دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 94
094
مقدمة في مبادئ الأقيسة غير اليقينية وظن المعنى الاصطلاحي
بعد أن تم الماتن كلامه على اليقينيات، شرع في بيان مبادئ الأقيسة الأخرى. والحاصل أن القياس الذي يتألف من يقينيات سوف تكون نتيجته يقينية، وتسمى صناعة اليقينيات البرهان، وسوف نتعرض إلى ذلك مفصلاً في محله.
من مبادئ المطالب أيضاً، أي من الأقيسة، ما يتركب من مقدمات غير يقينية، فتكون مبادئ هذا القياس مبادئ غير يقينية، كما إذا كانت المبادئ عبارة عن مظنونات. والمراد من القضية الظنية هي القضية التي يكون الاعتقاد بها اعتقاداً غير جازم، أو فقل هي القضية التي نرجح ونذعن فيها، إلا أن هذا الترجيح لا يكون مع نفي الطرف الآخر، بل يكون ترجيحاً لأحد الطرفين، ولكن مع احتمال الطرف الآخر.
والحاصل أن للظن معنيين، أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي. أما بالمعنى اللغوي للظن، فهو عبارة عن الاعتقاد بالنسبه مع فقد الدليل عليها، أو فقل: هو اعتقاد بثبوت الخبر أو بنفيه من دون دليل يدل على ذلك الثبوت أو على ذلك النفي. والظن بهذا المعنى يشمل موارد ثلاثة:
1. المورد الأول: ما إذا كان الاعتقاد جازماً مطابقاً للواقع، إلا أن المعتقد لم يكن بين يديه دليل يدل على ذلك الاعتقاد، كما إذا اعتقدنا ومن غير دليل بأن الله واحد، أو فقل كما إذا اعتقدنا عن تقليد بأن الله واحد، فهذا الاعتقاد يصدق أنه اعتقاد بالشيء من غير دليل يدل عليه، وهو اعتقاد جازم مطابق للواقع.
2. المورد الثاني: أن يكون الاعتقاد جازماً غير مطابق للواقع، وهو الجهل المركب؛ إذ يصدق في مورد الجهل المركب أن هناك اعتقاداً من غير دليل.
3. المورد الثالث: أن يكون هناك اعتقاد ولا يكون ذلك الاعتقاد جازماً. وهذا المورد الأخير هو الظن بالمعنى الاصطلاحي الخاص.
والحاصل أن الظن يطلق ويراد منه أحد معنيين: إما الظن بالمعنى اللغوي وإما الظن بالمعنى الاصطلاحي. أما الظن بمعناه اللغوي فهو عبارة عن الاعتقاد من غير دليل، لم يؤخذ في الظن اللغوي إلا هذان القيدان: اعتقاد من غير دليل، سواء كان الاعتقاد جازماً أو لم يكن جازماً، وإذا كان جازماً فسواء كان مطابقاً للواقع أو لم يكن مطابقاً للواقع. فهذه ثلاثة موارد.
وأما الظن بمعناه الخاص، فيطلق على واحد من هذه الموارد الثلاثة فقط، وهو ما كان اعتقاداً غير جازم، وهو الظن الذي في قبال اليقين على ما سبق. وقد ظهر من ذلك أنه يوجد بين الظن بالمعنى الاصطلاحي وبين الظن بالمعنى اللغوي عموم وخصوص مطلق، فالظن بمعناه الاصطلاحي أخص مطلقاً من الظن بمعناه اللغوي.
وبين الظن بالمعنى اللغوي وبين اليقين بالمعنى الأعم يوجد عموم وخصوص من وجه، وبين الظن بالمعنى اللغوي واليقين بالمعنى الأخص توجد نسبة التباين.
أما النسبة بين الظن بالمعنى اللغوي وبين اليقين بالمعنى الأخص فهي التباين؛ وذلك لأننا في اليقين بالمعنى الأخص قد أخذنا في الاعتقاد أن يكون عن دليل لا عن تقليد، وفي الظن بالمعنى اللغوي قد أخذنا نقيض هذا القيد، إذ قلنا: هو اعتقاد من غير دليل. فاشتمل أحدهما على قيد هو ضد ما اشتمل عليه الآخر من القيود، إذن فلا يمكن أن يجتمعا في مورد، فلا شيء من اليقين بالمعنى الأخص هو ظن لغوي، ولا شيء من الظن اللغوي هو يقين بالمعنى الأخص.
وأما بين اليقين بالمعنى الأعم وبين الظن اللغوي فيوجد عموم وخصوص من وجه؛ إذ يصدق أن بعض اليقين بالمعنى الأعم ليس ظناً لغوياً، وهو أي يقين؟ وهو اليقين الذي يكون عن دليل، هذا هو اليقين بالمعنى الأخص ولكنه مندرج تحت اليقين بالمعنى الأعم، يصدق عليه اليقين أيضاً. فبعض اليقين بالمعنى الأعم ليس ظناً لغوياً، وهو الاعتقاد الذي يكون معه دليل.
وبعض الظن اللغوي ليس يقيناً بالمعنى الأعم، وهو عبارة عن الاعتقاد غير الجازم، واليقين بالمعنى الأعم لابد أن يكون الاعتقاد فيه جازماً. ويصدق أن بعض اليقين بالمعنى الأعم ظن لغوي، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع من غير دليل يعني الذي يكون عن تقليد، فهذا يقين بالمعنى الأعم وهو ظن بالمعنى اللغوي أيضاً. فلما تداخلت الأقسام علم أننا لا نريد من المظنونات ها هنا الظن اللغوي، وإنما نريد الظن الاصطلاحي، وهو عبارة عن الاعتقاد غير الجازم.
والأقيسة التي تتركب من تلك القضايا الظنية لا يمكن أن تنتج نتيجة قطعية، بل لابد أن تكون النتيجة ظنية أيضاً. غاية ما في الأمر أن هذه النتيجة المستنتجة من مقدمتين ظنيتين هي نتيجة ظنية لازمة على تقدير المقدمات. بعبارة ثانية، إذا وجدت مقدمتان ظنيتان مع توفر شروط القياس، فإننا نقطع ويتيقن بحصول تلك النتيجة الظنية، فمتعلق القطع غير متعلق الظن، حتى لا يقع في وهم أحدنا مثل ذلك السؤال، وهو أن النتيجة يجب أن تكون لازمة للمقدمات فهي قطعية على تقدير صدق المقدمات، فكيف توفقون بين كون النتيجة لازمة قطعية وبين كونها ظنية؟ نقول: إن الظن متعلق بالنسبة بين موضوع القضية ومحمولها، وأما القطع فهو قطع بأن هذه النتيجة الظنية مترتبة على مقدمتين ظنيتين، فلا تهافت في المقام.
