منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 98

تحميل Word

098

يقع الكلام في سياق البرهان، وقد عرفنا أن البرهان عبارة عن قياس نتيجته تكون تصديقاً جازماً لا يقبل الخلاف، ويكون الباعث على تركيب ذلك القياس هو الوصول إلى الحق وإصابة الواقع، وتكون تلك النتيجة حقاً وواقعاً بالفعل. وإذا كانت نتيجة البرهان يجب أن تكون حقاً وواقعاً، فلابد أن تكون مقدمات هذه النتيجة من القضايا اليقينية، بداهة أن النتيجة دائماً تابعة لمقدماتها، فلو لم تكن المقدمات يقينية لما كانت النتيجة كذلك، فلما كان الغرض من البرهان هو إصابة الواقع بنتيجة تفيد التصديق الجازم الذي لا يقبل الخلاف وتكون تلك النتيجة واقعاً وحقاً؛ فلا بد أن تكون المقدمات حقة، لا بد أن تكون المقدمات بحيث تفيد التصديق الجازم المصيب للواقع، وإنما تكون هذه الصفات للقضية اليقينية.

ولذلك يمكن أن نعرف البرهان بأنه قياس مؤلف من يقينيات. وهذه المقدمات اليقينية تنتج حينئذ يقيناً بالذات اضطراراً. فها هنا قيدان:

القيد الأول: أن البرهان ينتج يقيناً بالذات، أي لا بالعرض، والمراد من اليقين بالذات أن تكون ذات مقدمتي القياس هي التي اقتضت تلك النتيجة. بعبارة ثانية: أن تكون النتيجة مسببة عن هاتين المقدمتين الصغرى والكبرى بخصوصهما؛ فيقينية النتيجة إنما تتفرع وتنبع من يقينية الصغرى والكبرى، لا من شيء آخر. وهذا بخلاف اليقين الذي يكون يقيناً بالعرض، كما في قياس المساواة؛ فإن النتيجة وإن كانت يقينية وهي حق وواقع، إلا أنها ليست ناشئة من ذات الصغرى ومن ذات الكبرى -وهو قولك: أ يساوي باء، وباء يساوي جيم- بل هي نابعة من صدق مقدمة خارجية، وهي أن مساوي المساوي مساوٍ. ولذلك لا يصدق أن الف نصف باء وباء نصف جيم فالف نصف جيم لعدم صدق تلك المقدمة الخارجية. فيقال حينئذ إن قياس المساواة نتيجته تكون يقينية، إلا أن يقينية النتيجة وحقانيتها ليست ناشئة من ذات المقدمتين، وإنما هي ناشئة من مقدمة خارجية، فيقينية النتيجة ناشئة من المقدمتين بالعرض لا بالذات. أو فقل: ذات المقدمتين بما هما هما بمعزل عن أي شيء آخر عارض عليهما لا تفيدان تلك النتيجة. وكان هذا القيد حقيقياً بحيث لا نحتاج إليه لما عرفناه من أن المراد من القياس أو الذهن ينصرف عند إطلاق لفظ القياس إلى خصوص القياس المفرد، وقياس المساواة قياس مركب. هذا القيد قد عرفناه فيما سبق.

القيد الثاني الذي أضافه الماتن (قدس سره) هو قوله اضطراراً، بمعنى أن النتيجة تحصل قهراً واضطراراً ومن دون تخلف عند وجود هاتين المقدمتين؛ بداهة أن المقدمتين -يعني الصغرى والكبرى في القياس- إذا كانتا تقتضيان لذاتهما تلك النتيجة اليقينية، فهما علة بالنسبة إلى النتيجة، والمعلول لا يتخلف عن علته عند وجودها، وهذا معنى قوله اضطراراً، بحيث لا يكون هناك مكان للشك في وجود هذه النتيجة وعدمها. ولذلك كلما أحرزنا أن الصغرى وكبرى القياس من القضايا اليقينية وكانت الشروط مجتمعة -شروط الإنتاج كانت مجتمعة- فإننا نحكم بيقينية النتيجة قهراً واضطراراً من دون احتمال للتخلف.

هذا تمام الكلام في المسألة التي في تعريف البرهان. فالبرهان إذن، لما كان لأجل إصابة الواقع، فلا بد أن تكون مقدماته بحيث تصيب الواقع دائماً، وإنما تكون المقدمات كذلك إذا كانت يقينية. فعلم أن البرهان لا يتألف إلا من يقينيات.

ثم هذه اليقينيات تارة تكون يقينيات واجبة القبول، بمعنى أن الذهن يحكم بحقانيتها وبواقعيتها بمجرد تصور هذه القضايا، وهذه هي البديهيات والأوليات التي تحدثنا عنها. وتارة تكون يقينيات غير واجبة القبول، كما إذا كانت يقينيات نظرية لا يحكم الذهن ولا تذعن النفس بصدقها بمجرد تصور أطرافها، بل هي نظريات غاية ما في الأمر أنها ترجع إلى قضايا بديهية. فليس المراد من حقانية البرهان ومن واقعية قضاياه أن صغراه وكبراه يجب أن تكون من القضايا البديهية دائماً؛ القضية اليقينية أوسع من أن تكون بديهية، غاية ما في الأمر أن القضية اليقينية إذا كانت نظرية فيجب أن تكون راجعة بتسلسل طولي إلى واحدة من القضايا البديهية الأولية. هذا ثانيا.

أقسام الاستدلال وحجية البرهان

المسألة الثالثة: أن البرهان كما عرفنا قياس، والقياس لا يطلق على الاستقراء وعلى التمثيل؛ وذلك لأن القياس إذا كان برهاناً، والبرهان يجب أن يكون مفيداً للليقين ومصيباً للواقع، فما لا يفيد اليقين ولا يصيب الواقع لا يسمى برهاناً. ولذلك لا يسمى الاستقراء والتمثيل عند الأرستيين برهاناً؛ لأنهما لا يفيدان اليقين وعدم احتمال الخلاف.

