منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 95

تحميل Word

095

كان الكلام في القضايا المشهورات.

وقد عرفنا أن المشهورات هي التي ينشأ واقعها من تطابق آراء العقلاء عليها، فليس لها واقع وراء ذلك التطابق. وقد ذكرنا من أقسام المشهورات الواجبات.

وقلنا إنه لا ينبغي عدها من القضايا المشهورة؛ لأن حديثنا عن المشهورات إنما هو عن المشهورات بالمعنى الأخص، أي التي ينشأ واقعها من تطابق آراء العقلاء، وواجبات القبول لها واقع وراء التطابق، إذ هي من القضايا الأولية أو من الفطريات أو من غيرها من أنواع اليقينيات. وإنما تطابقت آراء العقلاء عليها لكونها حقاً جلياً وثابتة بالبداهة.

وكذا عرفنا وتعرضنا إلى القسم الثاني من المشهورات، وهي التأديبات الصلاحية، وقلنا إنها القضايا التي تتطابق آراء العقلاء عليها، ويكون السر في ذلك التطابق والسبب الموجب له هو أن هذه القضايا من شأنها أن يحفظ بها النظام ويحافظ على النوع الإنساني. فالسبب في تطابق آراء العقلاء إن كان هو الحفاظ على النظام والإبقاء على النوع الإنساني، فيقال لهذه المشهورات إنها تأديبات صلاحية؛ لأنها قضايا تأديبية تهدف وتخرج إلى إصلاح المجتمع أو الإبقاء على النوع الإنساني.

والقضية أو النوع الثالث من المشهورات: الخلقيات، وهي جملة من القضايا ليس لها واقع وراء تطابق آراء العقلاء، وإنما تطابقت آراء العقلاء عليها لقضاء الخلق الإنساني بذلك. ففرق الخلقيات عن التأديبات الصلاحية ليس في حقيقة القضية، فإن كلا من الخلقيات ومن التأديبات عبارة عن قضايا ليس لها واقع وراء تطابق آراء العقلاء عليها، وإنما الفارق بينهما في السبب الذي أوجب ذلك التطابق. ففي التأديبات الصلاحية العقلاء إنما اتفقوا على هذه القضايا من أجل كونها سبباً في الحفاظ على النظام والإبقاء على النوع الإنساني. وأما في الخلقيات فالعقلاء إنما تطابقت آراؤهم على هذه القضايا بسبب أن الخلق الإنساني يستدعي الإيمان والاعتقاد بمثل هذه القضايا.

ونحن قد ذكرنا في الدرس السابق أن الفارق بين أو أن تقسيم المشهورات إلى هذه الأقسام الستة إنما هو على أساس السبب الداعي إلى انعقاد الشهرة؛ فانعقاد الشهرة إن كان سببه الحفاظ على النظام الإنساني فهي التأديبات الصلاحية، وإن كان سببه قضاء الخلق الانساني بذلك فهي الخلقيات. فالخلقيات إنما سميت خلقيات لأنها قضايا دعا إلى الاعتقاد بها الخلق الإنساني.

والخلق إذا أردنا أن نعرفه، فهو عبارة عن ملكة حاصلة للإنسان من تكرار الفعل الواحد. بيان ذلك: أن الإنسان إذا اضطر يوماً إلى الكذب من أجل أن ينجو بنفسه، فأقدم على ذلك الكذب للمرة الأولى، فلا يقال لمثل ذلك الكاذب إنه يمتلك ملكة الكذب، بل يقال إن له أحوالاً يكذب فيها. ثم إذا تكثر ذلك الفعل، وتكثر وتكرر صدوره عنه، فينقلب هذا الإنسان من الحال إلى المقام، فيقال إن مقامه مقام الكاذبين، حتى إذا ما اعتادت النفس على تكرار ذلك الفعل، بحيث يصير ذلك الفعل يصدر عنه من دون تفكير مسبق، فيقال إنه قد اعتاد الكذب، اعتياد الكذب إلى درجة يصدر ذلك الكذب من دون رصد وتفكير مسبق، هو الذي يقال له ملكة الكذب. وهذا هو الفارق بين الكاذب وبين الكذاب مثلاً.