كيف كان؟ فمن القضايا التي نركب منها أقيسة القضايا الظنية، والنتيجة سوف تكون ظنية، وتسمى مثل هذه القضايا بالمظنونات. هذا تمام الكلام في مبادئ المطالب التي هي من قبيل المظنونات.
المشهورات وقسماها: المعنى الأعم والمعنى الأخص
من مبادئ المطالب أيضاً المشهورات، والمراد من القضية المشهورة ﴿القضية التي تطابقت آراء العقلاء عليها﴾، أو فقل: هي القضية التي اتفقت آراء العقلاء عليها، أو فقل: هي القضية التي اشتهرت بتوافق العقلاء عليها وتأييدها.
والقضية المشهورة أيضاً يطلق ويراد منها أحد معنيين، أحدهما أعم من الآخر. أما المعنى الأعم فهو أن يراد من القضية المشهورة القضية التي تطابقت آراء العقلاء عليها، سواء كان هذا التطابق هو السبب في تصحيح القضية، أو كانت القضية صحيحة من قبل ثم عرض لها ذلك التطابق.
بيان ذلك أن بعض القضايا لها واقع وراءها، فإن طابقت ذلك الواقع فهي القضية الصادقة، وإن لم تطابقه فهي القضية الكاذبة، كما تقول: «زيد قائم»، فإن لهذه النسبة الذهنية الحاصلة من هذه القضية واقعاً وراءها، إما أن تطابقه فتكون القضية صادقة أو لا. فيقال إن لمثل هذه القضية واقعاً بمعزل عن تطابق آراء العقلاء، فسواء أجمع العقلاء على قيام زيد أو لم يجمعوا، هذه القضية لا تكتسب صدقها من تطابق الآراء، ولا يؤثر تطابق الآراء شيئاً في صدقها وكذبها، فيقال: إن هذه القضية تكتسب صدقها من مطابقتها لواقعها.
ولكن تارة ثانية لا يكون للقضية واقع وراءها، كقضية احترام القادم بالقيام؛ أن نقوم له عندما يقدم علينا، هذه القضية ليس لها واقع وراءها، ولا يمكننا أن نستدل بدليل عقلي على أن احترام القادم لا يكون إلا بالقيام، ومع ذلك فإننا نشعر بأن لهذه القضية مصداقية، أو أننا نصحح هذه القضية ونأخذ بمضمونها، والسبب في ذلك هو أن العقلاء قد توافقوا على احترام القادم بالقيام.
فالقضية بمعزل عن تطابق آراء العقلاء ليس لها أي واقعية، لولا أن العقلاء هم الذين اتفقوا على إكرام القادم بالقيام لما كنا وجدنا أن مثل ذلك واجب علينا، ولما شعرنا بأننا ملزمون بالقيام له. أو مثلاً كتوافق العقلاء وجريان عادتهم على لبس الأسود لإظهار الحزن والأبيض لإظهار الفرح والسرور، هذه القضية ليس لها واقع وراء تطابق آراء العقلاء، يعني لولا تطابق العقلاء واتفاقهم على هذه المسألة لما كنا وجدنا أن لها أي مصداقية وأي صدق، يعني لما كنا شعرنا بأننا ملزمون بالعمل على مضمونها وعلى طبقها، فهي قضية إنما تكتسب واقعها من تطابق آراء العقلاء.
بخلاف قضية «الكل أعظم من الجزء»، الآن لو جاء جميع العقلاء واتفقوا على أن الجزء أعظم من الكل، سوف يبقى الكل أعظم من الجزء، وسواء حصل تطابق لآرائهم أو لم يحصل، فهذه القضية لها واقع نفس أمري، يعني في نفس الأمر والواقع هي صادقة بمعزل عن تطابق آراء العقلاء.
ومن هنا فإن تطابق آراء العقلاء، أي إن حصول الشهرة والتوافق بين العقلاء، تارة يكون هو السبب في صدق القضية، وتارة لا يكون سبباً في صدق القضية، وإنما يكون عارضاً على القضية بعد صدقها، ويكون صدقها منوطاً بمطابقتها للواقع. بعبارة سهلة: القضية تارة يكون لها واقع وراءها، وتارة ثانية تكتسب واقعها من تطابق آراء العقلاء.
والقضية التي تكتسب واقعها من تطابق آراء العقلاء سوف تنقلب قضية غير صادقة، تنقلب قضية كاذبة عندما يزول تطابق آراء العقلاء. ولذلك الآن لو حصل توافق جديد بين العقلاء على أن نرتدي اللون الأحمر عند الحزن، فسوف يصبح لبس الأحمر حسناً عند الحزن، ويكون لبس الأسود قبيحاً حينئذ؛ لأن هذه القضية إنما اكتسبت واقعها من تطابق آراء العقلاء، فيكون واقعها مرهوناً ببقاء ذلك التطابق، فإذا ما زال التطابق زال واقعه، وإذا ما تغير التطابق تغير الواقع.
إذا اتضح ذلك فنقول: إن الشهرة تطلق ويراد منها أحد معنيين أحدهما أعم من الآخر. أما المعنى الأعم للقضية المشهورة فهي القضية التي توافق عليها العقلاء، سواء -حتى شوف منشأ العنوان- سواء كان توافقهم على هذه القضية هو السبب في تصحيحها كما في مثل احترام القادم بالقيام، أو لم يكن هو السبب في تصحيحها بأن كانت صادقة من أول الأمر ثم جاء توافق آراء العقلاء عارضاً عليها، كقضية «الكل أعظم من الجزء»، الآن العقلاء متوافقون على هذه القضية مع أن صدق هذه القضية لا يتوقف على تطابق آرائهم وعدمه، أو مثل قولنا «النقيضان لا يجتمعان»، أو مثل قولنا «المعلول يحتاج إلى علة»، هذه القضايا بلا إشكال أن العقلاء تطابقت آراءهم عليها، ولكن ليس ذلك التطابق هو السر في هذه القضية.
