منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 90

تحميل Word

090

الملاحظة والتجربة في الاستقراء الناقص

في باب الاستقراء مسألة ينبغي أن نشير إليها، وحاصل هذه المسألة أن بعض المناطقة فصل وفرق بين نوعين من الاستقراء الناقص.

وحاصل ما ذكره هو أن الاستقراء الناقص تارة يكون مبنيا على الملاحظة والمشاهدة، وتارة ثانية يكون الاستقراء مبتنيا على التجربة. والفرق بين الملاحظة والتجربة أننا في الملاحظة نقوم بمجرد ملاحظة ظاهرة موجودة في الطبيعة في رتبة سابقة، فليس للمستقرئ أي دور في إيجاد هذه الظاهرة، كما إذا لاحظنا مثلاً ظاهرة تحريك التمساح لفكه الأسفل. فالمستقرئ ليس لاستقرائه أي دخالة في وجود هذه الظاهرة من ظواهر الطبيعة، لأن هذه الظاهرة ناجزة أي متحققة بالفعل سواء حصل الاستقراء أو لم يحصل الاستقراء، فالمستقرئ يقتصر دوره على أن يلاحظ هذه الظاهرة وأن يشاهدها وأن يتتبع حكمها.

وهذا بخلاف ما إذا كان الاستقراء مبتنيا على التجربة، إذ يقوم المستقرئ بنفسه بصنع الظاهرة وتكوينها، كما إذا دخل المستقرئ إلى المختبر، ثم بدأ بإضافة العناصر بعضها إلى بعض، فإنه يقوم برصد تلك العناصر التي يريد أن يمزج فيما بينها من أجل أن يولد ظاهرته. فالاستقراء تارة يكون مبنيا على ملاحظة بأن تكون الظاهرة ناجزة في الطبيعة من أول الأمر، وليس للمستقرئ إلا أن يلاحظ هذه الظاهرة وأن يشاهد خصائصها، وتارة ثانية يكون المستقرئ بحيث يولد الظاهرة، إذ يرصد الخصائص التي يريد أن يمزج فيما بينها، ثم يولد تلك الظاهرة.

إذا اتضح ذلك، فقد ذهب البعض إلى أن الاستقراء الناقص إذا كان مبتنيا على الملاحظة لظواهر الطبيعة الناجزة في رتبة سابقة قبل الاستقراء، فإن مثل هذا الاستقراء لا يفيد اليقين وإنما يفيد الظن.

وأما إذا كان الاستقراء مبتنيا على التجربة، فإن مثل هذا الاستقراء يفيد اليقين؛ وذلك لأن المتتبع في التجربة في قاعة المختبر لما كان هو الذي يوجد الحكم ويولده لأنه هو الذي قام بإضافة هذه الخصوصية إلى هذا العنصر، ثم جمع بين العنصرين وعنصر ثالث ليولد ظاهرة، ليولد مسألة أو حكماً. فالمستقرئ في التجربة لما كان هو الذي يولد الحكم ويوجده، فلابد أنه يقف على جميع الخصائص التي مارسها في إنتاج التجربة، ولابد أنه استقرأ عناصر هذه الظاهرة استقراء تاما، ومعه فلا يرد احتمال أن يكون هناك ظاهرة أخرى مقترنة بهذا الحكم وقد فاته أن يلحظها. ومع انحصار التقارن حينئذ بالظاهرة الملحوظة فهذه الخصائص التي لاحظها يستند في استكشاف عليتها إلى مبدأ استحالة التكرر بالصدفة، ويحكم بوجوب وجود النتيجة عند توفر وتحقق هذه العناصر؛ لأنه هو الذي يولد التجربة، إذ هو الذي يصنع هذه الظاهرة، إذا هو في المختبر يستطيع أن يرصد الخصائص التي جمع فيما بينها والتي مزج بعضها مع بعض لإنتاج الظاهرة. فحينئذ لا يرد احتمال أن يكون هناك خصوصية موجودة في التجربة ثم فات عليه أن يلحظها؛ إذ الفرض أنه هو الذي قام بإيجاد الظاهرة بصنعها.

وهذا بخلاف ما إذا كان الاستقراء عبارة عن استقراء ظاهرة ناجزة ومتحققة في رتبة سابقة في عالم الطبيعة. ليش؟ لأن التتبع لما كان لظاهرة ناجزة وموجودة في رتبة سابقة، فلا طريق إلى ذلك لإحراز أن ما تتبعه من الخصائص هي كل الخصائص الدخيلة في ولادة الظاهرة؛ لأنه سوف يقوم بدراسة ظاهرة موجودة ولا يعلم أن هذه الخصائص التي لاحظها في تلك الظاهرة هل هي كل الخصائص، أم أن هناك خصوصية أخرى فاته أن يلتفت إليها؟

وبهذا يبقى هناك احتمال أن يكون هناك خصوصية مقارنة لجميع الجزئيات أو مقارنة للحكم في جميع الجزئيات وقد فات عليه أن يلتفت إليها، فلا يستطيع حينئذ أن يجري قاعدة الاتفاق لا يكون أكثرياً. هذا التفصيل وهذا الكلام في غير محله حقيقة، ولكننا نترك تفصيل البحث إلى مكان أوسع.

