دروس مقررة — النصوص المتاحة
72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 48 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 49 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 51 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 52 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 53 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 54 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 55 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 56 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 57 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 58 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 59 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 60 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 61 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 62 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 63 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 64 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 65 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 67 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 68 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 69 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 70 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 71 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 72 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 73 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 74 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 75 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 76 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 78 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 79 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 80 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 81 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 82 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 84 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 85 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 86 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 87 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 88 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 89 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 90 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 91 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 92 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 93 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 94 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 95 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 96 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 97 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 98 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 99 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 100 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 97
097
المسلمات
من القضايا التي قد تتشكل منها الأقيسة القضايا المسلمات، وهي قضايا يتسالم على صدقها، سواء كانت صادقة في نفس الأمر والواقع، أو كانت كاذبة، أو كانت مشكوكة، وسواء كان المصدق به قد أقام الدليل عليها أم لم يقم، ولكنها قضية يجري الاتفاق الضمني بين المستدل والمستدل له، بين المستدل وبين خصمه في الاستدلال، يجري اتفاق ضمني على الاعتراف بصدقها.
وذلك في مقام الجدل عندما لا يكون الغرض إلا صرف الوقت والجهد على إثبات هذه القضية، ولكن يتمسك بقضية يؤمن بها الخصم من أجل إلزامه بلوازمها الباطلة، فيقع الإفحام ويربح في جدله معه. وهذه المسلمات يقال لها أصول موضوعية.
وهذه المسلمات تارة تكون عامة متسالم عليها عند الجمهور، وتارة تكون مسلمات خاصة يتسالم عليها بين الخصم وبين المستدل. فالمسلمات إذاً ليس بالضرورة أن تكون صادقة، ولكن يتسالم على صدقها، أي يتعامل معها معاملة القضية الصادقة. وأكثر ما تستعمل المسلمات في صناعة الجدل، حيث نتمسك بقضية يؤمن بها الخصم فنفترضها صادقة لنرتب على أساسها جملة من اللوازم التي لا تتماشى مع مبنى الخصم، فيتبين كذب الخصم. هذه هي القضايا المسلمات.
إذا أردنا أن نأخذ مثالاً للقضايا المسلمات؛ مثلاً في نقاشنا مع مذهب العامة؛ العامة قالوا إن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر حديثاً مضمونه: ⟦لا تجتمع أمتي على خطأ⟧. فأسس على ذلك معادلة ولزوماً بين اجتماع الأمة الذي هو إجماعهم وبين الصواب؛ فإن الأمة كلما اجتمعت على شيء فلا يمكن أن يكون ذلك الشيء خاطئاً لقوله: ⟦لا تجتمع أمتي على خطأ⟧. الآن نحن في مذهب الإمامية ليس عندنا إثبات أو هذه الرواية ليست ثابتة عندنا، ولكن الأولى في مقام الإفحام أن نأخذ هذه القضية وهذه الرواية أصلاً موضوعياً مسلماَ. هب أننا سلمنا هذه الرواية وأن اجتماع الأمة لا يؤدي إلى خطئهم -وهم بالطبع تمسكوا بها لإثبات خلافة أبي بكر وبعده عمر؛ لأن أبا بكر قد حصل الاتفاق في سقيفة بني ساعدة على خلافته، جيد، وهو برر للسيدة الزهراء (عليه السلام) أن القوم هم اختاروا إلى آخره-.
الآن نقول: نحن هذه الرواية نأخذها أصلاً موضوعياً مسلماً، أي سلمنا ولو جدلاً بأن هذه القضية صادقة. ولكن أمير المؤمنين (عليه السلام) علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن موجوداً في السقيفة باتفاق الجميع، وهو واحد من الأمة بل هو من أعلام الأمة أيضاً باتفاق الجميع؛ إذن فموضوع القضية لم يتحقق حتى يترتب عليها محمولها؛ لأن موضوع القضية هو الاجتماع، اجتماع الأمة، وما دام علي بن أبي طالب خارجاً عن هذه الدائرة فلم يتحقق الموضوع ليترتب عليه الحكم، فلم تجتمع الأمة ليكون اجتماعهم على صواب. فهذا أولى وأنفع في مقام الجدل من أن نذهب ونناقش معهم في سند الرواية وأن هذه الرواية صادرة أو ليست صادرة.
طبعاً أمثلة ذلك كثيرة، أو مثلاً هم يقولون إن الخلافة تكون بالشورى تارة، وتارة يقولون إن الخلافة تكون بالتعيين. نقول: هب أن الخلافة تكون بالشورى، فناخذ هذه القضية أصلاً موضوعياً مسلماً، سلمنا أن الخلافة إنما تثبت بالشورى، فتصح خلافة أبي بكر ولكن تبطل خلافة عمر! فإن قلتم: ولكنها تكون بالتعيين (يعني نعدل تكون بالتعيين)، نقول: صحت خلافة عمر ولكن بطلت خلافة أبي بكر، وبطلان خلافة أبي بكر يوجب بطلان خلافة عمر أيضاً؛ فهو الذي عينه، حتى لو كانت تثبت بالتعيين فقد عينه من ليس أهلاً للتعيين حينئذ.