وأما القضية المشهورة بالمعنى الأخص فهي القضية التي تطابقت آراء العقلاء عليها وليس لها واقع وراء تطابق العقلاء، يعني القضية المشهورة بالمعنى الأخص هي القضية التي تكتسب واقعها من تطابق آراء العقلاء. فالفرق على هذا بين اليقينيات والمشهورات بالمعنى الأخص أن اليقينيات لها واقع بمعزل عن حصول التطابق وعدمه، فإن طابقت تلك القضية واقعها تسمى صادقة وإن لم تطابقه سميت كاذبة.
وأما في المشهورات بالمعنى الأخص فهي قضايا ليس لها واقع إلا التطابق، ينشأ واقعها من تطابق آراء العقلاء، فإن طابقت آراء العقلاء ماذا تسمى؟ لا تسمى صادقة، تسمى حسنة، وإن لم تطابق آراء العقلاء تسمى قبيحة وشنيعة. فالقضية المشهورة على هذا لا تتصف بالصدق ولا بالكذب، وإنما تتصف بالحسن وبالقبح؛ لأن الصدق والكذب عبارة عن عدم مطابقة النسبة الذهنية للواقع، أيضاً لابد أن يكون هناك نسبة ذهنية وواقع ثم يتخالفان، فقد أخذ في الصدق والكذب وجود واقع وراء النسبة الذهنية. المشهورات لا واقع لها، فقد انتفى ما أُخذ في حد الصدق والكذب، ولذلك لا تسمى القضايا صادقة ولا كاذبة.
وليس هذا من قبيل رفع النقيضين؛ لأن النقيضين لا يرتفعان في مورد القضية التي لها واقع، ولكن في مورد القضية التي ليس لها واقع، لا مانع من أن يرتفعا، ليس رفعاً للنقيضين. فالقضية المشهورة لما لم يكن لها واقع وإنما تكتسب واقعها من تطابق العقلاء -وإنما حتى هذه الجملة مبنية على التسامح، وليس معنى هذا الكلام أن العقلاء هم الذين يوجدون واقعاً لها، نقول يعني تنشأ قيمتها من تطابق آراء العقلاء، فنعطي فهذه القيمة التي تنشأ هي التي نسميها واقعاً لها تسامحاً- فهذه القضية لما لم يكن لها واقع وراءها فلا تتصف بالصدق ولا بالكذب، نعم، إن طابقت آراء العقلاء فهي حسنة، وإلا فهي قبيحة.
هذا أو هذه هي القضية المشهورة بالمعنى الأخص، هي القضية التي تطابقت آراء العقلاء عليها على وجه يكون هذا التطابق هو السبب في تصحيح القضية وصيرورتها ذا قيمة، فهي قضايا لا عمدة في التصديق بها إلا الشهرة، فالشهرة هي التي تكسبها قيمة، وانتفاء هذه الشهرة هو الذي ينفي هذه القيمة، وهذا لأنها لا واقع لها وراء تطابق آراء العقلاء.
أقسام المشهورات باعتبار سبب الشهرة
إذا اتضح ذلك، فإن المشهورات تنقسم باعتبار سبب الشهرة إلى ستة أقسام على ما أذكر، نعم، إلى ستة أقسام. إذاً، القضية المشهورة هي القضية التي توافقت آراء العقلاء عليها، سواء كان التوافق هو الذي يعطيها قيمة، أو كان قيمة القضية نابعة من مطابقتها للواقع ثم عرض عليها ذلك التوافق، هذه الشهرة بالمعنى الأعم. الشهرة بالمعنى الأخص هي القضايا التي توافقت آراء العقلاء عليها وليس لها واقع وراء هذا التطابق والتوافق.
تنقسم القضايا المشهورة باعتبار سبب الشهرة، السبب الذي أدى بالعقلاء إلى أن يتوافقوا عليها، إلى ستة أشهر:
القسم الأول: واجِبات القبول
وقد سمي في كلامهم بالمشهورات واجبات القبول، وهي القضايا التي توافقت آراء العقلاء عليها، وكان السبب في هذا التوافق هو أن هذه القضايا، وإنما كانت هذه القضايا واجبة القبول لأنها قضايا يقينية أولية ثابتة بالبداهة أو ثابتة بالبرهان. فهذا حقيقة من أقسام المشهورات بالمعنى الأعم لا بالمعنى الأخص؛ ليش؟ لأنها قضايا تطابقت آراء العقلاء عليها، وكان السبب في حصول التطابق هو أن هذه القضايا مما يجب على الذهن أن يقبله، وإنما كان الذهن بحيث وجب عليه القبول؛ لأنه وجدها قضايا أولية يقينية أو نظرية برهانية، يعني مبرهن عليها، كقولنا: إن الكل أعظم من الجزء، أو إن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهذه من القضايا الواجبة القبول؛ ليش؟ لأن المحمول فيها منتزع من نفس مفهوم موضوعها. وهذا القسم ينبغي إسقاطه من القضايا المشهورة؛ لأن حديثنا إنما هو عن المشهورات بالمعنى الأخص، وهذه القضايا لما كانت واجبة القبول فلا بد لها واقع وراء تطابق العقلاء. كيف كان؟ إذن واجبات القبول هي ما كان السبب في شهرتها كونها حقاً جلياً، أي عبارة عن قضايا ثابتة بالبداهة كالأوليات والفطريات وسائر أقسام اليقينيات إن سلمناها جميعاً. تمام؟ هذا هو القسم الأول.
القسم الثاني: التأديبات الصلاحية (الآراء المحمودة)
القسم الثاني من القضايا المشهورة هي القضايا التي تسمى بالتأديبات الصلاحية، وتسمى أيضاً بالآراء المحمودة، وهي عبارة عن القضايا التي -الآن كل الأقسام الآتية هي أقسام للمشهورات بالمعنى الأخص، تمام؟ انتهينا من المشهورات بالمعنى الأعم- هي القضايا التي تتطابق آراء العقلاء عليها، يتفق العقلاء عليها، ويكون منشأ اتفاقهم، سبب اتفاقهم على هذه القضايا، أنها تحفظ النظام وتبقي على النوع الإنساني، وذلك كحكم العقلاء واتفاقهم على حسن العدل، وكحكمهم واتفاقهم على قبح الظلم وذم فاعله ومرتكبه.