نعم، إذا رجعنا إلى الاستقراء، فهذا التتبع الجزئي لجملة من الأفراد، إن أخذناه لوحده بما هو تتبع وبمعزل عن أي ضميمة عقلية، فمثل هذا الاستقراء -الذي هو عبارة عن التجميع، مجرد التجميع العددي- هذا لا يفيد اليقين، ولذلك لا يسمى الاستقراء بهذا المعنى برهاناً.

أما إذا اخذنا هذا التجميع العددي -يعني الاستقراء- مع ضميمة تلك المبادئ العقلية التي أضافها الأرستيون لتصحيحه، فإن هذا الاستقراء يسمى برهاناً حينئذ؛ وذلك لأن تلك الضميمة العقلية ليست إلا عبارة عن قياس: (لو كان الأمر اتفاقياً لما تكرر دائماً أو غالباً ولكنه تكرر فيكون اتفاقياً)، فهذا قياس استثنائي. فالاستقراء بضميمة تلك المبادئ العقلية يصبح من القضايا التجريبية، والقضايا التجريبية كما عرفنا معدودة من اليقينيات عند الأرستيين، فيكون الاستقراء بهذا المعنى برهاناً.

وأما الاستقراء بما هو مجرد تجميع عددي -يعني الاستقراء بالمفهوم التجريبي الذي ينكر وجود مبادئ عقلية وقوانين يحكم بها العقل ويستقل بها، جيد؟- فهذا مجرد تجميع عددي، فهو عند المناطقة ليس برهاناً. ومن هنا يعلم أن الأرستيين يعتنون بالاستقراء على حد اعتنائهم بالقياس، غاية ما في الأمر أن الاستقراء الذي يعتني به الأرستيون هو الاستقراء المتمم بمبادئ العقل. فمن كان ينكر المعارف العقلية ويحصر معارفه بالتجريبيات بالحس والتجربة، فهذا ليس له أن يصحح الاستقراء، ولا يعد الاستقراء بهذا المعنى عند الأرستيين برهاناً.

وكذلك التمثيل، لأن التمثيل إذا كان عبارة عن مجرد ملاحظة حادثة شخصية جزئية، فهذا لا يفيد اليقين، وإذا لم يكن مفيداً لليقين فلا يمكن أن يكون برهاناً؛ لأن البرهان يجب أن يفيد اليقين وعدم احتمال الخلاف. أما التمثيل الذي هو منصوص العلة -يعني الذي نقف على الحادثة أو نقف على العلة الحقيقية لتلك المشابهة- فحينئذ هذا يكون برهاناً؛ وذلك لرجوعه إلى قياس؛ لأنه عندما يكون منصوص العلة فتلك العلة المنصوصة تكون كبرى في القياس والحادثة الشخصية الملاحظة تكون صغرى فيه. هذا تمام الكلام في المسألة الثالثة.

المسألة الرابعة وهي زبدة هذا الباب: قد عرفنا أن البرهان دائماً يجب أن يكون قياساً، لأن البرهان يجب أن تكون نتيجته حقة ويقينية، وإنما يفيد اليقين هو القياس، أما الاستقراء فإن صححناهما بالمبادئ العقلية فقد رددناهما إلى قياس، إذاً فلا يفيد اليقين إلا القياس. والبرهان يجب أن تكون نتيجته يقينية، إذاً فلا ينفع في البرهان إلا القياس، فكل برهان يجب أن يكون قياساً. تمام.

واسطة الإثبات وواسطة الثبوت

ثم إننا عرفنا في مبحث القياس أن الغرض من القياس دائماً هو إثبات الأكبر للأصغر؛ لأن القياس مركب من قضيتين وفي كل واحدة من المقدمتين حد خاص وحد مشترك بينهما، فالحد المشترك هو الحد الأوسط، والحد الخاص في المقدمة الأولى في الصغرى يسمى أصغر، وفي الثانية الكبرى يسمى أكبر. والغاية والغرض من القياس هو إثبات الأكبر للأصغر بتوسط وبوساطة الأوسط. فالبرهان لا يكون إلا قياساً، لأن البرهان يجب أن تكون نتيجته يقينية، وإنما يفيد اليقين القياس، فكل برهان -كلما فرضنا وجود برهان فقد فرضنا وجود قياس، وكلما فرضنا وجود قياس فقد فرضنا وجود حد أوسط- هو الذي يقوم بإثبات الأكبر للأصغر.

ومعنى أن الأوسط هو الذي يثبات الأكبر للأصغر، أن الأوسط -إلتفتْ- يكشف عن ثبوت الأكبر للأصغر. ومعنى أنه يكشف أن الحد الأوسط هو الذي يعطينا العلم بأن الأكبر ثابت للأصغر، ومعنى أنه يعطينا العلم أن الحد الأوسط علة للعلم بثبوت الأكبر للأصغر، لا أنه علة لثبوت الأكبر للأصغر -إلتفتْ- تارة يكون الحد الأوسط علة للعلم بالنتيجة، وتارة يكون علة لحصول النتيجة واقعاً وفي الخارج.

