منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 96

تحميل Word

096

من القضايا التي يمكن أن تتشكل منها الأقيسة، وتكون تلك القضايا مبادئ لها، هي القضايا الوهميات. والوهميات مأخوذة من الوهم، لكن المراد من الوهم هنا غير المراد من الوهم الذي درسناه وعرفناه في الدروس السابقة.

توضيح ذلك أننا في أوائل الدروس قد تعرفنا على مصطلحين للوهم:

المصطلح الأول: وهو الوهم الذي يقع في مقابل الظن، فإذا كان الظن عبارة عن ترجيح أحد الطرفين مع احتمال وقوع الطرف الآخر، فالوهم عبارة عن احتمال أحد الطرفين مع ترجيح الطرف الآخر. ولذلك قلنا هناك إن الظن والوهم متعاكسان ومتلازمان؛ لأن كلما ظننت بأحد الطرفين فقد توهمت الآخر، لأن ظنك بأحد الطرفين عبارة عن ترجيح وقوعه مثلاً أو لا وقوعه، ولكن هذا الترجيح لا يكون مع نفي احتمال الخلاف، بل يكون مع احتمال الخلاف. هذه النسبة الاحتمالية للطرف الآخر هي التي يقال لها إنها النسبة الموهومة. فإذا كنت تعتقد بنحو السبعين أو التسعين بالمائة بمجيء زيد، فأنت تتوهم عدم مجيئه بما تبقى من النسب. فالوهم في اصطلاحه الأول عبارة عن احتمال وقوع أحد الطرفين مع إعطاء النسبة الأكبر للطرف الآخر، وهذا المعنى للوهم لا ربط له أساساً بما نحن فيه.

المعنى الثاني للوهم: هو الذي تعرضنا إليه عندما قسمنا القوى الموجودة عند الإنسان، القوى المدركة عند الإنسان. ذكرنا هناك أن الإنسان له قوتان لإدراك الجزئيات:

القوة الأولى: هي قوة الحس المشترك، وهذه قوة من شأنها أن تدرك الجزئيات المحسوسة بواسطة الحواس الخمس، ثم الصور التي تدرك بواسطة تلك القوى تحفظ في خزانة، وتسمى الخزانة بالخيال.

ولكن الجزئيات كلها ليست عبارة عن جزئيات محسوسة، بل بعض الجزئيات غير محسوس، كإدراكي لحب أبي لي، أو لحبي لأمي. مثل تلك الجزئيات غير محسوسة، فتحتاج إلى قوة مدركة. فالقوة التي من شأنها أن تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة هي التي تسمى بقوة الوهم. وهذه القوة عندما تستحصل على تلك المعاني غير المحسوسة، لابد أن تودعها في خزانة ما، فخزانتها تسمى الخزانة [غير مفهوم].

فما يهمنا من هذا المطلب هو أن الوهم في هذا المورد -وهو مورد القوى المدركة- المراد منه قوة دراكة من شأنها أن تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة. وإنما قلنا المعاني الجزئية ولم نقل الصور الجزئية؛ لأن هذه الجزئيات التي ندركها بحسب الفرض ليست محسوسة، وإذا لم تكن محسوسة فليس لها صورة بذلك المعنى للصورة، فليس لها شكل حقيقة، وإنما هي معنى من المعاني. شوف الآن الحب ليس له صورة، لأن الحب في الخارج ليس صورة، وليس شكلاً، وليس له أبعاد جسمانية، حتى نطبع من تلك الأبعاد أبعاداً ذهنية. ولذلك عندما ندرك الجزئيات المحسوسة نقول: أدركنا صورها، وعندما ندرك الجزئيات غير المحسوسة نقول: أدركنا معانيها. تمام؟

فالحس المشترك قوة من شأنها أن تدرك صور الجزئيات المحسوسة؛ لأن هذه الجزئيات لما كانت محسوسة فللباصرة تسلط عليها، إذاً فلا بد لها لون ولا بد لها شكل، ولذلك يمكن طباعة هذا اللون وهذا الشكل في خزانة أو في لوحة الذهن في صفحة الذهن. وأما الجزئيات غير المحسوسة، فلما لم تكن الحواس تسلط عليها، فسوف لا ندرك شكلاً، بل ليس لها شكل، ولذلك نحن ندرك هذه المعاني. تمام؟

إذاً، فالوهم باصطلاحه الثاني عبارة عن قوة تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة. وهذا المعنى من الوهم لا يمكن أيضاً أن يكون المراد ها هنا، وذلك لما سيأتي معنا أن القضايا الوهميات هي كلها قضايا كاذبة، وقوة الوهم هناك قوة من شأنها أن تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة، فإدراكها يكون إدراكاً صحيحاً، فلا ربط للقضايا الوهمية ها هنا بالوهم هناك، إلا أن الوهم الذي يراد ها هنا هو معنى لازم للوهم بأحد اصطلاحيه هناك.