الآن إذا أخذنا -طبعاً أنا أتحدث الآن بحسب ما ذكره الماتن قدس سره- الماتن قدس سره مثل لهذا النحو من القضايا، وهي القضايا التي تطابقت آراء العقلاء عليها وكان سبب هذا التطابق هو أن هذه القضايا تحفظ النوع الإنساني وتبقي على النظام، وذلك كقضية حسن العدل في قولهم «العدل حسن» وقضية قبح الظلم في قولهم «الظلم قبيح».
فنحن إذا أخذنا هاتين القضيتين، نجد أن هذه القضية لا يمكن إثباتها بالبرهان؛ لأن هذه القضية ليس لها واقع وراءها، وإنما اكتسب العدل حسنه من تطابق العقلاء على حسن العدل، فلولا أن العقلاء هم الذين حكموا على العدل بالحسن لما كان العدل حسناً، ولولا أنهم قد حكموا على الظلم بالقبح لما كان الظلم قبيحاً، فالظلم إنما يكتسب قبحه من تطابق آراء العقلاء.
ولنا أن نتساءل الآن: لمَ حكم العقلاء بحسن العدل وبقبح الظلم؟ فيأتي الجواب: إن السبب في حكمهم على العدل بالحسن وعلى الظلم بالقبح هو أن هاتين المسألتين دخيلتان في حفظ النظام البشري وبقاء النوع الإنساني. فلو أننا أباحنا لكل إنسان أن يتعدى على غيره لأفضى ذلك إلى الاقتتال، والاقتتال يوجب سفك الدماء، فتضيع النفس الإنسانية وينعدم النوع الإنساني. فلما وجد العقلاء أن حفظ النظام الإنساني واجب -لأن كل منا من فطرته يشعر بضرورة الحفاظ على وجوده، فحقيقة كل واحد منا إنما يرى ضرورة الحفاظ على وجوده هو، ولكن الحفاظ على وجودي أنا لا يتسنى لي إلا إذا حافظت على وجودك أنت، ليش؟ كل إنسان بفطرته بغريزته يصارع من أجل البقاء، وهذا واضح ظاهر بالوجدان- فأنا إنما أصارع من أجل الحفاظ على وجودي لا على وجودك؛ لأن وجودك لا يرتبط بوجودي، ولكن إذا أباح لنفسي بأن أعدوَ على حقوقك وأتملكها، فقد أباحت لك أن تعدوَ على حقوقي وأن تملكها، فصار في إباحة هذا الأمر من أجل نفسي إباحة لك من أجل نفسك، فصار هناك خطر وجودي على حياتي وعلى وجودي أنا، ولذلك أمنع نفسي عن التعدي عن حقوقك في مقابل أن تمنع نفسك من التعدي عن حقوقي؛ ليش؟ لأنني إذا أبحت التعدي على الحقوق فسوف يحصل الاقتتال، وربما أكون أنا الحلقة الأضعف في هذا الاقتتال، فينعدم وجودي وينعدم النوع الإنساني. هذه نظرية من النظريات، أنا حقيقة لا أعتبره النظرية الإسلامية، جيد؟ وإن كانت في كلماتهم بهذه الطريقة.
كيف كان؟ فإنسان من غريزته ووجدانه وفطرته يشعر بضرورة الحفاظ على بقائه فهو يصارع من أجل البقاء، وبقاء هذا الفرد محكوم ومرهون للحكم بضرورة بقاء الأفراد الآخرين، فلكي نحفظ ذلك النوع الإنساني تتوافق آراء العقلاء على حسن العدل وعلى قبح الظلم.
القضية «حسن العدل» و«قبح الظلم» عند الماتن قدس سره وعند كثير من المتكلمين هي من المشهورات وليست من القضايا اليقينية؛ وذلك لأنها عندهم ليس لها واقع وراءها إلا تطابق آراء العقلاء. وهذا المطلب بهذا البيان حقيقة في غاية الإشكال؛ وذلك لأن كل مباحث العدل في علم الكلام مبتنية في أساسها على حسن العادل وعلى قبح الظلم، ومعنى ذلك أن كل النتائج المترتبة في مباحث التوحيد والعدل هي نتائج موقوفة على هاتين القضيتين، فلو كانت هاتان القضيتان من المشهورات لكانت النتائج المترتبة على المشهورات من القضايا المشهورة أيضاً، فلا تكون عبارة عن نتائج يقينية برهانية. هذا في غاية الإشكال.
ولذلك لا يمكن عد هاتين القضيتين من القضايا المشهورة بالمعنى الأخص، والصحيح أنهما من القضايا الأولية، ولكن من القضايا الأولية العملية، لا من القضايا الأولية النظرية. بيان ذلك هذا يأتي إن شاء الله في علم الكلام نبينه، لا ندخل فيه ها هنا، ولكن عد هاتين القضيتين -وهما حسن العدل وقبح الظلم- من المشهورات يوجب أن تكون كل النتائج المترتبة عليهما نتائج مشهورة أيضاً؛ لأن النتيجة تتبع أخس المقدمات، وما يترتب على حسن العدل وقبح الظلم من النتائج الكلامية لا يعد ولا يحصى، منها وجوب عالم الآخرة مثلاً، منها وجوب الثواب والعقاب إلى آخره.
التحسين والتقبيح العقليين والنزاع بين العدلية والأشاعرة
كيف كان؟ الماتن قدس سره -لما تعرض إلى قضيتين: حسن العدل وقبح الظلم- ذكر من باب الاستطراد الإشكال الذي وقع بين العدلية من جهة وبين الأشاعرة من جهة أخرى. والحاصل أنه قد وقع النزاع بين المتكلمين، يعني أهل العقائد، في حسن وقبح الأفعال، فذهب العدلية إلى أن الأفعال تتصف بالحسن والقبح بمعزل عن رأي الشارع فيها وعن وجوده وبمعزل عن قضية الشارع الأقدس، فللأفعال صفة واقعية هي إما الحسن وإما القبح، فالكذب قبيح سواء عاقب عليه الشارع أم لم يعاقب عليه، والصدقة حسنة بحكم الشارع أو من دونه.