كيف كان؟ قد عرفنا أن الاستقراء الناقص في نظر الأرسطيين إنما يفيد اليقين إذا استند إلى المبادئ العقلية الثلاثة، ليكون الاستقراء الناقص حينئذ من باب القياس لا من باب السير من الخاص إلى العام. هذا تمام الكلام في الاستقراء.

التمثيل: تعريفه وأركانه

بقي عندنا كلام في التطبيق على عبارة الماتن (قدس سره)، ولكن قبل أن نطبق المطلب لابد أن ندخل أو نبين النوع الثالث من الاستدلال المباشر وهو التمثيل.

والتمثيل كما ذكرنا في دروس سابقه عبارة عن الانتقال والسير من الخاص إلى الخاص، أي من الجزئي إلى جزئي آخر. والحاصل أننا كثيراً ما نعطي جزئياً حكم جزئي آخر لعلاقة تشابه وتناسب بينهما. وأمثلة ذلك كثيرة، منها مثلاً: أن نعطي الحشيشة حكم الحرمة لأنها تشبه الخمر الحرام في أن كليهما مسكر. فها هنا أمران يتشابهان في شيء ويكون حكم أحدهما ثابتاً، فنعمم الحكم من أحدهما إلى الآخر لوجود علاقة تشابه وتناسب بينهما. وهذا النحو من الاستدلال لا يمكن أن يكون مفيداً لليقين؛ وذلك لأن هذه المشابهة بينهما ووجود وجه الشبه بينهما من أين لنا أن نعلم أنه هل هو سبب الحكم ليصح التعميم حينئذ، أو أنه ليس سبباً للحكم؟

بعبارة ثانية: إن تشابه جزئيين في شيء واحد إنما يكون مبررا منطقيا لتعميم حكم أحدهما إلى الآخر إذا علمنا في رتبة سابقة بأن وجه الشبه هو علة الحكم، وإذا كان وجه الشبه علة الحكم فالعلة أينما توجد يجب وجود معلولها، والعلة وجه شبه بحسب الفرض فهي موجودة في الطرفين، فينبغي حينئذ أن يكون الحكم موجوداً وثابتاً. ولكن من أين لنا أن نحرز أن وجه الشبه هذا هو الذي اقتضى الحكم وسببه حتى يصح لنا التعميم؟ فكثيراً ما يشترك جزئيان في شيء واحد إلا أن وجه الشبه هذا لا يكون مقتضياً، لا يكون هو السبب الذي اقتضى الحكم، فلا يصح حينئذ تعميم الحكم من أحدهما إلى الآخر.

بعبارة ثالثة: إن الجزئيين المتشابهين لا يخفى، إما أن يكون وجه الشبه، وهو الصفة المشتركة بين الجزئيين، إما أن تكون جهة الشبه هي علة الحكم أو لا تكون علة الحكم. فإن لم تكن جهة الشبه علة الحكم، فلا يصح حينئذ تعميم الحكم من أحد الجزئيين إلى الآخر، ولا يصح السير من الخاص إلى الخاص، ولا يكون مثل هذا الاستنتاج مفيداً لليقين، بل حتى لا يفيد الظن، وإنما يفيد مجرد الاحتمال. تمام.

وأما إذا كانت جهة الشبه هي علة الحكم، فمن الواضح حينئذ أن الحكم سوف يكون موجوداً في كلا الجزئيين؛ لأن العلة موجودة في كلا الجزئيين، إلا أن هذا الاستدلال لا يسمى تمثيلاً حينئذ، وإنما يرجع إلى قياس، ويسمى ذلك القياس بأنه قياس منصوص العلة. كما في قوله (عليه السلام) مثلاً: (الخمر حرام لأنه مسكر). فالإمام (عليه السلام) في هذه الرواية بعد أن أثبت حكم الحرمة للخمر علل الحرمة ونص على علتها بأن السبب في التحريم هو الإسكار، فعلم أن الصفة التي اقتضت الحرمة في الخمر هي خصوص إسكارها، وعليه فلو أن شيئاً ما يشبه الخمر في الإسكار فهو قد أشبهه فيما هو علة للتحريم، ولذلك يصح حينئذ أن نرتب قياساً للاستدلال على حرمة الحشيشة فنقول: الحشيشة مسكر وكل مسكر حرام، فينتج أن الحشيشة حرام.

التمثيل إذا كانت جهة الشبه فيه هي العلة فهذا مرجعه إلى قياس، وإذا لم تكن جهة الشبه فيه هي العلة فهذا لا يفيد اليقين بل لا يفيد الظن أيضاً، وإنما يفيد الاحتمال. أما أنه لا يفيد اليقين فواضح؛ لاحتمال أن تكون جهة الشبه لا مدخلية لها في اقتضاء الحكم. وأما أنه لا يفيد حتى الظن فلأن مثل هذا الاستدلال مبني على ملاحظة جزئي واحد من جزئيات ذلك الكلي، بخلاف الاستقراء الناقص فإنه مبتن على تتبع جملة من الجزئيات مع الانتهاء إلى ذات النتيجة، فالصورة الذهنية التي تحصل عندنا من تتبع جزئي واحد لا تكون بتلك القوة التي تكون عليها الصورة إذا تتبعنا جملة من الجزئيات ثم وجدنا نفس النتيجة وذاتها، فهذه تكون صورة أقوى وتشكل انطباعاً أقوى، ولذلك نجد أن الذهن يستأنس مع ذلك الانطباع الحاصل من تعدد الملاحظة، ولذلك يصل بانطباعه هذا إلى مستوى الظن.