بعبارة ثانية، للوهم في الدروس السابقة أخذنا له معنيين: أحدهما ما يقابل الظن، وهذا لا ربط له أساساً بالوهم. المعنى الثاني للوهم هو الوهم بمعنى القوة التي تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة. هذا المعنى -وهو القوة الدراكة- ليس هو المراد في بحثنا الآن في القضايا الوهمية، إلا أن المراد ها هنا هو معنى لازم ومسبب ومترتب على تلك القوة الواهمة، ولذلك سميت تلك القضايا بالوهمية.

منشأ الوهميات وعلاقتها بالمحسوسات

بيان ذلك أن الذهن له أنس بالمحسوسات، وذلك لأن الذهن ما دام الجهاز العصبي صحيحاً سليماً فهو على احتكاك دائم بالمادة الخارجية الوجودات الموجودة في الخارج، فلا ينقطع الذهن عن استحضار الأمور المحسوسة؛ لأنه كيفما اتفق له أن توجه فكرياً، لا بد أن يكون على احتكاك بالمادة الخارجية. ولذلك ينشأ أنس خاص بين الذهن وبين الأمور المحسوسة، ولذلك نجد من أنفسنا أن قدرتنا على إدراك الجزئيات المحسوسة أقوى بكثير من قدرتنا على إدراك الجزئيات غير المحسوسة، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية، فإن الذهن عندما يدرك مدركاً ما فلا بد أن يحتفظ لهذا المدرك بأثر ما عنده، حتى يتمكن من استحضاره في الوقت الذي يريد أن يستحضره؛ فالذهن كلما أدرك شيئاً ما فلابد أن يحتفظ لذلك الشيء بأثر عنده يذكره بهذا المدرك. وهذا في الجزئيات المحسوسة أمر في غاية [السهولة]، لأنك عندما تدرك وجود زيد الذي في الخارج يقوم الذهن بطبع هذه الصورة وين؟ في صفحة النفس، في صفحة الذهن. ولكنه في الجزئيات غير المحسوسة غير متيسر، لأن الجزئيات غير المحسوسة ليس لها صورة ولا شعور.

ومن هنا فإن الذهن يحتال لكي يحفظ تلك الجزئيات غير المحسوسة بأن ينتزع لها صورة محسوسة تكون هي التي تذكر بذلك الشيء غير المحسوس، فالذهن يدرك الجزئيات غير المحسوسة، ولكنه يستعين على حفظ تلك المعاني غير المحسوسة باختراع صور محسوسة لها. ولذلك أرجعوا إلى وجدانكم الآن، أليس لواجب الوجود، أليس لله تعالى صورة حسية في أذهاننا، بمعزل عن أن هذه الصورة كيف تشكلت ولما تشكلت؟ الآن سوف نشرح، ولكن أي شيء غير محسوس نجد أن له صورة حسية؛ فالبعض يستحضر الذات الإلهية ويستحضر معها صورة رجل أو صورة هي من صنع الخيال، خياله هو الذي رسم هذه الهيئة، أو يستحضر برقاً أو نوراً أو رعداً أو أو أو، وهذه كلها من الصور الأمور المحسوسة.

أو أننا إذا أردنا أن نتصور معنى التناقض -والتناقض ليس معنى حسياً- نستحضر له خطين لا يلتقيان مثلاً، أو عندما نريد أن نستحضر دورة فصول السنة -وهو أمر غير حسي، دورة الفصول أو دورة أشهر سنة- ليس هذا أمراً حسياً جيد؛ لأن الأشهر عبارة عن زمان يتعاقب وتفنى تفنى لحظة زمنية، إن زمني لياتي إن زمني آخر، فمتصرم الوجود فلا يمكن أن ينوجد في آن واحد حتى نستحضر شكله، ولا شكل له، ولكننا نستحضر تلك الدورة السنوية على أساس دائرة نرسمها، وعلى أساس جدول نرسمه في أذهاننا، فنحن نستحضر الأمور غير الجزئية بأمور حسية، نستعين على إدراك المعاني الجزئية غير المحسوسة بصور محسوسة، وذلك لأن الذهن يريد أن يحتفظ بأثر حتى يحفظه ليكون منبهاً ومذكراً بتلك بذلك المعنى الذي أدركه.

أو إذا أردنا أن نتذكر مثلاً أو ندرك الدور -وهو توقف الشيء على نفسه- فإننا نستعين على إدراك ذلك المعنى غير المحسوس عن طريق رسم صورة دائرة محسوسة في أذهاننا. فلما لم يكن للمعاني الجزئية غير المحسوسة أثر يمكن للذهن أن يحتفظ به، يقوم باختراع أثر له، ولأنسه بالمحسوسات يقوم بإدراك تلك المعاني غير المحسوسة عن طريق استعارة أمور وصور محسوسة لها، سواء كانت تلك الصور المحسوسة موجودة في الخارج أو كانت من صنع الخيال.

