دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 92
092
1. درس في معرفة البديهيات وأنواعها
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين (صلى الله عليه وآله). اللهم صل على محمد وآل محمد. كان الكلام في القضايا اليقينية التي لا يتطرأ إليها الشك والتي تكون مطابقة للواقع عن دليل، وقد ذكرنا أن البديهيات التي هي أصول اليقينيات أنواع بحكم الاستقراء، بمعنى أن القضايا البديهية انحصارها في هذه الأقسام الستة ليس مرجعه إلى الترديد الدائري بين النفي والإثبات، وليس مرجعه إلى انحصار قائم على أساس امتناع اجتماع النقيضين، وإنما القسم.
والحاصل أن البديهيات ستة أنواع، أولها الأوليات، وهي القضايا التي يكفي في الحكم بها وفي التصديق بها تصور طرفيها مع تصور النسبة. وسميت أوليات لرجوع كل ما عداها إليها، ولحصول هذه القضايا بمعزل عن الاتصال بالخارج وعن إعمال الحواس؛ فهي قضايا يحصل التصديق بها في رتبة سابقة على الحس والتجربة. فالمراد من هذه القضايا الأولية أو القبلية هي التي تحصل ويحصل التصديق بها قبل حصول حس وققبل إقامة تجربة. وهذه الأوليات هي التي يكون محمولها منتزعا من نفس مفهوم موضوعها على ما بينا في الدرس السابق.
إلا أن هذه القضايا مع أوليتها وبداهتها وقبلتها، وذلك لأن هذه القضايا يتوقف التصديق بها على تصور الطرفين، فمن أخطأ في تصور الطرفين أو أحدهما فسوف يخطئ حينئذ في الحكم على هذه القضية؛ لأن المشروط عدم عند عدم شرطه، وقد عرفنا أن التصديق بهذه القضايا مشروط بتصور الطرفين والنسبة، فإذا ما وقع خطأ في الشرط وقع خطأ في المشروط، ومن هنا فلا يضر ببداهة البديهي أن يكون قابلا للخطأ.
فاختلاف الناس حول قضية واحدة لا يلزم منه أن تكون هذه القضية نظرية تحتاج إلى إقامة الاستدلال. ليس كلما وقع الخطأ والخلاف في قضية وتعددت الآراء حولها فإن هذه القضية يجب أن تكون نظرية ويكون كل طرف مطالبا بالإتيان بدليل، إذ قد يكون الخطأ في هذه القضية ناشئا من الخطأ في تصور طرفيها. وقد وقع خطأ في تصور بعض المفاهيم عند الفلاسفة أدى بهم إلى إنكار البديهي.
مناقشة قضية (الوجود موجود) عند شيخ الإشراق
ثم رتب على ذلك لوازم لا زالت إلى الآن تقع على بساط البحث عرضا وردا في كلماتهم. والحاصل أن قدماء الفلاسفة وقفوا عند قضية قولنا الوجود موجود ونحن نعلم أن النقيضين كما أنهما لا يجتمعان فكذلك لا يرتفعان، والموجودية تناقض اللاموجودية، واللاموجودية ليست إلا عبارة عن المعدومية، وحينئذ فالوجود لا يخلو إما أن يكون موجودا أو لا، وإذا لم يكن موجودا فيجب أن يكون معدوما لأن النقيضين لا يرتفعان.
ولكنهم ذهبوا إلى أن هذه القضية وهي قولنا الوجود موجود قضية كاذبة غير مطابقة للواقع، وذلك لأننا عندما نقول الوجود موجود فما معنى قولنا موجود؟ دعك من الوجود موجود، تعال خذ قل الآن: إذا قلت الإنسان موجود ما معنى أن يكون الإنسان موجودا؟ أن الإنسان –شوف– شيء ثبت له الوجود، هذا معنى موجود، كما تقول مثلا الإنسان ناطق، يعني هو ذات ثبت لها النطق. فإذا قلنا الوجود موجود فما معنى كلمة موجود؟ شيء ثبت له الوجود. الوجود موجود، طيب ما معنى موجود؟ قالوا الموجود هو شيء ثبت له الوجود. هذا معنى، كما تقول الإنسان موجود، يعني أن الوجود ثبت للإنسان، فالإنسان ثبت له الوجود.
الآن ما معنى قولنا موجود؟ شيء ثبت له الوجود، جيد؟ بناء على جواز إحلال مترادفين أحدهما مكان الآخر، فيلزم أن يكون مرجع القضية إلى قولنا الوجود ثبت له شو؟ وحينئذ فلنا أن نتساءل أن الوجود الذي هو موضوع القضية هل هو عينه الوجود الذي هو في محمولها أو لا؟ يعني الوجود الذي ثبت للوجود (الوجود ثبت له الوجود)، فإما أن يكون الوجود الأول عين الوجود الآخر فيلزم أن يكون الشيء قد ثبت لنفسه لنفسه، فيلزم أن يتوقف الشيء على نفسه؛ لأن الوجود لكي يثبت له الوجود فلا بد أن يكون موجودا في رتبة سابقة، تمام؟ في حين أنه هو الذي يثبت لذلك الوجود، فيلزم أن يكون الشيء متقدما ومتأخرا.