هذا بخلاف التمثيل، فإنك تقوم بدراسة جزئية ثم تعمم حكمها على جزئي آخر لمجرد المناسبة أو المشابهة، فهذه الصورة الذهنية لم يحصل أو لم ترد إلى الذهن إلا عن طريق ملاحظة واحدة فلم يحصل احتكاك للحواس بالمادة الخارجية إلا مرة واحدة، ولذلك فإن حضور هذه الصورة أو حضور الاعتقاد في هذه الصورة يكون ضعيفاً، بخلاف ما إذا تعددت ملاحظة الجزئيات وتتالت فإن الصورة الحاصلة سوف تكون أقوى وأثبت عند الذهن، ولذلك نجد أننا كلما زدنا في عملية التتبع قوي عندنا احتمال الظن إلى أن يصل إلى مستوى يقرب من اليقين. جيد.

كيف كان؟ التمثيل إذاً مبتن على أركان أربعة:

1. مبتن أولاً على وجود الجزئي الأول الذي نريد أن نعمم حكمه إلى الجزئي الآخر، ويسمى هذا الجزئي بـ الأصل.

2. ومبتن على وجود وملاحظة الجزئي الآخر الذي نريد أن نعمم الحكم إليه، ويقال له الفرع.

3. ومبتن على ملاحظة جهة التناسب ووجه الشبه بين الأصل وبين الفرع، لابد أن نقف على جهة التشابه بينهما، ويسمى هذا التناسب بـ الجامع؛ لأنه الوصف الجامع بين الجزئيين.

4. ومبتن رابعاً على معرفة حكم الأصل الذي نريد أن نعممه ونعرفه وأن نثبته للفرع.

ففي مثالنا الخمر هو الأصل، والحشيشة هي الفرع، والإسكار هو الجامع بين الطرفين، والحرمة هي الحكم الثابت للأصل. فالتمثيل له أركان أربعة: الأصل والفرع والجامع والحكم، ولا يتسنى للذهن أن يصحح تعميماً أو تعميماً مفيداً للاحتمال من دون أن يقف على هذه الأمور الأربعة.

القياس الفقهي والقياس المنطقي

وهذا التمثيل أو هذا النحو من الاستدلال هو الذي يسمى في كلمات الفقهاء بالقياس، فالقياس بتعبير الفقهاء لا يراد منه إلا التمثيل بتعبير المناطقة، هو القياس الفقهي أي هو التمثيل المنطقي. وهذا هو مرادهم من قولهم: (أول من قاس إبليس) أو (الدين إذا قيس محق)؛ لأن إبليس أجرى عملية تمثيل منطقي في الاستدلال من أجل الاستدلال على أفضليته على آدم (عليه السلام)، قال: (خلقتني من نار وخلقته من طين)، فأجرى عملية تفاضل فوقف على الأصل ووقف على الفرع وهما إبليس وآدم (عليه السلام)، ووقف على جامع بينهما وهو الخلق طينة الخلق، وهو أنك خلقتني من نار والنار أقوى من الطين، ولكنك أعطيت حكم القوي للضعيف وحكم الضعيف للقوي إذ أمرتهم بالسجود لمن هو أضعف، فمن باب أولى أن يسجد لي أو أن يسجدوا لي لأنني الأقوى. ويقال لهذا النحو من القياس أنه قياس الأولى.

طبعا قياس الأولوية هذا غير قياس الأولوية الذي يأتي معكم في علم الأصول، قياس الأولوية في علم الأصول قياس حجة وهو يرجع إلى قياس منطقي، ولكن هنا من قال إن علة إباحة السجود هي الخلق من طين أو الخلق من نار؟ واضح؟

كيف كان؟ وقد ذكرنا لكم فيما سبق القصة التي نسبت إلى أبي حنيفة مع الإمام الصادق (عليه السلام) عندما سأله: أيهما أفضل الصلاة أم الصوم؟ فأجاب: الصلاة. فاعترض عليه (عليه السلام) قال: فما بال المرأة إذا كان الصوم... عفواً قال: الصلاة؛ لأن الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها إلى آخره. قال له: إن كانت الصلاة أفضل بهذه الموازين فما بال المرأة نجدها تقضي ما فاتها من صوم ولا تقضي ما فاتها من صلاة؟ فلو كانت الصلاة هي الأفضل لكان الأولى أن تقوم المرأة بتعويضها مع أنها لا تعوضها وإنما تعوض الصوم. فغير جوابه فقال: لا، إذاً الصوم هو الأفضل. جيد؟

فاعترض عليه (عليه السلام) بأن الصوم لو كان هو الأفضل -جيد؟- لصح لقبل الصوم من دون صلاة، مع أن الصلاة لا تقبل إلا ومعه صلاة؛ لأن الصلاة عمود الدين. جيد؟ وعملة ما أراده الإمام (عليه السلام) هو أن يبين له أن أحكام الله لا تدرك بمثل هذه الاستدلالات، ودين الله إذا قيس محق. جيد؟