على كل حال، هذا نمط ومثال للقضايا المسلمة. فالتسليم في بعض الأحيان ببعض القضايا من أجل إلزام الخصم بلوازمها التي لا يلتزم هو بها أولى من النقاش في أصل القضية. طيب، هذا تمام الكلام في المسلمات.
المقبولات
من مبادئ الأقيسة أيضاً المقبولات، وهي القضايا التي نؤمن بها، لا أننا نفترضها صادقة، نؤمن بها حقيقة ونصدق بها تصديقاً جازماً، غير أن تصديقنا يكون ناشئاً عن الوثوق بصاحب القضية، فهو اعتقاد جازم بالقضية إلا أنه اعتقاد ناشئ عن تقليد. بسبب ثقتنا بالغير نؤمن ونصدق بهذه القضية؛ كمن ذهب إلى الطبيب فوصف له وصفة فإنها تورثه اعتقاداً جازماً، غير أن هذا الاعتقاد الجازم يكون ناشئاً من وثوقه بذلك الطبيب. هذا أمر ظاهر.
المشبهات
من القضايا أيضاً التي تتشكل منها الأقيسة الممشبهات، وهذه القضايا إنما تستخدم في صناعة المغالطة عندما تريد أن تغالط خصمك. والقضايا المشبهة هي قضايا كاذبة دائماً ولكنها تشبه اليقينيات بحسب ظاهرها، وإنما سميت مشبهات لأن الحد الأوسط الموجود في ضمن هذه القضايا دائماً يكون عبارة عن حد أوسط غير متكرر ولكنه في الصغرى يشبه الحد الأوسط في الكبرى، جيد، فيكون التشابه بينهما تشابهاً لفظياً، كما في مورد المشترك اللفظي؛ مثلاً كما يقال: «كل أسد زائر، وكل زائر يرحل». عندما قلنا: «كل أسد زائر»، المراد من زائر هنا هو الزئير وهو صوت الأسد. وعندما قلنا في الكبرى: «وكل زائر يرحل»، الزائر هنا مشتق من الزيارة! فلم يتكرر الحد الأوسط حقيقة لينتج: «كل أسد يرحل». تمام؟
هكذا كثير من الأقيسة التي تتركب من حد أوسط هو عبارة عن مشترك لفظي، أو هو عبارة عن لفظ استعمل في الصغرى في معناه الحقيقي وفي الكبرى استعمل في معناه المجازي؛ كما تقول مثلاً: «زيد أسد، وكل أسد زائر»، إنك عندما قلت: «زيد أسد» لم تقصد أنه فرد من أفراد الحيوان المفترس، وإنما قصدت أنه له شجاعة كشجاعة الأسد، تمام، ثم قلت بعد ذلك: «كل أسد زائر»، لا ينتج أن زيداً يكون زائراً. وهكذا هذا أيضاً تمام الكلام في المشبهات.
نقرأ هذا المقدار حتى ندخل في البحث الحقيقي وهو المخيلات:
قال (قدس سره): (المسلمات، وهي قضايا حصل التسالم بينك وبين غيرك على التسليم بأنها صادقة. الآن هذا كما فعلنا عندما كنا نجري الاستدلالات على العكس المستوي وعكس النقيض، كنا نقول: المفروض أن كل باجي، فكنا نأخذ قضية ونفترضها صادقة فنتسالم على صدقها فنعتبرها أصلاً موضوعياً لا مجال للنقاش فيه، وكان يسهل الخطب أن نتعاطى مع الرموز. تمام؟ ولكن إذا أردنا أن نتعاطى مع المفردات فلا بد أن نتسالم على هذه القضية).
طيب، قال: (وهي قضايا حصل التسالم بينك وبين غيرك على التسليم بأنها صادقة. سواء كانت صادقة في نفس الأمر أو كاذبة كذلك أو مشكوكة. والطرف الآخر إن كان خصماً، فإن استعمال المسلمات في القياس معه يراد بها إفحامه، وإن كان مسترشداً فإنه يراد بها إرشاده وإقناعه؛ إذا جاءك مستفهماً وله معتقد سابق فأنت تستعين على تكذيب معتقده وتستعين على إرشاده بافتراض هذه القضايا مسلّمة لتنتزع منها اللوازم الباطلة، ليحصل له الاعتقاد بالحق بأقرب طريق عندما يكون مستعداً لتلقي البرهان وفهمه).
(ثم إن المسلمات إما عامة، سواء كان التسليم بها من الجمهور عندما تكون من المشهورات. الآن لقاء نتساءل: ما هو الفرق بين المسلمات وبين المشهورات؟ هذه يتسالم على صدقها، وهذه يشتهر صدقها، يعني يتفق العقلاء عليها، وهذه ما معنى التسالم؟ هو الاتفاق، والشهرة تنعقد باتفاق العقلاء. نقول: مشهورات يكون اتفاق العقلاء عليها هو المصحح لها، أما القضايا المسلمة فلها واقع تطابقه أو لا تطابقه ولكننا نغض طرفنا عن الواقع وعن المطابقه وعدمها ونفترض الصدق؛ فالتسالم والاتفاق في المسلمات ليس هو الذي يصحح القضية ويعطيها واقعها، بخلافه في المشهورات).