طيب، وإن كان غيره، قلنا إن الوجود ثبت له، وهذا الوجود الثابت غير الوجود الأول الذي هو مثبت له. فنسأل: هذا الوجود الثاني الثابت هل هو موجود؟ هل هو موجود أو ليس بموجود؟ إن قلتم ليس بموجود فكيف ثبت للوجود؟ وإن قلتم إنه موجود فهذا يعني أننا قد حكمنا على هذا الوجود الثاني بأنه موجود، وما معنى أن يكون موجودا؟ أنه قد ثبت له الوجود! فننقل الكلام إلى الوجود الثالث، إما أن يكون عين الأول أو الثاني فيلزم الدور، وإما أن يكون غيرهما فنسأل: إما أن يكون موجودا هذا الوجود الثالث أو لا، فإن كان موجودا فقد ثبت له وجود آخر، وهكذا يلزم التسلسل إلى ما لا نهاية. فلما وجد السهروردي وهو شيخ الإشراق أن إثبات الوجود أو إثبات الموجودية للوجود تستلزم المحال، ذهب إلى أن الموجودية لا يمكن أن يحكم بها على الوجود، فالوجود إذاً ليس بموجود.
ومعنى ألا يكون الوجود موجودا أن يكون الوجود معدوما في الحقيقة. ومن هنا أسس شيخ الإشراق قاعدة، وهي قوله: كل ما يلزم من وجوده تكرره فهو اعتباري؛ يعني ليس حقيقيا، ليس أمرا موجودا أو له ما بإزاء في الواقع، ليس أمرا واقعيا، وإنما هو أمر من اختراع الذهن ومن تخييله –الآن سوف نشرح–. حاصل المطلب أن الوجود لا يخلو، هو واحد من المفاهيم أو لا؟ الآن يوجد مفهوم للوجود في أذهاننا أو لا؟ هو واحد من المفاهيم كمفهوم الإنسان ومفهوم الحجر وسائر المفاهيم.
هذا المفهوم إما أن يصح أن نثبت له أو أن نحكم عليه بالموجودية أو لا يصح. النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، ولكننا إذا حكمنا عليه بالموجودية لزم أن يتكرر الأمر إلى غير نهاية فيلزم التسلسل، والتسلسل محال، وما يلزم منه المحال فهو محال، إذاً فلا يصح لنا أن نحكم على الوجود بأنه موجود. وما معنى أن ننفي الموجودية عن الوجود؟ أن الوجود ليس بموجود، وما معنى أن لا يكون موجودا؟ يعني أن هذا المفهوم ليس له واقعية في الخارج، إذاً هو مفهوم اخترعه الذهن اختراعا على حد مفهوم أو مش مفهوم، على حد صورة الماء التي يخترعها الذهن عندما ينظر إلى السراب؛ الآن من يذهب إلى الصحراء وينظر من بعيد إلى بقعة سراب فماذا يرى؟ يرى أن هناك ماء يحسبه ماء، فيذهب باحثا عن هذا الماء حتى إذا وصل إلى المكان المخصص لم يجد ماء، مع أن هذه الصورة لم تكن من اختياره ولم يتعمد اختراعه اختيارا، هو بالنسبة إليه رأى ماء، ولكنه عندما قارب الواقع لم يجد ذلك الماء. هذا يقال له من أخطاء الذهن المنتظمة؛ الذهن يخطئ فيحسب هذه البقعة ماء، ولكن هذا الخطأ خطأ منتظم، ولذلك كل البشر إذا ذهبوا سوف يرون ماء، هذا تفصيله وتحليله يأتي في الفلسفة.
ولكن هذا المفهوم الذي اخترعه لم يكن له واقع حقيقة. هنا هكذا، عندما نجد أن مفهوم الوجود لا يمكن أن تحكم عليه بالموجودية، إذاً هذا المفهوم ما معنى أنك تنفي عنه الموجودية؟ أن هذا المفهوم ليس له واقع في الخارج. في الخارج لا يوجد وجودات؛ هذا المفهوم مفهوم وهمي مخترع. إذاً ماذا يوجد؟ قالوا يوجد ماهيات. الآن أنا عندما أنظر إلى الخارج توجد ماهية فلان وتوجد ماهية الحجر، ماهية الشجر والبشر إلى آخره، هذه الماهيات، لا وجود إلا للماهيات –التفت يعني–.
الماهية التي في الخارج الآن هي ماهية الشجر مثلاً. التفت، الآن الغول له صورة في أذهانكم أو لا؟ له صورة في أذهاننا، إذاً في أذهاننا ماذا يوجد؟ يوجد ماهية الغول، مع أن الغول ليس له أفراد في الخارج. العنقاء حيوان مخترع من عند العرب لا وجود له في الخارج، له ماهية في الذهن أو لا؟ له ماهية في الذهن، إذ إننا نتصور هذه العنقاء ونتصور ذلك الغول. شريك الباري، ما دمت تحكم على شريك الباري فلا بد أنك تصورت شريك الباري، إذاً شريك الباري له صورة في الذهن أو لا؟ له صورة في الذهن.
كل شيء له صورة في الذهن فله ماهية. هذا التعبير ليس دقيقا في الفلسفة يأتي ولكن هنا ينفعنا تماماً، إذاً فهناك كثير من الأمور التي لها ماهية في الذهن ولكن لا وجود لأفرادها في الخارج، وهناك ماهيات يوجد بأفرادها وجود في الخارج. السهروردي عندما وقع في هذه الإشكالية، وهي أنه لا يجوز أن نقول الوجود موجود، ذهب إلى أن الوجود يجب أن يكون معدوما. وما معنى أن يكون معدوما؟ أن هذا المفهوم ليس له حقيقة في الخارج وإنما هو مفهوم مخترع، وإنما اخترعه ليميز بين الماهيات التي لها تحقق في الخارج وبين الماهيات التي ليس لها تحقق في الخارج.