ولذلك نجد مثلاً أنه ما منا أحد إلا ويتذكر صورة محسوسة ما عندما يستحضر الذات الإلهية. وهذه الصورة التي ينتزعها الذهن ليستعين بها على إدراك المعنى غير المحسوس هي التي تسمى وهماً ها هنا، وهي المراد من القضية الوهمية. فليس إدراكي لواجب الوجود وللذات الإلهية هو الذي يقال له قضية وهمية ها هنا -الوهم بالمصطلح السابق وهي القوة التي من شأنها أن تدرك المعنى الجزئي غير المحسوس هذه هي التي من خلالها أدرك وجود واجب الوجود ووجود الذات الإلهية، وهذا إدراك صحيح وقضية مطابقة للواقع- ولكن القضية أو لكن القوة الواهمة عندما تدرك ذلك المعنى غير المحسوس تستعين على حفظه باختراع صورة محسوسة هي صورة ذلك الرجل الكبير الضخم القويم أو ذلك الشخص الرحيم الجميل إلى آخره. تمام، هذه الصور هي التي تسمى وهماً في هذا الباب.

فالوهم في هذا الباب هو حكم الواهمة في مورد المعاني غير الحسية، أو فقل هي عبارة عن الصور المحسوسة التي تستعيرها الواهمة من أجل إدراك المعاني غير المحسوسة. وهذه الصور المحسوسة التي تلازم المعاني الجزئية غير المحسوسة كثيراً ما تؤثر على فهم المعاني غير المحسوسة، إذ تصبح تلك الصور المحسوسة واسطة في فهم تلك المعاني الجزئية غير المحسوسة. ومن هنا كثيراً ما تؤثر تلك الصور المحسوسة على فهمنا للمعاني الجزئية غير المحسوسة، فنقوم بترتيب آثار خاطئة بسبب تلك الوهميات.

فمن حدث في صغره عن الذات الإلهية بأنها ذات تعاقب وتضرب وتظلم وتخنق، تمام؟ فالصورة المحسوسة التي سوف تتشكل عند الطفل هي صورة مرعبة للذات الإلهية، حتى عندما يكبر ذلك الطفل ويتأمل في هذه الصورة ويجد أنها ليست صورة صحيحة، نجده لا زال يحتفظ بها وتؤثر بطريقة واعية وغير واعية على تصرفه مع الذات الإلهية. ومن صورت له الذات الإلهية على أنها ذات رحيمة لك أن تفعل ما تشاء وأنها ذات أوجدتك لتعفو عنك إلى آخره، فسوف ينتزع الذهن صورة محسوسة جيده وجميلة. وهكذا نجد أن المعنى الجزئي غير المحسوس بحسب طريقة تصويره ينتزع له الذهن ويستعير له صورة حسية، ثم لأنس الذهن في الحسيات يقوم الذهن باتخاذ تلك الصورة المحسوسة بديلاً عن ذلك المعنى غير المحسوس، فيصير التعاطي تعاطياً مباشراً مع الصورة المحسوسة. ولذلك إذا كانت الصورة المحسوسة صورة خاطئة -وهي دائماً خاطئة؛ لأن الذي أدركته حقيقة ليس معنى جزئياً محسوساً بل هو معنى غير محسوس- ولكن بحجم الخطأ فيها يتم الخطأ في التعاطي وفي تقييم ذلك المدرك.

أمثلة على تأثير الوهميات في الفهم الإدراكي

ولذلك مثلاً نأخذ مثالاً آخر لذلك، الآن في كثير من الأحيان كنا نصور المتقابلين ونفرق بين المتقابلين وبين المتخالفين بأن كليهما وإن كانا لا يجتمعان إلا أن عدم الاجتماع في التقابل إنما هو على نحو التنافر، ثم فسرنا التنافر هناك بأن لا يكون أحد الشيئين أبدا بأن لا يكون هناك شيء أبعد عن الأول إلا الثاني، فأبعد شيء عن البياض هو السواد، وأبعد شيء عن السواد هو البياض، فما من شيء تفرضه غير البياض وغير السواد إلا وهو واقع بين البياض وبين السواد. نجد أن إدراك هذه المعاني غير المحسوسة مباشرة يسوق إلى صورة محسوسة، وهو أن تفرض خطين، أو عفواً أن تفرض خطاً جيد، ثم تضع السواد على أول الخط، وتضع البياض على الخط الآخر. هذا الفهم المحسوس لتلك المعاني غير المحسوسة قد يولد عندنا إشكالاً، وهو أننا لما لا نفترض يفترض أن هناك ثلاثة أشياء يوجد بينها تنافر كالمثلث المتساوي الأضلاع قالوا له في اللغة الأجنبية [إكويلايتل] جيد، لأن المثلث إذا كان متساوي الأضلاع فالنقطة الأولى تبتعد عن النقطة الثانية بنفس المقدار الذي تبتعد به الثانية عن الثالثة وبنفس المقدار الذي تبتعد به الثانية [عن] الأولى جيد.