فالملكة إذاً هي صفة أو حالة راسخة في النفس، ومعنى رسوخها في النفس أن النفس تقدم عليها بغير وعي ومن دون تفكير في أنه هل أكذب أو لا أكذب؟ الخلق عندما يقال فلان خلقه لئيم أو خلقه كريم لا يكفي فيه اتصافه بالكرم وصدور الكرم عنه مرة واحدة، بل لابد من تكرار ذلك الفعل إلى أن يرسخ ذلك الفعل في النفس وتستأنس النفس به إلى درجة تقدم عليه من دون تفكير مسبق بحالة من حالات اللاوعي، يعني إلى درجة يصبح الإنسان يكذب حتى لو لم يحتج إلى الكذب، ولكن جرت عادته على الكذب كيف كان.

طيب، فالخلق إذاً ملكة، يعني حالة ترسخ في النفس، وهذا هو الفارق بين الحال وبين المقام. الحال عبارة عن صدور الفعل لمرة أو لمرات، المقام هو عبارة عن اعتياد حصول الفعل إلى درجة الاستئناس. طيب، فالخلق عبارة عن ملكة وحالة راسخة في النفس، هذه الحالة إنما تحصل وتتسبب عن تكرار الإتيان بالفعل.

إذا اتضح ذلك، فإن الخلقيات هي القضايا التي تتطابق آراء العقلاء عليها، وسبب ذلك التطابق هو أن الخلق الإنساني هو الذي قضى بذلك، وقد عرفت أن الخلق عبارة عن حالة نفسانية حاصلة من تكرار الفعل. ولازم ذلك أن القضايا الخلقية إنما تتطابق آراء العقلاء عليها بسبب تكرار الفعل. نحن نضع مكان المراد مرادفه، ليش؟ الخلقيات هي قضايا تطابقت آراء العقلاء عليها، والسبب الداعي إلى ذلك التطابق هو الخلق، الآن ما هو الخلق؟ قالوا الخلق هي الحالة النفسانية الحاصلة من تكرار الفعل. إذاً فالخلقيات قضايا تتطابق آراء العقلاء عليها بسبب وجود تلك الحالة النفسانية التي هي متولدة من تكرار الفعل. ومعنى ذلك أن من لم يتكرر عنده الفعل ليس له تلك الحالة النفسانية الراسخة، ومن لا يكون له تلك الحالة الراسخة يلزمه ألا يعتقد بالقضية الخلقية.

ولذلك اعترض الماتن قدس سره على تفسير الخلقيات بهذا المعنى. حاصل اعتراضه: أن الخلقيات لو كان الداعي إلى الاعتقاد بها هو الخلق، للزم على فاقد ذلك الخلق ألا يعتقد بتلك القضية؛ وذلك لأن الداعي إلى الاعتقاد وإلى تطابق آراء العقلاء هي هذه الحالة النفسانية، وهذه الحالة النفسانية إنما هي مسببة عن تكرار الفعل، فمن لم يتكرر عنده ذلك الفعل ويكون فاقداً للملكة الراسخة لا يكون حائزاً على سبب تطابق الآراء، لا يكون حائزاً على سبب حصول الاعتقاد، فيلزم ألا يعتقد بمثل هذه القضية، مع أن الخلقيات يعتقد بها كافة العقلاء حتى فاقدو الأخلاق.

