دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 91
091
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
يقع الكلام في الجزء الثالث والأخير من هذا الكتاب، وهو الذي عقده الماتن قدس سره للحديث عن مادة القياس. وذلك لما عرفنا من أن المصدر الحقيقي للاستدلال بل المصدر الوحيد له عند الأرسطيين هو القياس، وأما الاستقراء والتمثيل فهما وإن صحح الاستدلال بهما في بعض الموارد إلا أن هذه الموارد راجعة عندهم إلى القياس أيضاً، وعلى هذا فكل استدلال له قيمة عند الأرسطيين لابد مرجعه ومآله إلى القياس. ومن هنا اهتم الأرسطيون بالقياس بجميع تفصيلاته.
وقد عرفنا أن القياس يتركب من مادة وهيئة؛ أما هيئة القياس فالمراد منها الشروط التي يجب أن تتوفر في المقدمات بمعزل عن مضمونها، وعن كون تلك المقدمات صادقة في نفسها أو غير صادقة، وقد استوفينا البحث عن شروط القياس وعن هيئته في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
وأما مادة القياس فالمراد من المادة نفس القضية التي يتركب منها القياس لجهة كونها صادقة أو كاذبة، ولجهة كونها يقينية أو مظنونة أو وهمية. وعلى هذا الأساس قسمنا القياس بحسب مادته إلى أقسام خمسة، ثم سميت تلك الأقسام بالصناعات الخمس، وهي صناعة البرهان وصناعة الجدل والخطابة وغيرها من الأقسام، وقد بينا ذلك أيضاً في الجزء الثاني.
فالغرض من هذا الباب هو أن نتعرض إلى بعض أحكام القياس من جهة مادته، ولا نريد أن نبحث عن مادة القياس من حيث كونها صادقة أو كاذبة بالمعنى الدقيق للكلمة، فإن البحث عن تصحيح القضايا في نفسها لا يرتبط بالمنطق الذي هو آلة، وإنما يثبت صدق القضية في العلوم التي نبحث في كل علم على حدة، فالمنطق لا يصحح لنا قضايا القياس، وإنما يبين لنا الشروط التي يجب أن نراعيها في تلك المقدمات حتى إذا سلمت تلك المقدمات كانت النتيجة قطعية أو مسلمة على تقدير التسليم بالمقدمات.
فالبحث عن تصحيح المواد وعن تصحيح القضايا ينافي آلية المنطق؛ لأن المنطق لو كان يبحث في المادة لَلزم أن يكون المنطق باحثاً في العلوم جميعاً، أو فقل يلزم أن تندرج مسائل العلوم جميعاً في علم المنطق، فيصير المنطق شاملاً لجميع العلوم في حين أننا قد فرضناه آلة تستخدم في تلك العلوم، والآلة خارجة عن ذي الآلة، فلا تكون الآلة مستبطنة لذيها، وإنما تكون خارجة عنها.
كيف كان؟ فعندما نقول إننا نريد أن نبحث عن القياس من حيث مادته لا نريد من هذه الجملة أننا نريد أن ندخل في تفصيل كل قضية وفي إثباتها، بل نريد أن هناك بعض الأحكام التي تتعلق بمادة القياس لجهة اختلاف أصناف القضايا وأنواعها، فيحسن بالمنطقي أن يتعرض إليها وأن يعرفها على وجهها.
وذلك من قبيل أن قضايا القياس إذا كانت يقينية فلابد أن النتيجة المترتبة على القضايا اليقينية سوف تكون يقينية كذلك؛ لأن النتيجة إنما تتولد من مقدماتها، وإذا كانت المقدمات كلها يقينية فلا بد أن تكون النتيجة يقينية أيضاً.
ومن قبيل أن المقدمات إذا كانت ظنية، فيمكن أن نركب قياساً من مقدمتين ظنيتين، وينتج هذا القياس نتيجة لزومية، إلا أن هذه النتيجة اللزومية سوف تكون نتيجة ظنية، فنقول: إن ترتيب مقدمتين ظنيتين مع مراعاة شروط القياس توجبان قطعاً حصول نتيجة ظنية؛ فحصل عندنا قاطع وحصل عندنا ظن، ولكن متعلق القاطع مغاير لمتعلق الظن؛ لأن القطع هو قطع بترتب هذه النتيجة الظنية على تلك المقدمات الظنية، فأنَا أقطع بأنه كلما كانت هاتان المقدمتان ظنيتين لابد -يعني قطعا- أن تتولد نتيجة ظنية، والظن متعلقه شيء آخر هو مضمون نفس القضية، فلم يلزم التهافت ولا يلزم التناقض في أن يكون الشيء الواحد قطعياً وظنياً.
كما تقول مثلاً: أنا أظن مئة بالمئة بأن فلاناً قائم، في بادئ الأمر قد نتوهم أن هناك تهافتاً: كيف تظن؟ ثم تقول: أظن بنحو المئة بالمئة! نقول: إن نسبة المئة بالمئة ليست عبارة عن تفسير وبيان لنسبة الظن بل هي متعلقة بالظن، بمعنى أنني أظن وأقطع بأن هذه النسبة التي عندي هي الظن، فأنا أقطع بأن النسبة التي عندي هي الظن، أقطع بأن مقدار الجزم الذي عندي هو الظن، ليس وهماً ولا شكاً ولا يقيناً، فأنا أقطع بأنني أظن وأظن بمضمون المسألة، فمتعلق الظن هو قيام زيد، ومتعلق اليقين هو صدور الظن مني، فصار متعلق أحدهما مغايراً لمتعلق الآخر، وهكذا.