فقد يحكم الوهم حينئذ بأن التقابل يمكن أن يكون بين ثلاثة أشياء، إذ يصدق على هذه الثلاثة أنه لا شيء أبعد -يعني يصدق أنه يوجد تمام التباعد بين ألف وباء وبين باء وجيم وبين جيم وألف- ولكن التحقيق أن التقابل لا يكون إلا بين شيئين. وهذا الخطأ منشأه هو التمسك بتلك الصورة المحسوسة التي أخذت للتقابل، والتعاطي معها بديلاً عن ذلك المعنى غير المحسوس. وإلا فالذهن ليس مكاناً ثلاثي الأبعاد، وليس لوحاً نرسم عليه بهذا المعنى الجسماني حتى ينشأ عندنا ذلك المثلث، بل هي معان يتم التباعد والتقارب فيها، أصلاً التباعد والتقارب في الذهن ليس تباعداً مكانياً وليس تقارباً مكانياً، الآن يعني إذا كان هناك تمام التنافر فيجب أن تكون مساحة ذهني تمتد من هنا إلى آخر الكوكب تمام؟ وليس هذا هو المعنى، فهذا الخطأ إنما هو بسبب التمسك بتلك الصورة المحسوسة وجعلها بديلاً عن المعنى غير المحسوس، وإن كان الذهن في أول إدراكاته يحتاج إلى تلك الصورة المحسوسة ليستعين على حفظ المعنى غير المحسوس.

وكذلك مثلاً تصورنا للظلمة وللعتمة؛ العتمة عبارة عن عدم النور، فالنور هو الأمر الوجودي والعتمة أمر عدمي. وإذا كانت العتمة عدمية فلا أثر لها ولا شكل لها في الخارج، فليس إدراكها إدراكاً لشيء محسوس، وإنما هو إدراك لشيء غير محسوس. ولكن الذهن لاستئناسه بالمحسوسات يستعين على إدراك ذلك الجزء غير المحسوس بانتزاع بصورة محسوسة تكون شبيهة به -التفت- أو مقارنة له قرناً أكيـداً، فإذا ما اقترنا للطفل أن تعرض لصدمة أثناء انقطاع الكهرباء في الليل الحالك، فسوف يأخذ تلك الصورة المرعبة ويضعها بديلاً عن العتمة، ثم يتعاطى مع تلك الصورة المحسوسة على أنها هي العتمة، وهكذا تولد له العتمة رعباً دائماً مستمراً، حتى عندما يتأمل بعقله في حقيقة الأمر ويلتفت إلى أن هذه الصورة ليست هي العتمة بحقيقتها يظل باللاوعي يتعاطى معها بهذه الطريقة.

ولذلك لابد للإنسان أن يجاهد نفسه حقيقة حتى يتخلص من تلك الوهميات التي تعيق التعاطي الصحيح مع الأمور غير المحسوسة. لابد أن نرجع إلى باطن مدركاتنا لنعرف أن هذه الصورة التي شكلناها والتي رسمناها في أذهاننا عن الله تعالى من أين جاءت؟

أنا مثلاً أذكر أنني في صغري كنت أستذكر أو أرسم في ذهني صورة للإله، هي صورة كانت لوالدي، كان يرتدي هذه ثياب مثل ثياب الطيار، لا أعرف ماذا تسمى هي [التأيي] يعني [تأيين] الطيار جيد هذه القبعة قبعة الطيار كان يرتديها وله صورة معلقة أمامي على الحائط، في الليل كان شكل هذه الصورة يرعبني فانتزعت تلك الصورة حالة وجود الليل حالة انعدام الضوء، هذه الصورة المرعبة كنت أجعلها في ذهني صورة للإله. وتعرف أن تعاملك حينئذ مع الذات الإلهية هذا التصور للذات الإلهية كيف يكون؟ يكون على أساس هذه الصورة حقيقة، ونحتاج وقائع أن نحتاج نحتاج إلى وقت، نحتاج إلى مجادلة كي نتخلص من تلك الصور. كيف كان؟ فتاثير الوهميات على حقائق الأمور أمر لا يمكن إخفاؤه.

كذب الوهميات وضرورة التحرر من قيود الحس

وقد ظهر من ذلك أن الوهميات بهذا المعنى دائماً كاذبة، بمعنى أن كل الصور المحسوسة التي يستعين بها الوهم لإدراك غير المحسوسات كلها صور كاذبة، ولكنه يجد نفسه مضطراً لاستحضارها ولاستعارتها. فنحن نستعير تلك الصور المحسوسة من أجل إدراك المعاني غير المحسوسة، ثم يلزمنا بعد ذلك أن نتحرر من قيود الحس الذي استعرناه لإدراك تلك المعاني غير المحسوسة، أن نتخلص من قيود الحس، ليس بالضرورة أن لا نستحضر تلك المحسوسات، بل أن عندما نستحضرها لابد أن نلتفت إلى أن هذه المحسوسات ليست هي الصورة المدركة غير الحسية حقيقة، فلا نجعل هذه بديلاً عن تلك.

فالقوة الواهمة بالمعنى الذي تقدم قوة من شأنها أن تدرك الجزئيات غير المحسوسة، وهذه إدراكها للمعاني غير المحسوسة ليس إدراكاً خاطئاً، ولكنها عندما تدرك المعنى غير المحسوس وتريد أن تحفظه تستعير صورة حسية للتذكير بتلك الصورة غير الحسية أو المعنى غير الحسي. فالوهميات هي المحسوسات التي تستعار لإدراك المعاني غير الحسية، هذا هو المراد من الوهميات.

