دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 93
093
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
قد عرفنا أن البديهيات التي هي أصول اليقين: الأوليات والمشاهدات والتجريبيات. النوع الرابع من القضايا البديهية هي القضايا المتواترة، وهي جملة من القضايا التي تفيد اليقين الجازم، إلا أن هذا اليقين مستفاد من إخبار جملة من الناس يمتنع تواطؤهم على الكذب.
بعبارة ثانية: القضايا المتواترة هي قضايا تكتسب حجيتها من إخبار جماعة لا يمكن أن تحتمل النفس تواطؤهم؛ أي اتفاقهم على الكذب. ومن هنا، فإن لكي تتحقق القضية المتواترة لابد من توفر مجموعة من الشروط.
الامر الأول: أن يتم تصور طرفي القضية، وهذا أمر سار وجار في كل قضية حقيقة؛ لأن القضية تشتمل على حكم، والحكم على شيء فرع تصوره.
ثانيا: لابد أن يكون هناك إخبار من قبل شخص ما عن هذه القضية، والإخبار يجب أن يكون إخبارا عن أمر محسوس لا عن أمر عقلي، فالقضية المتواترة لا تنعقد في الإخبارات عن أمور عقلية. أخبرنا شخص ما عن وجود الصانع تعالى مثلاً، عن وجود واجب الوجود، أو كما إذا أخبرنا عن مسألة وقضية قد انتهى إليها بحكم العقل، مثل هذه القضية مهما تعدد الإخبار عنها لا تسمى قضية متواترة؛ لأن التواتر يجب أن يكون على قضية محسوسة.
السبب في ذلك هو أن القضايا العقلية تخضع لقوانين العقل ولحكمه، فلا يمكن أن تكتسب حجيتها من مجرد الإخبار، بل إننا نعمد إلى تلك القضية التي أخبر عنها ذلك الشخص، فلا يخلو، إما أن توافق أحكام العقل فتكتسب حجيتها من اللزوم العقلي الكائن بين طرفيها، وإما أن لا تكون بحيث توافق أحكام العقل فنحくて عليها بكذبها ولو أخبر عنها كل البشر. وأما القضية المتواترة فالمراد منها هي القضية التي يخبر عنها جماعة، ويكون إخبارهم إخبارا عن قضية محسوسة. كإخبارنا مثلاً بأن البحر الكذائي مليء بالملح، وكإخبارنا بأن البحر الكذائي خال من الملح، وهكذا. فلابد أن يكون الإخبار إخبارا عن قضية محسوسة. إذاً، فالمتواترة مثلها مثل القضية المشاهدة في أنها يشترط فيها إضافة إلى تصور طرفيها وجود الحس.
ومن الواضح أن مجرد الخبر الواحد من قبل شخص واحد لا يمكن أن يكون بحيث يفيد اليقين، فلابد أن تتعدد تلك الإخبارات، ومعنى أن تتعدد تلك الإخبارات أن المشاهد الحس يجب أن تتكرر على تلك القضية الواحدة. بعبارة ثانية: يوجد نحوان وفرضان لتكرر الخبر.
الفرض الأول: أن يطلع شخص واحد بحواسه على تلك الواقعة الحسية ثم يقوم بالإخبار عنها، ثم يأتي الشخص الثاني الذي أخبر من قبل الشخص الأول فيخبر عن تلك الواقعة، ثم يأتي الثالث الذي تلقى الخبر من الثاني فيخبر عن نفس تلك الواقعة، فتكون العلاقة بين المخبرين علاقة طولية، بحيث إن الذي اطلع على الواقعة الحسية شخص واحد ثم نقل الخبر إلى الثاني، والثاني نقله إلى الثالث، وهكذا. هذا النحو وهذا الفرض من تعدد الخبر لا يوصل إلى التواتر بأي حال، ولا يعد تواترا حقيقة، نعم، يعد شياعا أو إشاعة للخبر، ولكن هذا النحو لا يوصل إلى اليقين لوضوح أن احتمال الخطأ عند المخبر الأول سوف لا يضعف مهما تعددت تلك الإخبارات. ليش؟ لأن كل الإخبارات الواقعة بعده هي واقعة في طوله، فهي معتمدة في صحتها على صحة المخبر الأول، فلو انكشف خطؤه فسوف يكون الكل مخطئا، فعندما يتوقف خطأ وصحة أحد المخبرين على خطأ وصحة أحد المخبرين أو المخبر الآخر، فهذا مثل هذا النحو من الإخبار لا يوصل إلى اليقين.
وإنما الذي يوصل إلى اليقين وإلى التواتر في القضية المتواترة هو الفرض الثاني من تعدد الإخبار، وذلك بأن يطلع مجموعة من الأشخاص من أول الأمر على واقعة حسية واحدة، كما إذا كان هناك مئة شخص قد اطلعوا على تلك الواقعة الحسية ولامسوها بحواسهم، ثم ذهب كل منهم فأخبر بإخبار شخصي عن تلك الواقعة الشخصية الحسية، فيحصل تعدد الإخبار في عرض واحد، هذا هو الذي يوصل إلى التواتر.