(أو كان التسليم بها من طائفة خاصة كأهل دين أو ملة أو علم خاص، وخصوص هذه المسلمات في علم خاص تسمى الأصول الموضوعة لذلك العلم، وهي أصول يفترض صدقها وتوضع في ذلك العلم، عندما يكون التسليم بها عن مسامحة على سبيل حسن الظن من المتعلم بالمعلم، كما يقال يقول الأستاذ مثلاً: هذه تأتي معكم في مادة أخرى، إذاً لا بد أن تفترضها صادقة حتى ترتب عليكم آثارها. وهذه الأصول الموضوعة هي مبادئ ذلك العلم التي تبتني عليه براهينه، وإن كان قد يبرهن عليها في علم آخر).
(وأما إذا كان التسليم بها من المتعلم من باب المجاراة مع الاستنكار والتشكيك بها كما يكَقع ذلك في المجادلات فتسمى حينئذ بـالمصادرات. يعني إذا لم يحصل لك -كيف بنقول بالعامية: مشيناها- لا يحصل لك التصديق بهذه القضية حقيقة ولكنك سمعتها مرغماً، جيد؟ وأنت تشكك فيها، فهي يقال لها إنها مصادرة، بمعنى أنها مصادرة على المطلوب، جيد؟ أنت تصادر على مطلوبك، تأتي لي بشيء هو يعني تستدل على شيء عن طريق مقدمات هي بالنسبة لي غير ثابتة، فكيف سوف أقتنع معك؟ لا يمكن أقتنع معك بالنتيجة).
(وإما خاصة إذا كان التسليم بها من شخص معين وهو طرفك الآخر في مقام الجدل والمخاصمة؛ كالقضية التي تؤخذ من اعترافات الخصم ليبتني عليها الاستدلال في إبطال مذهبه أو دفعه).
(المقبولات، وهي قضايا مأخوذة ممن يوثق بصدقه تقليداً، يعني أخذت بسبب التقليد؛ إما لأمر سماوي كالشرائع والسنن المأخوذة عن النبي والإمام (عليه السلام)، وإما لمزيد عقله وخبرته كالطبيب مثلاً، كالمأخوذات من الحكماء وأفاضل السلف والعلماء الفنيين من آراء في الطب أو الاجتماع أو الأخلاق أو نحوها، وكأبيات تورد شواهد لشاعر معروف، وكالأمثال السائرة التي تكون مقبولة عند الناس وإن لم تؤخذ من شخص معين، وكالقضايا الفقهية المأخوذة تقليدا عن المجتهد).
(إن هذه القضايا وأمثالها هي من أقسام المعتقدات، والاعتقاد بها إما على سبيل القطع أو الظن الغالب، ولكن على كل حال منشأ الاعتقاد بها هو التقليد للغير الموثوق بقوله كما قدمنا، وبهذا تفترق عن اليقينيات والمظنونات؛ لأن اليقين هو اعتقاد جازم عن دليل، والظن اعتقاد غير جازم، جيد، والمقبولات اعتقاد جازم لا عن دليل بل عن تقليد).
(وقد تكون قضية واحدة يقينية عند شخص ومقبولة عند شخص آخر باعتبارين، كما قد تكون من المشبهات أو المسلمات باعتبار ثالث أو رابع، وهكذا. الآن قد تكون القضية ثابتة عندي وأنت تأخذها أصلاً موضوعياً، فالقضية عندك من المسلمات وعندي من اليقينيات؛ لأنني قد أقمت الدليل عليها وأنت لم تقم الدليل عليها وإنما جاريتني في الاستدلال).
(المشبهات، وهي قضايا كاذبة يعتقد بها لأنها تشبه اليقينيات أو المشهورات في الظاهر، فيغالط فيها المستدل غيره لقصور تمييز ذلك الغير بين ما هو وبين ما هو غيره، أو لقصور نفس المستدل، أو لغير ذلك. والمشابهة إما من ناحية لفظية مثلما لو كان اللفظ مشتركاً أو مجازاً فاشتبه الحال فيه، وإما من ناحية معنوية مثلما لو وضع ما ليس بعلة علة، ونحو ذلك. وتفصيل أسباب الاشتباه يأتي في صناعة المغالطة لأن مادة المغالطة هي المشبهات والوهميات وأهمها المشبهات).
المخيلات
بقي عندنا من مبادئ الأقيسة مطلب واحد، وهي القضايا المخيلات.
والمراد من التخيل ههنا تصرف القوى المدركة بصور المحسوسات، فإن الذهن بواسطة الحس المشترك يتمكن من أن ينتزع صورة حسية لزيد الخارجي في الخارج، ثم إذا توجهت الباصرة إلى عمرو الموجود في الخارج انتزعت قوة الحس المشترك صورة حسية ثانية لعمرو، فصار في الخزانة -وهي خزانة الخيال- صورتان محسوستان: الأولى هي صورة زيد، والثانية هي صورة عمرو.