فذهب هؤلاء إلى أن العقل يدرك لوحده وبمعزل عن معونة الشارع، يدرك لوحده الحسن والقبح الكائن في الأفعال، كل فعل إذا أخذناه على -طبعاً بعض الأفعال قد لا تتصف بنفسها بالحسن أو بالقبح، لا نتحدث عن كل الأفعال، ولكن يكفينا أن يكون هناك فعل واحد يكون بحيث يتصف بالحسن أو بالقبح بمعزل عن رأي الشارع- فذهب هؤلاء إلى أن للعقل قدرة على إدراك الحسن والقبح الكائن في الأفعال، وأن الحسن والقبح صفتان واقعيتان قائمتان في الأفعال بمعزل عن اعتبار الشارع ورأيه، وسمي هؤلاء بالعدلية؛ لأن مبحث العدل متفرع على الإيمان بهذه القضية، ويقال لهذا المذهب التحسين والتقبيح العقلي؛ لأنهم يرون أن العقل هو الذي يدرك الحسن والقبح في الأفعال، ولذلك يقال إن الحسن والقبح عقليان.
وأما الأشاعرة فقد خالفوا في ذلك، فذهبوا إلى أن العقل لا يدرك القبح ولا الحسن بنفسه، بل إن الفعل لا يتصف بنفسه بأي حسن ولا بأي قبح، وإنما يكتسب الفعل حسنه وقبحه من رأي الشارع نفسه. فإذا قال الشارع إن العدل حسن، صار العدل حسناً بسبب حكم الشارع بذلك، فالحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه الشارع، ولذلك هم لا يجدون مانعاً في أن يعاقب الله المحسن وأن يثيب المسيء؛ لأن عقاب المسيء أو عقاب المحسن لا يتصف بالحسن وبالقبح بمعزل عن رأي الشارع، فإذا ما أقدم الشارع على هذا الفعل صار الفعل حسناً؛ لأن الحسن إنما يقع وصفاً للفعل بعد ممارسة الشارع له أو بعد أمر الشارع به، وهكذا.
فوقع الخلاف في أن الحسن والقبح هل هما عقليان أم هما شرعيان؟ بمعنى أن الذي يدرك الحسن والقبح في الأفعال هل هو العقل؟ أو أن الذي يدرك الحسن والقبح هو الشارع؟
أما العدلية فقد ذهبوا إلى أن العقل هو الذي يدرك الحسن والقبح الكائن في الأفعال، ولازم ذلك أن العقل إذا حكم بقبح الظلم فلا يمكن للشارع أن يكون ظالماً؛ لأنه واحد من العقلاء بل هو سيد العقلاء، والعقل إذا أدرك قبح ثواب المسيء فالشارع لا يمكن له أن يثيب المسيء؛ لأنه واحد من العقلاء بل هو سيد العقلاء. ولذلك يترتب على القول بالحسن والقبح العقليين أن المولى لا يخالف حكم العقل.
وأما الأشاعرة فقد ذهبوا إلى أن الحسن والقبح شرعيان، بمعنى أن الفعل قبل رأي الشارع فيه لا يتصف لا بحسن ولا بقبح، وإنما يكتسب حسنه وقبحه من تحسين الشارع له أو من تقبيحه له، فإذا ما أقدم الشارع على شيء فلا بد أن ذلك الشيء حسن، فالحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه الشارع، فلو أن الله تعالى أراد أن يعاقب المحسن أو أن يسيء إلى المحسن -عفواً، أن يعاقب المحسن أو أن يثيب المسيء- لانقلب ذلك حسناً؛ لأن الفعل بمعزل عن رأي الشارع فيه لا يتصف لا بحسن ولا بقبح، فإذا ما ارتكبه الشارع فلا بد أنه لا يرتكب القبيح -هم ينزهون الشارع عن القبيح، إذن فما ارتكبه صار حسناً- فإذا أراد الله عز وجل أن يظلم سوف ينقلب الظلم حسناً، وإذا ترك العدل فالعدل قبيح، ولذلك لا مانع عندهم أن يثيب المسيء وأن يسيء إلى المحسن. جيد، ومن هذا الباب جاءت الحكم الإلهية في تقديم المفضول على أمير المؤمنين (عليه السلام) مثلاً، انقلب ذلك حسناً لأن الحسن ما حسنه الشارع، ولذلك تجد ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة يصدر شرحه بهذه الجملة: «الحمد لله الذي قدم المفضول على الفاضل لحكمة اقتضاها»، انقلب ذلك حسناً مثلاً ونسب إلى الإرادة الإلهية، بمعنى أن الله عز وجل هو الذي أراد ذلك عن شوق ورغبة إلى آخره، وعلى هذا الأساس تصحح خلافة جميع الخلفاء، الخلفاء الظالمين.
كيف كان؟ هذا هو الخلاف بين العدلية وهم الإمامية والمعتزلة من جهه وبين الأشاعرة وهم طائفة من أهل السنة وهي الطائفة الحاكمة أو الموجودة الآن -لم يعد هناك وجود للمعتزله في زماننا-.
كيف كان؟ طيب، أما الأشاعرة فقد استدلوا على مطلبهم هذا بجمله من الأدلة، ولكن سوف نتعرض فقط لدليلين ههنا لوجودهما في كلام الماتن قدس سره:
الدليل الأول: أن الحسن والقبح لو كانا عقليين فهذا يعني أن العقل هو الذي يدرك الحسن والقبح قبل رأي الشارع، ولازم ذلك أن الشارع سوف يكون ملزماً بإطاعة حكم العقل، فيكون في هذا تحديد لسلطة المولى وتضييق لدائرة مولويته، حتى كأنه صار ممنوعاً من الظلم وصار العدل عليه واجباً، فتنزيهاً لدائرة المولوية عن التقييد حكموا بأن الحسن والقبح شرعيان. لأن العدلية عندما قالوا إن الحسن والقبح عقليان يعني أن العقل هو الذي يدرك الحسن والقبح، رتبوا على ذلك أن الشارع واحد من العقلاء بل هو سيدهم فلا يمكن له -شوف هذا- لا يمكن له أن يخالف حكم العقل، هذه كلمة «لا يمكن له» فهمت في كلامهم على أنها تحديد لدائرة المولوية وتحديد لسلطة المولى، فكأنه لم يعد بإمكانه أن يظلم، وربما صيغت الإشكال بهذه الطريقة: فنحن نتساءل، إما أن يكون قادراً على الظلم أو غير قادر عليه، لم يكن قادراً عليه مثلاً، وهكذا تصاغ بقية الإشكالية. وهذا يأتي جوابه، هو واضح جوابه أصلاً، ولكن يأتي جوابه مفصلاً في العقائد.
الدليل الثاني على مطلبهم، وهو الذي له ارتباط بمطلبنا المنطقي، هو أن الحسن والقبح لو كانا عقليين لما وقع الخلاف فيهما بين العقلاء؛ لأن العقل البشري واحد عند جميع الماهية الإنسانية، أفراد الماهية الإنسانية. فلو كان الحسن والقبح عقليين لما وقع الخلاف بينهما عند العقلاء، وقد وقع الخلاف بلا إشكال؛ لأن الفعل الواحد قد نصفه نحن بالحسن وتصفه جماعة أخرى بالقبح. فعلم من هذا الاختلاف أن المسألة ليست بحكم العقل، أن الحسن والقبح ليس بحكم العقل؛ لأن القضايا التي يحكم العقل فيها هي القضايا اليقينية، أو فقل هي القضايا اليقينية ومرجعها إلى الأوليات، ومع تصور أطراف القضية تصوراً صحيحاً سوف لا يكون هناك مجال لوقوع الخلاف في القضايا الأولية. فلو كان الحسن والقبح إنما يدرك بالعقل لما وقع الخلاف بين العقلاء، وقد وقع الخلاف بين العقلاء، استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، إذاً فالحسن والقبح ليسا عقليين.
جواب الماتن وتفصيل العقل النظري والعقل العملي
الماتن قدس سره أراد أن يجيب عن هذا الإشكال، وحاصل جوابه قدس سره مبتن على مقدمة وهي أن العقل قد قُسّم عندهم إلى قسمين: إلى العقل النظري وإلى العقل العملي. وليس هذا في الحقيقة تقسيماً للعقل؛ لأن العقل واحد، ولكن المدركات التي ندركها نحن هي التي تنقسم إلى قسمين؛ لأن الشيء الذي ندركه تارة يكون من شأنه أن يُعلم فهو مدرك نظري، وتارة يكون من شأنه أن يُفعل فهو مدرك عملي.
ثم فالتقسيم حقيقة لا للمدرك وإنما للمدركات، المدرك هو العقل، العقل واحد، ولكن العقل إذا أدرك معلومة من شأنها أن تعلم فقط فيقال لهذا المدرك إنه مدرك نظري، ليس له أي ارتباط بالجانب العملية، ويقال للعقل إنه عقل نظري لأنه أدرك مدركاً نظرياً، فالعقل واحد ولكنه يسمى نظرياً إذا كان قد أدرك مدركاً من شأنه أن يُعلم فقط، ويسمى عملياً إذا أدرك مدركاً من شأنه أن يعمل أن يُفعل في الخارج.
فمن المدركات النظرية مثلاً قولنا: «الكل أعظم من الجزء»، هذه القضية علمنا بهذه القضية لا يبعثنا مباشرة على ارتكاب أي شيء في الخارج، فالعلم بهذه القضية لا يبعث على ارتكاب شيء، تجد أن هذه القضية من شأنها أن تعلم، نعم قد تستخدمها في مجال تطبيقي فيما بعد، ولكن نفس هذه القضية، نفس العلم بها ليس باعثاً على ارتكاب شيء في الخارج، فهي مدرك نظري قد حصل عليها العقل النظري -والعقل الواحد كما قلنا التسمية مسامحية-. وأما قولنا: «الظلم قبيح» أو «العدل حسن»، فهذا مدرك عملي؛ لأن العلم بحسن العادل باعث على ارتكابه وعلى الثناء على مرتكبه، وعلمنا بأن الظلم قبيح باعث على تركه وعلى ذم فاعله.
إذا اتضح ذلك، فإن قضية «حسن العدل وقبح الظلم» هي من مدركات العقل العملي لا من مدركات العقل النظري، ونحن عندما نقول إن الحسن والقبح عقليان لا نريد من العقل ها هنا المدركات النظرية كالأوليات والفطريات وغيرها حتى يرد إشكال الأشاعرة، وإنما نريد أنهما من مدركات العقل العملي. بعبارة ثانية: إن القضايا التي لا يمكن أن يقع اختلاف العقلاء عليها هي مدركات العقل النظري، وأما مدركات العقل العملي فهي إنما تكتسب واقعها من تطابق آراء العقلاء. فنحن لا ندعي عندما نقول بالحسن والقبح العقليين أن هاتين القضيتين هما على أوزان الأوليات والفطريات لا يمكن أن يتطرق الخلاف إليهما، بل نحن نقول إنهما من القضايا المشهورة، هذا أكبر دليل على أننا لا نضعهما مع الأوليات في ميزان واحد، نقول إنهما من القضايا المشهورة، إذاً فواقعهما إنما يستمد من تطابق آراء العقلاء.
وحينئذ فمن البديهي أن يقع الاختلاف في تحديد حسن الفعل أو قبحه، فما أورده الأشاعرة من النقد بأن الحسن والقبح لو كانا عقليين لما وقع فيهما الخلاف إنما هو قياس مع الفارق؛ لأنهما فهما من العقلي ما يكون على أوزان الأولي والفطري واليقيني، ونحن قد صرحنا في أول البحث أن هاتين القضيتين هما من المشهورات، فليس لهما واقع وراء تطابق العقلاء، فليس المحمول منتزَعاً من نفس مفهوم الموضوع حتى نقول بامتناع وقوع الخلاف في تحديد الحسن والقبح.
تمام، إذاً فالحسن والقبح عقليان بمعنى أنهما من مدركات العقل العملي، وأما واقعهما فإنما يستفاد من تطابق آراء العقلاء. أما القضايا التي لا يقع فيها الخلاف والتي يكون المحمول فيها منتزعاً من نفس مفهوم موضوعه فهي مدركات العقل النظري، وهي التي يكون المحمول منتزَعاً من صميم الموضوع.
هذا بحسب ما ذكر الماتن قدس سره، ولكن حقيقة هذا نحن التزامنا بأن هاتين القضيتين من المشهورات وإن كان يرفع المشكلة التي جاء بها الأشاعرة، ولكنه يوقعنا في مشكلة أخرى، وهي أن القضايا المشهورة ليست يقينية ويمكن أن يتغير واقعها، فلو أننا اتفقنا كعقلاء على قبح العدل وحسن الظلم هل يتغير ذلك؟ هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، كل النتائج المترتبة في علم الكلام عند العدلية -وليسوا عدليون لهذه المسألة، لأنه مترتبة على القول بحسن العدل وقبح الظلم أو مترتبة على القول بالتحسين والتقبيح العقليين- سوف تكون كل النتائج حينئذ ليست نتائج يقينية، تكون نتائج مشهورة، والنتائج المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق العقلاء، فسوف يزول واقعها بزوال ذلك التطابق ويختلف باختلاف التطابق، وهذا واضح البطلان.
والصحيح أن العقل النظري له أوليات وأولياته هي: «النقيضان لا يجتمعان» و«المعلول لا يتخلف عن علته»، والعقل العملي له أوليات أيضاً وهما: «العدل حسن» و«الظلم قبيح». تمام، وأما منشأ وقوع الخلاف بين العقلاء في تحديد الأفعال وعدمه فهذا كله له أجوبة تأتي إن شاء الله فيما بعد.
المبحث كله مبحث دخيل في العقيدة، ويتضح لكم مدى أهمية هذه الأبحاث، ولكن لا بهذه الطريقة التي ناخذها، وإنما باستنتاج هذه المسائل من نظرية المعرفة، لابد أن نرجع إلى نظرية المعرفة، العقل له قدرة أو ليس له قدرة. وأنا لم أحرر محل النزاع؛ الآن لو قائل يتساءل: هل يعقل أن الأشعري مثلاً لا يعرف مثلاً أن الكذب قبيح، لا يرى قبحاً في الكذب مثلاً؟ لا، لابد من تحرير محل النزاع.
الحسن والقبح يقال على ثلاثة معان:
1. الحسن والقبح بمعنى الكمال والنقص، وهذا لا نزاع بين الأشاعرة وبين العدليين بأن العقل يدرك الكمال ويدرك النقص.
2. المعنى الثاني الحسن والقبح بمعنى الملائمة والمنافرة، ما يلائمني أحكم عليه بالحسن ولو كان قبيحاً في نفسه ولو كان نقصاً في نفسه، وما ينافرني أحكم عليه بالقبح ولو كان كمالاً كالدواء مثلاً، تمام، وهذا لا نزاع أيضاً بين المعتزله والاشاعرة في أن العقل يدرك.
إذاً أين محل النزاع؟
3. النزاع في المعنى الثالث، وهو أن الحسن هو ما يثاب فاعله والقبح بمعنى ما يذم.
هذان هما المعنيان اللذان وقع فيهما الخلاف بين الأشاعرة وبين العدلية. المقام لا يسع لأكثر من ذلك.
قراءة النص الشريف للماتن في المظنونات والمشهورات
نقرأ في المظنونات، قال قدس سره: «المظنونات مأخوذة من الظن، والظن في اللغة أعم من الاصطلاح المنطقي هنا؛ فإن المفهوم منه لغة حسب تتبع موارد استعماله، هو الاعتقاد في غائب بحدس أو تخمين من دون مشاهدة أو دليل أو برهان، سواء كان اعتقاداً جازماً مطابقاً للواقع، ولكن غير مستند إلى علته، كالاعتقاد تقليدا للغير، ولذلك يعني والله العالم يعني بحسب الظاهر، كل الآيات القرآنية التي تتحدث عن الظان، وعن ذم الظان، وعن ذم اتباع الظان، وعن أن في الظن إثماً، هي تتحدث عن الظن بالمعنى الأعم، فتشمل الظن بالمعنى الأخص ولكنها تتحدث أيضاً عن الاعتقاد الجازم الذي لا يستند إلى دليل. تمام، أو كان اعتقاداً جازماً غير مطابق للواقع وهو الجهل المركب، أو كان اعتقاداً غير جازم بمعنى ما يرجح فيه أحد طرفي القضية النفي أو الإثبات مع تجويز الطرف الآخر وهو يساوق الظن بالمعنى الأخص باصطلاح المنطقيين المقابل لليقين بالمعنى الأعم.
والظن المقصود به باصطلاح المناطقة هو المعنى الأخير فقط، وهو ترجيح أحد طرفي القضية النفي أو الإثبات مع تجويز الطرف الآخر وهو الظن بالمعنى الأخص. فالمظنونات على هذا هي قضايا يصدق بها اتباعاً لغالب الظن مع تجويز نقيضه، كما يقال مثلاً: فلان يساور عدوي فهو يتكلم علي، يعني يتحدث مع عدوي بالسر، إذن فهو يتكلم علي، أو فلان لا عمل له فهو سافل، أو فلان ناقص الخلقة في إحدى جوارحه ففيه مركب -ففيه مركب النقص، يعني يشعر من داخله بالنقص-».
«المشهورات وتسمى الذايعات أيضاً، وهي قضايا اشتهرت بين الناس وذاع التصديق بها عند جميع العقلاء أو طائفة خاصة منهم وهي على معنيين:
المشهورات بالمعنى الأعم: وهي التي تطابقت على الاعتقاد بها آراء العقلاء كافة، وإن كان الذي يدعو إلى الاعتقاد بها كونها أولية ضرورية في حد نفسها، ولها واقع وراء تطابق الآراء عليها، فتشمل المشهورات بالمعنى الأخص الآتية وتتشمل مثل الأوليات والفطريات التي هي من قسم اليقينيات البديهية. وعلى هذا فقد تدخل القضية الواحدة مثل قولهم «الكل أعظم من الجزء» في اليقينيات من جهة وفي المشهورات من جهة أخرى ولكن المشهورات بالمعنى الأعم، ولذلك من هنا يعلم أن الأقسام حتى تكون متباينة لابد أن يكون مرادك من المشهورات المشهورات بالمعنى الأخص ثم بعد ذلك جعلت واجبات القبول من قسم المشهورات فهذا مشكل».