مثال ذلك أن تقول مثلاً: هذه الحديدة متمددة، والتمدد أو والحديدة المتمددة أو التمدد سبب للحرارة -مثال فقط، نعم، نعم-. هذا تقول: هذه الحديدة -إلتفتْ- متمددة، وكل حديدة متمددة فإن حرارتها مرتفعة. الآن الحد الأوسط هاهنا ما هو؟ الآن هذه الحديدة هذا الأصغر، متمددة هذا الأوسط، وكل حديدة متمددة حرارتها مرتفعة هذا هو الأكبر. وهذا هو الأصغر، وهذا هو الأوسط، فينتج أن هذه الحديدة حرارتها مرتفعة. إلتفتْ، الذي أوصل إلى هذه النتيجة هو الحد الأوسط حقيقةً، وهو تكرر تكرر ذلك الحد. فالحد الأوسط هو الذي سبب إلى أن نعلم بارتفاع حرارة الحديد، لا أن الحد الأوسط هو الذي رفع حرارة الحديد واقعاً، ليش؟ لأن التمدد ليس سبباً لارتفاع الحرارة واقعاً، الحديد حتى ترفع حرارته لا تمددها، وإنما حتى تمددها ترفع من حرارتها.

وبعبارة ثانية: في الواقع وفي الخارج التمدد ليس سبباً لارتفاع الحرارة، وإنما هو مسبب عن ارتفاع الحرارة، فالتمدد ليس علة لارتفاع حرارة الحديد، وإنما هو معلول لارتفاع حرارة الحديد. تمام؟ جيد، ولكنه علة للعلم بارتفاع حرارة الحديد. فأنا إنما علمت بأن الحديدة قد ارتفعت حرارتها بسبب أنني قد أحسست بتمددها. فالحد الأوسط ليس بالضرورة أن يكون سبباً لثبوت الأكبر للأصغر -علة لوجود الأكبر خارجاً للأصغر- وإنما قد يكون علة وقد يكون معلولا، كما في هذا المثال. ولكن الحد الأوسط على كل تقدير هو علة لثبوت الأكبر للأصغر في الذهن لا في الخارج؛ تمام، لأن الذي يوجب انتقالنا إلى النتيجة -أي يوجب علمنا بالثبوت الأكبر للأصغر، أي الذي يوجب الثبوت الأكبر للأصغر في الذهن- هو الحد الأوسط على كل تقدير، سواء كان علة في الخارج أو كان معلولا.

مثال كونه معلولاً هذا المثال، ومثال كونه علة: اقلب هذا المثال، تقول هذه الحديدة ارتفعت حرارتُها، وكل حديدة ارتفعت حرارتها متمددة، ماذا ينتج؟ هذه الحديدة متمددة. إلتفتْ، ارتفاع الحرارة سبب للتمدد خارجاً وسبب للتمدد ذهناً. بعبارة أدق: ارتفاع الحرارة سبب للعلم بالتمدد وسبب للتمدد واقعاً، سبب لثبوت الأكبر للأصغر خارجاً -وهو سبب له- سبب لثبوت الأكبر للأصغر أين؟ ذهناً، بمعنىً يعني سبب للعلم بثبوت الأكبر لمَنْ؟ للأصغر.

فالحد الأوسط ليس بالضرورة أن يكون سبباً لثبوت الأكبر للأصغر واقعاً، وإنما هو سبب للعلم بثبوت الأكبر للأصغر. فالحد الأوسط علة للانتقال وليس علة، وليس بالضرورة أن يكون علة للثبوت والوجود الفعلي. وهذا النحو من الوساطة وهي الوساطة في الانتقال، ولذلك قلنا إن الحد الأوسط ليس بالضرورة أن يكون هو الذي يوجد الأكبر للأصغر، ليس قد لا يكون سبباً خارجياً، وإنما هو سبب للعلم، ولذلك قلنا إن الحد الأوسط على كل تقدير هو كاشف عن ثبوت الأكبر للأصغر. أما أنه هل هو الذي يوجد الأكبر فعلاً للأصغر؟ أو أنه لا يوجده يكون معلولاً له؟ فهذا قد يكون من الأول وقد يكون من الثاني.

إذن فالحد الأوسط دائماً أو القدر المتيقن فيه أنه واسطة في الإثبات لا واسطة في الثبوت. والمراد من الإثبات هو أنه سبب للعلم بثبوت الأكبر للأصغر. والمراد من الواسطة في الثبوت أن يكون علة للثبوت الخارجي، ثبوت الأكبر للأصغر خارجاً. وقد ظهر من ذلك أن كل حد أوسط فهو واسطة في الإثبات. والمراد من الواسطة في الإثبات هي ما تكون علة للعلم بالثبوت لا ما يكون علة لنفس الثبوت. الآن التمدد ليس علة لارتفاع الحرارة، نعم هو إذا علمت بالتمدد فقد علمت بارتفاع الحرارة، فالتمدد ليس سبباً لارتفاع الحرارة، ولكن العلم بالتمدد سبب للعلم بارتفاع الحرارة، ولذلك تسمى هذه الواسطة بأنها واسطة في الإثبات، واسطة في الكشف.

وأما إذا كان الحد الأوسط علة للثبوت الفعلي للأكبر للأصغر، فيقال له واسطة في الثبوت؛ لأنه علة في التحقق وفي الوجود الخارجي. وجملة المطلب: أن كل برهان فعلي فلا بد أن يكون قياسياً، لأن البرهان يجب أن يكون يقينياً، وإنما ينتج اليقين القياس، وكل قياس يشتمل على حد أوسط، فكل برهان يشتمل على حد أوسط، تمام؟ وكل حد أوسط فهو واسطة في الـ في الإثبات، فكل برهان لابد فيه من واسطة في الـ في الإثبات. هذه الواسطة في الإثبات -التي يكون العلم بها سبباً للعلم بثبوت الأكبر للأصغر- لا يخلو: إما أن تكون مع كونها واسطة في الإثبات واسطة في الثبوت، بأن يكون الحد الأوسط -شوف- سبباً حقيقياً لوجود الأكبر للأصغر، فيكون هذا الحد واسطة في الإثبات وفي الثبوت معاً، بأن يكون العلم بذلك الوسط سبباً للعلم بالنتيجة، وبأن يكون وجود ذلك الأوسط سبباً للثبوت الأكبر للأصغر واقعاً وفعلاً، فهذا الحد الأوسط الذي هو واسطة في الإثبات -إلتفتْ- إما أن يكون مع كونه واسطة في الإثبات واسطة في الثبوت أيضاً، فيقال لمثل هذا البرهان إنه برهان لِمّيّ. وإما أن لا تكون الواسطة في الإثبات واسطة في الثبوت كذلك، فيقال له برهان إنّيّ.