ولكن أهل السنة لأنهم ابتعدوا عن نهج محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله)، أو ابتعدوا عن نهج أهل البيت (عليهم السلام)، فهم ليس عندهم من الروايات ما يكون وافياً ببيان الأحكام الشرعية؛ لأنهم لا يأخذون بروايات أهل البيت (عليهم السلام)، إذاً فلم يتبق عندهم إلا الروايات التي صدرت عن النبي (صلى الله عليه وآله). والنبي (صلى الله عليه وآله) كان في مرحلة تأسيس الدولة، فلم يكن الوقت وقت تفصيل أو بيان تفصيلات الأحكام، إنما كان الوقت لتأسيس الدولة ولتأسيس الإسلام، أو فقل كان الوقت وقت تأسيس أصول الدين لا فروعها. ولذلك نجد أن الروايات التي صدرت عن النبي (صلى الله عليه وآله) فيما يتعلق بالأحكام الفقهية الشرعية هي روايات قليلة جداً، ولم يبق عند أهل العامة ما يفيد في استنباط الأحكام الشرعية، ولذلك كان لابد لهم أن يتخذوا طريقاً آخر وهو طريق التمثيل، طريق القياس، بأن يعطوا كل شبيه حكم شبيهه. جيد؟

ولذلك نجدهم دائماً يتمرسون في دراسة النحو؛ لأن النحو قواعده قائمة على أساس التمثيل؛ لأن ما يشبه شيئاً يأخذ حكمه، الاسم يشبه الحرف فيأخذ حكمه وهو البناء، أو الفعل... اسم الفاعل يشبه الفعل المضارع فيأخذ حكمه ويرفع فاعلاً وينصب مفعولاً، وهكذا. ولذلك نجدهم يتمرسون في دراسة النحو حتى يتمرسوا في تطبيق تطبيقات القياس، ثم بعد ذلك يتمكنون من تطبيقه على الفقه، ففقههم وأصولهم شيء واحد حقيقة. ولذلك عندما يرد في أصولنا من الأمثلة بقولنا: (لا تكرم النحوي)، لا يراد أنه لا تكرم الذي يمارس علم النحو، بل (لا تكرم النحوي) أي لا تكرم الفقيه الذي يبني منظومة فقهه على القياس، هذا هو المراد حقيقة من قولهم: (لا تكرم النحوي). والكثير من الطلبة يتمسك بمثل هذه المأثورات من أجل أن يتهرب من دراسة النحو في زماننا. كيف؟

هذا تمام الكلام في الجزء الثاني من هذا الكتاب، وقد عرفنا أن الأرسطيين لا يعتنون إلا بما كان قياساً منطقياً، وأن ما صحح من الاستقراء ومن التمثيل عندما يكون منصوص العلة فمرجعه أيضاً إلى القياس. جيد، ففي الحقيقة لا يوجد استقراء منتج واستقراء غير منتج؛ الاستقراء عندما يكون منتجاً فهو قياس، والتمثيل عندما يكون منتجاً فهو قياس أيضاً. فالمنظومة الفكرية للأرسطيين هي أن الاستدلال دائماً يكون استدلالاً وانتقالاً من العام إلى العام.

حل الشبهة الاستقرائية في الفلسفة

بقي عندنا فقط أن نقرأ هذا المقدار لنبين بعض الملاحظات في كلمات الماتن (قدس سره). قال (قدس سره): (شبهة مستعصية: إن القياس الذي هو العمدة في الأدلة على المطالب الفلسفية، لأن المطالب الفلسفية يجب أن تنشأ من الأوليات وهو المفيد لليقين، يعني القياس لما كان يعتمد على مقدمة كلية على كل حال، إذ من الشروط العامة للقياس كلية إحدى المقدمتين، تمام؟ قال: فإن الأساس فيه لا محالة هو الاستقراء).

هكذا بنى الماتن (قدس سره) هذه الشبهة. وهذا الكلام منه في غير محله. الماتن يريد أن يبين أن كل ما من قياس إلا ولا بد أن تكون إحدى مقدمتيه كلية، تمام، والمقدمة الكلية لا تكون كلية أو لا تنعقد كليتها إلا بعد دراسة جميع جزئياتها، أي بعد دراسة أي بعد إعمال الاستقراء، فصار كل قياس مبتنياً على استقراء، والاستقراء -قد عرفنا الإشكالات التي أوردناها عليه- لا يفيد اليقين، إذاً فما بني على ما لا يفيد اليقين لا يفيد اليقين.

هذا البيان منه (قدس سره) ليس دقيقاً؛ إذ ليس كل قضية كلية فلا بد أن تثبت كليتها بالاستقراء، فمن القضايا الكلية ما تثبت من دون تتبع أي جزئي من جزئياتها، كما في القضايا الأولية التي ينتزع محمولها من نفس تصور موضوعها. ولذلك نكمل، قال: (لما قدمنا أن كل قاعدة كلية لا تحصل لنا إلا بطريق فحص جزئياته)، مع أن الماتن في الصفحة الثانية الآن سيأتيك أن بعض القضايا الكلية تنعقد حتى من دون الوقوف على جزئياتها، إذ يكفي تصور موضوعها للحكم بثبوت المحمول له، كما في قولنا مثلاً: الكل أعظم من الجزء. لا تحتاج لكي تثبت هذه القاعدة أن تتصور كل كل وكل جزء، يكفي أن تتصور معنى الكل وأن تتصور معنى الجزء وكون الجزء داخلاً وموجوداً في ضمن الكل فتستكشف أن الكل أعظم حجماً من الجزء.