فقد ظهر من ذلك أن القضية المتواترة يشترط فيها إضافة إلى تصور طرفيها وجود الحواس، بل يشترط ثالثا تكرر ذلك الحس؛ لأن تعدد الإخبار إنما يراد منه في القضية المتواترة تعدد الإخبار عن قضية حسية واحدة بأن تتكرر حواسهم على تلك الواقعة المحسوسة، وذلك لأن اجتماع المخبرين على قضية محسوسة واحدة يوجب بحساب الاحتمال تضاءل نسبة الكذب عندهم؛ وذلك لأن أحد المخبرين إذا أُخذ خبره على حدة، فإن نسبة صدق الخبر عنده سوف تكون مساوية لنسبة الكذب، ولكن لو وجد مع المخبر الأول مخبر ثان فإن احتمال اتفاقهم على الكذب سوف تكون أقل من احتمال كذب أحدهما على حدة؛ إذ نضرب نسبة الكذب عند أحدهما باحتمال نسبة الكذب عند الآخر فيكون الناتج حينئذ مثلاً هو الربع، ثم نضرب نسبة احتمال الكذب عند هؤلاء مع نسبة احتمال الكذب عند ثالث عندما ينضم إليهما، وهكذا تتضاءل نسبة الكذب.
إلا أن القضية المتواترة، مهما تعدد فيها المخبرون، ومهما كان المخبرون فيها ثقات، نجد أن نظرية الاحتمال إنما توجب تضاؤل احتمال الكذب، وبالمقابل توجب تعاظم احتمال الصدق، ولكنها لا يمكن لهذه النظرية أن تنفي احتمال الكذب بالكلية، لابد أن يبقى هناك احتمال ولو كان ذلك الاحتمال كسرا ضئيلا في غاية القلة. ومن هنا لنا أن نتساءل: كيف توصل القضية المتواترة إلى اليقين؟ واليقين الأرسطي هو اليقين الذي لا يقبل الخلاف.
ومن هنا نجد أن هذه القضية أو أن تصحيح القضية المتواترة على ضوء المنطق الأرسطي يواجه صعوبة، والظاهر أن الأرسطيين في ذلك الوقت لم يلتفتوا إلى مثل هذه الإشكالية، يدلنا على ذلك أن هناك تخبطا فيما بين حول العدد الذي يجب أن يتوفر من المخبرين لكي تنعقد القضية المتواترة، حتى إن بعضهم كان يتيمن برقم ثلاثمائة وثلاثة عشر فيقول: يكفي أن يخبر ثلاثمائة وثلاثة عشر مخبرا حتى يتحقق التواتر، فما دون ذلك لا تواتر. وبعضهم كان يتيمن برقم ويتبرك بعدد الأربعين الذي ورد في الروايات، وقد ورد حول أمور لا ربط لها بمثل هذه المسائل، ولكن العجز ألجأه إلى مثل هذه الاعتقادات، فقال: إن التواتر ينعقد بأربعين رجلاً أو بأربعين مخبراً، فحتى نظرية الاحتمال لم يكن لهم التفات إليها.
والحاصل أنه لا يمكن أن نحصر عددا محددا للتواتر، فقد ينعقد التواتر في قضية من مجرد تجميع خمس إخبارات، وقد لا ينعقد مع وجود مئة مخبر، والسبب في ذلك أن حالة المخبر تلعب دورا مهما في علو نسبة الصدق وتضاءل نسبة الكاذب، فإخبار الثقة فيه احتمال أن يكون صادقا أكثر من احتمال الكذب، وإخبار الفاسق له نسبة ضئيلة إلى جانب الصدق، وهكذا. ولذلك لابد أن تدخل نظرية الاحتمال أولا في تصحيح القضية المتواترة، ولكننا عرفنا أن مجرد نظرية الاحتمال مهما ضاءلت من احتمال الكذب ولكنها لا تصل بالقضية إلى حد اليقين؛ لأن اليقين يستلزم إلغاء وإعدام احتمال نسبة الكذب. ولذلك لابد بعد نظرية الاحتمال من ضميّة ثانية وهي نظرية التوالد الذاتي التي أسس لها السيد الشهيد قدس سره، هذا يأتي في محله، ولكن وجدنا أن التنبيه على هذه المسألة واجب.
كيف كان، فالقضية المتواترة هي القضية التي يحصل التصديق الجازم بها، ويكون مستند هذا التصديق إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، وإنما نستكشف امتناع تواطؤهم عن اتفاقهم على الكذب من نظرية الاحتمال مع ضميّة التوالد الذاتي. أما عند الأرسطيين فيشكل تصحيح هذه القضية على مبانيهم.
كيف كان؟ هذا تمام الكلام في النوع الرابع من البديهيات وهي القضايا المتواترة.
الحدسيات
النوع الخامس وهي الحدسيات، وقد عرفها الماتن قدس سره بأنها قضايا مبدأ الحكم بها حدس من النفس قوي جدا يزول معه الشك ويذعن الذهن بمضمونها.
بيان ذلك موقوف على مقدمة وهي ما تعرضنا إليه في أول هذا الكتاب عندما تحدثنا عن أدوار الفكر وعن العملية الفكرية، وقلنا هناك إن الفكرة عبارة عن حركة العقل بين المعلوم والمجهول، وهذه الحركة الفكرية بالتحليل ترجع إلى ثلاث حركات: الأولى: حركته من المجهول إلى خزانة المعلومات الموجودة عنده وتسمى بالذاهبة. والثانية: حركته بين تلك المعلومات الموجودة في ذهنه لينتقي ما يناسب منها في علاج المشكل، وتسمى بالدائرة. ثم حركته أخيرا من المعلومات إلى المشكل لكي يعالجه، وتسمى بالعائدة. فالفكر عبارة عن مجموع حركات ثلاث يجب للذهن أن يمارسها، وهي الذاهبة والدائرة والعائدة.
وقلنا إن أهم حركة من هذه الثلاثة حقيقة هي الحركة الثانية، هي الدائرة. أما الذاهبة والعائدة فهما حركتان يمارسهما الذهن بطريقة ميكانيكية عفوية. وكل الفكر في هذه الحركة المتوسطة، حيث يقوم بالتنقل بين معلوم وأمر لكي ينتقي ما يناسب من هذه المعلومات في علاج ذلك المشكل. فالفكر إذاً هو الحركات الثلاث، وأهم هذه الحركات الثلاث هي الحركة الدائرة.