فالبرهان ينقسم إلى قسمين تابعاً لطبيعة الحد الأوسط؛ وذلك لأن البرهان لأجل أنه لا يفيد إلا اليقين، فيجب أن يكون أن يكون قياساً، إذ لا يفيد اليقين عند الأرسطيين إلا القياس. وكل قياس له حد أوسط، وكل حد أوسط هو واسطة في الإثبات، فالبرهان باعتبار هذا الحد الأوسط الذي هو واسطة في الإثبات: إن كانت هذه الواسطة مع كونها واسطة في الإثبات واسطة في الثبوت، فهو برهان لِمّيّ، وإلا فهو برهان إنّي.

أقسام البرهان: اللمي والإنّي

مثال البرهان اللمّيّ: قولنا هذه الحديدة -عفوًا- ارتفعت ارتفعت حرارتها، وكل حديدة ارتفعت حرارتها ارتفعت حرارتها متمددة -فتجد أن ارتفاع الحرارة هاهنا هو واسطة في الثبوت وفي الإثبات معاً- أما أنها واسطة في الإثبات، فلأننا عندما نعلم بارتفاع الحرارة، نعلم بحصول التمدد، فالعلم بالحرارة أو ارتفاع الحرارة سبب للانتقال إلى تمدد الحديد. تمام؟ وأما أنه واسطة في الثبوت فلأن ارتفاع الحرارة سبب لحصول التمدد فعلاً في الخارج. فهذا الحد مع كونه واسطة في الإثبات هو واسطة في الثبوت أيضاً، فيقال إن هذا البرهان لِمّيّ.

وأما البرهان الإنّي فهو أن تكون الحد الأوسط واسطة واسطة في الإثبات لا واسطة في الثبوت، كما في قولنا هذه الحديدة متمددة، وكل حديدة متمددة حرارتها مرتفعة، فإن التمدد ليس سبباً لثبوت الـ لثبوت لارتفاع حرارة الحديد خارجاً، وإنما هو مسبب عنها. نعم، العلم بالتمدد يستدعي علمك بارتفاع الحـ الحرارة، فالعلم بالواسطة علة للعلم بالنتيجة، ولكن نفس الواسطة ليست علة للنتيجة، تمام؟ هذا يقال له برهان إنّي.

طيب، وقد ظهر من ذلك أننا في البرهان اللمّيّ نجد أن الحد الأوسط كما يكون العلم به سبباً للعلم بالنتيجة، فإن نفس وجوده يكون سبباً لحصول وجود النتيجة. فنحن في الحقيقة إنما ننتقل إلى النتيجة بوساطة الحد الأوسط، وهذا الحد الأوسط هو علة في الواقع للنتيجة أو لا؟ هو علة. فنحن إنما ننتقل إلى النتيجة بوساطة العلة. فالبرهان اللمّيّ هو الاستدلال من العلم إلى المعنى، الاستدلال بالعلة على معلولها أو الانتقال من العلة إلى إلى معلولها، وهذا يقال له البرهان اللمّيّ.

وإنما سمي لِمّيّاً لأنه مأخوذ من كلمة لِمَ. وإنما يسأل بلمَ عن العلة وعن وعن السبب. فيكون الانتقال من العلة إلى معلولها، ثم اشتق من هذه الكلمة مصدر صناعي، يعني لا مصدر لغوي؛ المصدر اللغوي هو ما تنطق به العرب، جيد؟ العرب لم تنطق لم تقل لِمّيّاً، ولكن هذا مصدر اشتق في صناعة المنطق، فكل استدلال من العلة إلى على معلولها هو استدلال لِمّيّ ويقال له البرهان اللمّيّ.

ومن هنا يظهر أننا -طبعاً أي الاستدلالين أكمل؟ البرهان اللمّيّ أو الإنّي؟ البرهان اللمّيّ، ليش؟ لأن البرهان اللمّيّ يشتمل على واسطتين أو لان الحد الأوسط في البرهان اللمّيّ يكون واسطة في الثبوت وواسطة في الإثبات، هو بالإضافة إلى أنه يورث العلم بالنتيجة، إلا أنه يطلعك على سبب النتيجة أيضاً. بخلاف البرهان الإنّي، فانه يطلعك على النتيجة ولكنه لا يطلعك على على سببها، فإنك تعلم أن الحديدة قد ارتفعت حرارتها، إلا أنه ليس انتققالاً من العلة إلى معلولها حتى يكون الحد الأوسط سبباً لحصول النتيجة أيضاً. فأكمل الاستدلالات هي الاستدلالات اللمّيّة.

وظهر من ذلك أيضاً أن واجب الوجود لا يمكننا أن نستدل عليه بالاستدلال اللمّيّ، فلا يمكن إثبات واجب الوجود بالبرهان اللمّيّ. ليش؟ لأن البرهان اللمّيّ هو الانتقال من العلة إلى معلولها، وهو علة العلل بحسب الفرض، فلو كان له علة هي التي اوجدته خارجاً وواقعاً لبطل كونه واجباً للوجود، ولذلك عجزت البشرية عن إدراك كنهه، ولذلك كان ليس كمثله شيء؛ لأن الاستدلال على الـ على الشيء بآثاره يكون استدلالاً ناقصاً بالنسبة إلى الاستدلال عليه بعلته وبسببه. وتفصيل ذلك يأتي إن شاء الله في العقائد.