قال: (ولا شك أن أكثر القواعد العامة غير متناهية الأفراد فلا يمكن تحصيل الاستقراء التام فيها). شوف الإشكال: إذاً القياس يحتاج إلى كلية الكبرى أو إلى كلية إحدى المقدمتين كقدر متيقن، وهذه القاعدة الكلية إنما تثبت بالاستقراء، ولا يمكن أن تثبت بالاستقراء التام؛ قال: (لأن أكثر القواعد العامة غير متناهية الأفراد) لا تنتهي أفرادها، تمام، إذاً فانحصر طريق إثبات هذه القواعد بالاستقراء الناقص، فيلزم على ذلك أن تكون أكثر قواعدنا التي نعتمد عليها لتحصيل الأقيسة تكون قواعد ظنية، فيلزم أن تكون أكثر أقيستنا ظنية؛ لأن ما بني على الظن لا يفيد إلا الظن، النتيجة تتبع أخس المقدمات، وأكثر أدلتنا غير برهانية في جميع العلوم والفنون. وهذا ما يتوهمه أحد، يعني هذا الاشكال يسري إلى الوهم. فهل يمكن أن ندعي أن الاستقراء الناقص يفيد العلم اليقيني فنخالف جميع المنطقيين الاقدمين؟ ربما تكون هذه الدعوى قريبة إلى القبول، إذ نجد أننا تتيقن بأمور عامة ولم يحصل لنا استقراء جميع أفرادها، كحكمنا قطعاً بأن الكل أعظم من الجزء.

هذا المثال -هذه الجملة- كان لا ينبغي بالماتن (قدس سره) أن يأتي بها، لأن هذه القضية لا نحتاج في إثباتها إلى استقراء ونحن نريد أن نصحح القضايا العامة الثابتة بالاستقراء! تمام؟ أنت يكفي أن تتصور معنى الكل ومعنى الجزء لتستكشف أن الكل لابد أن يكون أعظم من الجزء.

قال: (مع استحالة استقراء جميع ما هو كل وجميع ما هو جزء، وكحكمنا بأن الاثنين نصف الأربعة مع استحالة استقراء كل اثنين وكل أربعة، وكحكمنا بأن كل نار محرقة -نعم هذا المثال صحيح- وأن كل إنسان يموت مع استحالة استقراء...) شوف مع استحالة استقراء جميع أفراد النار وجميع أفراد الإنسان، وهكذا ما لا يحصى من القواعد البديهية فضلاً عن النظرية.

فنقول في حل الشبهة: إن الاستقراء على أنحاء:

النحو الأول: قال: أن يبنى على صرف المشاهدة فقط. التفت، يعني استقراء مبني على الملاحظة. تمام؟ قال: فإذا شاهد بعض الجزئيات أو أكثرها أن لها وصفاً واحداً استنبط أن هذا الوصف يثبت لجميع الجزئيات، كمثال استقراء بعض الحيوانات أنها تحرك فكها الأسفل عند المضغ. ولكن هذا الاستنباط قابل للنقد فلا يكون الحكم فيه قطعياً، وعلى هذا النحو اقتصر نظر المنطقيين القدماء في بحثه. التفت، لا نريد أن نقول إن الاستقراء عندما يبنى على الملاحظة فقط فلا يفيد اليقين، نعم نحن نقول يفيد اليقين أيضاً، ولذلك قلت لكم هذا التفصيل في غير محله، ولكن مراد الماتن أن نبني استقراءنا على الملاحظة فقط أي من دون أن نستند إلى أن نضم إلى هذه الملاحظة شيئاً من المبادئ العقلية. تمام؟ فالاستقراء إذا أخذناه كمجرد تتبع فهذا لا يفيد اليقين، وهذا معنى قوله: على صرف المشاهدة فقط، أي من دون أن نضم المبادئ العقلية الثلاثة إلى التتبع، فهذا لا يفيد اليقين.

أما في الخطوة الثانية، قال: الحالة الثانية أو النحو الثاني أن يبنى مع ذلك -يعني مع المشاهدة، يعني مع التتبع- أن يبنى مع ذلك على التعليل. أي على الاستناد إلى أحكام العاقل، بأن يبحث المشاهد لبعض الجزئيات عن العلة في ثبوت الوصف، يبدأ يلاحظ: هذه الحالة لم تكن ثم كانت، إذاً لا بد لها من علة، وهذه الحالة موجودة مشتركة بين جميع الجزئيات التي لاحظها، إذاً فعلتها يجب أن تكون مشتركة. فيبدأ بالبحث والفحص عن تلك الخصوصية المشتركة التي تقارن الحالة التي لاحظها فيستكشف عليتها، فيعرف أن الوصف إنما ثبت لتلك الجزئيات المشاهدة لعلة أو خاصية موجودة في نوعها، ولا شبهة عند العقل أن العلة لا يتخلف عنها معلولها أبداً، فيجزم المشاهد المستقري حينئذ جزماً قاطعاً بثبوت الوصف لجميع جزئيات ذلك النوع وإن لم يشاهدها. إذا حكم بأن التمساحية هي الخصوصية الوحيدة التي صاحبت مع تحريك الفك الأسفل، إذاً فأينما وجدت التمساحية سوف ينوجد ذلك الحكم.