أما الحدس فقد أشرنا إليه هناك بأنه انتقال من المجهول إلى المعلوم دفعة واحدة ومن دون تلك الحركة الدائرة. ونحن إذا ما أردنا أن نتعقل الانتقال من المجهول إلى المعلوم دفعة واحدة بنحو دقيق، يعني إذا أردنا أن نأخذ هذا الكلام على دقته وهو أن تنتقل من المجهول إلى المعلوم بنحو الطفرة والدفعة الواحدة من دون وجود حركة دائرة بالكليات، فمثل هذا الانتقال لا يكون إلا عند المعصومين حقيقة ومن يتلقى معلوماته بنحو الوحي والإهام ومن يولد من لا شيء شيئا، ويلزم حينئذ ألا يكون هناك قضايا حدسية إلا عند المعصومين عليهم السلام.
ولكن الأمثلة التي جاء بها الماتن قدس سره أمثلة يحصل التصديق بها عندنا بقوة الحدس، فلا بد أنه يراد من الحدس معنى آخر يمكن تصويره بطريقة أخرى. والحاصل أننا لا نريد أن نقول إن للحدس معنيين، بل للحدس معنى واحد وهو الانتقال من المجهول إلى المعلوم، أي من الذاهب إلى العائد دفعة واحدة. ولكن هذا الانتقال تارة يؤخذ على نحو الدقة بحيث نفرض أنه لا وجود لحركة دائرة أساسا، وحينئذ فهذا لا ينسجم إلا مع القضايا التي يعتقد بها المعصومون مثلاً، وتارة ثانية نفرض أن هناك حركة دائرة، بل لابد أن يكون هناك حركة دائرة، ولكن الذهن يقطعها ويمارسها بطريقة غير واعية، يمارس الحركة الدائرة بصورة تجتمع مع الغفلة، وليس ذلك إلا لوجود ذلك الأوسط الذي يقتضي الانتقال من الصغرى إلى الكبرى بوجود خفي يمكن للذهن أن يحتكم إليه مع الغفلة عن وجوده.
والحاصل أن القضايا الحدسية هي قضايا يحكم العقل بها ويصدق بها لا لأنها قضية يكون المحمول فيها منتزعا من نفس مفهومي موضوعه، لا، بل لوجود حد أوسط هو الذي اقتضى ثبوت الأكبر للأصغر، هو الذي اقتضى ثبوت المحمول لموضوعه، غير أن هذا الحد الأوسط لم يحصل عليه عن طريق الانتقال إلى خزانة المعلومات بصورة متأملة متأنية، بل حصل عليه بصورة تجتمع مع الغفلة. وليس ذلك إلا لكون هذا الوسط ملاصقا ملاصقة قوية للأصغر أو للأكبر، بحيث تلتفت إليه مع الغفلة عن وجوده.
فالحدسيات قضايا نظرية أو بديهية، قضايا ليس المحمولات فيها ضروري الثبوت لموضوعها، ولا المحمول منتزع من نفس مفهوم الموضوع، بل لكي نثبت الأكبر للأصغر، يعني لكي نثبت المحمول للموضوع في القضية، لابد من وجود حد أوسط هو الذي اقتضى ثبوت أحدهما للآخر، إلا أن هذا الحد الأوسط لا نحصل عليه عن طريق التأمل الطويل في خزانة المعلومات لكي نجده، وإنما ننتقيه مباشرة ودفعة واحدة حتى كأننا لم نجرِ العملية الدائرة، وإن كنا قد أجريناها بصورة غير واعية.
إذا أردنا أن نشبه أو نقارب هذه المسألة، لنفترض أن خزانة المعلومات فيها مئة معلومة، وأنت تريد أن تجري العملية الدائرة. تارة تقوم بإجراء العملية الدائرة، فتبدأ بالمعلوم الأول فتجده غير صالح فتنتقل إلى الثاني، ثم إلى الثالث فتجد الحد أوسط لنفترض مثلاً في المعلومة العاشرة. ومرة ثانية بمجرد أن تدخل إلى خزانة المعلومات أول معلوم تجده هو الحد الأوسط، فكأنك لم تجرِ عملية دائرة، لكن هذا لا يعني أن ذهنك لم يفزع من المعلوم من المشكل إلى خزانة المعلومات ثم منها إلى المشكلة، فقد قطعت الحركات الثلاث، ولكن الحد الأوسط لقربه إلى الذهن ولسرعة الالتفات إليه فيكون أول معلوم يصادمه الفكر أو الذهن عندما يفزع إلى خزانة المعلومات، وبهذا تنعقد لمثلنا نحن البشر العاديين قضايا حدسية.
وقد مثل الماتن قدس سره لمثل القضايا الحدسية بقولنا: إن الأرض كروية الشكل، والباعث على التصديق بهذه القضية لابد هو حد أوسط اقتضى ثبوت المحمول لموضوعه، لوضوح أن نتصور الأرض لا يستبطن الكروية، تمام؟ فالذي اقتضى ثبوت المحمول لموضوعه حد أوسط، ومعنى أن يكون هناك وسط أن الموضوع ليس هو الذي اقتضى المحمول، فالقضية ليست ضرورية ولا أولية. فكيف حصل التصديق بها؟ قال: لابد من وجود حد أوسط، غاية ما في الأمر أن الوسط في هذه القضية قريب الحضور إلى البال، بحيث يكون هو أول معلوم يلتفت إليه الذهن عندما يفزع إلى خزانة المعلومات. طيب، كيف؟ قال: لأننا ننظر إلى السفن الآتية من بعيد، فهي من بعيد أول ما نشاهده فيها أعاليها، ثم عندما تقترب شيئا فشيئا فإننا نشاهد السفينة كلها، فيفزع الذهن إلى الحدس بأن الأرض كروية.