هذا تمام الكلام في البرهان اللمّيّ. وأما البرهان الإنّي فقد عرفنا -نلتفتْ- أن الحد الأوسط لا يكون سبباً لوجود الأكبر للأصغر فعلاً. نعم، العلم به يكون سبباً للعلم بالنتيجة. وحينئذ فهذا الأوسط لا يخلو -حتى يكون هناك علاقة تلازم- لا يخلو: إما أن يكون معلولاً في الواقع للأكبر، كما في المثال الذي ذكرناه: هذه حديدة متمددة، وكل حديدة متمددة ارتفعت حرارتها؛ فإن التمدد في الخارج سبب لارتفاع الحرارة -عفوًا- مسبب عن ارتفاع الحرارة، فهو معلول في الواقع. نعم، العلم بالمعلول يكشف عن العلم بعلته أو لا؟ واضح ليش لاستحالة وجود المعلول من دون علته.

فالبرهان الإنّي لا يكون الحد الأوسط سبباً لوجود الأكبر. نعم، العلم بالأوسط يكون سبباً للعلم بالأكبر، يعني بالنتيجة. ولكن في الواقع لا يخلو: إما أن يكون هذا الحد الأوسط في البرهان الإنّي معلولاً للأكبر خارجاً، أو يكونان معلولين لعلة واحدة.

فإن كان الحد الأوسط معلولاً للأكبر فهذا يقال له الدليل، يسمى بالدليل ويقال له البرهان الإنّي أو الاستدلال الإنّي. والإنّية مأخوذة من كلمة (إنَّ) في اللغة العربية التي هي حرف مشبه بالفعل، تقول: إن زيداً قائم، وهذا الحرف المشبه بالفعل غاية ما يفيده هو توكيد وجود القيام لزيد، وللما كان الاستدلال الإنّي لا يكشف إلا عن أصل وجود الأكبر للأصغر ولا يكشف عن سببه سمي برهاناً إنّياً.

وأما إذا كان الأوسط والأكبر معلولين لعلة واحدة، فهنا في الحقيقة يوجد نحوان من الاستدلال؛ لأنك إذا علمت بوجود هذا المعلول، انتقلت إلى وجود علته. والانتقال من المعلول إلى العلة انتقال إنّي أو لمّي؟ إنّي. ثم إذا عرفت بـ وجود العلة تستكشف وجود سائر معلولاتها باستحالة تخلف المعلول عن علته فتنتقل من هذه العلة إلى كل معلولاتها ومن جملة تلك المعلولات الأكبر، فهذا انتقال لمّيّ. فإذا كان الأوسط مع الأكبر معلولين لعلة واحدة، لم يعطَ هذا النحو من الاستدلال اسماً خاصاً في كلمات المناطقة؛ ولعله لأنه يشتمل على خصوصية الإنّي وخصوصية اللمّيّ، يشتمل على الخصوصيتين، لأنه حقيقة عبارة عن استدلالين وليس استدلالاً واحداً؛ لأنك إذا عرفت -لنَفترض أن الف وباء كان كانا معلولين لشو؟ لشين- فعرفت بوجود الف، والمعلول يكشف عن وجود علته كشفا إنّياً أو لمّياً؟ إنّياً، لأن الانتقال من المعلول إلى العلة انتقال إنّي، تمام؟ فهذا انتقال من وجود الف إلى وجود علة الف وهي جيم بالانتقال الإنّي. ثم إذا عرفت أن جيم قد وجدت فلا بد أن جميع معلولاتها قد وجدت معها لاستحالة تخلف المعلول عن العلة، فأنتقل من وجود جيم التي هي العلة إلى وجود باء الذي هو المعلول، والذهن يقطع هاتين العمليتين بشكل سريع لا يلتفت إليه، ولكن في الحقيقة هناك نوعان من الاستدلال، استدلال من وجود انتقال من وجود المعلول إلى وجود علته ثم من وجود علته إلى وجود جميع معلولاتها والتي من جملتها ذلك الأكبر، ولعله لذلك لم يخص هذا النحو من الاستدلال باسم خاص لأنه يشتمل على خصوصيتي البرهان اللمّيّ والإنّيّ.

وقد تحصل من كل ذلك أن الحد الأوسط هو على كل تقدير يكون واسطة في الإثبات. ونريد من الواسطة في الإثبات الواسطة في الكشف. ونريد من الواسطة في الكشف ما يكون العلم به سبباً للعلم بالنتيجة، مش ما يكون هو سبباً للنتيجة. ما يكون العلم به -يعني ما يكون وجوده الذهني سبباً لوجود النتيجة ذهناً-.

وهذه الواسطة في الإثبات إن كانت واسطة في الثبوت أيضاً -بأن كان وجود الحد الأوسط خارجاً سبباً لوجود النتيجة خارجاً- فهذا هو البرهان اللمّيّ، وهو الانتقال من العلة إلى إلى معلولها. وإلا فإن كان الحد الأوسط معلولاً للنتيجة واقعاً، فهذا هو البرهان الإنّيّ، أو كانا معلولين لعلة واحدة، فهذا له الخصوصيتان، فيكون برزخاً بينهما.

نقرأ هذا المقدار: قال (قدس سره):

(إن العلوم الحقيقية التي لا يراد بها إلا الحق الصراح لا سبيل لها إلا سبيل البرهان؛ لأنه هو وحده من بين أنواع القياس الخمسة يصيب الحق ويستلزم اليقين بالواقع. شوف، والغرض منه معرفة الحق من جهة ما هو ما هو حق. ليش أضاف هذا القيد؟ لأن الجدل أيضاً يصيب الواقع، ولكن لا بغرض أصابة الواقع، سواء كان سعي الإنسان للحق لأجل نفسه ليناجيها به وليعمر عقله بمعرفة أو لغيره لتعليمه وإرشاده إلى الحق.