فكأننا في كل قضية غير حسية نجد قضيتين: المدرك غير الحسي الذي أدركناه بالقوة الواهمة، والصورة الحسية التي استعنا بها لإدراك ولحفظ هذا المعنى غير الحسي. الوهميات هي حكم القوة الواهمة في الحسيات، وإلا القوة الواهمة من شأنها أن تدرك غير المحسوس، ولكن حكمها في أنها استعارت هذه الصورة الحسية لتلك، هذه هي الوهميات، وهذه القضايا التي هي دائماً خاطئة.

ولذلك كان من الخطأ أن تدرس العلوم دائماً من خلال الأمثلة، وأن تشرح حقائق الأمور من خلال الأمثلة. ولذلك قيل على لسنة علمائنا: المثال يقرب من جهة ويبعد من ألف جهة.

الآن أنسنا بالحسيات يجعلنا نحكم على كل موجود بأنه لابد أن يكون في مكان ما وفي زمان ما، ولذلك التفت بعد ذلك يصبح من الصعب علينا أن نتعقل وجود موجود لا مكان له ولا زمان له. الآن لأن إدراكنا للوجود كان عن طريق استعارة أمور حسية، الآن الوجود -التفت- الوجود ليس أمراً حسياً، أنت المتحيز في ذلك الوجود، أنت أمر حسي، ولكن نفس الوجود ليس أمراً حسياً. ولكن عندما أريد أن أعبر عن الوجود أستعير له صورة حسية، هذه الصورة التي تقارن معنى الوجود وتحل بديلاً عنه بحيث يصبح التعاطي مع الوجود تعاطياً مع الأمور الحسية، هو الذي يجعل من الصعوبة بمكان أن تدرك وجوداً لا مكان ولا زمان له ولا تحيز له.

ولذلك دائماً نجد أنفسنا مقيدين بالحس وبصور الحسيات، وهذه الوهميات هي التي يجب على عقولنا أن تتأمل وأن تلغي خصوصيتها فيما يرتبط بالمعاني غير المحسوسة. ولذلك دائماً العقل يوجد عنده أو يجب أن يكون في صراع دائم من أجل التخلص من الوهميات من جهة -شوف- ومن المخيلات من جهة أخرى. وسوف يأتي -لا أعرف إذا يتسع الوقت ولكن سوف يأتي معنا- الحديث عن المخيلات، والمشكلة مع المخيلات أكثر من جهة ما أو أكبر من المشكلة مع الوهميات -يعني مش أكبر، ولكن المشكلة مع الوهميات تؤدي إلى الفهم الخاطئ، تؤدي إلى ترتيب الآثار الخاطئة، تؤدي إلى عدم الفهم من أول الأمر- المشكلة مع المخيلات قد تؤدي إلى الجنون، قد تؤدي إلى ما يسمى بالانفصام في الشخصية على ما سياتي.

نقرأ هذا المقدار: قال: (والمقصود بها القضايا الوهمية الصرفة، وهي قضايا كاذبة إلا أن الوهم يقضي بها قضاء شديد القوة). طيب التفت، هي قضايا كاذبة، العقل بأدنى تأمل قد يلتفت إلى كذبها، ولكن من جهة التعامل هو يجعلها بديلاً عن المدرك غير الحسي لسهولة الاستئناس [بـ]ـالمحسوس؛ فالوهم يعني الواهمة يعني القوة المدركة تقضي بها قضاء شديد القوة -خلص لا أستطيع أن أذكر ذاتي إلا من خلال هذه الصورة مثلاً- فلا يقبل ضدها وما يقابلها حتى مع قيام البرهان على خلافها، فإن العقل يؤمن بنتيجة البرهان -شوف- ولكن الوهم يعاند.

شوف كيف صار هذا الوهم معنى لازماً للوهم بالمعنى الأول، ولا يزال يتمثل ما قام البرهان على خلافه، كما ألف تعود أن يتذكر أن يستحضر هذه الصورة ممتنعاً من قبول خلافه. لا نتحدث عن القبول النظري الآن، أنت تقول: واجب الوجود هو في كل مكان وفي كل زمان وليس له شكل، تقول: نعم، ولكنك تتعاطى معه على أنه شكل وأن له وجوداً في مكان وفي زمان. فالمراد من القبول: القبول العملي ممتنعاً من قبول خلافه، ولذا تعد الوهميات من المعتقدات، مع أنك التفت في الوقت الذي [تعتقد بنفي كونه] ذا شكل وذا مكان وزمان فأنت تعتقد عملياً بكونه ذا مكان وذا زمان.

ألا ترى أن وهم الأكثر يستوحش من الظلام ويخاف منه؟ -طبعا الماثل لم يبين السبب في ذلك بدقة- الظلمة عدم، والعدم معنى غير محسوس، فالواهم عندما تريد أن تدركه تستعين بصورة شيء محسوس ليعين على استذكاره تماماً، فإذا ما التفت، والصورة المحسوسة التي تنتخبها أو ينتخبها الوهم إما صورة تشبه ذلك غير المحسوس كالدائرة في الدور، وإما صورة تقارن ذلك غير المحسوس -يعني حصلت معه وتقارن حصولها مع حصوله كحصول الرعب مثلاً، الأب مثلاً يرعب ولده عند حصول الليل جيد، يقول له مثلاً لا تقترب إلى هذا المكان يأتي لك كذا وكذا جيد- فتتشكل عنده صورة من العتمة بسبب هذا التقارن بين الحادثتين.