الآن إذا أخذنا هذه الأرض الكروية بهذه الطريقة، وفرضنا إنسانا موجودا بهذه الطريقة فمستوى نظره سوف يكون هكذا تمام؟ الآن إذا لم نرى شيئا، طيب إذا فرضنا وجود سفينة هكذا تخيل، فأول ما سيراه منها أعاليها، إنما يتسنى له أن يرى أسفل السفينة عندما تقترب شيئا فشيئا مثلا، هذا مثال جاء به الماتن قدس سره.
هذا هو الحد الأوسط، ولكن هذا الحد الأوسط، جيد، نحن نحكم بثبوت المحمول للموضوع، جيد، من دون الالتفات بطريقة واعية للحد الأوسط، يعني يجب أن نفهم هذه المسألة، فالحد الأوسط موجود عندنا ولكننا لا نستحضره بصورة واعية، نعم، عندما تسألني بعد ذلك عن الدليل وأحصل وأقوم بتأمل المطلب، أستفيد الحد الأوسط بالصورة الواعية.
وبعبارة أخيرة، الحد الأوسط هو الذي يقتضي ثبوت المحمول لموضوعي، وحتى أحكم بثبوت الأكبر للأصغر، فلا بد أن يكون الحد الأوسط حاضرا عندي، ولكنه قد يحضر عندي حضورا يجتمع مع الغفلة، حتى إنك تحكم مستندا إلى ذلك الأوسط ولكنك لم تلتفت إليه التفاتا واعيا. هذا صاحب الكفاية يعني يصور العلم الإجمالي بهذه الطريقة في بعض الأحيان. كيف كان تمام وتارة؟ نعم، فبعد أن تسألني عن الدليل أقوم بالتأمل بهذا المطلب فأهتدي إلى الحد الأوسط وأستحضره استحضارا واعيا. فليس المراد أن الإنسان يصدق بهذه القضية من دون وجود حد أوسط، يكون الأوسط موجودا عنده ولكن لقربه من الحدين يحكم بثبوت الأكبر للأصغر لوجود ذلك الأوسط من غير أن يتأمل به، من غير أن يلتفت إليه التفاتا واعيا، بعد التأمل يستحضره فيلتفت إليه التفاتة واعية.
وقد جاء بمثال آخر قدس سره للقضايا الحدسية، منها الحدس بأن ضوء الكواكب يستفاد من ضوء الشمس، قال: وذلك لأننا نرى أن وضعية ضوء الكوكب تختلف بين يوم وبين أسبوع آخر باختلاف نسبتها إلى الشمس، فنحدث -هذا حد أوسط هو بمثابة الدليل هو دليل، ليس حدساً بذلك المعنى، ولكن هذا الحد الأوسط يكون موجودا عندنا بطريقة غير ملتفتة، غير واعية- بعد التأمل نستحضره بالطريقة الواعية، وهكذا.
هذا تمام الكلام في الحدسيات، فالحدسيات إذاً التفت هي قضايا تعتمد أولا على تصور الطرفين حالها حال كل قضية؛ لأن الحكم على شيء فرع تصوره. ثانيا: تتوقف على وجود مشاهدة؛ لأن الحكم على الأرض بالكروية فرع مشاهدة الأرض وفرع مشاهدة السفينة وفرع مشاهدة تلك الأمور الآتية من بعيد. ولا بد تعتمد على انضمام تلك المبادئ العقلية بأن يقال: لو كان لو لم تكن الأرض كروية لما تكررت رؤيتنا للسفينة من علو، والاتفاق لا يكون أكثريا، ثم يستنتج بعد ذلك علية الكروية لمثل هذه الرؤيا لأعالي السفينة.
فلا فرق إذاً بين التجريبيات وبين الحدسيات؟ والجواب أن هناك فارقا بينهما لجهة أننا في التجريبيات غاية ما نستكشفه هو التقارن العلي. فمثلاً إذا استقرانا أفراد التماسيح فوجدنا أن التمساحية أو أن التمساحية تقارن دائما مع تحريك الفك الأعلى، فنقول إن تصاحب التمساحية مع تحريك الفك الأعلى لا يمكن أن يكون اتفاقيا؛ لأن الاتفاق لا يكون أكثريا، وقد وقع لنا مجموعة من التجارب بنحو أكثري، فلو كان هناك فلو كان التقارن بين هاتين الظاهرتين اتفاقيا لما تكرر دائما أو أكثريا، ولكنه تكرر غالبا فلا يكون اتفاقيا، فغاية ما تستكشفه أنت من التجريبيات هو أن التقارن الكائن بين الظاهرتين لا يمكن أن يكون اتفاقيا بل هو تقارن لزومي.
أما إنه أي من هاتين الظاهرتين هي علة الظاهرة الأخرى فهذا لا دليل عليه من التجريبيات، فقد تكون الظاهرة الأولى هي علة الظاهرة الثانية وقد تكون الثانية هي علة الظاهرة الأولى وقد تكون الظاهرتان معلولتين لظاهرة ثالثة، فإنه مع ذلك يصدق التقارن اللزومي. فالتجريبيات غاية ما تثبته هو وجود التقارن اللزومي، أو فقل هو وجود التقارن السببي، من غير أن تطلعنا على ماهية السبب وحقيقته.