مثال القضايا الخلقيات: الحكم بححسن الشجاعة وبقبح الجبن، فإن الجبان مع جبنه يدرك من نفسه حسن الشجاعة، ولكنه لضعفه يجبن في موضع الشجاعة ولا يجرؤ على ممارسة دور الشجاع. فهذا الجبان لما كان جباناً -التفت- فهو لجبنه له ملكة الجبن وليس له ملكة الشجاعة؛ إذ الفرض أنه جبان فهو لم يمارس دور الشجاعة ولم يتكرر منه فعل الشجاعة تكراراً يوجب حد الاستئناس والاعتياد وإلا لما كان جباناً. فالجبان لجبنه فاقد لتكرار فعل الشجاعة، إذاً فهو فاقد لملكة الشجاعة، فهو فاقد لهذا الخلق، فهو فاقد للسبب الداعي إلى الاعتقاد بححسن الشجاعة، ومع ذلك نجد أن الجبان مع جبنه يجد من نفسه اعتقاداً بحسن الشجاعة. فلو كان الخلق هو الداعي إلى الاعتقاد بححسن الشجاعة للزم على الجبان أن يعتقد بحسن الجبن لا بححسن الشجاعة، واللازم باطل، فالملزوم مثله في البطلان. أو فقل: استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم.

ومن هنا لابد أن يكون الباعث على الاعتقاد بمثل هذه القضايا أمراً آخر وراء الخلق، وقد جعل أو اعتبر الماتن قدس سره أن هذا الداعي هو الضمير وليس الخلق. وفسر قدس سره الضمير بأنه نداء الله في فطرتنا، أو صوت الله في الفطرة، أو فقل هو النداء الوجداني، أو فقل هو حس داخلي عندما تخلو النفس إلى ذاتها وتنفك عن شهواتها فإنها ترقب نفسها لتسمع نداء الفطرة فتجد من نفسها إدراكاً لحسن الشجاعة ولقبح الجبن مثلاً. غاية ما في الأمر أن الاستجابة لنداء الضمير هي التي تختلف، فعلى أساس إذا لم تستجب لنداء الضمير يكون الجبان جباناً، والاستجابة هي التي تجعل من الشجاع شجاعاً. كيف كان، هذا البحث لا نريد أن ندخل فيه بتمام تفصيلاته؛ لأنه يرتبط بمبحث علم الأخلاق وعلم الفلسفة، هذا القدر كاف للحديث عن القضايا الخلقية أو الخلقيات.

وعلى هذا فالخلقيات لم تسم خلقيات لأجل أن الخلق هو الذي دعا إلى تطابق آراء العقلاء عليها -وإن كان ظاهر التسمية هو ذلك- ولكن بعد اعتراض الماتن قدس سره وجه كلامه بما ذكرناه.

ومن القضايا المشهورة أيضاً قال: الانفعالات أو الانفعاليات، وهي القضايا التي تتطابق آراء العقلاء عليها بسبب -يعني والداعي إلى هذا التطابق هي- الانفعالات النفسانية، وذلك مثلاً كالاعتقاد بقبح تعذيب الحيوان، أو كالاعتقاد بقبح تعذيب كل ذي روح. الآن العقل لو خلي ونفسه لا يجد ضيراً في تعذيب الحيوان ولا في إكرامه، جيد؟ ليش؟ لأن العقل يبني أحكامه على الملازمات القائمة بين الموضوع والمحمول، ولا لزوم بين مثل تلك الموضوعات ومحمولاتها، ولكن الانفعال النفساني -وهو أن النفس تشمئز من تعذيب الحيوان- فيستثار عند النفس مظهر الرحمة فيجد قبحاً في حصول ذلك الشيء أمامه.

ولذلك فإن العقلاء بما هم عقلاء -لا بما هم متشرعة، يعني لا بما هم أناس منقادون إلى الشريعة- العقلاء بما هم عقلاء نجدهم يستقبحون تعذيب وقتل أي حيوان حتى لو كان لفائدة. الآن أنت عندما تقدم على ذبح البقر، حتى مع علمك بفائدة الذبح، يحصل عندك مظهر من مظاهر استثارة الرحمة. غاية ما في الأمر أن الشريعة قد صرفتنا عن استثارة الرحمة في هذا المجال، هي أمرتنا ألا نستثير عواطفنا وأن نقدم على ذلك الفعل من أجل مصلحة أخرى يحددها الشارع الأقدس.