ولذلك يجب على طالب الحقيقة أن لا يتبع إلا البرهان، وإن استلزم قولاً لم يقل به أحد قبله. الآن إذا ساقتك مقدماتك اليقينية -التي هي باعتقادك يقينية- إلى نتيجة، فانت لست معذورا لا من ناحية العقل ولا من ناحية الشرع أن تتبنى نتيجة مخالفة ولو أجمعت الطائفة كلها على خلاف ما اعتقدت. ولذلك من جملة الأبحاث التي يبحثونها الأصوليون هي حجية القطع؛ الآن من رتب مقدمات فساقته إلى نتيجة يقينية باعتقاده، فلا يكون شرعاً معذورا إذا ما خالف ذلك الاعتقاد، ويكون معذورا إذا تبنى اعتقاده وإن خالفه الـ الجميع. ليش؟ لأن القطع حجيته ذاتية على ما يأتي معكم.

طيب. قال: وقد عرفوه يقول بأنه قياس مؤلف من يقينيات ينتج يقيناً بالذات اضطراراً، وهو نعم التعريف سهل واضح مختصر. ومن الواضح أن كل حجة لابد أن تتألف من من مقدمتين، والمقدمتان تكونان من القضايا الواجبة، قد تكونان من القضايا الواجبة القبول. المراد من واجبة القبول هاهنا ما يجب قبوله بمجرد تصوره، إذاً الأوليات وهي اليقينيات التي مر ذكرها. وقد يعني حتى لا يلتبس عليكم بواجبات القبول فيما سبق عدت واحدة من أقسام المشهورات، ولكن قلنا إن المشهورات هناك حتى تنقسم إلى مثل هذا هذا القسم وهو واجبات القبول يجب أن نأخذها بمعنى المشهورات بالمعنى الأعم. والمشهورات والمشهورات بالمعنى الأعم تشمل الأوليات؛ لأن الأوليات يصدق عليها أن جميع العقلاء أو أن آراء العقلاء قد اتفقت عليه. فالمراد من واجبة القبول هنا نفس واجبة القبول التي هي قسم من أقسام المشهورات، ولكن إنما تصلح لأن تكون قسما من المشهورات إذا أخذت المشهورة بالمعنى الأعم. وإنما يتفق جميع العقلاء على وجوب قبول القضية إذا كانت أولية.

طيب، وهي اليقينيات التي مر ذكرها. وقد لا تكونان منها بل تكون واحدة منهم أو كلتاهما من أنواع القضايا الأخرى التي تقدم شرحها في مقدمة هذا الـ هذا الباب. ثم المقدمة اليقينية إما أن تكون في نفسها بديهية من إحدى البديهيات الست المتقدمة وإما أن تكون نظرية ولكن تنتهي إلى البديهيات. فليس بالضرورة أن تكون مقدمات القياس دائماً عبارة عن المعلول لا يتخلف عن علته مثلاً. فإذا تألفت الحجة من مقدمتين يقينيتين سميت برهاناً ولا بد أن ينتجا قضية يقينية لذات القياس المؤلف منهما اضطراراً، عندما يكون تأليف القياس في صورته يقينياً أيضاً، يعني عندما تكون شروط الإنتاج متحققة كما كان في مادته، فيستحيل حينئذ تخلف النتيجة لاستحالة تخلف المعلول عن علته.

شوف، فيُعلم بها اضطراراً لذات المقدمتين، لا أن النتيجة تحصل اضطراراً لذات المقدمتين، لا أن الأكبر معلول دائماً للحد الأوسط. نعم العلم بالأكبر العلم بالنتيجة معلول دائماً للعلم بالحد الأوسط، بما لهما من هيئة التأليف على صورة قياس صحيح. وهذا معنى أن نتيجة البرهان ضرورية، ويعنون بالضرورة هاهنا شوف يعني لزوم ترتب النتيجة على مقدمات هذا هو المراد من الضرورة، يعني النتيجة واجبة الوجود عند وجود مقدماتها. وليس المراد من الضرورة أن الضرورة التي اخذناها في الموجهات، يعني أن جهة القضية في أو جهة القضية يجب أن تكون هي هي الضرورة. لا.

الآن إذا قلت مثلاً القمر متحرك دائماً مثلاً، وكل متحرك دائماً هو كذا، الآن لا يوجد في ذهني مثال، فينتج أن القمر كذا دائماً. تمام؟ فالجهة ليست هي الضرورة هي الدوام، ولكن هذه الجهة جهة الدوام هاهنا ضرورية الحصول على تقدير حصول المقدمات، فالمراد من الضرورة هو ضرورة حصول النتيجة على تقدير حصول المقدمات، لا أن جهة القضية يجب أن تكون هي الضرورة كما توهمه البعض.

قال: وهذا معنى أن نتيجة البرهان ضرورية، ويعنون بالضرورة هنا معنى آخر غير معنى الضرورة في الموجهات على ما سياتي. والخلاصة أن البرهان يقيني واجب القبول مادة وصورة، وغايته أنه ينتج اليقين الواجب القبول أو اليقين بالمعنى الأخص -عفواً أي اليقين بالمعنى الأخص-.

طيب. قال: ذكرنا في تعريف البرهان بأنه قياس، وعليه فلا يسمى الاستقراء ولا التمثيل برهاناً، وعلل بعضهم ذلك بأن الاستقراء والتمثيل لا يفيدان اليقين، ويجب في البرهان أن يفيد اليقين. والحق أن الاستقراء قد يفيد اليقين وكذلك التمثيل على ما تقدم في بابهما في الجزء الثاني، بل تقدم أن أساس أكثر كبريات الأقيسة هو الاستقراء المعلل. ومع ذلك لا يسمى الاستقراء ولا التمثيل برهاناً، والسر في ذلك أن الاستقراء المفيد لليقين وكذلك التمثيل إنما يفيد اليقين حيث يعتمد على القياس كما شرحناه في التجريبيات، فيكون برهاناً بضميمة الأقيسة فيكون قياساً. وأشرنا في الجزء الثاني إلى أن الاستقراء التام يرجع إلى القياس المقسم فراغ.