ومن هنا فنحن في الحقيقة سوف لا نتعرض إلى مادة القياس بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما سوف نتعرض إلى بعض المطالب العامة التي ترتبط بأنواع القضايا وأصنافها.
ثم إننا قد عرفنا أن القياس فإنه إنما يتركب من مقدمتين، وكل واحدة من هاتين المقدمتين لابد أن تكون ثابتة وصحيحة حتى تستلزمان نتيجة صحيحة، وحينئذ فلابد أن نصحح وأن نثبت كل واحدة من مقدمتي القياس. وقد عرفت أن الاستدلال عند المناطق منحصر بالقياس، فإذا ما أردنا أن نصحح واحدة من مقدمتي القياس فلا بد أن نصححها بإرجاعها إلى صورة قياس أيضاً، ثم هذه المقدمة عندما نريد أن نصححها بقياس فلا بد أن تنحل إلى مقدمتين أخريين، فننقل الكلام إلى هاتين المقدمتين فلا بد من تصحيحهما بقياس، وهكذا يتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، فيلزم حينئذ أن تكون القضية الواحدة وليدة عدد لا متناه من القضايا، فيلزم التسلسل، ويلزم حينئذ أن تنعدم المعرفة أساساً؛ لأن القضية الواحدة حتى تثبت لا بد أن تنحل إلى قضيتين -لأن إثبات القضايا إنما يكون بالقياس والقياس إنما يتركب من مقدمتين- فتصحيح أي نتيجة لابد أن يكون عبر إثبات مقدمتين، وإثبات كل من المقدمتين يحتاج إلى مقدمتين أخريين، وهكذا ينتهي، فتتوقف النتيجة الواحدة على عدد لا متناه من القضايا، والتوقف على أمور لا متناهية مرجعه إلى التسلسل، والتسلسل باطل حتى على ما سيأتي معنا في العقائد.
فيلزم حينئذ أن تنتهي أو أن لا تحصل وأن لا يكون هناك معرفة أساساً. ومن هنا وجب أن ترجع النتائج القياسية إلى قضايا تكون ثابتة بنفسها، لا تحتاج إلى إثبات، بل لا يمكن الاستدلال عليها، وتسمى تلك القضايا الثابتة في نفسها بمبادئ الأقيسة، وإنما سميت بمبدأ القياس لأنها القضية التي ينتهي إليها كل قياس، أو فقل التي يبدأ عندها كل استدلال.
تكون هذه القضايا آبية عن الاستدلال، إذ لو كانت بحيث يمكن الاستدلال عليها فهذا يعني أن هناك حدا أوسط هو الذي اقتضى الموضوع فيه أو المحمول للموضوع، فقد انحلت القضية إلى قضيتين، هذا خُلف كونها مبدأ للقياس. ومن هنا فإننا سوف نتعرض إلى القضايا التي هي مبادئ الأقيسة، وتسمى هذه المبادئ بأنها اليقينيات، لأنها القضايا التي ينحل إليها كل قياس، وهي قضايا آبية عن الاستدلال فلا بد أن تكون قضايا متيقنة. ولذلك يقع الكلام أولاً في مبادئ الأقيسة، أو فقل في بيان أنواع القضايا اليقينية، ثم بعد ذلك ندخل في بيان الصناعات الخمس.
كيف كان؟ المناطق ذكروا لمبادئ الأقيسة ثمانية وهي اليقينيات، قالوا: إن الأقيسة قد ترجع إلى قضايا يقينية، أي أقيسة؟ قالوا: الأقيسة التي نتائجها يقينية يجب أن ترجع إلى مقدمات يقينية، فالقياس إنما يبدأ من قضايا يقينية تماماً، لا نتحدث الآن عن أنواع اليقينيات سوف يأتي، ولكن نتحدث عن مبادئ الأقيسة.
القياس الذي نتيجته تكون نتيجة يقينية لابد أن يرجع إلى مبادئ يقينية وتكون هذه المبادئ بحيث لا يمكن الاستدلال عليها تماماً. ومن مبادئ الأقيسة أيضاً القضايا الظنية وذلك إذا كانت نتائج القياس نتيجة ظنية، الآن إذا جئنا بنتيجة ظنية فهذه كيف يمكن إثباتها؟ لا يمكن إثباتها بقضايا يقينية؛ لأن القضايا اليقينية إنما تفيد نتيجة يقينية كذلك. فإذا جئنا بقضية ظنية لنا أن نتساءل: أن ظنك بهذه النتيجة من أين نشأ؟ لابد أن يكون قد نشأ من مجموع ظنين، من مقدمتين ظنيتين، وهاتان المقدمتان الظنيتان لنا أن نتساءل من أين نشأت كل واحدة منهما؟ فلا بد أن ترجع هذه القضية الظنية إلى قياس مقدماته ظنية، إلا أن هذه المقدمات الظنية لا يمكن أن تتسلسل إلى ما لا نهاية وإلا لزم أن لا يوجد ظن؛ لأن التسلسل محال، إذاً فلا بد أن ترجع النتيجة الظنية إلى مقدمات ظنية ثابتة بنفسها.