ولذلك نجد أن العقلاء يمدحون من يعين الضعفاء، ويستقبحون من يضرب الأيتام مثلاً، وليس ذلك إلا لأن الانفعالات النفسية -لأن الإنسان عندما يعلم أن فلاناً قد تعرض في صغره لجمله من المآسي فسوف يصعب حاله عليه فتستثار عنده العاطفة أو الشفقة أو الرحمة إلى آخره- هذه الاستثارة التي هي نوع من أنواع الانفعال النفساني هي الداعي إلى الاعتقاد بمثل هذه القضايا.

العاديات

جيد، هذه هي الانفعاليات. بعد، من القضايا المشهورة القسم الخامس من القضايا المشهورة: العاديات، وهي القضايا التي ليس لها واقع وراء تطابق آراء العقلاء، وقد تطابقت آراء العقلاء عليها، والسبب -والسبب الداعي إلى هذا التطابق، شوف- هو جريان العادة، كاتفاق العقلاء مثلاً في بلدة ما على أنه كلما مات ميت فإننا نرتدي اللون الأسود إظهاراً للمواساة لأقاربه، فيكتسب اللون لبس -لبس اللون الأسود- حسناً، والسبب في ذلك هو اعتياد العقلاء في هذه البلدة على ذلك، ولو أن هؤلاء العقلاء قد اتفقوا على تغيير عادتهم فيما بعد لزال الحسن عن اللون الأسود واتصف بالقبح، وهكذا.

فالعاديات هي القضايا التي يكون الباعث على اتفاق العقلاء عليها هو جريان العادة، ولذلك فإن جريان العادة قد يختلف بين منطقة وأخرى، وقد يكون أمراً عاماً كاعتياد الناس احترام القادم عن طريق القيام له، مع أننا يمكننا أن نحترم القادم بشيء آخر غير القيام لأجله، والقيام لأجل القائم لم ترد في شريعة ولا في نص ولا في رواية، ليس الأمر شرعياً، وإنما الأمر أمر اعتيادي. نعم، ربما يؤيده الشارع باعتبار أن الشارع أمر بإقدام -أمر- بإكرام الزائر، وهذا مظهر من مظاهر إكرامه فيندرج تحت الاستحباب.

ولذلك نجد أن الناس -التفت- يمدحون الذي يحافظ على العادات حتى لو كانت عادة سيئة في بعض الأحيان، نجد أن المحافظ على التقاليد وعلى العادات يكون ممدوحاً، والذي يخالف العادات تجد أن الناس تستهجن منه. ومن هنا جاء تحريم لباس الشهرة، الآن ما هو لباس الشهرة؟ لباس الشهرة هو لباس الثوب غير المألوف، أن ترتدي شيئاً لم يؤلف لبسه، والسر في ذلك التحريم هو أن لبس الثوب غير المألوف مما يثير استهجان الناس حولك، والله أمر بالألفة بين الناس، فإذا ما كان لبس غير المألوف موجباً لهذا الاشمئزاز فقد نهى الشارع عنه لأجل ذلك. فنجد أن الشريعة الغراء قد أيدت ووافقت بعض العادات، وقد ذمت وأمرت بمخالفة عادات أخرى، ولذلك المرجع في قبول العادي -العاديات- أو لا إلى الشريعة حينئذ، يعني إلى القضايا المسلمات التي سوف يأتي بحثها فيما بعد.

جيد، على كل حال هذا سوف يتضح في القراءة، لا يوجد شيء في هذه المطالب.

الاستقرائيات

القسم السادس والأخير من المشهورات قال: الاستقرائيات، هي قضايا ليس لها واقع وراء تطابق آراء العقلاء، وقد تطابقت آراء العقلاء عليها، والداعي إلى ذلك التطابق هو جريان الاستقراء، إما التام وهذا بعيد جداً، أو الناقص، كما إذا... كما إذا اتفق لشخص أن قلب حذاءه رأساً على عقب، فحصلت مصيبة مزامنة لهذه الحادثة، فحكم بأن قلب الحذاء رأساً على عقب موجب لحصول مصيبة، أو كما إذا كان لوالدة ولد وكانا يحبي -أو يحبو في اللغة الفصيحة، جيد- فاتفق مع حصول حبوة أن جاء زائر وطرق الباب، فاشتهر عندها، جيد، أو فذكرت فاشتهر عند هذه الفئة أن حبو الطفل يؤذي له بقدوم الزائر.

