من جملتها التجريبيات. التفت.. سوف يأتي معنا أن القضايا اليقينية على أقسام: منها البديهيات، منها الأوليات، منها إلى آخره. ومن جملة تلك القضايا الأولية أو عفواً من جملة تلك القضايا البديهية قالوا: التجريبيات.
ما مرادكم من التجريبيات؟ التجريبيات هي القضايا التي تثبت بالتجربة، يعني بالحس. فقد عدوها من اليقينيات. ومن الواضح أن القضايا التي تثبت بالتجربة وبالحس هي قضايا استقرائية؛ لأنه ما معنى الاستقراء؟ هو التتبع، هو الملاحظة، هو أعمال الحواس من أجل ملاحظة الظواهر. طيب، فقد جعلوا التجريبيات من أقسام اليقينيات، ثم هم أنفسهم عندما تحدثوا عن الاستقراء الناقص قالوا إنه لا يفيد إلا نتائج ظنية. وجه اندفاع التهافت هو أن المراد من القضايا التجريبية هي القضايا التي تثبت بالحس والتجربة -التفت- بمعونة وانضمام المبادئ العقلية إليها. ومرادهم من الاستقراء الناقص مجرد التتبع بمعزل عن المبادئ العقلية.
ولذلك جاءت كلام أرسطو صريحاً بأن الاستقراء الناقص الذي هو مفيد لليقين هو قياس حقيقة، غير أن صغراه عبارة عن قضية ثابتة بالاستقراء. فقط أريد أن أرجع إلى كلامي إذا كان هو لأرسطو أو نسينا الإجابة أيضاً. لا، هنا أرسطو ذهب إلى انحلال كل استقراء منتج، قال: ينحل كل استقراء إلى قياس، الصغرى فيه قولنا: الحرارة والتمدد ظاهرتان مقترنتان كثيراً. طيب، الكبرى: أن التقارن الأكثر لا يكون اتفاقياً أو يكون علّياً، إذاً فالتمدد والحرارة مقترنتان تقارناً علّياً تمام.
ويمكن أن نبين هذا القياس بطريقة القياس الاستثنائي أيضاً فنقول: لو كان التقارن بين الحرارة والتمدد اتفاقياً لما كان أكثرياً، ولكنه أكثري؛ واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم. وبهذا صح عد التجريبيات من اليقينيات؛ لأن المراد من التجريبيات القضايا الاستقرائية التي نضم إليها تلك المبادئ العقلية. وأما إذا اخذنا الاستقراء من دون انضمام هذه المبادئ فهو استقراء لا يفيد إلا الظن.
ومن هنا نعلم أن الأرسطيين في الوقت الذي يصححون فيه الاستقراء الناقص هم ينكرون وجود اسم الاستقراء الناقص حقيقة؛ لأنهم يقولون: نحن نصحح الاستقراء الناقص ولكن لا مع الإبقاء على كونه استقراء ناقصاً؛ لأن السير لم يعد سيراً من الخاص إلى العام، بل صار سيراً من العام إلى الخاص، من الكل إلى الجزء. وهذا معنى قولنا في بداية البحث: إن الأرسطيين هم القائلون بالقياس وبالقياس فقط، فمصادر المعرفة عندهم منحصرة بالقياس. حتى عندما أرادوا أن يصححوا الاستقراء الناقص، وعندما عالجوا هذه المعارف البشرية -وهي أغلب معارفنا عن طريق الاستقراء- عالجوها عن طريق إرجاعها إلى قياس، قالوا: لابد من انضمام مبادئ عقلية، وهذه المبادئ العقلية دائماً سوف تكون كلية، فتعطي الاستدلال صبغة الانتقال من العام إلى الخاص.
مناقشة مبدأ عدم تكرر الصدفة
طيب، الآن نرجع فقط خطوة إلى الوراء. قلنا إن الاستقراء الناقص مبتلٌ في قيمته المعرفية -حتى يكون له قيمة، حتى تكون لنتائجه قيمة معرفية- فلا بد أن تستند أو أن يستند إلى الإيمان بهذه المبادئ الثلاث، والتي من جملتها الإيمان بمبدأ عدم تكرر الصدفة -احفظوا ذلك جيداً: الاتفاقي لا يكون أكثر-. الأمران المتفقان اللذان يتصاحبان اتفاقاً صدفةً -جيد- لا يكون هذا التصاحب أكثرياً، الاتفاق لا يكون أكثرياً، أو فقل: الصدفة لا تتكرر تمام.