أما الاستقراء الناقص -يعني الذي هو مجرد تجميع إذا أخذناه بما هو تجميع عددي- أما الاستقراء الناقص المبني على المشاهدة فقط فإنه لا يفيد اليقين -شو يعني المشاهدة فقط؟ يعني من دون ضميمة مبادئ العقل- لأنه لا يرجع إلى القياس ولا يعتمد عليه. فاتضح بالأخير أن المفيد لليقين هو القياس فقط، القياس بالمعنى الذي يشمل حتى الاستقراء؛ لأن الاستقراء -شوف- قياس صغراه استقراء.

وليس معنى ذلك أن العلوم تستغني عن الاستقراء والتمثيل، ولا معناه التقليل من شأنهما في العلوم، بل العلوم الطبيعية بأنواعها وعلم الطب ونحوه كلها تبتني على المجربات التي لا تحصل للعقل بدون الاستقراء والتمثيل، ولكن إنما تفيد اليقين حيث تعتمد تلك الاستقراءات على القياس، فرجع الأمر كله إلى القياس، فنحن لا نقلل من شأن الاستقراء، غاية ما في الأمر أننا نظنه إلى خانة القياس بضميمة المبادئ العامرة).

قال: (إن العمدة في كل قياس هو الحد الأوسط فيه؛ لأنه هو الذي يؤلف العلاقة بين الأكبر والأصغر بتكرره، فيوصلنا إلى النتيجة، النتيجة يعني المطلوب، يوصلنا إلى المطلوب. وفي البرهان خاصة لا بد أن يفرض الحد الأوسط علة للليقين بالنتيجة إذ فرض أن المقدمات يقينية، أي لليقين بنسبة الأكبر للأصغر. شو يعني علة لليقين؟ يعني علة للتصديق. والتصديق نوع من أنواع الإدراك أو لا؟ مش العلم ينقسم إلى تصور وتصديق؟ جيد؟ إذا وإذا صدق الأخص صدق الأعم، طيب، الحد الأوسط علة لليقين، يعني علة للتصديق، وإذا صدق التصديق، صدق الإدراك، صدق العلم، فهو علة للعلم، علة للإدراك، إذاً فهو واسطة في الإثبات، وإلا لما كان الاستدلال به أولى من غيره.

ولذا يسمى الحد الأوسط واسطة في الإثبات. وعليه -شو يعني واسطة في الإثبات؟ ما يكون العلم به سبباً للعلم بالنتيجة. الواسطة في الثبوت ما يكون وجوده سببا لوجود النتيجة واقعاً وخارجاً، سواء علمت أو لم تعلم-. الآن إلتفتْ: إذا ارتفعت حرارة الحديد سوف يحصل التمدد، علمت بالارتفاع أو لم تعلم، علمت بالتمدد أو لم تعلم. إذا وجدت النار سوف تنوجد الحرارة، علمت أو لم تعلم، فالنار واسطة في الثبوت بالنسبة إلى الحرارة.

نعم، علمك بوجود النار سوف يستدعي شيئاً آخر وهو العلم بوجود حرارة، هذا يقال له واسطة في الإثبات. فإذا أنا علمت بوجود النار فتحصل عندي واسطة في الثبوت وواسطة في الإثبات؛ نفس وجود النار سبب لوجود الحرارة، فالنار واسطة في الثبوت بالنسبة إلى الحرارة. علمي بوجود النار -يعني الوجود الذهني للنار في في ذهني، زين؟- سبب للوجود الذهني للحرارة أين؟ في ذهني، فالعلم بوجود النار سبب للعلم بوجود الحرارة، ووجود النار سبب لنفس الحرارة.

طيب، قال: وعليه فالحد الأوسط إما أن يكون مع كونه واسطة في الإثبات واسطة في الثبوت أيضاً، أي يكون علة لثبوت الأكبر للأصغر، مش يكون علة للعلم بثبوت الأكبر للأصغر. وإما أن لا يكون واسطة في الثبوت، يعني يكون واسطة في الإثبات فقط.

فإن كان الأول أي إنه واسطة في الإثبات والثبوت معاً، فإن البرهان حينئذ يسامى يسمى برهان لم أو برهان لِمَ، أو البرهان اللمّيّ؛ لأنه يعطي اللمية في الوجود، يعطي العلة. أنت مثلاً متى تسأل بلم؟ السؤال بلم إنما هو سؤال عن العلة، وهذه الواسطة -لأنها واسطة في الثبوت- فيكون الحد الأوسط سبباً وعلة حقيقية للأكبر، فقد استدللت بما يعطيك العلة؛ لأنه يعطيك اللمية في الوجود والتصديق معاً، فهو معطٍ لللمية مطلقاً، فسمي به، كقولهم: هذه الحديدة ارتفعت حرارتها، وكل حديدة ارتفعت حرارتها فهي متمددة، فينتج هذه الحديدة متمددة.

فالاستدلال بارتفاع الحرارة على التمدد استدلال بالعلة على الـ؟ على المعلول. فكما أعطت الحرارة الحكم بوجود التمدد في الذهن للحديدة، كذلك هي معطية في نفس الأمر والخارج وجود التمدد لها، يعني شو يعني؟ فكما أن الحرارة سبب للتمدد ذهناً هي سبب له خارجاً، فقد أعطيت كل ما هو سبب في هذا الاستدلال، ما هو سبب في الذهن، وما هو سبب في الـ في الخارج. فهو الأجدر بأن يقال له البرهان اللمّيّ؛ لأنه يجيب عن السؤال بلمَ على مختلف المجالات.