وهكذا أكثر أكثر الأمور التي تشتهر عند عامة الناس لا أصل لها من أوهام. وقد ذكر أمثال الماتن قدس سره قال: كتشاؤم الأوروبيين من رقم ۱۳؛ لأن واحداً منهم أو أكثر اتفق له أن نُكب عندما كان له هذا الرقم، وكتشاؤم من نعاب الغراب وصيحة البومة كذلك، ومثل هذا كثير عند الناس، نحن ننعق على البوم أكثر مما ينعق البوم علينا؛ لأننا كلما رأينا بوما نتشاءم، فنحن نذير شؤم على البوم؛ لأن تشاؤمنا منه يدعونا إلى قتله. كيف كان، نقرا هذا المقدار حتى ننتهي من المشهورات.

قال: (الخلقيات وتسمى الآراء المحمودة أيضاً، وهي حسب تعريف المنطقيين ما تطابق آراء العقلاء عليها -آراء العقلاء، شوف- من أجل قضاء الخلق) قال حسب تعريف المنطقيين؛ لأنه يريد أن يعترض على ذلك (من أجل قضاء الخلق الإنساني بذلك، كالحكم بوجوب محافظة الحرم -يعني محافظة الإنسان على حرمته- أو الوطن، وكالحكم بححسن الشجاعة والكرم وقبح الجبن والبخل.

والخلق ملكة في النفس تحصل من تكرر الأفعال الصادرة من المرء على وجه يبلغ درجة يحصل منه الفعل بسهولة). والمراد من السهولة يعني أن تقدم النفس عليه من دون تفكير مسبق، كالكرم؛ فإنه لا يكون خلقاً للإنسان إلا بعد أن يتكرر منه فعل العطاء بغير بدل، حتى يحصل منه الفعل بسهولة من غير تكلفة. يعني الآن الإنسان الذي يقول فلان أكرمني في المرة السابقة فمن اللائق أن أكرمه في هذه المرة، هذا ليس من -ليس ملكة- لا يقال إنه عنده ملكة، أن عنده ملكة الكرامة.

طيب، أقول: هكذا عرفوا الخلقيات والخلق، فجعلوا السبب في حصول الشهرة فيها هو الخلق بهذا المعنى باعتباره داعياً للعقل العملي إلى إدراك أن هذا مما ينبغي فعله أو مما ينبغي تركه. ولكنا إذا دققنا نجد أن الأخلاق الفاضلة غير عامة عند الجمهور -يعني الخلق الذي هو السبب إلى الاعتقاد ليس أمراً موجوداً، والعلة عندما تنتفي يجب أن ينتفي معلولها معه- بل القليل منهم من يتحلى بالأخلاق، يعني بالملكة، مع أنه لا ينكر -يعني هو فاقد للسبب وحاصل على الملكة- مع أنه لا ينكر أن الخلقيات مشهورة يحكم بها حتى من لم يرزق الخلق الفاضل؛ فإن الجبان يرى حسن الشجاعة ويمدح صاحبها. إذاً هو عنده خلق الجبن، لو كان الخلق هو السبب لحكم الجبان بححسن الجبن ويتمناها لنفسه إذا رجع إلى نفسه وأصغى إليها، ولكنه يجبن في موضع الحاجة إلى الشجاعة. وكذلك البخيل والمتعلم المتكبر والكاذب. ولو كان الخلق بذلك المعنى هو السبب للحكم، لحكم الجبان بححسن الجبن وقبح الشجاعة، والتالي باطل. أو فقل: ولكن الجبان لا يحكم بححسن الجبن، استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم. قال: والبخيل يقبح -والبخيل بقبح- الكرم وحسن الإمساك، والكذاب يحكم بقبح الصدق وحسن -يعني لحكم بحقوف الصدق وحسن- الكذب، وهكذا.