مظاهر هيمنة الوهم على النفس الإنسانية

قال: (مع أن العقل لا يجد فرقا في المكان بين أن يكون مظلماً أو منيراً، فإن المكان هو المكان في الحالين، وليس للظلمة تأثير فيه يوجب الضرر أو الهلاك). الآن اعرض هذه المسألة على بعض الكبار يقولون بلا إشكال الظلمة ليس لها تأثير، ومع ذلك نجد بعض الكبار من كبار السن يخافون من الظلمة ومن العتمة، ويخاف أيضاً -شوف- من الميت وهو جماد لا يتحرك ولا يضر ولا ينفع، الآن قل للناس أن ترجع أن تنزل إلى إلى مكان دفن الأموات في الليل مثلاً تمام ولو عاد ولو عادت إليه الحياة فرضا فهو إنسان مثلاً كما كان حيا وقد يكون من أحب الناس إليه ومع ذلك هناك خوف ورعب؛ لأن إدراك ذلك المعنى غير المحسوس كان بضميمة محسوسة، هي هذه الضميمة المحسوسة هي التي تثير الرعب حقيقة، فننصب هذه الصورة المحسوسة بديلاً، ومع توجه النفس إلى هذه البديهة العقلية ينكرها الوهم ويعاند فيستولي على النفس، فقد تضطرب من الظلمة ومن الميت؛ لأن البديهة الوهمية أقوى تأثيراً على النفس من الموت.

هذا معنى أن فلان عنده قوة الوهم غالبة على قوة العقل، يترك البرهان متمسكاً بتلك المخلفات الحسية التي كانت له في صغره أو في أمور حياته. ولأجل أن يتضح لك هذا الأمر جرب نفسك وأسأل أصدقائك: كيف يتمثل لأحدكم في وهمه دورة شهور السنة؟ تأمل ما أريد أن أقول لك، فإن الإنسان على الأكثر لابد أن يتوهم دورة شهور السنة أو أيامها أو أيامها بشكل محسوس من الأشكال الهندسية، تأمل في نفسك جيداً أنه لابد أن تتوهم هذه الدورة على شكل دائرة منتظمة أو غير منتظمة أو مدرجاً بعدد الشهور -يعني مدرجاً- أو شكلاً مضلعاً متساوي الأضلاع أو غير منتظم في أضلاع أربعة أو أكثر أو أقل، مع أن السنة ودورة أيامها وشهورها من المعاني المجردة غير المحسوسة، وهذا واضح للعقل، غير أن الوهم إذا خطرت له السنة تمثلها في شكل هندسي وهمي يخترعه في أيام طفولته من حيث لا يشعر، ويبقى وهمه معانداً مصراً على هذا التمثل الكاذب، ولعلم الإنسان بكذب هذا الوهم وسخافته قد يخجل من ذكره لغيره.

القليل منا هو الذي مثلاً يسأل هذا السؤال: كيف يتمثل لك الله عز وجل؟ بأي صورة محسوسة يتمثل لك الله عز وجل؟ كل واحد عندنا كل واحد منا له صورة، ويستطيع أن يعلم هذه الصورة كيف تشكلت إذا ما تأمل جيداً، ولعلم الإنسان بكذب هذا الوهم وسخافته قد يخجل من ذكره لغيره ولكنه لا ينفك عنه في سره. وإنما أذكر هذا المثال لأنه يسير، لا خطر في ذكره، وهو يؤدي الغرض من ذكره.

والسر في ذلك أن الوهم تابع منقاد للحس ومكبل به؛ لأن الذهن يأنس بالمحسوسات، ولأن القوة المدركة تحتاج إلى حافظة، وحافظة الإدراكات الجزئية المحسوسة أمرها سهل إذ نطبع صوراً لتلك غير المحسوسات أبعاداً افتراضية في الذهن تماماً، ولكن صور الجزئية أو المعاني الجزئية غير المحسوسة كيف تطبع لها أثراً وهي غير محسوسة جيد؟ فتستعير لها أموراً حسية، فما لا يقبله الحس لا يقبله الوهم إلا لابساً ثوب المحسوس -شوف ما لا يقبله الحس يعني الجزئيات غير المحسوسة تماماً- لا يقبله الوهم -يعني لا تدركه الواهمة- إلا لابساً ثوب المحسوس. وإن كانت للذهن قابلية إدراك المجردات عن الحس كقابليته لإدراك المحسوسات، ولكنه يستعين على هذا الإدراك بثوب المحسوسات.