هذه القاعدة، ما هو مدركها؟ إذا رجعنا إلى هذه القاعدة، وهي قولنا: (الصدفة لا تتكرر) أو (الاتفاق لا يكون أكثرياً)، نجد أن محمول هذه القضية ليس منتزَعاً من مفهوم موضوعها، بخلاف قولنا إن المعلول يحتاج إلى علة، وبخلاف قولنا إن النقيضين لا يجتمعان؛ نفس تصور النقيضين يستبطن عدم الاجتماع، ونفس تصور وافتراض المعلولية يستبطن الاحتياج إلى علة، ولكن نفس تصور الاتفاق لا ينافي الأكثرية، فنجد أن محمول القضية ليس منتزَعاً من مفهوم موضوعها، فلا يسعنا حينئذ أن ندعي أولية هذه القضية وبداهتها.
وإذا لم تكن بديهية فلا بد لها من مستند، فما هو المستند المصحح لهذه القضية؟ إن قلتم إن مستندنا لهذه القضية هو الاستقراء بأن تتبعوا.. نحن تتبعنا فوجدنا أن كل شيئين يتصاحبان بشكل أكثري فيكون أحدهما علة للآخر. نقول: إن كان هذا المبدأ ثابتاً بالاستقراء لزم تصحيح الاستقراء بالاستقراء؛ لأن قيمة الاستقراء صارت موقوفة على هذا المبدأ، وهذا المبدأ كيف ثبت؟ ثبت بالاستقراء تمام.
إذاً هذا المبدأ، وهو أن الاتفاق لا يكون أكثرياً، ما هو الدليل عليه؟ لا يمكن أن نأتي بدليل عقلي عليه؛ لأن العقل لا يجد تهافتاً منطقياً، لا يجد اجتماعاً للنقيضين في أن ينوجد شيئان ويتفقان دائماً ولا يكون أحدهما علة للأخرى. نعم، يوجد تناقض منطقي في أن ينوجد شيء ولا يكون له علة، ولكن لا يوجد تناقض منطقي في أن يتفق مجيئي مع مجيئك دائماً من غير أن يكون مجيئي سبباً لمجيئك.
إذاً، فلما كان العقل لا يجد تناقضاً منطقياً في اجتماع الاتفاقي مع الكثرة أو في تكرر الأمر الاتفاقي، إذاً فالدليل ليس عقلياً تمام. ولا يمكن أن يكون الدليل استقرائياً؛ لأن هذه القاعدة -بأن يقال إننا تتبعنا الظواهر فوجدنا أن كل ظاهرتين متفقتين مقترنتين اقترانًا أكثرياً فإن إحداهما علة للأخرى- لأن هذه القضية إذا كانت ثابتة بالاستقراء فيلزم حينئذ أن يكون الاستقراء موقوفاً على هذه القضية التي هي بدورها موقوفة على الاستقراء.
إذاً هذه القضية كيف ثبتت؟ لا مستند لها حقيقة في كلماتهم مهما حاولوا إثباتها. ومن هنا كان تصحيح الأرسطيين للدليل الاستقرائي عقيماً مشكلاً. ومن هذه الفكرة بالتحديد، من هذه المشكلة، نشأت المدارس المنطقية وتعددت وتنوعت في طريقة علاجهم للدليل الاستقرائي؛ فللمدارس الغربية والتجريبية حلول ومعالجات وهي منسجمة مع مبانيهم لأنهم ينكرون المعارف العقلية. التجريبيون، ما معنى أن يكون تجريبياً؟ أنني لا أؤمن بمعرفة لا تثبت عن طريق التجربة، ولذلك هذا عليه أن يصحح الاستقراء بالاستقراء تمام، هذا من أعمدة الإشكالات عليهم تمام. وأما العقليون فليس لهم.. فليس عندهم دليل عقلي يصحح ويبرر لنا مثل هذا المبدأ العقلي؛ نعم، ثبت مبدأ السببية وثبت مبدأ الاضطراد، ولكن مبدأ عدم تكرر الصدفة لا دليل يدل عليه، لا عقلاً ولا حساً تمام.
إلى أن جاء مؤسس المدرسة المنطقية، مدرسة المنطق الذاتي السيد الشهيد قدس سره، ووضع كتاباً عالج فيه هذه المسألة، وحاصله أن هذه القضية إنما يعني أن هذه القضية -وهي أن الاتفاق لا يكون أكثرياً- قضية صحيحة وهي ثابتة بحساب الاحتمال، تمام؟ لا بمعنى أنه ابتكر نظرية الاحتمال؛ نظرية الاحتمال ثابتة في كلمات الرياضيين، ولكنه عالج هذه القضية عن طريق حساب الاحتمال ثم أسس لمدرسة جديدة ولمنطق جديد وليقين جديد هو اليقين الذاتي في قبال اليقين الأرسطي، ويأتي هذا في كتب أخرى، في كلمات أخرى، وفي أبواب أوسع من هذا الباب.
نكتفي بهذا المقدار في بيان الاستقراء الناقص. تتمة البحث تأتي إن شاء الله غدا. والحمد لله رب العالمين.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد
