منطق المظفر – الشيخ حسين محسن العاملي

دروس مقررة — النصوص المتاحة

72 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 99

تحميل Word

099

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله) وعلى آله الطيبين الطاهرين.

قد عرفنا في الدرس السابق أن البرهان لا يكون إلا قياساً، وذلك لأن البرهان ينتج حقاً ويقيناً جازماً، ولا يفيد اليقين إلا القياس، فوجب أن يكون البرهان قياساً، وكل قياس فإن العقل عمدة في الوصول إلى النتيجة فيه هو الحد الأوسط.

والمراد من ركنية الحد الأوسط أن يكون الحد الأوسط هو الذي يكشف عن ثبوت المحمول لموضوعه، وهو القدر المتيقن من كل حد أوسط، ويقال لهذا الحد إنه واسطة في الإثبات، لأنه واسطة في العلم بثبوت الأكبر للأصغر.

وعلى هذا الأساس قُسِّم البرهان باعتبار الحد الأوسط إلى قسمين، لأن الحد الأوسط مع كونه واسطة في الإثبات لا يخلو، إما أن يكون واسطة في الثبوت كذلك، بأن يكون الأوسط سبباً لوجود الأكبر للأصغر أيضاً لا ذهناً فقط بل خارجاً، فهذا هو البرهان اللمي، أو لا يكون كذلك فهو البرهان الإني.

وقد ظهر من ذلك مطلبان:

1. أن الواسطة على قسمين: واسطة في الثبوت، وواسطة في الإثبات.

2. أن البرهان على قسمين: برهان إني وهو أن يكون الانتقال من المعلول إلى العلة، وبرهان لمي وهو أن يكون الانتقال من العلة إلى معلولها.

نحن في هذا الدرس سوف نقوم بإضافة على كل واحد من هذين المطلبين:

أما المطلب الأول، فقد ذكرنا أن الواسطة على نحوين: واسطة في الإثبات، والمراد منها ما تكون سبباً للعلم بثبوت المحمول لموضوعه، أو فقل هي سبب لوجود المحمول لموضوعه ذهناً.

والنحو الثاني: الواسطة في الثبوت، وهي ما تكون سبباً لوجود المحمول لموضوعه فعلاً؛ كالحرارة التي هي سبب لثبوت التمدد للحديد، هي التي أوجدت التمدد فعلاً، بخلاف الواسطة في الإثبات، كالتمدد؛ لأنه هو الذي يكشف عن ارتفاع الحرارة، وإلا التمدد ليس هو الذي يوجد ارتفاع الحرارة، التمدد مسبب عن ارتفاع الحرارة.

إذا عرفنا ذلك، فيوجد نوع ثالث من الواسطة يأتي معكم في كتب أخرى وفي علم آخر، وهي الواسطة في العروض.

والمراد من الواسطة في العروض: أن يكون المحمول عارضاً حقيقة للواسطة، ويكون عروضه للموضوع بالعرض والمجاز. نحن كلما فرضنا واسطة فلا بد أن نفرض أن هذه الواسطة قد توسطت بين موضوع ومحمول، فها هنا أركان ثلاث: الموضوع والمحمول وتلك الواسطة التي وقعت بينهما.

الواسطة في العروض هي التي يكون المحمول عارضاً حقيقة للواسطة لا للموضوع، ويكون عروضه للموضوع بتوسط هذه الواسطة بالعرض والمجاز.

مثال ذلك أن نقول مثلاً: جرى الميزاب. هذه من الاستعمالات الشائعة في لغة العرب. تقول: الميزاب جارٍ (الميزاب يعني في لغتنا العامية هو المزراب). الجريان ليس وصفاً حقيقة للميزاب؛ الميزاب هذا الأنبوب ولا يجري، لا يتصف بالجريان، وإنما الذي يجري حقيقة هو الماء الذي في الميزاب، ولكن صح إسناد الجريان إلى الميزاب إسناداً مجازياً بتوسط الماء الذي في الميزاب.

ففي قولنا: الميزاب جارٍ، (جارٍ) هي المحمول، والميزاب هو الموضوع، ونسبة المحمول إلى موضوعه في هذا المثال نسبة لا تخلو من تجاوز، فيها مسامحة في التعبير، وحقيقة الميزاب لم يجرِ، ولكن توسط الماء فصحح نسبة الجريان إلى الميزاب.

فالواسطة في العروض هي الواسطة التي تصحح حمل المحمول على موضوعه ولو بالعرض والمجاز. وفي اللغة العربية التي هي مليئة بالاستعارات والكنايات يكثر استعمال المجاز ولا يصح من دون تلك الواسطة. فالمتكلم قد يتعلق له غرض بالمبالغة، حتى إن هذا الميزاب لكثرة جريان الماء فيه فصار يوحى إلى صاحبه أن الميزاب محل للجريان أو صار هو الذي يجري، فهذه حقيقة مبالغة في جريان الماء.

مثال آخر: أن نقول مثلاً: الفرس سريع. ذات الفرس بما هو فرس لا معنى لاتصافه بالسرعة، السرعة إنما هي وصف لحركة الفرس لا للفرس نفسه، الحركة هي التي تتصف بالسرعة، أما الذات بما هي ذات لا معنى لسرعتها. فصح نسبة السرعة إلى الفرس بتوسط الحركة. التعبير الحقيقي أن يقال: حركة الفرس سريعة.

ففي قولنا: الفرس سريع، السرعة ليست وصفاً حقيقياً بالنسبة إلى الفرس، وإنما هي وصف حقيقي بالنسبة إلى حركة الفرس، ولكن لما كان لحركة الفرس نحو تعلق بالفرس صح حينئذٍ أن ننسب السرعة إلى ذات الفرس.

فنجد أن الواسطة في هذه الأمثلة ليست سبباً لا للعلم بثبوت المحمول لموضوعه، ولا سببا لثبوت المحمول لموضوعه. التفت مثلاً الآن الحركة ليست علة للسرعة، لأن الحركة قد تكون بطيئة، فالحركة ليست هي التي أوجدت سرعة الفرس، ولا هي التي تكشف عن كون الفرس سريعاً، وإنما الحركة هي التي صححت أن ننسب السرعة إلى الفرس ولو بالعرض والمجاز.

فظهر أن الواسطة في العروض هي التي يكون ثبوت المحمول وإسناده إليها إسناداً حقيقياً، ويكون إسناده إلى الموضوع بالعرض والمجاز، فهي الواسطة التي تصحح وتبرر حمل الشيء على ما ليس له؛ حقيقة الجريان ليس للميزاب، حقيقة الجريان للماء، ولكن لأن الماء تربطه علاقة بالميزاب وهي علاقة الحال والمحل (الميزاب محل للجريان للماء، والماء حال في ذلك الميزاب)، علاقة الحال والمحل هي التي صححت حمل الشيء على ما ليس له حقيقة.

فالواسطة في العروض هي الواسطة التي تبرر وتصحح إسناد الشيء (يعني المحمول) إلى غير ما هو له حقيقة إسناداً مجازياً بالعرض والمجاز. ولذلك قيل لها إنها الواسطة في العروض. هذا تمام الكلام في الإضافة على المطلب الأول.

وأما المطلب الثاني، وهو أن البرهان على قسمين، لأن الانتقال إما من العلة إلى معلولها فهذا هو الاستدلال اللمي أو البرهان اللمي، أو انتقال من المعلول إلى علته فهذا هو البرهان الإني.

والحاصل أن كل برهان عندما نفترضه برهاناً فلا بد أن يكون موصلاً ومفيداً لليقين، وإلا لا يكون برهاناً. وقد عرفنا أن البرهان على قسمين إني ولمي، فيجب أن يكون كل واحد من البرهانين مفيداً لليقين، منتجاً لليقين وإلا لم يكن برهاناً.

إذا اتضح ذلك، فقد ذهب العلامة الطباطبائي (قدس سره) في غرائب ما ذهب إليه إلى أن البرهان الإني لا يفيد اليقين، وإذا لم يكن مفيداً لليقين فلا يكون برهاناً، فانحصر طريق البرهان عنده بالاستدلالات اللمية.

مناقشة شبهة امتناع إفادة البرهان الإني اليقين

بيان ذلك: أننا عندما نتيقن بوجود المعلول (الآن وقعت عيني على الحرارة فأحسست بها فتيقنت بوجود الحرارة)، فعند اليقين بوجود المعلول لا يخلو إما أنني كنت أعلم وأتيقن بوجود العلة في رتبة سابقة، كما إذا أحسست بالحرارة وكنت أعلم في رتبة سابقة -كنت قد رأيت النار قبل ذلك- فعند يقيني بوجود المعلول كان عندي يقين سابق بوجود العلة، أو لا يكون عندي يقين سابق بوجود العلة، وهذان نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.

إذن، التفت، حاصل استدلاله (قدس سره) أننا عند اليقين بوجود المعلول فلا يخلو، إما أننا كنا نتيقن بوجود العلة في رتبة سابقة أو لم نكن نتيقن بوجود العلة في رتبة سابقة.

فإن كنا نتيقن بوجود العلة في رتبة سابقة، فهذا حينئذ ليس استدلالاً، لأن الانتقال من المعلول إلى العلة حينئذ هو انتقال من المعلوم إلى المعلوم، فهذا ليس استدلالاً بل هو تحصيل للحاصل؛ يعني في الحالة التي يكون عندي يقين بالمعلول ولكن عندي يقين بالعلة في رتبة سابقة، فلا معنى لأن يقال إن هذا استدلال، لأن الاستدلال هو الانتقال من المعلوم إلى المجهول، وأنا قد انتقلت من معلوم إلى معلوم، فلا يقال إنه قد حصل عندي اليقين بالعلة عن طريق المعلول، إذ الفرض أنني أتتيقن بوجود العلة قبل وجود المعلول.

لانه شوف أصل الترديد كيف؟ عند اليقين بوجود المعلول فلا يخلو إما أنني كنت في رتبة سابقة متيقناً من وجود العلة أو لم أكن متيقناً من وجود العلة في رتبة سابقة. فإن كان عندي يقين بوجود العلة في رتبة سابقة، إذاً فالعلة معلومة قبل العلم بالمعلول، فلا معنى لأن يكون الانتقال من المعلول إلى العلة، بل يكون هذا تحصيلا للحاصل، ويكون لغواً فلا يكون استدلالاً فلا يكون مفيداً لليقين. تمام؟

فلم يبقَ إلا الخيار والشق الثاني، فهو أن لا يكون عندي يقين بالعلة في رتبة سابقة. وإذا لم يكن عندي يقين بوجود العلة، ما معنى نفي اليقين؟ فلا أقل من أنني أحتمل وجود العلة، صحيح؟ ليس عندي يقين بوجود العلة، ويكفي في نفي اليقين احتمال الخلاف. تمام؟ فمعنى أن لا يكون عندي يقين بوجود العلة هو أنني أحتمل وجود العلة كما أحتمل عدمها. وإذا كنت تحتمل وجود العلة، فيلزم من احتمال وجود العلة والشك في وجود العلة أنك تشك في وجود المعلول، ولكن المعلول بحسب الفرض ليس مشكوكاً بل هو متيقن، إذاً فلا يمكن أن تكون العلة مشكوكوقة، إذن فوجب أن يكون هناك يقين بوجود العلة، فلم يعد بالإمكان أن ينتقل من المعلول إلى العلة.

يلتفتوا إلى الإشكال جيداً: عند اليقين بوجود المعلول لا يخلو، إما أنه كان عندي يقين سابق بوجود العلة قبل يقيني بوجود المعلول أو لم يكن عندي ذلك اليقين السابق. إذا كان عندي يقين سابق فهذا يعني أن العلة كانت معلومة عندي في رتبة سابقة، فلا يكون هذا الأمر استدلالاً لأن الاستدلال انتقال من معلوم إلى مجهول وهنا الانتقال يكون من معلوم إلى معلوم فيكون الأمر تحصيلاً للحاصل، وهذا واضح. طيب.

أو لا يكون عندي يقين بوجود العلة في رتبة سابقة، ومعنى أنه لا يقين بوجود العلة في رتبة سابقة أنني في رتبة سابقة كنت أحتمل وجود العلة وكنت أحتمل عدمها، ومع الشك في وجود العلة لابد أن يكون هناك شك في وجود المعلول، لأن المعلول ينوجد عند وجود علته وينعدم عند انعدام علته، فمع الشك في وجود العلة يلزم الشك في وجود المعلول، ولكننا لا نشك في وجود المعلول بحسب الفرض، فيلزم أن لا نشك في وجود العلة، فلا بد أن يكون عندنا يقين سابق بوجود العلة. فظهر أنه لا يمكن أن يكون هناك استدلال وانتقال من المعلول إلى العلة.