فالذهن قد اخترع مفهوم الوجود ليميز بين الماهية التي لها تحقق في الخارج كماهية الشجر مثلا، وبين الماهية التي ليس لها تحقق في الخارج كماهية الغول. فالذي ينوجد في الخارج ويتحقق هي الماهيات، لا أن الماهية يعرض عليها وجود أو يثبت لها وجود في الخارج؛ الماهية ماهية، ولكن هذه الماهية عندما تتعلق الإرادة الإلهية بها تترتب عليها الآثار. كأن هناك صورا تلوح في الهواء ثم إن الإرادة الإلهية عندما تنعكس على صورة من تلك الصور وعلى ماهية من تلك الماهيات، تبدأ تلك الماهية بترتب الآثار، يعني تتحقق الماهية بمجرد أن ينظر إليها واجب الوجود مثلاً.
ولكن الذهن عندما يريد أن يميز بين ماهية تعلقت بها الإرادة الإلهية وماهية لم تتعلق بها الإرادة الإلهية، ينتزع مفهوم الوجود ليعبر عن هذا المعنى. هذا معنى قولهم إن الأصالة للماهية والوجود اعتباري. فالمراد من الأصيل ما كان له تحقق في الخارج، ما كان له عينية في الخارج. الآن في عالم الوجود في هذا الخارج، هل الموجود هو وجودي والماهية أمر اعتباري؟ معنى أن الذهن هو الذي ينتزع هذه الماهية وليس لها تحقق في الخارج، أو أن الموجود حقيقة هي الماهية ومفهوم الوجود أمر يخترعه الذهن. الآن بهذه البساطة يمكننا أن تقرب المطلب وإلا البحث أعمق من ذلك بكثير، يأتي إن شاء الله نشرح ذلك مفصلا في كتابه.
كيف كان؟ السهروردي قد أسس قاعدة مفادها: كل ما يلزم من وجوده تكرره فهو اعتباري. ليش؟ لأن ما يلزم من وجوده تكرره فهو يؤدي إلى التسلسل، والتسلسل محال، فما يلزم من وجوده تكرره فوجوده محال، وإذا كان وجوده محالا فليس أمرا حقيقيا فلا بد أن يكون أمرا اعتباريا. فمعنى اعتباري أن يكون عبارة عن مجرد مفهوم من اختراع الذهن وليس له ما بإزاء في الخارج. ومن هنا ذهب شيخ الإشراق إلى القول بأصالة الماهية هربا وفرارا من محذور السفسطه؛ لأننا –التفت– ليس الآن، أنت أنا عندما أنظر إليك لا أنتزع عنك إلا مفهومين: المفهوم الأول أنك انسان، والمفهوم الثاني أنك موجود، تمام؟
الان الوجود لا يمكن أن يكون أمرا حقيقيا، فإذا كانت الماهية ليست أمرا حقيقيا كذلك، إذاً فهذا يعني أنني أشكك في وجود واقع؛ لأن الواقع لا ينتزع عنه إلا هذان المفهومان. كل واقعية، كل شيء تأتي به وله واقعية في الخارج وتضعه بين يديك، فإنك تنتزع دائما عنه مفهومين: مفهوم الماهية ومفهوم الوجود، والوجود لا يمكن أن يكون مفهوما له واقعية في الخارج، فوجب أن تكون الواقعية لأي شيء؟ لماهية ذلك الشيء، وإلا لو كان كلا المفهومين اعتباريين إذاً كيف تتصل بالواقع أنت؟ كيف تعرف الواقع؟ أنت تقع حينئذ في السفسطة؛ إذ تشكك في وجود واقع حينئذ. ومن هنا ذهب شيخ الإشراق إلى أن الأصالة يجب أن تكون للماهية. فهم ليس عندهم دليل على أصالة الماهية سوى تلك المشكلات التي أوردوها على القول بأصالة الوجود.
رأي صدر المتألهين في أصالة الوجود
واستمر هذا القول أعواما إلى أن جاء صدر المتألهين (قدس سره) وبين خطأهم في هذه القضايا، وذهب (قدس سره) إلى أن القول بأصالة الوجود قول هو مقتضى الطبع ومقتضى الفهم وفطرة، بل إن القول بأصالة الوجود من القضايا الأولية؛ لأن القول بأصالة الوجود ليس إلا عبارة عن قولنا الوجود موجود، بل إن الوجود هو الأولى بالموجودية من سائر الأمور، وهذه القضية لا يضر بأوليتها وقوع الخلاف فيها؛ وذلك لأن القضية الأولية إذا لم تتصور أطرافها تصورا صحيحا فلا يتحقق شرط التصديق بها.
والحاصل أن قولنا الإنسان موجود يعني أن الوجود ثبت للإنسان، ولا مشكلة في ذلك، وقولنا الوجود موجود يعني أن الوجود ثبت للوجود. ولكن ما ينسب إلى الشيء تارة ينسب إليه على أنه عارض عليه خارج عن ذاته، وتارة ينسب إليه على أنه عين الذات. مثال ذلك: تارة تقول الجسم أبيض، وهذا يعني أن الجسم قد ثبت له البياض، والبياض خارج عن حقيقة الجسم عارض عليه بعد تقومه وحصوله، فيقال إن المبدأ –مبدأ الاشتقاق– أو يقال إن الوصف عارض على الذات. ولكنك تارة ثانية تقول –شوف أولا قلنا الجسم أبيض، الآن ماذا تقول؟– البياض أبيض؛ لأن البياض إذا لم يكن أبيض وجب أن يكون لا أبيض، يعني إما أسود أو أزرق أو... وهذا واضح البطلان.
ولكننا عندما نقول البياض أبيض لا نريد أن البياض ثبت له البياض؛ ليش؟ لأنه يلزم حينئذ الدور أو التسلسل، بل إننا عندما نقول البياض أبيض نريد أن أبيضية البياض ليست شيئا زائدا عليه. بعبارة ثانية: عندما يحمل المشتق على شيء فتارة فإنه يحمل عليه بأحد معنيين:
الأول: أن يحمل عليه بمعنى أنه عارض عليه حاصل له من خارجه، كما تقول الجسم أبيض وككما تقول الإنسان موجود، فيكون المعنى: الجسم ثبت له البياض، والإنسان ثبت له الوجود. هذا واحد من أنواع حمل المشتق.
ولكن يوجد معنى آخر، وهو أنك عندما تقول البياض أبيض لا نريد أن الابيضية ثبتت للبياض، لا، بل تريد أن تقول إن البياض هو في نفسه هو منبع الابيضية، لا أن الابيضية ثبتت له، أو فقل: إنك عندما تقول البياض أبيض تريد أن الابيضية ليست زائدة عن ذاته، كما نقول مثلا الله عالم، ولا نريد أن العلم صفة وقد عرضت وثبتت للذات الإلهية، بل قولنا إنه عالم بمعنى أن العلم ليس شيئا زائدا على مقام الذات.
فالمشتق عندما يحمل على موضوعه تارة يحمل عليه على أنه مفهوم عارض على الذات لاحق له بعد تقومها، وتارة يحمل عليها بمعنى أنه ليس شيئا زائدا على الذات. وأغلب أنواع الحمل هي من القبيل الأول، وهو أن يكون الشيء عارضا خارجا عن مقام الذات، ولأن أغلب أنواع الحمل هو هذا المعنى الأول، فإن الذهن كثيرا ما ينصرف إلى هذا المعنى عند رؤية حمل ما. وهنا وقعنا ووقع الفلاسفة في الإشكال؛ لأنهم عندما قالوا الوجود موجود فسروا الموجودية ها هنا بما تكون الصفة خارجه عن مقام الذات، فوقعوا في الإشكال فرتبوا على ذلك إنكار هذه القضية، فخطأهم في تصور الحمل المراد هو الذي أودى بهم إلى ذلك الحكم الخاطئ، واضح؟
أما إذا تصورت القضية أو تصورت أطراف القضية، تصور المشتق بطريقة أخرى وهي قولنا الوجود موجود بمعنى أن الوجود موجودية ليست شيئا زائدا عليه، بل الوجود، فما معنى قولنا الوجود موجود؟ مش يعني الوجود إذ ثبت له الوجود، الوجود موجود يعني موجود بنفسه، يعني هو منبع كل موجود، أو فقل: كما تقول البياض أبيض، بمعنى أن الابيضية ليست شيئا زائدا على ذات الابيض؛ لأن كل شيء مما يصح أن يحمل على نفسه، إذ لو لم يحمل على نفسه لحمل نقيضه عليه، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.
وبهذا فإن هذه القضية التي كانت سببا ومنشأ للقول بأصالة الماهية ليست إلا خطأ ناشئا من خلل في تصور مفردات هذه القضية، وبهذا يتم الكلام في النوع الأول وهي القضايا الأولية.
اقرأ هذا المقدار: قال (قدس سره): «وهذه الأوليات منها ما هو جلي عند الجميع إذ يكون تصور الحدود حاصلا لهم جميعا كالمثالين المتقدمين، ومنها ما هو خفي عند بعض لوقوع الالتباس في تصور الحدود ومتى ما زال الالتباس بادر العقل إلى الاعتقاد الجازم». هذا التقسيم لأجل أن نفهم أن الأوليات لا يضر بأوليتها وببداهتها وقوع الخطأ.
قال: ونحن ذاكرون هنا مثالا دقيقا على ذلك مستعينين بنباهة الطالب الذكي على إيضاحه وهو قولهم الوجود موجود، فإن بعض الباحثين وهو شيخ الإشراق، شيخ المدرسة الإشراقية السهروردي، اشتبه عليه معنى موجود إذ تصور أن معناه أنه شيء ثبت له الوجود، فقال لا يصح الحكم على الوجود بأنه موجود وإلا لكان للوجود وجود آخر، وهذا الآخر أيضا موجود فيلزم أن يكون له وجود ثالث وهكذا فيتسلسل إلى غير نهاية، ولاجله أنكر هذا القائل أصالة الوجود وذهب إلى أصالة الماهية. ما مراد من الأصالة؟ الأصيل هو الذي له وجود وواقعية وتحقق في الخارج.
ولكن نقول إن هذا الزعم ناشئ عن الغفلة عن معنى موجود، فإنه قد يتضح للفظ موجود معنى آخر أوسع من الأول، وهو المعنى المشترك الذي يشمله ويشمل معنى ثانيا، وهو ما لا يكون الوجود زائدا عليه، بل كونه موجودا هو بعينه كونه وجودا، لا أن له وجودا آخر. يعني عندما تقول الوجود موجود أنت تريد أن الوجود ليس شيئا آخر غير نفسه، وبالتالي فيصبح أولى الأشياء بالموجودية هو نفس الوجود؛ لأن الموجودية تشتق من الوجود، والمعدومية تشتق من العدم، والمعلومية تشتق من العلم، والمرزوقية تشتق من الرزق. فكل مجتمع –مشتقٍ– جيد، فإن هذه الصفة أولى أن تكون في مبدئها. والمرزوقية مشتق، يعني اشتقت انتزعت من الرزق فلا بد فهي أولى أن تكون في نفس المبدأ.
فقولنا الوجود موجود نريد أن نقول إن الوجود ليس شيئا غير نفسه، تمام؟ إذاً فأولى الأشياء بصفة الوجود هو الوجود نفسه، ولذلك صار الوجود أصيلا. لا واقعية إلا للوجود، نحن نفرق بين وجود وآخر على أساس الأطراف التي ينتهي عندها وجود هذا، معنى اعتبارية الماهية.
أنا أنظر إلى هذا الوجود وإلى ذاك الوجود وإلى ذلك الوجود، ثم أقوم –التفت– بملاحظة حدود وجودهم فأجد مثلا أن هذه الورقة كيف –التفت– انظر إلى وجودها الآن فأجد أن هذه الورقة كيف يتناهى وجودها؟ يتناهى عند أطراف أربعة من ناحية الطول ومن ناحية العرض، فأنتزع عن حدود الوجود صورة فأقول هذا مربع. التفت، ما معنى مربع؟ هو وجود تتناهى أطرافه عند حدود أربعة، فهذه الحدود هي حد الوجود هي الحد الذي ينتهي عنده وجود المربع، فالماهية أمر عدمي هي حدود الوجود.
ثم أنظر إلى ورقة ثانية إلى وجودها، فأنظر إلى الحدود التي تنتهي عندها وجود هذه الورقة فأجد أنها حدود ثلاثة فأنتزع ماهية المثلث، فهذه الماهيات هي بمثابة القواعد –كيف بتجيب قالب تضع فيه ماء فيأخذ الماء حركة وحيزا مناسبا لحيز الوعاء تمام؟– فالماهيات هي تلك القوالب التي يصب فيها الوجود؛ فالوجود هو الأصيل، ولكننا نحن نخترع مفهوم الماهية لأننا عندما نريد أن نقارن بين وجود ووجود آخر نقارن على أساس اختلاف الآثار، على اختلاف حدود الوجود.
أجد أن الإنسان وجوده يتناهى عند حيوانيته وناطقيته فأنتزع ماهية الحيوان الناطق، وأجد أن وجودا آخر يتناهى وجوده عند مجرد الجسمانية أو عند مجرد النباتية فأنتزع مفهوما ماهية النبات، وهكذا. فالذي يقول بأصالة الوجود يرى أن الأنماط التي لها تحقق في الخارج هي الوجودات، ولكن الذهن حتى يفرق بين وجود ووجود آخر يعمد إلى الحد الذي ينتهي عنده كل وجود كل واحد ثم ينتزع ذلك القالب فيقول ماهية الإنسان. والذي يقول بالماهية أمر اعتباري يعني اخترعه الذهن من أجل أن يميز بين وجود وآخر، والواقعية في الخارج العينية للوجود التحقق للوجود.
أما الذي يقول بأصالة الماهية فيقول لا، في الخارج هذه الماهيات هذه الأشباح الصورية هي التي لها تحقق في الخارج. فانت تعترض عليه: إذا ما هو الفرق بين هذه الأشباح –تمام الموجودة في الخارج التي لها تحقق في الخارج– وبين تلك الأشباح التي لها تحقق وإن في ذهنك وليس لها أفراد في الخارج؟ قال: هذه الماهيات الإرادة الإلهية الشوق المولوي لوجود لتحققها قد تعلق بها فترتبت عليها الآثار، وهذه الماهيات التي في الذهن لم يتعلق بها شوق مولوي إلهي فلم تترتب عليها آثار. وأنا لكي أفرق بين الماهية التي انتسبت إلى الجا– وبين الماهية التي لم تتعلق الإرادة الإلهية بها أنتزع كلمة موجود.
فمن يرى من يقول بأصالة الماهية يخترع مفهوم الوجود اختراعا أو يجعله مفهوما مخترعا له فائدة ولكن ليس له واقعية في الخارج، ومن يقول بالعكس فمفهوم الماهية هو المفهوم المخترع والذهن يضطر إلى اختراعه لكي يميز بين وجود موجود آخر. تعميق البحث أكثر مع بيان لوازم هذا البحث وما يترتب على كل مدرسة من هذه المدارس يأتي في محله.
كيف كان؟ قال: بل كونه موجودا هو بعينه كونه وجودا، لا أن له وجودا آخر، هذا هو المراد؛ الوجود موجود يعني أن الموجودية ليست شيئا زائدا عليه، أو فقل إن الوجود ليس شيئا مغايرا لنفسه، كما تقول البياض أبيض والإنسان إنسان وهكذا. وذلك بأن يكون معنى موجود منتزعا –شوف– من صميم ذات الوجود، لا بإضافة وجود آخر زائد عليه. فانه يقال مثلا الإنسان موجود وهو صحيح، ولكن بإضافة الوجود إلى الإنسان من خارجه. ويقال أيضا الوجود موجود وهو صحيح أيضا، ولكن بمعنى آخر، ولكن بنفسه لا بإضافة وجود ثان إليه وهو أحق بصدق الموجود عليه؛ لأن الموجودية من أين تنتزع؟ من الوجود! كيف يكون الأمر الانتزاعي أقوى من منشأ انتزاعي؟ والامر الانتزاعي لا بد أن يكون له تحقق في رتبه سابقة في منشأ انتزاعي، كما يقال الجسم أبيض بإضافة البياض إليه، ويقال البياض أبيض ولكن بنفسه لا ببياض آخر، وصدق الأبيض عليه اولى من صدق على الجسم الذي صار أبيض بتوسط إضافة البياض إليه.
وعلى هذا يكون المشتق منتزعا من نفس الذات المتصفة بدلا من إضافة شيء خارج عنها اليها –يعني بدلا من إضافة شيء خارج عن الذات إلى الذات– فتكون كلمة أبيض وكذلك كلمة موجود ونحوها معناها أعم مما كان منتزعا من اتصاف الذات بالمبدأ الخارج عنها، ومما كان منتزعا من نفس الذات التي هي نفس المبدأ. يعني هذا المعنى التفت كلمة موجود جيد أعم، ليس بالضرورة –يعني عندما تقول موجود معلوم مرزوق ليس بالضرورة أن يكون خارجا عن المبدأ بل قد يكون من صميم المبدأ تمام– نعم، لما كانت أغلب أنواع المشتق تحمل بهذا النحو الأول فالذهن صار ينصرف إلى هذا المعنى لأجل غلبة الأفراد أو لأجل غلبة الاستعمال.
فإذا زال الالتباس واتضح للعقل معنى كلمة موجود لا يتردد في صحة حملها على الوجود، بل يراه أولى في صدق الموجود عليه من غيره، كما لم يتردد في صحة حمل الأبيض على البياض، ولا تحتاج مثل هذه القضية وهي الوجود موجود إلى البرهان، بل هي من الأوليات وإن بدت غير واضحة للعقل قبل تصور معنى موجود وصارت من أدق المعاني المباحث الفلسفية، ويبتني عليها كثير من مسائل علم الفلسفة الدقيقة، أي المسائل الدقيقة لعلم الفلسفة. نعم.
المشاهدات والوجدانيات
المشاهدات: قد تقدم معنا أن النوع الثاني من البديهيات هي المشاهدات، وفرقها عن الأوليات هي أنها تحتاج إضافة إلى تصور طرفيها والنسبة بينهما، تحتاج كذلك إلى إعمال الحس.
والحس كما عرفنا إنما يحتك بالمادة الخارجية، والمادة الخارجية إنما هي من قبيل الجزئيات ولا وجود للكلي في الخارج، وعلى هذا فالقضايا المشاهدة يجب أن تكون عبارة عن قضايا شخصية جزئية، ولا يمكن أن تكون قضايا كلية؛ لأنها قضايا موقوفه على إعمال الحس، أي على اتصال الجهاز العصبي بالمادة الخارجية عن طريق الحواس، والحواس إنما تدرك الجزئيات ولا تطال الكليات، وما يتوقف على ما لا يدرك الكلي لا يمكن أن يكون كليا.
قال: وهي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة الحس، ولا يكفي فيها تصور الطرفين –ولذا، أصحابه: مش يعني ولا تحتاج إلى تصور الطرفين، كل قضية تحتاج إلى تصور طرفيها تمام، ولكن لا يكفي ذلك بل نحتاج إلى إعمال الحس– ولذا قيل: من فقد حسا فقد فقد علما.
والحس على قسمين: ظاهر وهو خمسة أنواع: البصر والسمع والذوق والشم واللمس، والقضايا المتيقنة بواسطته تسمى حسيات.
التفت، ولا نعني من كون بدااهة القضايا الحسية أن القضايا الحسية لا تقبل الخطأ. ليش؟ الآن مثلا التفت: إذا وضعت يدك قرب المدفأة ووضعت يدك الثانية في مكان بارد، ثم بعد ذلك جئت ووضعت يديك كلتيهما في وعاء واحد من الماء له درجة حرارة معينة، فاليد التي هي دافئة بسبب قربها من المدفأة سوف تشعر بأن الماء بارد؛ لأن حرارة الماء بالقياس إلى حرارة هذه اليد أبرد، فسوف تشعر هذه اليد بالبرودة، فسوف تحكم على هذا الماء بأنه بارد.
ثم إذا وضعت يدك الثانية وهي باردة فسوف تشعر اليد الثانية بدفء الماء، دفء ذلك الماء الذي حكمت عليه بالبرودة قبل قليل، وليس ذلك إلا لأن حرارة هذه اليد درجتها أعلى من حرارة الماء. وهل هذا يعني أن هذا الماء الواحد صار باردا وحارا في ذات الوقت؟ لا، والضدان لا يجتمعان. إذاً فقد يقع الخطأ في الحواس، ومنشأ الخطأ ها هنا في مثل هذه القضية أننا نأخذ الحرارة والبرودة على أنها أمر واقعي ثابت، أو فقل على أنه مفهوم غير نسبي، والصحيح أن الحرارة والبرودة مفهوم نسبي يختلف ويتخلف باختلاف ما ينسب إليه، كالعلو والدنو، وكالطول والقصر. الطول ليس صفة ثابتة لا تتزلزل بل هي صفة يخترعها الذهن أو يقول بها الذهن بعد المقارنة مع شيء أقل طولا، والقصر صفة يقول بها الذهن وينسبها الذهن بعد المقارنة مع شيء أكثر طولا، وهكذا الحرارة والبرودة على هذا النحو، فعندما يقال إنه حار أي إنه أعلى حرارة بالمقارنة مع حرارة أخرى، فيجب في مثل هذه الصفات أن نأخذها على نحو المفاهيم النسبية لا المفاهيم الثابتة، ومن هنا ينشأ هذا الخطأ.