بعد ذلك تأتي القوة المتصرفة فتتصرف في صور هذه المحسوسات، فتركب من هاتين الصورتين صورة حسية ثالثة هي عبارة عن رجل له رأس زيد وبدن عمرو. وهذه الصورة مع كونها صورة لو وجدت في الخارج كانت حسية ولكنها لا وجود لها في الخارج، يعني شوف، هذه الصورة مع كونها لا وجود لها في الخارج فلا يمكن أن يقال إنها قد أدركت بواسطة الحواس، ولكن صاحب الصورة لو قدر له أن وجد في الخارج لكان محسوساً مدركاً بالحواس.
ويقال إن تصرف القوى المدركة بصور المحسوسات من أجل انتزاع وتركيب صور أخرى، هذه الصور هي التي يقال إنها يحصل عليها الإنسان بقوة التخيل. فالقوة الخيالية هي قوة تحفظ صور المحسوسات التي تأتينا من الخارج. وأما القوة المتخيلة فهي قوة تتصرف في تلك الصور الموجودة في خزانة الخيال، إذ تركب بعضها مع بعض وتنتزع بعضها من بعض لتحصل على صور لا وجود لها في الخارج المحسوس، ولكنها لو وجدت في الخارج لكانت محسوسة بواحدة من الحواس الخمس.
هذه هي القوة المتخيلة، والصور التي تنتزعها تلك القوة والتي تركبها تسمى بالصور المتخيلة. وقد ظهر من ذلك أن الصور المتخيلة ليس لها واقع خارجي حتى تطابقه أو لا تطابقه؛ إذ لو كان لهذه الصور المتخيلة واقع في الخارج لكان واقعها محسوساً، وحينئذ فإن الذهن يدرك تلك الصور عن طريق قوة الحس المشترك عن طريق انطباع صورها في الذهن، التفت!
الذهن إنما يدرك بواسطة الحواس الخمس الجزئيات المحسوسة الموجودة في الخارج، ثم عندما يستحصل على تلك الصور المحسوسة يقوم بتركيبها، بتركيب بعضها مع بعض لينتزع صورة ثالثة لا وجود لها في الخارج (يعني ليس لها واقع في الخارج، تمام؟)، ولكن لو وجد، لو قدر لها أن توجد فيما بعد لكانت محسوسة مدركة بالحواس الخمسة. إذاً فالصور المتخيلة ليس لها واقع حتى تطابقه أو لا تطابقه؛ إذ لو كان لها واقع لما كانت متخيلة، وإنما تدرك صورها حينئذ بواسطة الحس المشترك، لما عرفنا من أن المتخيلات لو قدر أن وجدت في الواقع لكان واقعها محسوساً، إذاً لأدركها الذهن بواسطة الحواس الخمس، وحينئذ يكون إدراكه مطابقاً للواقع صادقاً أو غير مطابق للواقع فيكون كاذباً.
فلما كانت الصور الخيالية أو المتخيلة منتزعة من التصرف في صور المحسوسات لا من الواقع الخارجي مباشرة، إذاً فهي ليس لها واقع تطابقه أو لا تطابقه. وقد ظهر من ذلك أن المتخيلات لا تتصف بالصدق ولا تتصف بالكذب؛ لأن الصدق والكذب عبارة عن مطابقة ما في الذهن لما في الخارج، فلا بد أن نفترض أن هناك نسبة ذهنية وأن هناك نسبة خارجية، والمتخيلات لا نسبة خارجية لها، ليس لها خارج، ومع انتفاء أحد الطرفين تنتفي تلك النسبة، فلا تتصف القضايا المتخيلات بأنها صادقة ولا بأنها كاذبة.
فمن زعم أن وجه الحبيب قمر فقد نسب القمرية وحملها على وجه الحبيب، فهذه قضية حملية متخيلة تقول: «وجه الحبيب قمر»، فهنا نسبنا المحمول إلى موضوعه، وقمرية وجه الحبيب ليس لها خارج وليس لها واقع في الخارج؛ لأن وجه الحبيب هو وجه كسائر الوجوه، والقمر كوكب كسائر الكواكب، ولكن أن نتخيل نرسم في خيالنا أن ذلك الوجه هو قمر، فكأنه بدن له وجه قمر، له قمر هو الوجه، هذه الصورة وهذه القضية ليس لها واقع حتى تطابقه أو لا تطابقه. فالقضايا المتخيلة ليس المعيار في صدقها وعدمها هو المطابقة للواقع أو اللامطابقة للواقع.
ومن هنا لابد أن نتوجه إلى الباعث والداعي الذي يدعو أذهاننا إلى اختراع هذه الصور الخيالية أو هذه القضايا. والحاصل أن الذهن إنما صمم وفطر ليتعاطى مع الواقع الخارجي، فالقياس أن يدرك الذهن تلك الأمور الموجودة في الخارج لا أن يخترع أموراً ليس لها وجود في الخارج، ولكن الذهن كثيراً ما يصطدم مع الواقع المأزوم، أو فقل: إن طموح النفس كثيراً ما يصطدم مع الواقع المأزوم؛ كمن أراد أن يتزوج فتاة فذهب وطلب يدها من والدها وهو يمني النفس بأَسعد اللحظات وبأجمل اللحظات مع محبوبته عندما يتم الأمر، ولكن هذا الأمر عندما لا يتم يحصل هناك اصطدام بين طموح النفس وأمنياتها وبين ذلك الواقع المأزوم؛ إذ كلما نظر إلى الواقع وأراد أن ينتزع صوراً واقعية وجد أن محبوبته بعيدة كل البعد عنه، فعالم الواقع لا يساعد على تلبية رغبات النفس؛ لأنه كلما أراد أن ينتزع صورة حسية انتزع الصورة الحسية التي لا تلبي تلك الرغبات، إذ سوف يرى محبوبته في مكان وهو في مكان آخر مبعداً عنها.