وهذا بخلاف الحدسيات، فإنها تدلنا على وجود التقارن اللزومي كما أنها تدلنا وتطلعنا على ماهية السبب؛ لأننا في مثالنا وهو الاستدلال على كروية الأرض، إنما يحصل هذا الاستدلال عن طريق خطوتين: الخطوة الأولى هي إجراء تلك المبادئ العقلية الثلاثة، فنقول مثلاً لو لم تكن الأرض كروية لما تكررت مشاهدتنا للسفينة من أعاليها عندما تكون آتية من بعيد، ولكن ذلك تكرر بنحو أكثري، إذاً فالتقارن بين كروية الأرض وبين رؤية أعالي السفينة من بعيد تقارن لزومي. ثم مع ذلك نجد أن لنا اطلاعا على ماهية السبب، وهو أن الرؤية -هذه المسألة الفيزيائية يعني أنك إذا رأيتها أنها لو كانت مستقيمة، شوف قياس آخر، لو كانت الأرض مستقيمة لرأيت أعاليها وأسفلها، لرأيت أسفلها في وقت واحد، ولكنك لم ترَ الأعلى والأسفل في وقت واحد، إذاً فلا بد أن هناك انحناء ما والسفينة غير منحنية، فلا بد أن المسافة بيني وبين السفينة هي التي حصل فيها انحناء، فالأرض منحنية فيحصل انحدار، إذاً فهي كروية.
فالتجريبيات توجد أو تثبت التقارن السببي من دون اطلاعنا على ماهية السبب، بخلاف الحدسيات. وهذا عندي أنا ليس بشيء حقيقة، هو أرجع الحدسيات إلى أن تكون تجريبيات حقيقة ثم أضاف إليها هذه الضميّة، وفي الحقيقة أن الحدسيات تحتاج إلى تكرر المشاهدة؛ لأنك إذا اطلعت على وجود السبب من أول الأمر ثبت التقارن اللزومي، فلا تحتاج إلى أن تثبت التقارن اللزومي عن طريق الاتفاق لا يكون أكثرية، يكفيك أن تطلع على السبب.
الحدسيات هي كما شرحناها هي قضايا نظرية تحتاج في ثبوت محمولها لموضوعها إلى حد أوسط، غاية ما في الأمر أن الحد الأوسط لقربه من البال فإن الذهن يستند إليه من غير أن يستحضر صورته فيلتفي فيها فيمارس العملية الفكرية من دون الالتفات الواعي والتفصيلي إلى ذلك الحد الأوسط بحيث يحصل له التفات بأدنى تأمل، هي حقيقة هذه حقيقة الحدسيات، فهي أول معلوم يجده الذهن عندما ينتقل إلى العملية إلى الحركة الدائرة.
نعم، كيف كان؟ هذا تمام الكلام في الحدسيات.
القضية أو النوع السادس والأخير من البديهيات هي القضايا الفطرية، وقد عرفها الماتن قدس سره بأنها قضايا قياساتها معها. ومعنى أن تكون القضية ذات قياس يعني أن المحمول لم يكن ضروريا الثبوت فيها لموضوعها، بل ثبوت المحمول فيها للموضوع هو ناتج إجراء قياس في رتبة سابقة. ومعنى أن تكون القضية ثابتة بقياس أن للقضية حدا أوسط هو الذي اقتضى ثبوت المحمول للموضوع، غير أن هذا الوسط دائما يكون مع القضية، بحيث كلما استحضرت القضية استحضرت ذلك الوسط معه، فهي قضية شوف قياسها معها، كلما استحضرت القضية فإن الوسط لا يغيب عن تلك عن أطرافها.
فإن قلت: فما الفرق حينئذ بين الفطريات وبين الحدسيات؟ قلت: أما الحدسيات فهي قضايا يحتاج في إثبات المحمول فيها إلى موضوعها إلى وسط، غير أن هذا الوسط يتم الاعتماد عليه من دون استحضاره بطريقة واعية، ثم إذا حصل للذهن أن يتأمل في القضية استحضره فيما بعد وبعد الحكم. وأما في الفطريات فإنها قضايا كالحدسيات في أن إثبات المحمول للموضوع يحتاج إلى حد أوسط، غير أن الأوسط يتم الاعتماد عليه مع استحضاره، بحيث كلما استحضرت طرفي القضية لم يغب عنك ذلك الوسط.
مثاله الدقيق قولنا: الكل أعظم من الجزء، فإن الكل -التفت تصور الكل، تصور الكل لا يستبطن تصور العظمة ما لم تتصور الجزء والنسبة والحكم بينهما- فليست قضية أولية، فلا بد من وجود وسط حينئذ؛ لأن المحمول إذا لم يكن ضروريا الثبوت لموضوعه فلا بد أن شيئا ما هو الذي اقتضى الثبوت لاستحالة وجود الممكن من دون علة، فالمحمول عندما يثبت للموضوع ولا يكون ذات الموضوع مقتضيا للمحمول إذاً فالمحمول بالنسبة إلى ذلك الموضوع ممكن الوجود، فلا بد من وجود وسط، لابد من وجود علة، هذه العلة هي الحد الأوسط. ولكن كلما تصورنا الكل والجزء حصل لنا تصور؛ لأن الكل عبارة عن الجزء وزيادة، وأن الجزء عبارة عن جزء من دون تلك الزيادة، وهذا بنفسه يكون حدا أوسط، وهذا يحصل الاعتماد عليه مع الالتفات لا من دون الالتفات بخلاف الحدسيات.