كما إذا شاهد الباحث أن بعض العقاقير يؤثر الإسهال -التفت، هذه ملاحظة أو تجربة؟ هذه تجربة: أن بعض العقاقير، العقاقير تصنع جيد بخلط عناصر بعضها مع بعض، طيب، يؤثر الإسهال- فبحث عن علة هذا التأثير، يبدأ باختزال هذه الخصوصية، إذا بقي الإسهال فهذه الخصوصية غير دخيلة في الأثر، وهكذا، فبحث عن علة هذا التأثير وحلل ذلك الشيء إلى عناصره فعرف تأثيرها في الجسم الإسهال في الأحوال الاعتيادية، فانه يحكم بالقطع أن هذا الشيء يحدث هذا الأمر دائماً. وجميع الاكتشافات العلمية -يعني التجربة- وكثير من أحكامنا على الأمور التي نشاهدها -يعني الملاحظة- من هذا النوع، وليست هذه الأحكام قابلة للنقد فلذلك تكون قطعية، كحكمنا بأن الماء ينحدر من المكان العالي، فإننا لا نشك فيه مع أننا لم نشاهد من جزئياته إلا أقل القليل، وما ذلك إلا لأننا عرفنا السر في هذا الانحدار، دراسة هذه الظاهرة وعرفنا أن الخصوصية التي اقتضت ذلك هي الجاذبية مثلاً.

نعم، إذا انكشف للباحث خطأ ما حسبه أنه علة واكتشف أن للوصف علة أخرى فلا بد أن يتغير حكمه وعلمه. التفتوا إلى هذه الجملة جيداً: هذا يعني أن المستقرئ في الاستقراء الناقص حتى عندما يستفيد اليقين، يستفيد يقيناً بثبوت المحمول لموضوعه، ولا يستفيد يقيناً باستحالة الانفكاك، ولذلك هو عنده يقين ومع ذلك يحتمل أن ينكشف له الخطأ فيما بعد فيغير حكمه، هذا بخلاف اليقين البرهاني: يكون عندك يقين بثبوت المحمول لموضوعي ويقين آخر باستحالة الانفكاك، يعني عندي يقين بالثبوت وعندي يقين بأنه لن ينكشف لي خطأ؛ لأن الثبوت ثابت على كل تقدير.

طيب، هذا النحو الثاني. النحو الثالث -شوف الآن المشكلة- قال: من أنحاء الاستقراء أن يبنى الاستقراء على بديهة العقل. طيب كيف؟ قال: كحكمنا بأن الكل أعظم من الجزء، فإن تصور الكل وتصور الجزء وتصور معنى أعظم هو كافٍ لهذا الحكم. ما معنى الكل؟ هو الأجزاء عندما ينضم بعضها إلى بعض. ما هو الجزء؟ إذا هو شيء أضيفت إليه سائر الأجزاء، إذا ما فيه زيادة أعظم مما ليس فيه زيادة. قال: هذا كاف للحكم، وليس هذا في الحقيقة استقراءً؛ لأن الاستقراء تتبع وأنت لم تتتبع؛ لأنه لا يتوقف على المشاهدة، فإن تصور الموضوع والمحمول كاف للحكم وإن لم تشاهد جزئياً واحداً منها. طيب، النحو إذاً هذا ليس له ربط، حقيقة علاج المشكلة بهذا النحو الثاني الذي ذكره وهو أن نبني على التتبع أن نضيف إلى التتبع مبادئ العقل، ولعل عبارة الماتن قاصرة عن المطلب الذي بيناه.

كيف كان؟ قال: النحو الرابع أن يبنى على المماثلة الكاملة بين الجزئيات. هذا حقيقة تتميم للنحو الثاني، اللي هي حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز، واحد. ولكن لم يكن هذا البحث في وقتهم بهذا المستوى من البيان، الفكرة لم تكن بهذا المستوى من الوضوح عندهم، ولذلك نشعر بقصور العبارة عن أداء المطلب بالترتيب الذي بيناه.

قال: كما إذا اختبرنا بعض جزئيات نوع من الثمر فعلمنا بأنه لذيذ الطعم مثلاً، فإننا نحكم حكماً قطعياً بأن كل جزئيات هذا النوع لها هذا الوصف. الآن أنت عندما تريد أن نصححني مثلاً بأكل هذه التفاحة لأنها لذيذة وأنت جربتها، هذه التفاحة أنت جربت تفاحة أخرى فكيف تحكم على كل تفاح بأنه لذيذ مثلاً دائماً؟ أغلب معارفنا هي من نوع الاستقراء الناقص ولذلك هذه مشكلة معرفية عن جد، يعني مشكلة معرفية بكل ما للكلمة من معنى حقيقة.

فإننا نحكم حكماً قطعياً بأن كل جزئيات هذا النوع لها هذا الوصف، وكما إذا برهنا مثلاً على أن مثلثاً معيناً تساوي زواياه قائمتين فإننا نجزم جزماً قطعياً بأن كل مثلث هكذا، فيكفي فيه فحص جزئي واحد. طيب ليش؟ قال: وما ذلك إلا لأن الجزئيات متماثلة متشابهه في التكوين، فوصف واحد منها يكون وصفاً للجميع بغير فرق.