ومن هنا فإن النفس قد تثور على ذلك الواقع المأزوم، فيبدأ الذهن بمحاولة لتلبية رغبات النفس وذلك عن طريق الصور التي تتمناها تلك النفس، فالغرض الباعث على هذا التصرف بالصور المحسوسة -الغرض الباعث على التخيل- هو تلبية رغبات النفس، فيبدأ بتصوير مكان قد لا يكون له وجود، ثم يضيف إلى هذا المكان وجوداً مع محبوبته في ذلك المكان بعيداً عن الأهل الذين عارضوا ذلك الزواج إلى آخره من التصرفات. فتجد أن هذه الصورة قد تصرفه وتوجد به شروداً يغفل عن الواقع حتى إنك قد تمر أمامه فلا يلتفت إلى ذلك؛ كأن هناك واقعين: واقع حقيقي وهو الذي هرب منه، وواقع متخيل يتخيل وهو الذي هرب إليه.
ومن هنا فإن كثيراً ممن يتعرضون إلى الصدمات والنكبات في الواقع يهربون إلى هذا الواقع الآخر، وهذا هو الذي يعرف بالطب بأنه انفصام بالشخصية، ليش؟ لأن الواقع المتخيل قد يستحوذ على النفس بحسب ضعفها وقوتها على تحمل الصدمات، قد يستحوذ على النفس حتى يبدو لصاحبه كأنه واقع حقيقي، فيصير للإنسان واقعان: واقع هو فيه شخصية منكوبة، وواقع هو فيه شخصية قادرة على تحقيق رغباتها. ولذلك ذلك الذي يؤثر عليه عالم التخيل تأثيراً يغلب على عالم الواقع، عندما يدعي مثلاً أنه يقابل محبوبته وأنه معه، فهو حقيقة يدعي ذلك لأنه يرى ذلك فعلاً؛ لأن صارت هذه الصور الذهنية تؤثر فيه كما يؤثر الواقع الخارجي، ولذلك يصنف هذا من أنواع المرض حينئذ، لا أنه يدعي شيئاً وهو يعلم كذب ادعائه، هذا لا يكون مرضا وإنما يكون مكابرة حينئذ.
كيف كان؟ فالباعث على التخيل هو تلبية رغبات النفس، ولذلك التفت تجد أن أكثر الشعراء كانوا من الذين عانوا في حياتهم الاجتماعية أو في صغرهم، كأبي نواس وأبي العلاء المعري وغير ذلك؛ وذلك لأن الواقع المأزوم هو الذي ينمي القوى المتخيلة، والشعر إنما يحتاج إلى التخيلات، ولذلك قيل في الشعر: أكذب الشعر أعذبه. ليش؟ لأن الصور الخيالية كما عرفنا ليس لها واقع، فيصدق أنها كاذبة ولو من باب السالبة بانتفاء الموضوع، يعني لا تطابق الواقع بسبب اللاواقع، فيمكن أن نعمم عليها مفهوم الكذب بهذا المعنى، جيد؟
فكلما كانت الصورة مخترعة، أنت تشعر من نفسك، كلما كانت الصورة مخترعة غير مألوفة بالنسبة إليك تجد انبهاراً وذهولاً وذوبانًا في تلك الصورة، تمام، فتلبي رغباتك. فالمعيار في صدق التخيل ليس هو المطابقة للواقع وإنما المطابقة للرغبات، ولذلك تجد أن هذه الصورة الواحدة قد تتحول من كونها صادقة إلى كونها كاذبة عندما تزول تلك الرغبة في فترة الخطوبة -طيب، جيد- أنت لا تتصور وجه الحبيب إلا قمراً، جيد، فتحكم على وجه الحبيب بالقمرية. بعد الزواج بعشر سنوات، جيد، هذا الاعتبار يصبح -التفت- يصبح في تصور هذا التركيب ربما يعني طبعاً من باب اللطافة، جيد، باب النكتة- قد يصبح في تصور هذا التركيب ما يزعج النفس ويوجد فيها نفوراً، تمام؟ ليش عندما تزول الرغبة يزول معيار الصدق؟ لأن الحامل على هذه القضايا المتخيلة هو هذا المبنى.
الآن كثيراً ما تؤثر المتخيلات على واقعنا، كثيراً ما نتخيل أموراً ثم بعد ذلك نطبقها؛ كما إذا تخيلت -جيد وهو نوع من سوء الظن- أن فلاناً أراد أن يفتعل مشكلاً معي مثلاً، طبعاً عندما أقوم بلقائه مباشرة قد أعامله وأحاسبه على هذا الافتراض وهو نوع من أنواع التخيل. على كل حال، التخيل إذاً هو صنع ذهني له داع وله باعث وهو عبارة عن تلبية رغبات النفس، جيد، ولذلك في كثير من الأحيان تجد الإنسان واقعه لا يساعد على تخيلاته فيقوم بافتراض تخيلاته بديلاً عن ذلك الواقع. على كل حال، فمن زاد في... يعني لا يمكن أو ليس من المنطقي أن نقطع كل تخيلاتنا وليس من المنطقي أن نرقى بها إلى حد تزاحم الواقع. على كل حال هذا تمام الكلام بهذا المقدار يكفي في هذا البحث في المخيلات.