هذا تمام الكلام في القضايا التي هي أصول البديهيات، أو التي هي نعم أصول البديهيات، وبالتالي أصول اليقينيات. وهذه القضايا حقيقة يختلف الاعتقاد بها ويختلف تحليلها باختلاف المذهب المعرفي الذي نتبناه في نظرية المعرفة. ولذلك هذه الأبحاث لم تلقَ اهتماماً حقيقة عند المناطق القدماء، ولكنها تستحق أن تكون علماً مستقلاً قائماً برأسه تحت عنوان نظرية المعرفة، وهي أن المصادر التي نعتمد عليها في تحصيل معارفنا ما هي؟ هل يصح لنا أن نعتمد في تحصيل معارفنا على الحدس سواء بالمعنى الذي ذكرناه أو بالمعنى الذي يذكره آخرون؟ هل يمكننا أن نعتمد في تحصيلنا لمعارفنا على العقل حتى يكون هناك قضايا أولية أو أن المعرفة منحصرة بالتجريبيات فلا يسعنا إلا أن نتمسك بالتجريبيات مثلاً؟ وإذا كنا نتمسك بالتجريبيات فكيف توصل التجريبيات إلى اليقين؟ هنا يقع البحث وهنا تختلف طريقة رؤيتنا للقضايا، ولذلك مثلاً عند الفلاسفة لا يوجد عندنا قضايا بديهية إلا قضيتان: اجتماع النقيضين محال، والمعلول لا يتخلف عن علته، هاتان قضيتان أوليتان سابقتان على الحس والتجريب. أما عند مثل السيد الشهيد فقضية المعلول يحتاج إلى علة هذه قضية ثابتة بالاستقراء، إذاً فهي نتاج التجريبيات، فهي من القضايا التجريبية، وهكذا تختلف النتائج ومعها تختلف طريقة رؤيتنا للأمور وطريقة استدلالنا.
وسيأتي الآن في القضايا المشهورة ما يزيد المطلب تعقيدا عندما نتعرض إلى القضايا المشهورات، واقعا نقع في معضلة كبيرة سوف نتعرض إليها. ولكن نقرا هذا المقدار أولاً.
قال قدس سره: (المتواترات، وهي قضايا تسكن إليها النفس سكونا يزول معه الشك ويحصل الجزم القاطع، وذلك بواسطة)، طيب كيف حصل الجزم؟ قال: (بواسطة إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب)، هذا الامتناع، امتناع عقلي يلزم أن يكونوا معصومين جميعا، وإذا كانوا جميعا معصومين فلا نحتاج إلا لإخبار معصوم واحد فلا نحتاج إلى تعدد الجماعة، إذا ما هو الامتناع ها هنا؟ إذا كان الامتناع عقلياً سلمنا، يعني شوف الإشكال، إذا كان الامتناع عقلياً فقد سلمنا أن القضية تفيد اليقين، ولكننا حينئذ لا نحتاج إلى تعدد الإخبار، بل يكفينا إخبار واحد من هؤلاء المعصومين. وإن كان الامتناع غير عقلي فهو امتناع عرفي. فكيف كان مثل الامتناع العرفي بحيث يلغي احتمال الخطأ أو الكذب؟ ولذلك نحتاج إلى تصحيح القضية المتواترة، نحتاج إلى مدرسة معرفية تصحح لنا حقيقة القضية المتواترة.
طيب قال: (ويمتنع اتفاق خطئهم في فهم الحادثة كعلمنا بوجود البلدان النائية التي لم نشاهدها وبنزول القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وآله وبوجود بعض الأمم السالفة أو الأشخاص كعلمنا مثلا بوجود مسيلمه الكذاب) هي إخبارات شخصية تعددت وهكذا.
التفت والتفت جيدا، دائما القضية المتواترة يجب أن تكون الإخبارات بنحو عرضي لا بنحو طولي، وإلا إذا كنت أنا صانع الخبر وأنت أخذت عني وهو أخذ عنك وهكذا، فاحتمال كذب كل واحد ناشئ من احتمال كذبي تمام بالعكس، أكثر من هيك هو يصبح احتمال الكذب عند الناقل هو عبارة عن مجموع احتمال الكذب عند المنقول عنه مع احتمال الكذب عنده، فحقيقة كلما تعددت الإخبارات زادت نسبة احتمال الكاذب، بخلاف ما إذا كان المخبرون في عرض واحد فإن احتمال اتفاقهم على أن يكذبوا سوف يتضاءل كلما زاد العدد.
طيب قال: (وبعض حصر عدد المخبرين لحصر حصول التواتر في عدد معين وهو خطأ فإن المدار إنما هو)، التفت صح خطا صح أفتى بخطأه ولكن لم يبين الوجه في تضاءل نسبة الكذب، قال: (فإن المدار إنما هو حصول اليقين من الشهادات عندما يعلم امتناع التواطئ على الكذب)، هكذا كانوا يتعاملون مع القضية المتواترة بهذه الطريقة الهامشية، وامتناع خطأ الجميع ولا يرتبط اليقين بعدد مخصوص من المخبرين تؤثر فيه الزيادة والنقصان.
طيب، الحدسيات قال: (وهي قضايا مبدأ الحكم بها حدس من النفس قوي جدا يزول معه الشك ويذعن الذهن بمضمونها). تمام، التفتوا، الحدس بهذا المعنى الآن كثيرا ما يكون يجري جدال بين عامة الناس مثلا، ما هو يقال ما هو دليلك على كذا؟ قل ليس عندي دليل، ولكن أشعر هكذا تمام. هذا حدس بالطريقة التي يتكلم بها الماتن قدس سره يكون هكذا. ولكن هذه لا يمكن أن تكون حجة، لا يمكن أن يكون مجرد التعنت والأساس أنا أشعر بأن فلانا كان يكذب علينا مثلا، هو مجرد شعور هذا لا يمكن أن يكون حجة من الناحية المعرفية.