وبعد هذا البيان لهذه الأقسام الأربعة يتضح أن ليس كل استقراء ناقص لا يفيد اليقين إلا إذا كان مبنياً على المشاهدة المجردة. يعني الاستقراء الذي يفيد اليقين عندنا نحن الأرسطيين هو الاستقراء الذي هو عبارة عن قياس صغراه التتبع، فهو ليس استقراء حقيقة، وإنما هو قياس، ويسمى القسم الثاني -وهو الاستقراء المبني على التعليل- في المنطق الحديث بطريق الاستنباط أو طريق البحث العلمي، وله أبحاث لا يسعها هذا الكتاب.

التمثيل وأركانه وقيمته العلمية

التمثيل، قال: هذا ثالث أنواع الحجة، وبه تنتهي مباحث الباب الخامس. والتمثيل على ما عرفناه هو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما، وبعبارة أخرى هو إثبات الحكم في جزئي لثبوته في جزئي آخر مشابه له. والتمثيل هو المسمى في عرف الفقهاء بالقياس، الذي يجعله أهل السنة من أدلة الأحكام الشرعية، والإمامية ينفون حجيته ويعتبرون العمل به محقاً للدين وتضييعاً للشريعة؛ لأن أحكام الله لا تدرك بالحواس، فلا تدرك بالتناسب والمناسبات؛ لأن كل حكم شرعي يوجد وراءه ملاك ومصلحة دعت إليه، ومن أين لنا أن نعلم تلك المصالح والمفاسد التي لاحظها المولى أثناء التشريع؟

طيب، مثال: إذا ثبت عندنا أن النبيذ يشابه الخمر في تأثير السكر على وقد ثبت عندنا أن حكم الخمر هو الحرمة، فلنا أن نستنبط أن النبيذ أيضاً حرام أو على الأقل محتمل الحرمة للاشتراك بينهما في جهة الإسكار. وجه الاحتمال ما هو؟ أن هناك صفة مشتركة بينهما ولا يخلو بحكم العقل، إما أن تكون هذه الصفة هي علة الحكم أو لا، النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. فإن كانت هذه الصفة هي علة الحكم، فلا بد أن الحكم مشترك بينهما، وإن لم تكن هي علة الحكم فلا تكون فلا يكون الحكم مشتركا بينهما، إذاً فاحتمال سريان الحكم من أحدهما إلى الآخر موجود؛ لأن العقل يحتمل أن هذه المشابهة يمكن أن تكون هي علة الحكم، ولذلك لا أشكال في أن التمثيل يفيد الاحتمال. تمام؟

وقد يرقى هذا الاحتمال إلى مستوى الظن إذا كانت جهة الشبه جهة قوية بين الجزئيين. ولكن من أين لنا أن نصل إلى اليقين بأن هذه الجهة المشابهة هي سبب الحكم؟ طيب، نعم، إذا أثبتنا أنها سبب الحكم صار عندنا يقين، ولكن هذا لم يعد تمثيلاً صار قياساً منصوص العلة.

قال: (أركانه). وللتمثيل أربعة أركان:

1. الأصل: وهو الجزئي الأول المعلوم ثبوت الحكم له، كالخمر في المثال.

2. الفرع: وهو الجزئي الثاني المطلوب اثبات الحكم له، كالنبيذ في المثال.

3. الجامع: وهو جهة الشبه بين الأصل والفرع، كالإذكار في المثال.

4. الحكم: وهو المعلوم ثبوته في الأصل والمراد إثباته للفرع، كالحرمة في المثال.

فإذا توفرت هذه الأركان انعقد التمثيل، فلو كان الأصل غير معلوم الحكم أو فاقداً للجامع المشترك، لا يحصل التمثيل، وهذا واضح.

قيمته العلمية: إن التمثيل على بساطته من الأدلة التي لا تفيد إلا الاحتمال؛ لأنه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر بل في عدة أمور أن يتشابها من جميع الوجوه. بعبارة ثانية: لا يلزم من تشابههما في شيء أن يكون هذا الشيء هو علة الحق. ولذلك ماذا قال؟ لا يلزم من تشابههما في شيء أن يتشابها من جميع الوجوه، يعني لا يلزم أن يتشابها حكماً أيضاً.

فإذا رأيت شخصاً مشابهاً لشخص آخر في طوله أو في ملامحه أو في بعض عاداته وكان أحدهما مجرماً قطعاً، فليس لك أن تحكم على الآخر بأنه مجرم أيضاً لمجرد المشابهة بينهما في بعض الصفات أو الأفعال، وإن كان يلتفت الذهن ينتقل ينتقل من المشابه إلى مشابه، ولكن هذا الانتقال شيء والحكم شيء آخر. التفت الآن مثلاً، الآن أنا اعرف فلاناً وهو مشهور بالكرم، ثم أرى إنساناً مشابهاً له فيحصل عندي انتقال إلى صورة الكرم بلا أشكال، ولكن هذا الانتقال شيء والحكم بأنه كريم شيء آخر. الانتقال إنما هو بسبب تداعي المعاني، الصور المتشابهة في الذهن. جيد؟

طيب، يحصل يحصل هناك تداعي لهذه المعاني، تتوافد هذه الصور على مرآة النفس فتنطبع عند الذهن، ولكن هذا النحو من الانتقال ليس حكماً، الكلام في الحجة، يعني في الحكم. جيد؟ يعني حتى لا يتساءل أحدنا: أنا أجد من نفسي أن ذهني ينتقل إلى صورة الشبه وإالى أحكامه، نعم ينتقل إلى استحضار هذه الصور؛ لأن هذه الصور لتشابهها -يعني شوف صورة هذا الكريم لتشابهه مع صورة شخص آخر- يحصل عندك تداعٍ للمعاني فتستحضر ذلك الشخص، تمام؟

ثم إن هذا الكريم يقارن صفة الكرم قرناً أكيناً، فعندما تستحضر صورته تنتقل إلى صورة الكرم للقرن الأكيد بين بينهما. هذا الانتقال جيد منطقي على مستوى التداعي والتصور، ولكن على مستوى الحكم بأن فلان يجب أن يكون كريماً، هذا لا يوجد له أي مبرر منطقي. طيب.