أو مثلا قد يقع الخطأ في المشاهدات البصرية، كما إذا جئت بعصا مستقيمة فوضعتها تحت الماء ونظرت إليها من فوق الماء فسوف تشعر بانكسارها، وليس ذلك إلا لانكسار الضوء المنعكس إلى حدقة العين، تمام؟ ولذلك عندما تضع عصا سوف تجدها –يعني ضع نصف العصا في الماء ونصفها خارجا– سوف ينكسر الضوء المنعكس فسوف تشعر بأن العصا منكسرة وليست كذلك. إذاً فالقضايا الحسية يمكن أن يقع فيها الخطأ أيضا، جيد، ولذلك يجب علينا أن نلتفت إلى الشروط الفيزيائية التي يجب أن تراعى في تلك الأمور المشاهدة.
قال: والحس على قسمين: ظاهر وهو خمسة أنواع البصر والسمع والذوق والشم واللمس، والقضايا المتيقنة بواسطته تسمى الحسيات، شوف: كالحكم بأن الشمس مضيئة –كان يفترض أن يقول بأن هذه الشمس مضيئة؛ لأننا نتحدث عن قضايا تدرك بالحواس، والحس فقط من دون معونة شيء من مبادئ العقل لا يدرك إلا الجزئيات، ولذلك أصلحه فيما بعد فقال–: وهذه النار حارة –شوف قضية قضية شخصية– وهذه الثمرة حلوة، وهذه الوردة طيبة الرائحة.
أما أن الوردة الثانية التي لم أرها بعد سوف تكون طيبة أو لا، هذه ليست من القضايا المشاهدة، هذه يجب أن يتكرر فيها الحس ثم نضم المبادئ العقلية حتى يتحقق لنا نوع آخر من اليقينيات وهي التجريبيات. تمام؟ طيب.
وحس باطن –يعني العلوم الأمور التي تدركها بالعلم الحضوري– وحس باطن والقضايا المتيقنة بواسطته تسمى وجدانيات، كالعلم بأن لنا فكرة وخوفا وألما ولذة وجوعا وعطشا، أنت مش العلم بمعنى تصور اللذة التي كانت لي قبل، لا، كالعلم بأنني الآن أنا خائف وبأنني الآن أنا متألم؛ يعني ذلك الشعور بالألم هو بنفسه العلم، مش العلم بمعنى تصور الألم الذي كان عندك، أصلا هذا تصور كلي فكيف يكون أمرا حسيا ولو باطنا؟ طيب.
التجريبيات
القضية الثالثة: التجريبيات، قلنا الفرق بين التجريبيات والحسيات ما هي؟ أو المشاهدات. التفت: في الأوليات نحتاج فقط إلى تصور أطراف القضية. في المشاهدات نحتاج إلى تصور أطراف القضية مع إعمال الحس ولو على جزئي واحد. في التجريبيات نحتاج إلى تصور أطراف القضية، وإلى إعمال الحس، وإلى تكرار ذلك الحس حتى نستقرئ جملة من الجزئيات، بعد إلى شيء رابع وإلى المبادئ العقلية الثلاثة التي شرحناها في الاستقراء حتى يستقيم لنا استفادة اليقين. فالتجريبيات تزيد على المشاهدات في أمرين: في أن الحس أو المشاهدة يجب أن تتكرر ولا يكفي مشاهدة واحدة، وفي أنه لابد أن نستند إلى مبادئ العقل، ولذلك سوف يأتي منه أن مرجع التجريبيات إلى قياس صغراه عبارة عن الاستقراء. تمام؟
قال: وهي القضايا التي يحكم بها العقل بواسطة التكرر المشاهدة منا في إحساسنا، فيحصل بتكرر المشاهدة ما يوجب –مش اليقين– ما يوجب أن يرسخ في النفس حكم لا شك فيه، كالحكم بأن كل نار حارة وأن الجسم يتمدد بالحرارة –شوف كل نار مع أنك لم مع انك لم تشاهد كل نار– ففي المثال الأخير نجرب أنواع الجسم المختلفة من حديد ونحاس وحجر وغيرها مرات متعددة ونجدها تتمدد بالحرارة، فاننا نجزم جزما باتا بان ارتفاع درجة حرارة الجسم من شأنها أن تؤثر التمدد في حجمه، كما أن هبوطها يؤثر التقلص فيه، وأكثر مسائل العلوم الطبيعية والكيمياء والطب من نوع المجربات.