طبعا شو ثابتة بنفسها؟ يعني مش يعني قطعية، ثابتة بنفسها يعني الظن فيها ذاتي لها، فيمكن أن يكون مبدأ القياس عبارة عن قضية ظنية، غاية ما في الأمر أن الظن يكون ذاتياً بالنسبة إلى هذه المقدمات، ولا يكون عارضاً محتاجاً إلى حد أوسط.
ومن مبادئ الأقيسة أيضاً أن تكون القضية قضية مشهورة وذلك إذا كانت النتيجة مشهورة، وسوف يأتي معنا ما معنى القضية المشهورة، وهي التي تتفق آراء العقلاء عليها مثلاً.
ومن مبادئ الأقيسة الوهميات، ومنها المسلمات والمقبولات والمشبهات والمخيلات، وهذه سوف يقع البحث عنها تباعاً.
إذاً مبادئ الأقيسة ثمانية: أول هذه المبادئ هي اليقينيات، وذلك إذا كانت النتيجة التي نريد أن نثبتها نتيجة يقينية، فلا بد أن تكون المقدمات يقينية إلى أن ننتهي إلى قضية يقينية هي مبدأ كل يقين. وكذلك عندما تكون النتيجة ظنية، فلا بد أن نثبتها بجملة من المقدمات الظنية، إلى أن ننتهي إلى مقدمة ظنية هي مبدأ كل ظن. وفي المشهورات ننتهي إلى قضية هي مبدأ كل شهرة، وهكذا يقع الكلام في القضايا اليقينية.
معنى اليقين
وقبل أن نبين أقسام اليقينيات لابد أن نشرح معنى اليقين الذي نريده ها هنا. والحاصل أن اليقين يطلق على معنيين أحدهما أخص من الآخر والآخر أعم مطلقاً منه.
فيطلق اليقين بأحد اصطلاحيه على الاعتقاد الجازم، وهذا النحو من اليقين هو الذي كنا نريده وين؟ عندما كنا نقسم العلم إلى تصور وتصديق، ثم قسمنا التصور إلى وهم وشك، والتصديق إلى ظن ويقين، وفسرنا اليقين هناك بأنه اعتقاد جازم.
أما أنه اعتقاد فلأن النفس تميل وترجح إحدى الكفتين، ولا نريد من الاعتقاد إلا إذعان النفس، أو فقل لا نريد من الاعتقاد إلا ذلك الميل النفساني نحو أحد الطرفين، الوقوع أو اللافوقت أو اللا وقوع.
وأما أنه جازم فلأن ميل النفس لا يكون مع احتمال خلاف الطرف الآخر، لا يكون مع احتمال الطرف الآخر، لا يكون مع احتمال الخلاف، فبقولنا إن اليقين اعتقاد يخرج الوهم والشك؛ لأن النفس لا تميل فيهما. وبقولنا جازم يخرج الظن؛ لأن الظن وإن كان معه ميل نفساني إلى إحدى الكفتين الوقوع أو اللا وقوع، إلا أن هذا الميل يبقى معه احتمال وقوع الطرف المقابل فلا يكون على نحو الجزم.
هذا اليقين بهذا المعنى هو الذي نريده من الجزء الأول كنا نطلقه ونريده في الجزء الأول من هذا الكتاب. وهذا اليقين يشمل ما إذا كان الاعتقاد الجازم مطابقاً للواقع أو لم يكن مطابقاً للواقع، كما إذا اعتقدنا بالثالوث المسيحي مثلاً، فهو اعتقاد جازم غير أنه لم يطابق الواقع ولكن يصدق عليه أنه اعتقاد وجازم بالنسبة إلى معتقده، ولذلك قلنا إن الجهل المركب داخل تحت أقسام العلم هناك لأننا لا نريد هناك من اليقين إلا ما كان اعتقاداً جازماً، لوضوح أن الاعتقاد الجازم يصدق عليه أنه حضور صورة مع تصديق.
فاليقين بهذا المعنى يقين عام؛ لأنه يشمل الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ويشمل الاعتقاد الجازم المخالف للواقع -يعني جهلاً مركباً- وهذا الاعتقاد أعم أيضاً مما إذا كان متشكلاً من الدليل أو كان متشكلاً من التقليد، فإننا كثيراً ما نعتقد بأمور وقضايا ويكون اعتقادنا بها جازماً غير أننا نكون جاهلين بالسبب، ولكن يكون عندنا اعتقاد وتصديق بشخص ما، فننقلده نتبعه في تلك المسألة، ولنرجع إلى وجداننا: عندما نذهب إلى أهل الخبرة في أي مسألة من المسائل ويكون عندنا درجة عالية من الوثوق به، فإننا لا نأخذ كلامه على نحو الظن والشك أو الوهم، وإنما نأخذ كلامه على نحو المسلمات، فنعتقد بما يقولونه اعتقاداً جازماً وإن كان عندنا جهل بالسبب، فمنشأ الاعتقاد ليس هو الدليل، ليست هي العلة التي اقتضت ثبوت المحمول في النتيجة للموضوع، بل منشأ الاعتقاد هو تصديقنا وإيماننا بذلك الشخص الذي ينطق بالقضية، فيقال لمثل هذا الاعتقاد إنه اعتقاد جازم ناشئ عن التقليد، وكثيراً ما يتشكل عند عامة الناس مثل هذه الاعتقادات.
ومن هنا كان هذا المعنى الأول لليقين واسعاً يشمل الجهل المركب ويشمل المطابق للواقع، ويشمل الاعتقاد الناشئ عن تقليد ويشمل الاعتقاد الناشئ عن دليل.
وأما المعنى الثاني لليقين وهو المراد ها هنا من اليقينيات، من قولنا إن اليقينيات هي مبادئ الأقيسة، المراد منه الاعتقاد -شوف الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الذي لا يحتمل النقيض- لا عن تقليد.
فبقولنا إنه اعتقاد يخرج الوهم والشك، وبقولنا لا يحتمل النقيض يخرج الظن، وبقولنا مطابق للواقع يخرج الجهل المركب، وبقولنا لا عن تقليد خرج الاعتقاد الذي هو عن تقليد.
والفرق بين الاعتقاد الذي ينشأ عن تقليد وبين الاعتقاد الذي ينشأ عن الدليل أن الاعتقاد الذي ينشأ عن تقليد عبارة عن اعتقاد واحد وهو اعتقاد بصدق مضمون القضية، فإذا ما أخبر المرجع أو المجتهد الجامع للشرائط بأن حكم هذه المسألة هو كذا، يحصل عندي اعتقاد بصدق هذه القضية، فمتعلق الاعتقاد هي النسبة الثبوتية الحاصلة من ضم المحمول إلى موضوعه.
وأما الاعتقاد الناشئ عن دليل فهو عبارة عن مجموع اعتقادين: اعتقاد التفت بمضمون القضية، فمتعلق الاعتقاد الأول ما هو؟ النسبة الخبرية، اعتقاد بصدق هذه النسبة الخبرية، واعتقاد ثان بأن الاعتقاد الأول لا يمكن أن يكون خاطئاً، فيعتقد ويحكم على -ما معنى الاعتقاد؟ هو الحكم- فيحكم أولاً على النسبة الخبرية بأنها واقعة يعني مطابقة للواقع، ثم يحكم ثانياً على حكمه الأول بأنه لا يمكن أن يكون حكماً خاطئاً، فحكمي على النسبة الخبرية مصيب للواقع وحكمي على حكمي الأول صادق لا يمكن أن يتزعزع أو يتطرأ إليه الشك.
وهذا الاعتقاد الثاني، أي الاعتقاد بأن الاعتقاد الأول مصيب للواقع قد يكون موجوداً بالفعل وقد يكون موجوداً بالقوة.
أما أن يكون موجوداً بالفعل فهو أن تلتفت إلى هذا الاعتقاد الثاني. الآن أنا أعتقد أن هذا الكتاب أمامي، فعندي اعتقاد بوجود الكتاب أمامي، وعندي الآن -ألتفت- اعتقاد فعلي، شو يعني فعلي؟ اعتقاد حاضر في النفس والنفس تتوجه إلى هذا الاعتقاد الثاني وتستحضره. وأعتقد اعتقاداً ثانياً بأن اعتقادي بوجود الكتاب أمامي اعتقاد صحيح. فالاعتقاد الثاني موجود بوجود فعلي بمعنى أن النفس قد توجهت إلى هذا الأمر الثاني واستحضرته وتصورته في بالها.
وتارة ثانية لا يكون الاعتقاد الثاني موجوداً بالفعل بمعنى أن النفس قد تذهل وتغفل عنه، فأنظر إلى هذا الكتاب فأجده أمامي، فأقول هذا الكتاب موجود أمامي، ثم لا أتوجه إلى اعتقادي هذا وأحكم عليه باعتقاد آخر، ولكنك إذا حاججتني في الاعتقاد الأول أذهب مباشرة وأستحضر ذلك الاعتقاد الثاني، فهذا لا يعني أن الاعتقاد الثاني لم يكن موجوداً، فلا يكون الاعتقاد اعتقاداً عن دليل تماماً؟
يعني لقائل أن يتساءل: انتم تقولون إن الاعتقاد الذي ينشأ عن دليل دائماً عبارة عن مجموع اعتقادين، وأنا في كثير من الأحيان أقيم الدليل على صدق النسبة الخبرية من غير أن أتوجه إلى ذلك الاعتقاد الثاني بأنني أعتقد بأن اعتقادي الأول مصيب للواقع. نقول: نعم، هذا الاعتقاد الثاني وإن لم يكن موجوداً بوجود فعلي إذ لم تلتفت النفس إليه ولم تتوجه إليه، ولكنه مما تتوجه النفس إليه بأدنى محاجة وتشكيك، فبمجرد أن ينازعك المشكك في صدق اعتقادك الأول تجد نفسك متوجهاً إلى ذلك الاعتقاد الثاني فتقول له مباشرة: يستحيل أن يكون حكمي هذا خاطئاً إذاً أنا أحكم على حكمي الأول بأنه مصيب.
الفرق بين اليقين الناشئ عن تقليد واليقين الناشئ عن دليل، أن اليقين الذي ينشأ عن تقليد هو اعتقاد واحد متعلق بالنسبة الخبرية. ولذلك إذا اقتنعت بمسألة وكان اقتناعك ناشئاً عن تقليد، ثم حاججك الخصم بهذه المسألة، فإنك تجد نفسك مباشرة ملزماً بالتوقف فتقول: هذه المسألة ليست من عندي وإنما هي من عند فلان، فكأنك قطعت حبل الاستدلال ولا يمكنك تقول: أنا أعتقد أن اعتقادي هذا اعتقاد مصيب ولا هذا. بخلاف ما إذا كان تصديقك بالقضية ناشئاً عن الدليل فإنك تنازع حينئذ تفزع إلى إثبات صدق اعتقادك عن طريق التمسك بالاعتقاد الثاني.