والصحيح في هذا الباب أن يقال: إن الله تعالى خلق في قلب الإنسان حساً وجعله حجة عليه، يدرك به محاسن الأفعال ومقابحها. لا يريد من الحس الحس الظاهر ها هنا، وذلك الحس هو الضمير بمصطلح علم الأخلاق الحديث، وقد يسمى بالقلب، أو العقل العملي، أو العقل المستقيم، أو الحس السليم عند قدماء علماء الأخلاق، وتشير إليه كتب الأخلاق عندهم. هي هذه المحاورة التي يجريها الن- تجريها- العقل مع النفس، أو فقل هي هذه المحاورة التي يجريها العقل بلباس العقل مع نفسه بلباس النفس، هو يتلبس باللباسين فيجري تلك المحاورة، هذا هو صوت الضمير: أفعل أو لا أفعل. لا يوجد النفس -التفت- لا أن هناك مدركين في النفس البشرية، مدرك هو النفس ومدرك هو العقل، العقل هو الذي يحدث النفس ثم يقوم بالحديث نيابة عن النفس فيتلبس باللباسين، هذه المحاورة هي التي تسمى صوت الضمير.

قال: (فهذا الحس في القلب أو الضمير هو صوت الله المدوي في دخيلة نفوسنا) ليش؟ لأن الإنسان قد ينافق على كل الناس، ولكن لا يستطيع أن ينافق على نفسه؛ لأنه لا أحد غير الله يطلع على مكامن نفسه، ولذلك لا معنى للنفاق حينئذ؛ لأن النفاق عبارة عن إظهار خلاف المعتقد للغير، فهو فرع وجود الغير، وفي حديث النفس لا وجود للغير، لا يطلع الغير على ذلك، ولذلك لا معنى للنفاق، ولذلك دائماً يكون صوت الضمير صوتاً حقيقياً، صوتاً صافياً. نعم، نعم، الاستجابة لذلك الصوت هي المشكل.

قال: (فهذا الحس في القلب أو الضمير هو صوت الله المدوي في دخيلة نفوسنا يخاطبها به ويحاسبها عليه) ليس بمعنى أن الله هو الذي يخاطبنا، ولكن هذه استعارة؛ لأن هذا الحديث سوف يكون حديثاً صادقاً، استعار له صوت الله، حتى كأن المحدث لا يمكن أن يكون ك- ونحن نجده كيف يؤنب مرتكب الرذيلة ويقر عين فاعل الفضيلة، وهو موجود في قلب كل إنسان، وجميع الضمائر تتحد في الجواب عند استجوابها عن الأفعال، وهذا معنى ﴿أيقنتها قلوبهم وجحدتها ألسنتهم﴾، فهي تشترك جميعاً في التمييز بين الفضيلة والرذيلة وإن اختلفت في قوة هذا التمييز وضعفه كسائر قوى النفس إذ تتفاوت في الأفراد قوة وضعفاً.

ولأجل هذا كانت الخلقيات من المشهورات وإن كانت الأخلاق الفاضلة ليست عامة بين البشر، فالسبب في الخلقيات ليس الخلق وإنما الضمير، بل هي من خاصة الخاصة، يعني الأخلاق، نعم، الإصغاء إلى صوت الضمير والخضوع له لا يسهل على كل إنسان إلا بالانقطاع إلى دخيلة نفسه والتحول عن شهواته وأهوائه، كما أن الخلق عامة لا يحصل له وإن كان له ذلك الإصغاء إلا بتكرر العمل واتخاذه عادة، يعني قد يحدث أن يتمكن الإنسان من أن يجنب نفسه الاتيان بهذه المعصية الآن، ولكن قد لا يتسنى له التورع عنها في اليوم الآخر، فلا يقال إن له ذلك الخلود -حتى تتكون عنده ملكة الخلق التي يسهل معها الفعل- وبالأخص الخلق الفاضل؛ فإن أفعاله التي تحققه تحتاج إلى مشقة وجهاد ورياضة؛ لأنها دائماً في حرب مع الشهوات والرغبات، وليس الظفر بها إلا بعد الحرب.