نقرأ:
قال (قدس سره): (وهي قضايا ليس من شأنها أن توجب تصديقاً. ليس -شوف- ليس من شأنها أصلاً، ليس لها قابلية أن تطابق أو لا تطابق الواقع، ليس لها واقع؛ لأنها صور تنتزع من المحسوسات وهي صور لا وجود لها في الواقع المحسوس ولكن لو وجدت لكانت محسوسة مدركة بالحواس الخمس. إلا أنها توقع في النفس تخيلات تؤدي إلى انفعالات نفسية من انبساط في النفس أو انقباض -إما توجد رغبة أو توجد نفوراً، تمام- ومن استهانة بالأمر الخطير أو تهويل أو تعظيم للشيء اليسير -الآن يستعين قد يستعين الإنسان على معالجة خوفه بافتراض بعض التخيلات، وقد يستعين على إخافة نفسه بافتراض بعض التخيلات؛ كأن يفترض أن هناك أحداً يلاحقه مثلاً في الظلمة وفي العتمة، الآن العتمة هي من الوهميات، افتراض شخص يلاحقه هذا تصرف في صور المحسوس هذا من التخيلات، دائماً عقل الإنسان بين المتخيلات وبين الوهميات، العقل السليم هو الذي يمكنه أن يفصل بين هذه العوالم مش أن ينفي الوهميات والمتخيلات، هذا أمر قهري موجود في الذهن البشري-).
(ومن استهانة بالأمر الخطير أو تهويل أو تعظيم للشيء اليسير، ومن سرور وانشراح أو حزن وتألم، ومن شجاعة وإقدام أو جبن. وتأثير هذه القضايا التي هي مواد صناعة الشعر كما سيأتي في النفس، هذا التصوير ناشئ من تصوير المعنى بالتعبير تصويراً خيالياً خلاباً، وإن كان لها... وإن كان لا واقع له في بعض الأحيان نلتفت، قد يكون وجود واقع له في غاية من الامتناع؛ كمن تصور مثلاً -شوف- كمن تصور وجود بحر من النفط والنفط له ذلك اللون الأزرق الداكن تمام، ثم تصور في وسط ذلك البحر جمراً... نعم فحم مشتعل يعني الجمر، هذه الصورة لا يمكن أن تتحقق خارجاً لأنك إذا وجدتها سوف يشتعل ذلك البحر! ثم بعد ذلك قام بتشبيه ثغر الحبيب في لمعانه بالجمر وسط بحر من النفط، هذه لا واقع لها ولا يمكن أن يكون لها واقع، ولكن لو فرض -من باب وفرض المحال ليس بمحال- لو فرض أن كان لها واقع لكان واقعها محسوساً).
(وكلما استعملت المجازات والتشبيهات والاستعارات وأنواع البديع في مثل هذه القضايا كانت أكثر تأثيراً في النفس؛ لأن هذه المزايا تضفي على الألفاظ والمعاني جمالاً يستهوي المشاعر ويثير التخيلات. إذا أراد أن نتعرض إلى أمثله سوف يطول البحث، هذا يأتي في البلاغة).
(وإذا انضمت إليها الوزن والقافية -مع أن الوزن والقافية ليس إلا عبارة عن نوتة موسيقية حقيقة، وذلك لأن تناسق العبارات جيد يوجب تناسقاً في فهم المعاني حتى كأنك تتدرج من معنى إلى معنى نزولا على الدرج وهكذا، لأن اللفظ لاقترانه الأكيد بالمعنى فإن الوقع الموسيقي للفظ سوف يؤثر على الوقع الموسيقي للمعنى حتى إن الصوت الذي ينطق به صاحبه سوف يؤثر وقعه إذا كان صاحب الصوت مثلاً فتاة حسناء غير ما إذا كان صاحبه رجلاً قبيحاً- قال: وإذا انضم إليها الوزن والقافية، أو التسجيع -التسجيع من السجع، السجع اللي هو صوت هدير الحمام، يقال للسجع سجع لأنه يعني يأتي على نوتة واحدة، يأتي على وقع واحد- والازدواج، زاد تأثيرها، ثم يتضاعف الأثر إذا كان الصوت المؤدي لها رقيقاً ومشتملاً على نغمة موسيقية مناسبة للوزن ونوع التخييل).
(كل ذلك يدل على أن المخيلات ليس تأثيرها في النفس لأجل كونها تتضمن حقيقة يصدق بها، بل حتى لو علم كذبها فإن لها ذلك التأثير المنتظر منها، ولذلك قيل في الشعر: أعذبه أكذبه. وما ذلك إلا لأن التصوير فيها للمعنى مع ما ينضم إليه من مساعدات هو الذي يستهوي النفس ويؤثر فيها، وسيأتي تفصيل ذلك في صناعة الشعر).