فإذا كانت أحكام الوهم جارية في نفس المحسوسات فإن العقل يصدقه فيها، فيتطابقان في الحكم كما في الأحكام الهندسية. التفت الآن المثلث مثلاً لنفترض هكذا، المثلث الحسي الموجود أمامي ها هنا انتزع له صورة في الوهم وهي ذلك المثلث، نجد أن هذا الحكم في مورد المحسوسات وليس في مورد غير المحسوسات، تمام؟ في مورد الجزئيات المحسوسة هذا المثلث أمامي الآن محسوس، فالوهم يشكل له صورة لمثلث، وهذه صورة المثلث غير هذه الصورة. تمام؟ ولكنهما ولكنهما متطابقان؛ لأن حكم الوهم في مورد المحسوسات صحيح مطابق للواقع، ولكن الكاذب إنما هو عند حكم الوهم في مورد غير المحسوسات.

ولذلك قال: (ومثل ما إذا حكم الوهم بأن هذين الجسمين لا يحلان في مكان واحد بوقت واحد، فإن العقل أيضاً يساعده فيه لحكمه بأن كل جسمين مطلقا كذلك فيتطابقان). وإذا كانت أحكامه في غير المحسوسات -وهي التي نسميها بالقضايا الوهمية الصرفة- فلا بد أن تكون كاذبة لإصرار الوهم على تمثيلها على نهج المحسوسات، وهي بحسب ضرورة العقل ليست منها ليست من المحسوسات كما سبق في الأمثلة المتقدمة، فإن العقل هو الذي ينزع عنها ثوب الحس الذي أضفاه عليها الوهم.

ومن أمثلة ذلك: حكم الوهم بأن كل موجود لابد أن يكون مشار اً إليه وله واضح وضعية وحيز -يعني له طول وعرض وارتفاع- ولا يمكنه أن يتمثله إلا كذلك؛ لأن الوجود معنى غير محسوس، ونحن نستعين على نستعين على إدراكه عن طريق تصور بعض الموجودات، والموجودات التي نراها أمامنا هي الموجودات الحسية، ثم نتعاطى مع الموجود الحسي على أنه يمثل كل وجود، فيصعب علينا فيما بعد أن نتصور وجوداً لا مكان له ولا زمان ولا حيز ولا وضع إلى آخره، يعني لا يتأين بأين ولا يتكيف بأيف بحسب مقولة أمير المؤمنين (عليه السلام).

قال: (حتى إنه يتمثل الله تعالى في مكان مرتفع علينا). مباشرة، أصلاً أنت إذا أردت أن تدعو فإنك ترفع يدك إلى السماء وكأن الخطاب مع موجود مع وجود موجود وين؟ في السماء. تمام؟ وهكذا، طبعا البعض يحلل ذلك بعد أن تعترض عليه يقول: لا، هذا ارتفاع علو معنوي وليس علواً مكانياً. ولكن هذه المسألة هذا التبرير الذي أجبت به أنت لم تكن ملتفتاً إليه قبل توجه الإشكال وقبل وروده، إذاً فلا بد أنك تتعاطى مع وهمك وتستجيب إلى ذلك الوهم.

ويعجز أيضاً عن تمثيل القبلية والبعدية غير الزمانية، ويعجز عن تمثيل اللانهائية، لا يمكنك أن تتصور اللانهاية؛ لأنك دائماً؛ لأن التفت؛ لأن اللانهاية أمر غير حسي وأنت تريد أن تستعين على تصور الأمر غير الحسي بأمر حسي، وكلما استحضرت أمراً حسياً فلا بد أن يكون له نهاية، وإلا كيف طال وإلا كيف أدركته الحواس؟ فلا يتمثل عنده كيف أنه تعالى كان وليس معه شيء حتى الزمان يستطيع، وأنه سرمدي لا أول لوجوده ولا آخره، وإن كان العقل حسبما يسوق إليه البرهان يستطيع أن يؤمن بذلك ويصدق به تصديقاً لا يتمثل في النفس؛ لأن الوهم له السيطرة والاستيلاء عليها من هذه الجهة.

تأثير الوهم على الاعتقاد والتوحيد

تأثير الوهم في حكم العقل يوجب بالإنسان أن يترك أحكامه العقلية وأن يفزع إلى أوهامه، كمن عاشر قوماً فشعر بلذة العلاقة معهم، ثم بعد ذلك ساقه البرهان إلى ساقه البرهان إلى أن اعتقاده أو اعتقاداتهم فاسدة في كثير من الأحيان. أنا منذ فترة اصطدمت مع شخص قال لي: ما ذكرته كله لا يستطيع العقل أن يكذبه، ولكن عندي مشكلة فقط مثلاً في أن اتبنى معتقدك وهي أن أهلي وأقاربي وكذا، وأنا لا أشعر بأنهم خبيثون بأنهم خبثاء، لا أشعر -يعني شوف شعوره أو هذه الأمور الحسية التي عايشها جيد؟ هذه الأمور التي شعر بالأنس فيها معالي، هي التي كانت عائقاً أن نترك ما ترك آباؤنا، جيد؟ وهذا هذه هذا هو تأثير الوهم في حكم العقل.