الحدس عبارة عن وجود حد أوسط حقيقي يعتمد عليه الذهن من دون أن يلتفت إليه، من دون أن يستحضره بطريقة واعية، أو فقل يستحضره بطريقة لا واعية تجتمع مع الغفلة. تمام، قال: (مثل حكمنا بأن القمر وزهرة وعطارد وسائر الكواكب السيارة مستفاد نورها من نور الشمس، وأن انعكاس شعاع نورها إلى الأرض يضاهي انعكاس الأشعة من المرآة إلى الاجسام التي تقابلها. ومنشأ هذا الحكم أو الحدس) -شوف حد أوسط ما هو؟- (اختلاف تشكلها عند اختلاف نسبتها من الشمس قربا وبعدا) ولذلك القمر مثلا يبدو لنا بشكل هلال في أول الشهر ويبدو لنا بدرا في وسط الشهر؛ لأن وضعية الشمس سوف تختلف في أوله عنه في أول الشهر عنه في وسط الشهر، ولذلك لا يكون هناك حاجب في وسط الشهر فيتراءى لنا بدرا؛ لأن أشعة الشمس تنعكس على كل القمر. وأما عندما يحجب القمر بعضه عن ضوء الشمس فسوف لا يضيء منه إلا الطرف الذي بقي خارج الحجب، وهكذا.
طيب، ومنشأ هذا الحكم أو الحدس اختلاف تشكلها عند اختلاف نسبتها من الشمس قرباً وبعداً، وكحكمنا بأن الأرض على هيئة الكرة؛ وذلك لمشاهدة السفن مثلاً في البحر أول ما يبدو منها تشاهد أعاليها، ثم تظهر بالتدريج كلما قربت من الشاطئ، فلو كانت الأرض كروية لرأينا أعاليها وأسفلها في وقت واحد، فلا بد أن هناك انحناء ما هو الذي حجب الرؤية وهذا الانحناء إنما هو في الأرض. وكحكم علماء الهيئة حديثا بدوران السيارات -يعني الكواكب السيارة- حول الشمس وجاذبية الشمس لها لمشاهدة اختلاف أوضاع هذه السيارات بالنسبة إلى الشمس والينا على وجه يثير الحدس بذلك.
والحدسيات جارية مجرى المجربة -يعني كأننا في الحدسيات نستحضر الحكم قبل أن نستحضر الأوسط تمام- ومعنى أننا نستحضر الحكم أن الأوسط موجود وإلا كيف حكمنا؟ ولكن اعتمدنا عليه بطريقة غير واعية. تمام، وهناك الكثير من الأمور في حياتنا التي نعتمد عليها من دون أن نلتفت إلى وجودها، نحن يعني نعتمد عليها إذاً فلا بد أننا باللاوعي حكمنا بوجودها، ثم بعد ذلك إذا رأيناها نذهل ونظن أننا لم نكن ملتفتين إليها، هذا يحتاج إلى علم النفس.
كيف كان؟ قال: (والحدسيات جارية مجرى المجربات في الأمرين المذكورين، أعني تكرر المشاهدة ومقارنة القياس الخفي، فإنه يقال في القياس مثلاً هذا المشاهد من الاختلاف في نور القمر لو كان بالاتفاق أو بأمر خارج سوى الشمس لما استمر على نمط واحد على طول الزمن، ولما كان على هذه الصورة من الاختلاف فيحدث الذهن أن سببه انعكاس أشعة الشمس عليه، وهذا القياس المقارن للحدس يختلف باختلاف العلل في ماهياتها باختلاف الموارد. وليس كذلك المجربات، فإن لها قياسا واحدا، وهو أن تقول التقارن لو كان اتفاقيا لما كان أكثريا ولكنه كان أكثريا)، استثناء نقيض التالي ينتج نقيضا مقدما.
ليش قال؟ لأن السبب فيها -يعني في التجريبيات- غير معلوم الماهية إلا من جهة كونه سببا فقط، غاية ما نستكشفه أن هناك تقارنا لزوميا بين الظاهرتين. هذا التقارن اللزومي هل جاء من جهة أن الظاهرة الأولى هي التي تقتضي الأولى أو الثانية هي التي تقتضي لا عفوا الظاهرة الأولى هي التي تقتضي الثانية أو الثانية هي التي تقتضي الأولى، أو أنهما ظاهرتان معلولتان لعلة ثالثة، هذا لا يمكن أن تعلمه من مجرد التجريبيات. تمام.
قال: (وذلك أن الفرق بين المجربات والحدسيات أن المجربات إنما يحكم فيها بوجود سبب ما وأن هذا السبب موجود في الشيء الذي تتفق له هذه الظاهرة من غير تعيين لماهية السبب) الآن تقول هناك تقارن لزومي مثلاً بين التمساحية وبين حركة الفك الأعلى، ولكن هل التمساحية بما هي تمساحية هي التي اقتضت حركة الفك الأعلى أو أن التمساحية تقتضي شيئا هو يقتضي بدوره تحريك الفك الأعلى، لا تعلم. وهكذا. أما في الحدسيات فإنها بالإضافة إلى ذلك يحكم فيها بتعيين ماهية السبب أنه أي شيء هو.
وفي الحقيقة أن الحدسيات مجربات مع إضافة، أنا الذي قلته أن الحدسيات هي تلك الإضافـة بعيداً عن المجربات، نفس الإضافة هي الحدسيات. تمام؟ غايتها أن نقول إننا في مثل هذه القضية نحتاج إلى القضية التجريبية أولاً، نحتاج إلى التجريبيات لنثبت التقارن اللزومي، ثم بعد ذلك نحتاج إلى القضية الحدسية لنثبت ماهية السبب، والاضافة هي الحدس بماهية السبب، ولذا ألحقوا الحدسيات بالمجربات.