إذا اتضح ذلك، فإن اليقين الذي نبحث عنه ها هنا هو ما كان يقيناً أو اعتقاداً جازماً مطابقاً للواقع، وكان ناشئاً عن دليل لا عن تقليد؛ لأن اليقين الذي ينشأ عن تقليد يقين يمكن أن يتطرأ إليه الشك والتزلزل، بخلاف اليقين الذي ينشأ عن دليل ولأن اليقينيات التي هي مبادئ الأقيسة سوف يأتي معنا لابد أن يكون محمولها منتزعا من نفس مفهوم موضوعه، إذاً لابد أن تكون مطابقة للواقع فلا تشمل الجهل المركب، ولذلك وجب علينا أن نخرج الجهل المركب وأن نخرج اليقين الناشئ عن تقليد.
أقسام القضايا اليقينية
إذا اتضح ذلك فقد وقع النزاع بين المناطق من جهة وبين الفلاسفة من جهة أخرى في أن القضايا اليقينية ما هي؟
المشهور عند المناطق أن اليقينيات ستة أنواع، طبعا أي يقينيات نتحدث؟ نتحدث عن اليقينيات التي هي مبادئ الأقيسة، أي اليقينيات التي يجب أن تكون ثابتة بنفسها، فليس لك أن تسأل عن دليلها وليس لك أن تطالب بالحد الأوسط الذي اقتضى ثبوت محمولها إلى موضوعها، فهي قضايا ثابتة بنفسها، كلما رجعنا إلى واحدة من هذه اليقينيات وقف الاستدلال وامتنع السؤال بلِمَ؟
المشهور عند المناطق أن القضايا اليقينية التي هي مبادئ الأقيسة والتي يرجع إليها كل استدلال ولا يمكن إثباتها بل هي ثابتة بنفسها ستة أنواع: وهي عبارة عن الأوليات والمشاهدات والتجريبيات والمتواترات والحدسيات والفطريات.
وأما الفلاسفة من قبيل شيخ المصباح حفظه الله فقد ذهب إلى أن اليقينيات -عن اليقينيات هنا اليقينيات يعني اليقينيات البديهية تماماً، ما معنى أن تكون ثابتة بنفسها؟ أن تكون بديهية تماماً- ذهب إلى أن اليقينيات البديهية هي عبارة عن مجرد الأوليات، أما الأقسام الخمسة التي سوف تأتي فهي مرجعها أيضاً إلى الأوليات، فلا تكون ثابتة بنفسها وإنما ترجع إلى تلك الأوليات.
وليس الخلاف بينهما بحيث يستدعي إلى هذا النزاع، لأن الأوليات إنما سميت أوليات لرجوع كل ما عداها إليها تماماً.
كيف كان؟ يقع الكلام في بيان هذه الأنواع الستة والتفرقة فيما بينها:
القسم الأول من اليقينيات -نتحدث عن اليقينيات البديهية لأننا نتحدث عن مبادئ الأقيسة تماماً- القسم الأول هي الأوليات، وهي القضايا -أنت فهمت؟- التي لا يحتاج التصديق بها إلى أكثر من تصور طرفيها مع تصور النسبة بين الطرفين. بعبارة ثانية هي القضايا التي يكون المحمول فيها منتزعا من نفس مفهوم موضوعها، من نفس تصور موضوعها، كقولنا: النقيضان لا يجتمعان، وكقولنا: المعلول يحتاج إلى علة.
التفت، إلا أنه مع ذلك يوجد فارق بين هذين التعريفين اللذين ذكرناهما للأوليات؛ لأننا إن قلنا إن الأوليات هي القضايا التي يكون محمولها منتزعا من نفس تصور موضوعها فالاوليات قضيتان لا ثالث لهما: المعلول يحتاج إلى علة، والنقيضان لا يجتمعان؛ لأنك معنى أن تتصور النقيضين أن تتصور عدم الاجتماع، لأنه ما هو تعريف النقيضين؟ النقيضان عبارة عن معنيين متغايرين متقابلان لا يمكن أن يجتمعا. وهذا معنى النقيضين تماماً.
فالمحمول منتزع من نفس تصور الموضوع، فأنت حقيقة لكي تحكم لا تحتاج إلى أكثر من تصور شيء واحد وهو الموضوع. وكذلك في قولنا: المعلول يحتاج إلى علة.
ولكننا على ضوء هذا التعريف للأوليات وهو أن يكون المحمول منتزعا من نفس مفهوم الموضوع، لا نستطيع أن ندرج في الأوليات مثل قولنا: الكل أعظم من الجزء؛ لأن نفس تصور الكل لوحده لا يستبطن حكماً بأنه أعظم من الجزء، نعم، إذا تصورت الكل وتصورت الجزء وتصورت النسبة بينهما وهو أن أحدهما أعظم من الآخر تجد أن هذا الحكم ضروري في الحدود.
ولذلك إذا أردنا أن نجعل القضية أن الكل أعظم من الجزء من الأوليات فلا بد أن نعرف الأوليات بهذا التعريف: هي القضايا التي يكفي في التصديق بها تصور موضوعها ومحمولها والنسبة بينهما.
وأما إذا عرفناه على طريقة الفلاسفة: هي القضايا التي يكون محمولها منتزعا من نفس مفهوم موضوعها، فحينئذ لا تكون هذه القضية من الأوليات؛ لأن نفس تصور الكل لا يستلزم الحكم بأنه أعظم من الجزء. نعم، إذا تصورنا الكل وتصورنا الجزء وتصورنا النسبة بينهما حكمنا بذلك، كيف في مسألة الأربعة والثمانية؟ أنت إذا تصورت الأربعة لا تحكم مباشرة بأنها نصف الثمانية، نعم إذا تصورت الأربعة والثمانية والنصف حكمت على نحو الضرورة بأن الأربعة لابد أن تكون نصف الثمانية، واضح؟
والصحيح أن هذه القضية وهي قولنا: الكل أعظم من الجزء ليست من الأوليات. ليش؟ لأنها بنفسها ترجع في إثباتها وتستند في إثباتها على استحالة اجتماع النقيضين، ببيان أن الكل ما هو الكل؟ إذا تصورنا الكل هو عبارة عن جزء انضم إليه جزء آخر، والجزء ما هو؟ هو الجزء مجرداً عن بقية الأجزاء، فلو التفت، فلو لم يكن الكل أعظم من الجزء لكان إما مساوياً له أو كان أقل منه، فإن كان مساوياً للجزء لزم أن تكون الزيادة مساوية للنقيصة؛ لأن الكل عبارة عن جزء معه جزء آخر، والجزء عبارة عن جزء ليس معه جزء آخر، لزم أن يكون وجود الشيء مساوياً لعدمه، وهذا اشتباه على النقيصة. فنجد أن حتى هذه القضية تستند إلى شيء قبلها، ومع استنادها إلى شيء قبلها لا يناسب أن نسميها أولية. فأوائل القضايا عبارة عن القضايا التي يتولد محمولها من نفس موضوعها.
ولذلك التفتوا، الغرب كان يشكل على الفلاسفة الإسلاميين بأنكم أنتم تقولون بأن كل شيء فلا بد له -كل، بأن كل موجود لا بد له من علة- وتطبقون هذه القاعدة علينا نحن الممكنات، فتقولون إن وجوداتنا تكشف عن وجود شيء هو الذي أوجدنا فقلتم بوجود الإله، ونحن نعترض عليكم بأن هذا الإله أليس واحداً من الموجودات؟ فطبقاً لقاعدة أن كل موجود فلا بد له من علة، فينبغي أن يكون لهذا الإله إله! ينبغي أن يكون لهذا الإله إله! ثم ننقل الكلام إليه، فكل موجود لابد له من علة، فيتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية، فلو كان هناك إله للزم أن يلزم -للزم أن يقع التسلسل- والتسلسل باطل. يعني ولكن التسلسل لا يمكن أن يقع استثناء ونقيض التالي ماذا ينتج؟ نقيض المقدم، إذاً لا يمكن أن يكون هناك إله.
والجواب على ذلك: أن هناك فارقاً بين قولنا كل موجود يحتاج إلى علة، وبين قولنا كل معلول يحتاج إلى علة. أما قولنا كل معلول يحتاج إلى علة، فهذه قضية ثابتة بنفسها؛ لأن المحمول فيها منتزع من نفس موضوعها، فهي قضية ثابتة وهي غاية ما تثبته أن للمعلول علة وليس لكل موجود، فإذا كان الموجود غير معلول فلا يكون له علة، والإله الذي نقول به ليس معلولاً.
وأما قولكم كل موجود له علة، فهذه القضية ليست بديهية؛ لأن المحمول فيها لا ينتزع من نفس تصور موضوعه؛ لأننا عندما نتصور نفس الوجود لا نحكم مباشرة بضرورة وجود علة، وليست نظرية مثبتة بالدليل، فهذه القضية لا هي بينة -يعني لا هي بديهية- ولا هي مبينة -يعني ولا هي نظرية وقد اقيم الاستدلال عليها-. نعم، إذا أردنا أن نقيم الاستدلال عليها فنتساءل لم يحتاج الوجود إلى علة؟ فيأتي الجواب: الوجود يحتاج إلى علة عندما يكون ممكناً، والممكن ليس إلا المعلول. على كل حال هذا تمام الكلام في الأوليات.
القسم الثاني من مبادئ اليقينيات -ومش من مبادئ الأقيسة اليقينية أو فقل القسم الثاني من اليقينيات البديهية- هي المشاهدات وتسمى أيضاً المحسوسات، وهي القضايا التي يحتاج العقل لكي يحكم بها إلى تصور موضوعها ومحمولها والنسبة بينهما كما في الأولين، مع إضافة طفيفة وهي إعمال الحس. كما إذا وضعت حامضاً في فمي ثم قلت: أنا أشعر بالحموضة مثلاً، أو كما إذا رأيت فلاناً أمامي فقلت: فلان موجود أمامي.
فمن الواضح أن أي قضية سوف تكون مركبة من موضوع ومحمول ونسبة، ولابد للعقل أن يتصور المحمول والموضوع والنسبة ليصح له الحكم؛ لأن الحكم على شيء فرع تصوره، تماماً.
إذاً فما من قضية إلا ويتوقف التصديق بها على تصور أطرافها، إلا أنه تارة يتوقف على مجرد تصور الأطراف من دون أي ضميمة، وتارة ثانية يتوقف على تصور الأطراف مع ضميمة. والضميمة إذا كانت عبارة عن مجرد إعمال الحس -إحدى الحواس- فيقال لمثل هذه القضية إنها قضية مشاهدة أو إنها قضية محسوسة.