(الانفعاليات) قالوا: (هي التي يقبلها الجمهور بسبب انفعال نفسي عام كالرقة والرحمة والشفقة والحياء والأنفة والحمية والغيرة ونحو ذلك من الانفعالات التي لا يخلو منها إنسان غالباً. فترى الجمهور يحكم مثلاً بقبح تعذيب الحيوان لا لفائدة -حتى لو بقبح تعذيب الحيوان لا لفائدة، يعني إذا كان يذبح هباء لا لأجل أكله، بل حتى يحكم بقبح تعذيب الحيوان مع الفائدة، إذ تستثار تلك الرحمة وذلك الانفعال وهذه الرقة- غاية ما في الأمر أن الشريعة الغراء هي التي صرفتنا عن الترحم وعن الترقق لمثل ذلك الحيوان عند ذبحه. فترى الجمهور يحكم مثلاً بقبح تعذيب الحيوان لا لفائدة، وذلك اتباعاً لما في الغريزة من الرقة والرحمة، بل الجمهور بغريزته يحكم بقبح تعذيب ذي الروح مطلقاً وإن كان لفائدة لولا أن تصرف عنه الشرائع والعادات) يعني لولا أن الشريعة الغراء هي التي صرفتنا عن استثارة الرحمة عند وجود الفائدة.

(والجمهور يمدح من يعين الضعفاء والمرضى ويعنى برعاية الأيتام والمجانين) لأنه مقتضى الرحمة والشفقة، (كما يحكم بقبح كشف العورة) لأنه مقتضى الحياء، (ويمدح المدافع عن الأهل والعشيرة أو الوطن والأمة) لأنه مقتضى الحمية والغيرة، إلى غير ذلك من الأحكام العامة عند الناس.

(العاديات وهي التي يقبله) -طبعا هناك نقاش كثير وكبير في هذه الأقسام وفي تحليلها وفي التفرقة فيما بينها، ولكن لا يسعها هذا المقام-.

قال: (وهي التي يقبلها الجمهور بسبب جريان العادة عندهم كاعتيادهم) -يعني العادة كيف تحصل؟ من وجود فعل أول ثم تكرار ذلك الفعل فتحصل العادة، سواء كان ذلك بنحو منتظم كما إذا قصد أحدنا إلى تكريس هذه العادة بأن قام أحدنا أمام الجميع، جيد، فحصل تأثر عند البعض لو من باب الانقياد إليه لظنه أكمل منهم، فيقومون مع قيامه وهكذا تنشأ العادة، أو كان ذلك بشكل عفوي- قال: (كاعتيادهم احترام القادم بالقيام) مش اعتيادهم احترام القادم، هذه لتصبح من الخلقيات، (كاعتيادهم احترام القادم بالقيام تمام يعني كالحكم بححسن -كالحكم على القيام بالحسن عند وجود القادم والضيف بالضيافة- والرجل الديني أو الملك بتقبيل يده) فيحكمون لأجل ذلك بوجوب هذه الأشياء لمن يستحقها والعادات العامة كثيرة، وقد تكون عادة عامة لأهل بلد فقط أو قطر أو أمة أو جميع الناس، فتختلف لأجلها القضايا التي يحكم بها حسب العادة فتكون مشهورة عند أهل بلد أو قطر أو أمة غير مشهورة عند غيرهم، بل يكون المشهور ضدها، كما يقال -ما أعرف إذا كان في الهند عندما يموت الإنسان فإنهم يرتدون الأبيض مثلاً- والناس يمدحون المحافظة على العادات ويذمون المخالف المستهين بها لا سيما أصحاب العقليات القديمة كما نسميهم نحن، ويذمون المخالف المستهين بها سواء كانت العادات سيئة أو حسنة، فنراهم يذمون من يرسل لحيته إذا كانوا اعتادوا حلقها، ويذمون الحليق لأنهم اعتادوا إرسالها، ونراهم يذمون من يلبس غير المألوف لمجرد أنهم لم يعتادوا لبسه، ومن أجل ذلك نرى الشارع حرم لباس الشهرة. والظاهر أن سر التحريم أن لبس -أو لباس الشهوة- لباس الشهرة يدعو إلى اشمئزاز الجمهور من اللابس وذمهم له، وأهم أغراض الشارع الألفة بين الناس وتقاربهم واجتماع كلماتهم. وورد عنه صلى الله عليه وآله: ⟦رحم الله امرأً جب الغيبة عن نفسه⟧. كما ورد في الشريعة الإسلامية المطهرة أن منافيات المروءة مضرة في العدالة -أو بالعدالة- كالأكل حال المشي في الطريق العام أو السوق، والجلوس في الأماكن العامة كالمقاهي. تمام، هذا لم يعد في زماننا لشخص ليس من عادة صنفه ذلك الأمر، تابع للعادة يعني، وما منافيات المروءة إلا منافيات بالعادة المألوفة.