قال الشيخ العظيم الخواجة نصير الدين الطوسي في شرح الإشارات: إن السبب في المجربات معلوم السببية غير معلوم الماهية، يعني تعلم أن هناك سببية بينهما، ولكن لا تعلم حقيقة السبب ما هو، وفي الحدسيات معلوم بالوجهين، يعني معلوم السببية معلوم ماهية السبب.
ومن مارس العلوم يحصل له من هذا الجنس على طريق الحدس قضايا كثيرة قد لا يمكنه إقامة البرهان عليها، ولا يمكنه الشك فيها، أشبه ما يكون بالإشكال الذي ينشأ عند الطالب الذكي، عندما يكون الأستاذ في مقام شرح الدرس التلميذ يحصل عنده إشكال بطريقة دفعية، ولكنه إذا جاء ليصيغ هذا الاشكال يجد نفسه عاجزا عن صياغة الإشكال، شعر أن هناك خللا ما في المطلب، جيد؟ فوقفت نفسه موقف المعترض ولكنه لم يلتفت بعد ذلك إلى حقيقة هذا الاشكال، ولذا يجد لنا نفسه عاجزا عن صياغة الإشكال إلا بعد التأمل، مع أنه وقفت نفسه موقف المعترض من هذا المطلب.
إذاً فلا بد أنه قد اعتمد على وجود حد أوسط، جيد؟ ولكنه لم يستحضره استحضارا بصورة ملتفتة. قال: (كما لا يسعه أن يشرك غيره فيها بالتعليم والتلقين)؛ لأنه هو لم يستحضرها بطريقة واعية، يعني هو لا يستطيع أن يعبر عنها بتعبير حصولي. تمام؟ ولذلك لا يستطيع أن ينقل ذلك التصور إلى غيره، إلا أن يرشد الطالب إلى الطريق التي سلكها، فإن استطاع الطالب بنفسه سلوك الطريق قد يفضيه إلى الاعتقاد إذا كان ذا قوة ذهنية وصفاء نفس، فلذلك هنا يخض يوجد خلط بين المصطلحات، صفاء نفس لا يحتاج إلى صفاء نفس، نحن لا نتحدث عن الحدس الذي لا يكون إلا عند المعصومين عليهم السلام، فلذلك لو جحد مثل هذه القضايا جاحد فإن الحادس يعجز عن إثباتها له على سبيل المثل المذاكرة والتلقين ما لم يحصل للجاحد نفس الطريق إلى الحدس.
وكذلك المجربات والمتواترات لا يمكن إثباتها بالمذاكرة والتلقين ما لم يحصل للطالب ما حصل للمجرب من التجربة وللمتيقن بالخبر من التواتر، ولهذا يختلف الناس في الحدسيات والمجربات والمتواترات وإن كانت كلها من أقسام البديهيات، وليست الأوليات كذلك فإن الناس في اليقين بها شرع سواء. جيد؟ وكذلك المحسوسات عند من كانوا صحيحي الحواس.
إذاً عجب! إذن الحس المحسوسات أيضا تقبل الخطأ إذا أخطا الحس، والأوليات أيضا تقبل الخطأ إذا أخطأت في تصورك، ومثلها الفطريات الآتي ذكرها.
قال: (الفطريات، وهي القضايا التي قياساتها معها)، أي أن العقل لا يصدق بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات، بل لابد من وسط، إلا أن هذا الوسط -شوف- ليس مما يذهب عن الذهن، يعني دائما تستحضره وبصورة ملتفتة واعية، وهذا فرقها عن الحدسيات، لا، ليس مما يذهب عن الذهن حتى يحتاج إلى طلب وفكر، فكلما أحضر المطلوب في الذهن حضر التصديق به لحضور الوسط معه، فهذا هو الفارق بين الحدسيات وبين الفطريات، كلاهما يحتاج إلى حركة إلى أي يحتاج إلى وسط، ولكن الوسط في الحدسيات يعتمد على وجوده من دون الالتفات إليه، ثم بالتامل يلتفت إليه، وفي الفطريات يعتمد على وجوده ويكون حاضرا بمجرد استحضار طرفي القضية، فالفطريات أقوى من الحدسيات حقيقة.
فكلما أحضر المطلوب في الذهن حضر التصديق به لحضور الوسط معه. تمام؟ مثل حكمنا بأن الاثنين خمس العشرة. طبعا لا أريد أن أنا الأمثال لا أناقش فيها، تمام؟ ولكن أفضل مثال للفطريات الكل أعظم من الجزء، ولكن الماتن عدها من الأوليات على ما عرفنا.
قال: (مثل حكمنا بأن الاثنين خمس العشرة، فإن هذا حكم بديهي، إلا أنه معلوم بوسط؛ لأن الاثنين عدد قد انقسمت العشرة إليه وإلى أربعة أقسام أخرى، يعني خمس اثنينات، تمام؟ كل منها يساويه، وكل ما ينقسم وكل ما ينقسم عدد إليه وإلى أربعة أقسام أخرى كل منها يساويه فهو خمس العشرة لذلك العدد، فالاثنان خمس العشرة). ومثل هذا القياس حاضر في الذهن، لا يحتاج إلى كسب ونظر، ومثل هذا القياس يجري في كل نسبة، في كل نسبة عدد إلى آخر، غير أن هذه النسب يختلف بعضها عن بعض في سرعة مبادرة الذهن إلى المطلوب وعدمها بسبب قلة الأعداد وزيادتها، إلى آخره.
هذا تمام الكلام في اليقينيات، فأي نتيجة لا ترجع إلى واحدة من هذه الأنواع الست فلا تكون نتيجة يقينية. وإنما انتهيت بهذه النتيجة لأمهد إلى الإشكال الآتي غدا إن شاء الله عندما نتعرض إلى القضايا المشهورة، يأتي ذلك غدا إن شاء الله والحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد.