والقضايا المشاهدة والمحسوسة دائماً عبارة عن قضايا جزئية شخصية، ليش؟ لوضوح أن الحواس إنما تتصل خارجاً وتصطدم بالجزئيات، أما الكليات فليس لها موطن في الخارج وإنما موطنها الذهن، فالحواس إنما تحتك بالمادة الخارجية، والمادة الخارجية دائماً متشخصة ومتميزة، فعلى هذا كل قضية حسية لابد أن تكون قضية جزئية، كعلمي وقطعي بأن هذه النار محرقة إذ قد وضعت يدي فشعرت بالحرارة، وكعلمي بأن هذا الحائط مثلاً أبيض، وهكذا، دائماً لابد أن يكون موضوع القضية المحسوسة والمشاهدة موضوعاً جزئياً، إذ لو كان كليا لامتنعت مشاهدته؛ لأن العين الباصرة إنما تحتك بالمادة الخارجية والكليات ليس لها موطن في الخارج.
إذاً فالقضايا المحسوسة هي التي يحكم بها العقل بعد تصور أطرافها بضميمة الحس، والمراد من الحس هنا أعم من الحس الظاهر، أي واحدة من الحواس الخمس، أو الحس الباطن، وهي الأمور التي ندركها بالعلم الحضوري كعلمك بأنك جائع أو كعلمك بأنك حزين، فهذه أمور يطلق عليها الحس ولكن بمعنى الحس الباطني. هذا تمام الكلام في النوع الثاني.
النوع الثالث هي التجريبيات. الآن لا نحتاج إلى كثير كلام، قد عرفنا أن التجريبيات -ألتفت- هي قضايا يحكم بها العقل بعد تصور وضميمة الحس -ألتفت- ولكن مع تكرر هذه الضميمة لابد من أن يحصل تتبع لأكثر من جزئي واحد، بخلاف المحسوسات: أنت تدرك هذه النار وتدرك إحراقها فتستنتج على أساسها قاعدة شخصية بأن هذه النار محرقة، وأما التجريبيات فمرجعها إلى الاستقراء الناقص، وهي أن تتتبع جملة من الجزئيات فلا بد أن يتكرر الحس على تلك الأمور المحسوسة لا من أجل أن تستنتج قضايا شخصية بل من أجل أن تستنتج قاعدة وقضية كلية تصلح للتعميم على الأفراد غير المتتبعة أيضاً ولكن بمعونة المبادئ العقلية. فالتجريبيات قياس صغراه الاستقراء. على ما شرحناه في الدروس السابقة فلا نحتاج إلى الإعادة، ولذلك عدت التجريبيات عندهم -ألتفت- من أقسام اليقينيات. وسيذكر الماتن في التطبيق كيف يجري قياساً استثنائياً، يقول: لو لم يكن هذا الحكم ثابتاً لما تكرر، لأن الصدفة لا تتكرر، ولكنه تكرر، تكرر فيكون الحكم ثابتاً إلى آخره.
طيب، هذا تمام الكلام في القضية الثالثة. أريد أن أقرأ من عند اليقينيات. الآن يوجد صفحتان قبل ذلك بمثابة المقدمة تقرءونه لاحقاً.
طيب قال قدس سره: تقدم في أول الجزء الأول أن لليقين معنيين: اليقين بالمعنى الأعم وهو مطلق الاعتقاد الجازم، واليقين بالمعنى الأخص وهو الاعتقاد المطابق للواقع الذي لا يحتمل النقيض -يعني الاعتقاد الجازم تماماً- لا عن تقليد. والمقصود باليقين هنا هو هذا المعنى الأخير، فلا يشمل الجهل المركب ولا الظن ولا التقليد وإن كان مع التقليد جزم.
توضيح ذلك: أن اليقين بالمعنى الأخص يتقوم من عنصرين، يتقوم من اعتقادين: أن ينضم إلى الاعتقاد بمضمون القضية اعتقاد ثان إما بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل أن ذلك المُعتقد به لا يمكن نقضه، وهذا الاعتقاد الثاني هو المقوم لكون الاعتقاد جازماً، أي اليقين بالمعنى الأحرف.
والثاني: أن يكون هذا الاعتقاد الثاني لا يمكن زواله، وإنما يكون كذلك إذا كان مسبباً عن علته الخاصة الموجبة له فلا يمكن انفكاكه عنها؛ أنت تعتقد بالنسبة خبرية وتعتقد بأن اعتقادك الأول مطابق للواقع -ألتفت- ثم هذا الاعتقاد الثاني لا يمكن زواله، ليش؟ لأنك قد اطلعت على ثبوت المحمول لموضوعه عن طريق علته والعلة يجب وجود معلولها عند وجودها، وهكذا.
طيب، وبهذا يفترق عن التقليد؛ لأنه إن كان معه اعتقاد ثان فإن هذا الاعتقاد يمكن زواله لأنه ليس عن علة توجبه بنفسه، بل إنما هو من جهة التبعية للغير ثقة به وإيماناً بقوله، فيمكن فرض زواله، يقين يمكن أن يتطرأ إليه الشك والتزلزل عند المحاجة. طيب.
فلا تكون مقارنة الاعتقاد الثاني للأول واجبة في نفس الأمر. ولأجل اختلاف سبب الاعتقاد من كونه حاضراً لدى العقل أو غائباً يحتاج إلى الكسب، تنقسم القضية إلى يقينية بديهية ونظرية كسبية تنتهي لا محالة إلى البديهية.