«المشهورات بالمعنى الأخص أو المشهورات الصرفة وهي أحق بصدق وصف الشهرة عليها؛ لأنها القضايا التي لا عمدة لها في التصديق إلا الشهرة وعموم الاعتراف بها، كحسن العدل وقبح الظلم، وكوجوب الذب عن الحرم، واستهجان إذاء الحيوان لا لغرض، الآن الشارع لم ينهَ عن إذاء الحيوان لا لغرض، مباح تمام؟ العقلاء هم الذين استقبحوا هذا الفعل، تمام؟ يعني ذموا فاعله إذا لم يكن ذلك الإذاء لغرض، فلا واقع لهذه القضايا وراء تطابق الآراء عليها، بل واقعها ذلك، يعني واقعها هو هذا التطابق، فإذا زال التطابق لم تعد القضية حسنة، تصبح قبيحة.
فلو خُلّي الإنسان وعقله المجرد وحسه ووهمه لم تحصل له أسباب الشهرة الآتية، يعني إذا بقينا مع العقل لم نحصل أي شيء من هذا من هذه القضايا؛ فإنه لا يحصل له حكم بهذه القضايا ولا يقضي عقله أو حسه أو وهمه فيها بشيء. ولا ينافي ذلك أنه بنفسه يمدح العادل ويذم الظالم، ولكن هذا غير الحكم بتطابق الآراء عليها، شو يعني؟ عم بيقول: لا يمنع ذلك أنه بنفسه يدرك الكمال ويدرك النقص، قد يدرك ذلك ولكن لا يحكم بوجوب فعله. ولذلك قلنا: لابد من تحرير محل النزاع، ما هو المراد من الحسن والقبح؟ إذا كان المراد من الحسن والقبح إدراك الكمال وإدراك النقص الإنسان يشعر من نفسه بأنه يدرك الكمال ويدرك النقص، يدرك الملائمة ويدرك المنافرة، ولكن هذا شيء والحكم بضرورة ارتكابه أو ضرورة تجنبه هذا شيء آخر، تمام، فهذا هو مراد العاقل، ولكن هذا غير الحكم بتطابق الآراء عليها.
وليس كذلك حال حكمه بأن الكل أعظم من الجزء كما تقدم، فإنه لو خُلّي ونفسه كان له هذا الحكم، وعلى هذا فيكون الفرق بين المشهورات واليقينيات -مع أن كلا منها تفيد تصديقاً جازماً، الآن نلتفت مثلاً ضرب الحيوان مثلاً، الآن تعال عندما نرجع إلى حكم العقل لوحده بمعزل عن أي شيء آخر، يعني خذ هذه القضية: الحيوان لا تضربه أو لا تضرب الحيوان، هذا معنى أننا نرجع إلى عقولنا، بمعزل عن بمعزل عن انفعالاتنا النفسية التي توجب الرحمة، بمعزل عن الجريان العام، بمعزل عن كل شيء، العقل لوحده، هل يرى مشكلة في نسبة هذا المحمول إلى الموضوع؟ لا يرى ضرورة في نسبته ولا يرى ضرورة في امتناعه، هذا معنى أن القوة العاقلة لوحدها قاصرة عن إدراك وجوب ضرب الحيوان أو عدم وجوب ضربه، تمام؟
الآن تقول: ولكن هذا مثلاً النفس تستنكف هذا العمل، نقول: هذا رجوع إلى الانفعالات النفسية، جيد؟ وخروج عن طور العقل، العاقل قواعده على نحو الملازمات، هل هناك لزوم؟ هل هذا الموضوع، هل الهر من حيث إنه هر يقتضي الضرب أو يقتضي عدمه؟ هذا لا يمكن أن ندركه حقيقه-. قال:- وليس كذلك حال حكمه بأن الكل أعظم من الجزء كما تقدم، فإنه لو خُلّي ونفسه كان له هذا الحكم، وعلى هذا فيكون الفرق بين المشهورات واليقينيات مع أن كلا منها تفيد تصديقاً جازماً بخلاف الظن، أن المعتبر في اليقينيات كونها مطابقة لما عليه الواقع ونفس الأمر المُعبر عنه بالحق واليقين، والمعتبر في المشهورات مش مطابقتها للواقع، ليس لها واقع، مطابقتها لتوافق آراء الآراء عليها، إذ لا واقع لها غير ذلك. وسيأتي ما يزيد هذا المعنى توضيحاً، ولذلك ليس المقابل للمشهور هو الكاذب، بل الذي يقابله هو الشنيع، وهو الذي ينكره الكافة أو الأكثر، ومقابل الكاذب هو الصادق».
«أقسام المشهورات: اعلم أن المشهورات قد تكون مطلقة وهي المشهورة عند الجميع، يعني توافق الجميع عليها بلا استثناء، وقد تكون محدودة وهي المشهورة عند قوم دون قوم، كشهرة امتناع التسلسل عند المتكلمين -والله غريب، يعني الآن صار الدليل على امتناع التسلسل ما هو عند المتكلمين ما هو؟ الشهرة؟ جيد، آه إلا إلا أن يريد من الشهرة المعنى الأعم، هذا لا معنى له ها هنا-.
طيب قال:- وتنقسم أيضاً إلى جملة أقسام بحسب اختلاف أسباب الشهرة، السبب الذي لأجله توافقت آراء العقلاء، وهي حسب الاستقراء يمكن عد أكثرها كما يلي:
1. واجبات القبول: وهي ما كان السبب في شهرتها كونها حقاً جلياً فيتطابق من أجل ذلك على الاعتراف بها جميع العقلاء، كالأوليات والفطريات ونحوهما، وهي التي تسمى بالمشهورات بحسب المعنى العام كما تقدم من جهة عموم الاعتراف.
2. التأديبات الصلاحية: وهذا نقراه غدا إن شاء الله».
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله، وعليه السلام على رسول الله.