طيب، وإن كان الثاني أي إنه واسطة في الإثبات فقط، ولم يكن واسطة في الثبوت، فيسمى برهان إن، أو البرهان الإنّيّ؛ لأنه يعطي الإنّية، والإنّية مطلق الوجود؛ لأنها مأخوذة من (إنْ) التي هي حرف مشبه بالفعل تفيد التوكيد.

والبرهان الإنّي على قسمين:

الأول: أن يكون الأوسط معلولاً للأكبر في وجوده في الأصغر لا علة -عكس برهان لِمَ- كما لو قيل في المثال المتقدم: هذه الحديدة متمددة، وكل حديدة متمددة مرتفعة درجة حرارتها. فالاستدلال بالتمدد على ارتفاع درجة الحرارة استدلال بالمعلول على العلة. ولكن أنت -يعني المعلول ليس سبباً لوجود العلة، هو لم يكن معلولاً بل بل كان علة، تمام؟ انتبه، وجود المعلول ليس هو الذي يسبب وجود العلة، ولكن العلم بالوجود المعلول سبب للعلم بوجود العلة-.

فالمعلول بوجوده الخارجي لا يوجد العلة، ولكن المعلول بوجوده الذهني سبب لوجود العلة أين؟ في الذهن، يعني استحضار العلة، تمام؟ فوجود الدخان ليس هو الذي ليس الدخان هو الذي أوجد النار، النار هي التي أوجدت الدخان، ولكن وجود الدخان في ذهني -يعني علمي بوجود الدخان- سوف يسبب وجود النار أين؟ في ذهني. فالعلم بوجود المعلول علة للعلم بوجود العلة، وإن كان نفس المعلول ليس علة لوجود العلة، ولا لم يكن معلولاً. تمام؟

طيب، قال: إنصف، فالاستدلال بالتمدد على ارتفاع درجة الحرارة استدلال بالمعلول على العلة، فيقال فيه إنه يستكشف الكاشفية أين بتكون؟ بالذهن مش بالخارج، الخارج يكون مكان الثبوت والتحقق، في الذهن هو مكان الكاشفية، أنه يستكشف بطريق الإنَّ من وجود المعلول على وجود العلة، فيكون العلم بوجود المعلول -شوف- سبباً مش لوجود العلة، للعلم بوجود العلة، فلذلك يكون المعلول واسطة في الإثبات، أي علة للعلم بالعلة وإن كان معلولاً لها في الخارج. ويسمى هذا القسم من البرهان الإنّي بالدليل.

المورد الثاني للبرهان الإنّي: أن يكون الأوسط والأكبر معاً معلولين لعلة واحدة، فيستكشف من وجود أحدهما وجود الآخر، فكل منهما إذا سبق العلم به يكون العلم به عله للعلم بـ الـ الآخر. المسألة ترتبط بأيهما تعلم أولاً، ولكن لا لأجل أن أحدهما علة للآخر، بل لكونهما متلازمين في الوجود لاشتراكهما في علة واحدة إذا وجدت لابد أن يوجد أن يوجد معها جميع معلولاتها. فإذا علم بوجود أحدهما يعلم منه وجود علته لاستحالة وجود المعلول بلا علة، هذا استدلال إنّي. وإذا علم بوجود العلة، علم منها وجود المعلول الآخر لاستحالة تخلف المعلول عن علته، فيكون العلم على هذا بأحد المعلولين مستلزماً للعلم بالآخر بواسطة، وهذا استدلال لمّيّ.

وليس لهذا القسم الثاني اسم خاص، وبعضهم لا يسميه البرهان الإنّي أساساً -يعني هو قال البرهان الإنّي ينقسم إلى قسمين- البعض لا يسميه برهاناً إنّية. قال: لأن فيه استدلال لمّيّ أيضاً، بل يجعل البرهان الإنّية مختصاً بالـ القسم الأول المسمى بالدليل، ويجعل هذا القسم واسطة بين الإنّ وبين اللمّ. ليش؟ لأنه يشتمل على نحوين من الانتقال: انتقال من المعلول الأول إلى العلة وهذا إنّ، ثم من العلة إلى جميع معلولاتها ومن جملتها المعلول الثاني وهذا لمّ.

طيب، قال: فتكون أقسام البرهان ثلاثة: لِمّيّ وإني وواسطة بينهما. وفي الحقيقة إن هذا القسم فيه استكشافان واستدلالان: استدلال بالمعلول الأول على العلة المشتركة ثم الاستدلال بالعلة المشتركة على المعلول الآخر كما تقدم، ففيه خاصية البرهان الإنّي في الاستدلال الأول وخاصة البرهان اللمّيّ في الاستدلال الثاني، فلذا جعلوه واسطة بينهما لجمعه بين الطريقتين. والأحسن جعله قسماً ثانياً للإنّي كما صنع كثير من المناطقة رعاية للاستدلال الأول فيه واحترازاً عن تكثير الأقسام، ولا سيما أنه لا يوجد ثمرة كبيرة بين هذا النحو وبين البرهان الإنّي تماماً.

وإنما الخصوصية هي في البرهان اللمّيّ وهو الانتقال من العلة إلى معلولها، والأمر سهل؛ لأن الأمر مجرد اصطلاح، ومن له الواضع له الرافع. أنت إذا ارتأيت أن تجعل الأقسام ثلاثة فلا كذلك وإلا فاجعلها اثنين، المسألة رهن التواضع والاصطلاح، أنا وضعت هذه الكلمة لتعم هذين القسمين ويكفي في التسمية أدنى مناسبة.

الطريق الأساس الفكري لتحصيل المراد يأتي هذا إن شاء الله غدا، والحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد).

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.