نعم، قال: إذا قويت وجوه الشبه بين الأصل والفرع وكثرت يقوى عندك الاحتمال حتى يقرب من اليقين ويكون ظناً، لكن لا يمكن أن يصل حد اليقين ما دمت تحتمل أن خصوصية واحدة يمكن أن تكون هي سبب الحكم وليست مشتركة بين الجزئيين.

والقيافة من هذا الباب، علم القيافة. تعرفون ما هو علم القيافة؟ القيافة هو أن تتقفى الوجوه فتنظر في فلان فتقول هو من البطن الفلانية، يعني من العائلة الفلانية. جيد؟ علم القيافة من هذا الباب، فإننا قد نحكم على شخص أنه صاحب أخلاق فاضلة -أه عفواً، هنا يراد من القيافة يعني علم الأوجه، أن تنظر في الوجه فتحاول أن تأخذ صفاته مثلاً، تمام؟- قال: يعني تتقفى آثار الوجه الخلقة للاطلاع على الخلق، فإننا قد نحكم على شخص إنه صاحب أخلاق فاضلة أو شرير بمجرد أن نراه لأننا كنا قد عرفنا شخصاً قبله يشبهه كثيراً في ملامحه أو عاداته وكان ذا خلق فاضل أو شريراً، ولكن كل ذلك لا يغني عن الحق شيئاً. إذاً مثل هذه الأمور نحن منهيون عنها ليس فقط في الأحكام الشرعية، حتى في امورنا الحياتية أن تنظر إلى فلان وتستقبح أو تنتقل من قبح وجهه إلى قبح أخلاقه، وكثيراً ما تختلف سلوكياتنا مع أناس بسبب حسن المنظر أو قبحه.

غير أنه يمكن أن نعلم أن الجامع -أي جهة المشابهة، الجهة أي جهة المشابهة- علة تامة لثبوت الحكم في الأصل، وحينئذ نستنبط على نحو اليقين أن الحكم ثابت في الفرع لوجود علته التامة فيه؛ لأنه يستحيل تخلف المعلول عن علته التامة. ولكن الشأن كله إنما هو في إثبات أن الجامع علة تامة للحكم، من أين لك أن تثبت أن هذه الجهة هي التي اقتضت الحكم؟ لأنه يحتاج إلى بحث وفحص وليس من السهل الحصول عليه حتى في الأمور الطبيعية. والتمثيل من هذه الجهة يلحق بقسم الاستقراء المبني على التعليل، يعني إذا عرفت أن هذه الجهة هي علة الحكم يلحق بالاستقراء، الاستقراء يلحق بالقياس، إذاً فمرجع الكل إلى القياس الذي أشرنا إليه سابقاً، بل هو نفسه؛ لأنك حينئذ تتتبع جهة المشابهة مع الاستناد إلى مبادئ العقل.

أما إثبات أن الجامع هو العلة التامة لثبوت الحكم في المسائل الشرعية، فليس لنا طريق إليه إلا من ناحية الشارع نفسه، هو الذي ينص لنا على العلة، ولذلك قلت لكم يقولون له قياس منصوص العلة. ولذا لو كانت العلة منصوصاً عليها من الشارع، فإنه لا خلاف بين الفقهاء جميعاً في الاستدلال بذلك على ثبوت الحكم في الفرع، كقوله (عليه السلام): (ماء البئر واسع لا يفسده شيء)، ثم قال في آخر الرواية: (لأن له مادة)، يعني لأنه متصل بمادة بمادة نبع، كل ماء يتصل بالماء بالمكان الذي ينبع منه من الأرض فإنه يقال له ماء له مادة، تمام. وقال: (لأن له مادة)، فانه يستنبط منه أن كل ماء له مادة كماء الحمام وماء الحنفية وماء حنفية الإسالة مثلاً فهو واسع لا يفسده شيء.

وفي الحقيقة إن التمثيل المعلوم فيه أن الجامع علة تامة يكون من باب القياس البرهاني المفيد لليقين؛ إذ يكون فيه الجامع حداً أوسط والفرع حداً أصغر. فنقول في مثال الماء: ماء الحمام له مادة، وكل ما له مادة واسع لا يفسده شيء بمقتضى التعليل في الحديث، ينتج: ماء الحمام واسع لا يفسده شيء. وبهذا يخرج عن اسم التمثيل واسم القياس باصطلاح الفقهاء الذي كان محل الخلاف عندهم.

هذا تمام الكلام في مباحث الحجاج، وبه يتم الباب أو الجزء الثاني من هذا الكتاب. بقي عندنا أن ندخل في الجزء الثالث وهو الذي يعالج مادة القياس لا هيئتها، يأتي إن شاء الله غدا، والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.