ليش؟ لأن اليقين تارة يكون مع استحضار السبب، فتكون هذه المسألة بالنسبة لي في غاية البداهه. مع أن الماتن قدس سره قد استعمل البداهه هنا بمعنًى آخر! استعملها بالمعنى النسبي -ألتفت- ما هي القضية البديهية؟ مش هي التي -ألتفت- القضية البديهية مش هي التي تعرف سببها وتعرف علتها وتستطيع أن تثبتها، القضية البديهية هي التي لا يمكن إثباتها، يعني هي القضية الثابتة بنفسها، لا يمكن أن يكون هناك حد أوسط، بل الموضوع بذاته يقتضي المحمول، هذا معنى القضية البديهية تماماً.
القضية النظرية ما هي؟ هي القضية التي تحتاج إليها سواء عرفت السبب المثبت أو لم تعرفه وسواء كان ذلك السبب المثبت حاضراً في ذهنك أو ليس حاضراً، تحتاج إلى مطالع ومذاكرة لكي تستحضره، هذه هي القضية البديهية! ولكن الماتن قدس سره -ألتفت- قسم القضية إلى نظرية وبديهية واستعمل البداهه بمعنًى آخر، قال: إن القضية البديهية هي القضية التي يكون السبب -يعني الحد الأوسط- فيها حاضراً في ذهنك، فلا تجد نفسك ملزماً بالتفتيش والتنقيب والعملية الفكرية!
نقول: هذا لا يخرج القضية النظرية عن نظريتها، مجرد استحضار السبب لا يلغي كونها نظرية، غاية ما في الأمر أنك قد أعملت الفكر جيداً في رتبه سابقه فاستحضرت الحد الأوسط. واضح صح؟
فالقضية البديهية التي لا تحتاج إلى حد أوسط لا يمكن أن يكون لها حد أوسط. نعم هو استعمل البداهه بالمعنى النسبي، كما تقول مثلاً: هذه القضية هي نظرية بالنسبة إليك ولكنها بديهية بالنسبة لي، هذا لا يخرجها عن كونها نظرية في الأصل، ولكنني بعد إعمال العملية الفكرية صارت عندي كالبديهية لأنني صرت أخذها أخذ المسلمات.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن للبداهه والنظرية معنيين، والمراد هو المعنى الأول البديهي والنظري: ما لا يمكن أن يكون له حد أوسط، وما له حد أوسط. أما الذي استعمله الماتن قدس سره ها هنا فهو على خلاف الأصل. ولذلك قال -ألتفت-: ولاجل اختلاف سبب الاعتقاد من كونه حاضراً لدى العاقل -يعني إذا كان سبب الاعتقاد، يعني إذا كان الحد الأوسط حاضراً لدى العاقل تصبح القضية يقين بديهية؟ لا ليس كذلك.
طيب، فالبديهيات إذاً هي اصول اليقينيات؛ لأنه هي مبادئ الأقيسة اليقينية، وهي على ستة أنواع بحكم الاستقراء: أوليات، ومشاهدات، وتجريبيات، ومتواترات، وحدثيات، وفطريات.
الأوليات قال: هي قضايا يصدق العقل بها لذاتها، أي بدون سبب خارج عن ذاتها، يكفي بأن يكون -شوف، شوف عبارة المناطق- بأن يكون تصور الطرفين مع توجه النفس إلى النسبة بينهما كافياً في الحكم والجزم بصدق القضية.
فكلما وقع للعقل أن يتصور حدود القضية -يعني الطرفين- على حقيقتهما -ليش قال على حقيقتهما؟ كثيراً ما نخطئ في القضايا البديهية ولكن بسبب خطأ تصورنا كما سيأتي في مثال غدا إن شاء الله- قال: وقع له التصديق بها فوراً عندما يكون متوجهاً لها، وهذا مثل قولنا: الكل أعظم من الجزء. وقد عرفنا أن هذه القضية ترجع بنفسها إلى اجتماع النقيضين، فلا يمكن أن تكون مع هذه القضية في رتبة واحدة، ومثل قولنا: إن النقيضان لا يجتمعان.
وهذه الأوليات منها ما هو جلي عند الجميع إذ يكون تصور الحدود حاصلاً لهم جميعاً كالمثالين المتقدمين، ومنها ما هو خفي عند بعض، يريد أن يقول: أن القضية البديهية ليست عبارة عن القضية التي لا يمكن أن يقع فيها، بل حتى القضية البديهية يمكن أن يقع فيها الخطأ وذلك إذا حصل تصور خاطئ لطرفيها، كما إذا حصل تصور خاطئ لمفهوم الضدين كما عند أصحاب النظرية الديالكتيكية، فإن الديالكتيكيين قد تصوروا الضدين بمعنًى خاطئ فتوهموا إمكان اجتماعهما فحكموا بأن الضدين يجتمعان! مع أن قولنا -مع أن قولنا الضدين، مع أن قولنا الضدان لا يجتمعان- قضية ينتزع المحمول فيها من نفس تصور موضوعها.
قال: ومنها ما هو خفي عند البعض لوقوع الالتباس في تصور الحدود، ومتى ما زال الالتباس بادر العقل إلى الاعتقاد الجازم. ونحن ذاكرون هنا مثالاً دقيقاً على ذلك، هذا المثال الذي ذكره كان أساساً للتنازع، لأن الوجود هل هو الأصيل أو أن الماهية هي الأصيلة؟ يأتي بيان ذلك غدا إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآل محمد.