طبعا هذا هذا أيضاً هذا الموضوع فيه بحث جيد، ولي، إذا العادة إذا العادة كانت سيئة فلا بد أن تغير العادة، وتغيير العادة يكون بصنع عادة مقابلة، والعادة إنما تنشأ من تحصيل حصول الفعل ولو لمرة واحدة في البداية، إذاً العادة عبارة عن تكثير حصول الفعل، والكترة إنما تنشأ من الآحاد المجتمعة، فلابد لكي نكسر العادة السيئة أن نخالف هذه العادة بفعل أول، فهل نحكم على هذا الفعل الأول بالقبح حينئذ؟ أليس كذلك؟ هذه المنظومة الفقهية القديمة هكذا، يعني الآن مثلاً جرت العادة على أن المتدين لا يستطيع أن يذهب إلى أماكن الاستجمام مثلاً كالبحر والنهر وغير ذلك، الآن هذه العادة يجب أن تكسر، يجب أن يستحوذ المتدينون على هذه المناطق التي أوجهها الله -التي أوجدها الله تعالى- لهم لكي يتنعموا بها، حتى يستعيب المتتد- غير المتدين- حتى يستعيب الفاسق أن يرد إلى هذه المناطق، إذاً لابد أن تكسر هذه العادة، كسر هذه العادة كيف يكون؟ بتردد المتدينين إلى هذه المناطق، زين؟ مع فرض -طبعاً، مع فرض طقوس تدينهم-. على كل حال، هذه المنظومة الفقهية القديمة، المنظومة الفقهية قبل فقه الخميني قدس سره. كيف كان؟

قال: (الاستقرائيات وهي التي يقبلها الجمهور بسبب استقرائهم التام أو الناقص، كحكمهم بأن تكرار الفعل الواحد ممل) جيد هكذا مثلاً يقال لا زلت تدرس؟ مثلاً ألم تمل من الدرس؟ هكذا بسبب أنه يمل من مهنته أو من عمله، (وأن الملك الفقير لابد أن يكون ظالماً)، إلى كثير من أمثال ذلك من القضايا الاجتماعية والأخلاقية ونحوها. وكثيراً ما يكتفي عوام الناس وجمهورهم بوجود مثال واحد أو أكثر للقضية فتشتهر بينهم عندما لم يقفوا على نقد ظاهر لها، كتشاؤم الأوروبيين من رقم الثلاثة 13؛ لأن واحداً منهم أو أكثر اتفق له أن نُكب عندما كان له هذا الرقم، وكتشاؤم العرب من لعاب الغراب وصيحة البومة كذلك -يقال نعاب الغراب ويقال نعيق الغراب أيضاً، يقال نعاب ونغاق ونعاق الثلاثة لمعنى واحد- قال: (نعاب الغراب ونعاق الغراب ونغاق الغراب) فتشتهر بينهم، ونسرنا -نعم- وكتشاؤم العرب من نعاب الغراب وصيحة البومة كذلك، ومثل هذا كثير عند الناس.

من مبادئ الأقيسة: الوهميات، وهي من أهم المطالب حقيقة، والبحث فيها يحتاج إلى سعة من الكلام لا يتسع لها الوقت المتبقي، يأتي إن شاء الله غداً، والحمد لله رب العالمين، وصلّ على محمد وآل محمد.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.