وبهذا ينتهي ما أردناه من الكلام على مواد الأقيسة في هذه المقدمة.
الصناعات الخمس
لا بد قبل الدخول في الصناعات الخمس من بيان الحصر فيها وبيان فائدتها على الإجمال. هذا البحث نحن ذكرناه في الدروس السابقة عندما قسمنا القياس بحسب مادته إلى خمسة أقسام، فقط نقرا هذا المقدار لا يوجد شيء جديد حقيقة.
قال (قدس سره): (تقدم في التمهيد لهذا الباب -ونحن وكان تمهيدا هناك نحن ذكرناه بالتفصيل- تقدم في التمهيد لهذا الباب أن القياس بحسب اختلاف المقدمات من حيث المادة؛ هل هو من الوهميات أو من المظنونات أو من المقبولات إلى آخره، وبحسب ما تؤدي إليه من نتائج، وبحسب أغراض تأليفها، ينقسم إلى البرهان والجدل والخطابة والشعر والمغالطة).
بيان ذلك أن القياس بحسب اختلاف المقدمات من جهة كونها يقينية أو غير يقينية، إما أن يفيد تصديقاً وإما تأثيراً آخر غير التصديق من التخيل والتعجب ونحوهما. ثم الأول -يعني ما يفيد يقيناً- إما أن يفيد تصديقاً جازماً لا يقبل احتمال الخلاف (اليقين بالمعنى الأرسطي)، أو تصديقاً غير جازم يجوز فيه الخلاف أيضاً (المظنونات). ثم ما يفيد تصديقاً جازماً إما أن يعتبر فيه أن يكون تأليفه لغرض أن ينتج حقاً أم لا؛ الآن أنا أريد أن أنتج الحق، هذا هو البرهان، أو لا، أنا أعطيك تصديقاً يقينياً جازماً ولكن ليس من أجل الحق، وإنما من أجل إفحامك، هذا يسمى الجدل. ثم ما يعتبر فيه إنتاج الحق إما أن تكون النتيجة فيه حقاً واقعاً فهذا هو البرهان، أو لا فهذه هي المغالطة. أنا أعطيك تصديقاً جازماً بالمسألة وهذه المسألة ليست حقاً، ليست مطابقاً للواقع، فأنا أغالطك أي أوقعك في الغلط.
فهذه خمسة أنواع:
1. ما يفيد تصديقاً جازماً وكان المطلوب حقاً واقعاً وهو البرهان. والغرض... (يعني شوف، صناعة البرهان تتركب من قيود ثلاثة، تتقوم بأمور ثلاثة: أن تفيد التصديق الجازم، أن يكون المطلوب هو إصابة الحق، وأن يكون الغرض هو معرفة ما كان حقاً واقعاً. نعم، يعني أن يكون المستدل طالباً للحق، وأن يكون دليله مفيداً للتصديق الجازم، وأن يكون دليله مصيباً للحق واقعاً. شوف في فرق؛ مرة هو طالب للحق ولكن لا يكون دليله مصيباً للواقع، ومرة ليس طالباً للحق وليس دليله مصيباً للواقع).
2. ما يفيد تصديقاً جازماً وقد اعتبر فيه أن يكون المطلوب حقاً ولكنه ليس بحق واقعاً، وهذا هو المغالطة.
3. ما يفيد تصديقاً جازماً، ولكن لم يعتبر فيه أن يكون المطلوب حقاً بل المعتبر فيه عموم الاعتراف أو التسليم، (يعني مجرد الإفحام)، وهو الجدل، والغرض منه إفحام الخصم وإلزامه.
4. ما يفيد تصديقاً غير جازم، وهو الخطابة، والغرض منه إقناع الجمهور. الجمهور لا... يعني لا يناسب أن تتعاطى معه بالأقيسة والبرهانيات، يعني بدقتها؛ الأمور الظنية تعني أن تحرك وجدانهم، وتحريك الوجدان ليس بأمور قطعية وإنما بالأمور الظنية.
5. ما يفيد غير التصديق، لا يفيد تصديقاً أساساً من التخيل والتعجب ونحوهما، وهو الشعر، والغرض منه حصول الانفعالات النفسية (يعني تلبية الرغبة النفسية).
ثم إن البحث عن كل واحد من هذه الصناعات الخمس أو القدرة على استعمالها عند الحاجة يسمى صناعة؛ فيقال: صناعة البرهان، صناعة المغالطة، وهكذا. والصناعة اصطلاحاً: ملكة، قد عرفنا معنى الملكة فيما سبق، نفسانية وقدرة مكتسبة يقتدر بها على استعمال أمور لغرض من الأغراض (يعني يقال عنده صنعة، تمام، فهو متمكن من هذه الصناعة)، صادراً ذلك الاستعمال عن بصيرة بحسب الإمكان، كصناعة الطب والتجارة والحياكة مثلاً. ولذا من يغلط في أقيسته لا عن بصيرة ومعرفة بموقع الغلط لا يقال إن عنده صناعة المغالطة، بل... من عنده الصناعة هو الذي يعرف أنواع المغالطات ويميز بين القياس الصحيح من غيره ويغالط في أقيسته عن عمد وبصيرة.