كيف كان؟ فإن كان الوهم مسيطراً على النفس على وجه لا يضع لها مجالاً للتصديق بوجود مجرد عن الزمان والمكان، فإن العقل عندما يمنعها من تجسيمه وتمثيله كالمحسوس تهرب النفس من حكم العقل وتلتجئ إلى أن تنكر وجوده رأساً شأن الملحدين. ﴿أيقنتها قلوبهم﴾ -شوف القلب هنا أريد منه العقل- ﴿وجحدت بها أنفسهم﴾ مع أن النفس أيضاً هي التي تدرك، ولكن المراد من النفس هي الواهمة.

قال: (ومن أجل هذا كان الناس لغلبة الوهم على نفوسهم بين مجسم وملحد)؛ لأنه لا يستطيع أن يدرك وجود الإله إلا بهذا الشكل المحسوس، فإن قبل الشكل المحسوس قبل وجود إله ولكنه إله محسوس فهو مجسم، فقد ذهب إلى أن لله جسماً، ومن لم يقبل أن يكون لله للإله جسم فقد نفى وجود الإله؛ لأنني كلما تصورته إلهاً تصورته مجسماً، وقل من يتنور بنور العقل ويجرد نفسه عن غلبة أوهامها فيسمو بها إلى إدراك ما لا يناله الوهم. ولذا قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (يوسف: 103) فنفى الإيمان عن أكثر الناس، ثم هؤلاء المؤمنون القليلون قال عنهم: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ (يوسف: 106) حال إيمانهم -شوف وما يؤمن أكثرهم إلا وهم مشركون- إذا التفت أكثر الناس ليس مؤمناً، أما الفئة القليلة المؤمنة فأكثرها هو عند إيمانه مشرك. ليش؟ لا، هو عند إيمانه بذلك الجزئي غير المحسوس وهو الذات الإلهية فقد آمن بها، ولكنه استحضرت لها صورة حسية تؤثر بطريقة بطريقة خاطئة على ذلك الإدراك الصحيح، فقد أشرك عند إيمانه، تمام؟ يعني أنهم في حين إيمانهم هم مشركون.

وما ذلك إلا لأنهم لغلبة الوهم إنما يعبدون الأصنام التي ينحتونها بأوهامهم. الآن إذا طالبته: هل هذا الصنم الذي اخترعته الآن هو الذي أوجدك؟ قطعا سوف يقول لك: ليس هو الذي أوجدني، ولكن الإنسان يشعر بحاجة وارتباط بحاجة شديدة إلى أن يكون عنده ارتباط مع خالقه، ولا يستأنس بالوجود غير المرئي فيخترع أنموذجاً لذلك الوجود غير المرئي ثم يتعبد له. وإلا التفت، مشكلة إبراهيم (عليه السلام) مع الأصنام لم تكن مشكلة لم تكن المشكلة في التوحيد في في الخالقية، كانت المشكلة هي التوحيد في الربوبية. المشركون عندما كانوا يصنعون الأصنام لم يكن أحد منهم معتقداً بأن هذا الصنم الذي اخترعته الآن هو الذي أوجدني منذ عشرين سنة، هذا واضح أنه ما من عقل بأدنى بساطته يمكن أن يعتقد به، ولكنهم كانوا يعتقدون بوجود خالق، إلا أن حاجتهم للارتباط بذلك الخالق هي التي أرغمتهم على إيجاد أمور حسية يتقربون بها إلى الله، ولذلك هم كانوا يتخذون الأصنام أرباباً، هذا الصنم هو الآن كما نتخذ الخاتم إذا اعتقدنا بأن الموفقية الموفقية تأتي منه، أو كما إذا اتخذنا الحجاب إذا كنا نعتقد أن الحجاب له مؤثرية نحو الاستقلال، هذا يصبح مشكلة، مشكلة التوحيد فين؟ في الربوبية.

ولذلك هم كانوا مؤمنين ولكن إيمانهم بالأمور غير الحسية كان عن طريق استحضار أمور حسية. فعندما شعروا بضرورة الارتباط بالخالق أوجدوا أصناماً وأموراً حسية، وما ذلك إلا لأنهم لغلبة الوهم إنما يعبدون الأصنام التي ينحتونها بأوهامهم. وإلا كيف يجتمع الإيمان والشرك في آن واحد إذا اريد بالشرك من الآية معناه المعروف؟ ليش؟ لأنه في بعض التفاسير فسرت هذه الآية بطريقة أخرى وهو العبادة للأصنام الظاهرية.

والخلاصة: أن القضايا الوهمية الصرفة -التي نسميها الوهميات ها هنا- هي عبارة عن أحكام الوهم في المعاني المجردة عن الحس، يعني حكم الوهم واستعارة الحسيات أو المحسوسات لإدراك الأمور غير المحسوسة، وهي قضايا كاذبة دائماً، حتى لو ترافقت مع إدراك شيء صحيح. وهي قضايا كاذبة لا ظل لها من الحقيقة، ولكن بديهة الوهم لا تقبل سواها، ولذلك يستخدمها المغالط في أقيسته كما سيأتي في صناعة المغالطة. إلا أن العقل السليم من تأثير الوهم يتجرد عنه ولا يخطئ لحكمه، فيكشف كذب أحkامه للناس.

هذا تمام الكلام في الوهميات، المسلمات والمقبولات والمشبهات والمخيلات تأتي غداً إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.