وهذا الاستنتاج في التجريبيات –شوف– من نوع الاستقراء الناقص، طيب، قال: المبني على التعليل الذي قلنا عنه إنه يفيد القطع بالحكم. وفي الحقيقة أن هذا الحكم القطعي يعتمد على قياسين خفيين، استثنائي واقتراني، يستعملهما الإنسان في دخيلة نفسه وتفكيره من غير التفات غالبا. والقياس الاستثنائي هكذا: لو كان حصول هذا الاثر اتفاقيا لا لعلة توجبه لما حصل دائما، ولكنه حصل –لما حصل دائما أو غالبا، كيف يعرف إذا كان يعرف أنه يحصل دائما يعني هذا استقراء تام، ولكنه حصل غالبا. جيد؟–
إذاً فحصول هذا الأثر ليس اتفاقيا بل لعلة توجبه. والقياس الاقتراني حتى تكتشف حقيقة العلة ما هي؟ قال: الصغرى نفس نتيجة القياس السابق، فتقول: حصول هذا الأثر معلول لعلة، ثم تقول: وكل معلول لعلة يمتنع تخلفه عنها، ينتج من الشكل الأول: هذا الأثر يمتنع تخلفه عن علته. وهاتان المقدمتان للاستثناء بديهية، هذا كله شرحناه فيما سبق، وكذا قوبل الاقتران، فرجع الحكم في القضايا المجربات إلى القضايا الأولية والمشاهدات في النهاية.
ثم لا يخفى أننا لا نعني من هذا الكلام أن كل تجربة تستلزم حكما يقينيا مطابقا للواقع؛ في بعض الأحيان شروط التجربة لا تكون متتحققة. نحن قلنا الإنسان عندما يريد أن يجري أو الذهن عندما يريد أن يجري استقراء ناقصا مع معونة المبادئ العقلية يجب أولا أن يتحرى عن الظاهرة التي تصاحب ذلك الحكم، فربما أخطأ في تحري هذه الظاهرة المصاحبة تماما فلم يقم شروط التجربة فلا توصله تجربته إلى اليقين، ولذلك قال:
فإن كثيرا من أحكام سواد الناس –يعني عامة الناس– المبنيه على تجاربهم ينكشف خطؤهم فيها، إذ يحسبون ما ليس بعلة علة، أو ما كان علة ناقصة علة تامة، أو يأخذون ما بالعرض مكان ما بالذات. وسر خطئهم أن ملاحظتهم للأشياء في تجاربهم لا تكون دقيقة على وجه لا يستطيعون أن يتحروا جميع الخصائص الدخيلة في توليد الظاهرة مثلا. طيب، على وجه تكفيل الصدق المقدمة الثانية للقياس الاستثنائي المتقدم؛ لأنه قد يكون حصول الأثر في الواقع ليس ددائميا ولا غالبيا، فظن المجرب أنه دائما اعتمادا على اتفاقات حسبها دائمية. كما إذا اتفق مثلا أنه كلما خرج منه –أنه خرج من بيته ثلاث مرات في اليوم وكلما خرج رعدت السماء– جيد؟ هذه التجربة تجربة ناقصة؛ لأنها إذا أرجعناها إلى حساب الاحتمال لا تكفي لحصول اليقين أو لبلوغ الظن إلى نسبته العالية، ولكنه قد يحسب أن هذه الظاهرة قد تصاحبت بنحو غالبية فظن المجرب أنه دائمي اعتمادا على اتفاقات حسبها دائمية، أما لجهل أو غفلة أو لقصور إدراك أو تسرع في الحكم، فأهمل جملة من الحوادث ولم يلاحظ فيها تخلف الأثر.
وقد تكون ملاحظته للحوادث قاصرة، بأن يلاحظ حوادث قليلة وجد حصول الأثر مع ما فرضه علة وفي الحقيقة أن العلة شيء آخر اتفق حصوله في تلك الحوادث فلذا لم يتخلف الأثر فيها، ولو استمر في التجربة وغير فيما يجربه لوجد غير ما اعتقده أولا؛ لابد أن ينوع في التجارب حتى يختزل الآثار والخصوصيات التي ليس لها دخالة.
مثلا: قد يجرب الإنسان الخشب يطفو على الماء في عدة حوادث متكررة، فيعتقد أن ذلك خاصية في الخشب والماء، فكل خشب يتمدد في الماء، مع أن تمدد الخشب في الماء لا يرجع إلى نفس خشبيته، إذ يكون في غير الخشب. تمام؟ فيحكم خطأ أن كل خشب يطفو على الماء، ولكنه لو جرب بعض أنواع الخشب الثقيل الوازن لوجد أنه لا يطفو في الماء العذب بل قد يرسب إلى القعر أو إلى وسط الماء، فانه لا شك حينئذ يزول اعتقاده الأول. ولو غير التجربة في عدة أجسام غير الخشب ودقق في ملاحظته ووزن الأجسام والسوائل بدقة وقاس وزن بعضها ببعض، لحصل له حكم آخر: بأن علة الطافو ليست هي نوع الشيء الذي يطفو، وإنما وزنه؛ بان العلة هي تفوي الخشب على الماء، أن الخشب أخف من الماء، وتحصل له قاعدة عامة هي أن الجسم الجامد يطفو على السائل إذا كان أخف وزنا منه، ويرسب إلى القعر إذا كان أثقل وزنا، وإلى وسطه إذا ساواه في الوزن، فالحديد مثلا يرسب في الماء ويطفو في الزئبق لأنه أخف وزنا منه.
المتواترات
المتواترات: هذا النوع الرابع من القضايا البديهية يأتي إن شاء الله بيانه. والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد.