والصناعة على قسمين: علمية وعملية. وهذه الصناعات الخمس من الصناعات العلمية النافعة؛ يعني صناعة الحياكة مثلاً من الصناعات... صناعة العمارة مثلاً جيد من الصناعات العملية، أما هذه الصناعات فهي من الصناعات العلمية كالشعر وغيره، وسيأتي في البحث الآتي بيان فائدتها. (طبعا يوجد هنا شجرة دائرة بين النفي والإثبات لحصرها الصناعات في هذه الخمسة).
قال (قدس سره): (أما منافع هذه الصناعات الخمس والحاجة إليها، فإن صناعتي البرهان والمغالطة تختص فائدتهما على الأكثر بمن يتعاطى العلوم النظرية؛ يعني كالمنطق والفلسفة ومعرفة الحقائق الكونية، ولكن منفعة صناعة البرهان له بالذات -كמעرفة الأغذية في نفعها لصحة الإنسان- ومنفعة صناعة المغالطة له بالعرض -كمعرفة السموم في نفعها للاحتراز عنها، جيد-. ليش؟ لأن الإنسان يطلب البرهان بعد أن التفت، بعد أن... لا يمكنني أن أصل إلى الحقائق عن طريق المغالطة، لابد أن أصل إلى الحقيقة أولاً بنفسي فأصل إليها بالبرهان، ثم إذا عجزت عن إصالك أنت إلى الحقيقة بالبرهان فأوصلك بالمغالطة. أما أن أغالط نفسي فأصل إلى الحقيقة فهذا ليس وصولاً إلى الحقيقة حقيقة، تمام؟ ولذلك لابد ولو من برهان واحد على الأقل لأتمكن بعد ذلك من إقناع الآخرين بالمغالطة. وهكذا، فهذا التشبيه تشبيه بمن أراد أن يعرف منافع الأغذية ومنافع السموم للجسم؛ فالأغذية منافعها من أجل أن هذه المنفعة توجب نمو الجسم وصحته، ولكن التعرف على السموم ليست لأجل أنها نافعة بل لأن التحرز عنها هو الذي ينفع، فصار الأمر بالعكس).
(وأما الثلاث الباقية فإن فائدتها عامة للبشر وتدخل في أكثر... في تدخل في أكثر المصالح المدنية والاجتماعية، وأكثر ما تظهر فائدة صناعة الجدل لأهل الأديان وعلماء الفقه وأهل المذاهب السياسية لحاجتهم إلى المناظرة والنقاش، وأكثر ما تظهر فائدة صناعتي الخطابة والشعر للسياسيين وقواد الحروب -هذه الترجمة التي... يعني في الحروب قائد الجيش إذا كنا نحضر بعض الأفلام هذه الأنشودة أو الترجمة التي يدلي بها... يعني هذه الخطبة القصيرة التي يدلي بها قائد الجيش هذه من الخطبة- ودعاة الإصلاح لحاجتهم إلى إقناع الجمهور ورضاهم وبعث الهمم فيهم وتحريض الجنود والأتباع على الإقدام والتضحية. بل كل رئيس وصاحب دعوة حق أو باطلة لا يستغني عن استعمال هذه الصناعات الثلاث للتاثير على أتباعه ومريديه ولتكثير أنصاره).
(ومن العجب إهمال أكثر المؤلفين في المنطق بحث هذه الصناعات تفريطاً بغير وجه مقبول، إلا أولئك الذين ألفوا المنطق مقدمة للفلسفة، فإن من حقهم أن يقتصروا على مباحث البرهان والمغالطة؛ يعني إذا كان كتاب المنطق وكان تأليفك للمنطق لأجل الفلسفة فأنت معذور في عدم ذكر صناعة الشعر والخطابة والمغالطة... مغالطة؛ لأنك كتبتها مقدمة للفلسفة والفلسفة عبارة عن... لا يجري فيها إلا البرهان، تمام؟).
(وطبعاً وأما من أراد أن يكتب كتاباً عاماً في المنطق فليس من حقه أن يهمل هذه الصناعات، كما ذكر المصنف، فإن من حق من يقتصر على مباحث البرهان والمغالطة كما صنع صاحب الإشارات ابن سينا والحاج هادي السبزواري صاحب المنظومة في منظومته، إذ لا حاجة لهم في باقي الصناعات؛ لأنهم ألفوا كتاباً أول مجلد فيه في المنطق ثم جعلوا هذا المجلد مقدمة لسائر المجلدات التي تتحدث عن الفلسفة، وأهم ما يحتاج إليه منها ثلاث: البرهان والجدل والخطابة).
وقد ورد في القرآن الكريم الترغيب في استعمال الأساليب الثلاثة في الدعوة الإلهية، وذلك البرهان أو ذلك الترغيب هو قوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: 125). فإن الحكمة هي البرهان، والموعظة الحسنة من صناعة الخطابة، ومن آداب الجدل أن يكون بالتي هي أحسن.
هذا كل ما أردنا ذكره في المقدمة، وقد آن الشروع في بحث هذه الصناعات في خمسة فصول على عددها، وعلى الله اتكلان. (يعني الاتكال). يأتي الشروع في صناعة البرهان غداً إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد.