ورتب (قدس سره) على أساس هذه المغالطة أن البرهان منحصر باللم وأنه لا يوجد استدلال إني بمعنى أن لا يمكن أن ينتقل من المعلول إلى العلة، فكلما علمت بالمعلول فلا بد أنك تعلم به عن طريق علته، لا بد أنك تعلم بعلته في رتبة سابقة.

وهذه المغالطة مع أننا نشعر بصعوبة في ردها، ولكننا نجد بطلانها وجداناً، لذلك هي يقرب من كونها شبهة في مقابل البديهة، ولكن هذا لا يعني أننا لا نملك رداً عليها، لابد أن نجيب على مثل هذه الشبهة.

والحاصل أننا نختار الشق الثاني، وهو أننا عندما نتيقن بوجود المعلول لا يكون عندنا يقين سابق بوجود العلة تماماً، وبالتالي فنحن نحتمل وجود العلة، ولكن احتمال وجود العلة والشك في وجود العلة غاية ما يستلزمه هو الشك في وجود المعلول في رتبة سابقة أيضاً (يعني في رتبة سابقة على اليقين بوجود المعلول)، فأنا أشك في وجود العلة، ويلزم من الشك في وجود العلة، التفت، الشك في وجود المعلول قبل العلم بوجوده، أما بعد العلم بوجوده فلا يعود هناك شك لا بوجود العلة ولا بوجود المعلول.

والعلامة (قدس سره) قد أخذ القبلية بنحو مطلق، ونحن أخذناها بنحو مقيد، وقال: عند اليقين بوجود المعلول، شوف، لا يكون هناك يقين بوجود العلة في رتبة سابقة، تماماً، فيكون هناك شك في وجود العلة في رتبة سابقة فيلزمه الشك في وجود المعلول دائماً.

ونحن نقول، التفت: نحن عندنا يقين بوجود المعلول، ويقيننا بوجود المعلول ليس معه يقين بوجود العلة في رتبة سابقة، يعني نشك ونحتمل وجود العلة في رتبة سابقة. ما معنى في رتبة سابقة؟ في رتبة سابقة على وجود المعلول. ويلزم من الشك في وجود العلة في رتبة سابقة على وجود المعلول الشك في وجود المعلول في رتبة سابقة على اليقين بوجوده. تماماً.

فأنا الآن التفتُّ: أحسست بالحرارة، وقبل إحساسي بالحرارة لم يكن عندي يقين بوجود النار، كنت أشك في وجود النار، وبالتالي في تلك الرتبة السابقة التي كنت أشك فيها بوجود النار كنت أشك أيضاً بوجود الحرارة، إلا أن شكي قد انقطع عند إحساسي بالحرارة. فالشك في وجود العلة إنما يستلزم الشك في وجود المعلول إلى حين اليقين بوجوده عن طريق الإحساس، لا بقول مطلق حتى يقال إن الشك بوجود العلة يستلزم الشك بوجود المعلول وأنا لا أشك.

تقول: زمان كون المعلول مشكوكاً مغاير لزمان كونه متيقناً. الآن في اللحظة الأولى وقبل إحساسي بالحرارة كنت أشك بوجود النار ويلزمه أن أشك في اللحظة الأولى بوجود الحرارة، تماماً، ولكن في اللحظة الثانية بعد أن أحسست بالحرارة لم يعد عندي شك بوجود الحرارة.

والحاصل أننا نختار الشق الثاني، وهو أننا عند اليقين بوجود المعلول لا يكون عندنا يقين بوجود العلة في رتبة سابقة، بل نشك بوجود هذه العلة في رتبة سابقة، ويلزمه الشك بوجود المعلول في رتبة سابقة على أي شيء؟ في رتبة سابقة على القطع بوجود المعلول، لا بقول مطلق، لا أننا نشك بوجود المعلول دائماً وأبداً حتى يقال: ولكنك تقطع بوجوده. وبهذا ينحل الإشكال وتندفع هذه الشبهة.

وإلا فكيف نستدل على وجوده تعالى حينئذ بالبرهان؟ وقد عرفنا أنه علة العلل، فلا علة له حتى ننتقل من علته إليه، فلا يمكن الاستدلال على وجود واجب الوجود بالبرهان اللمي، وهذا واضح، ولا يمكن الاستدلال عليه بالاستدلال الإني لأنه عند العلامة (قدس سره) لا يفيد اليقين، إذاً فكيف نتيقن من وجود خالقنا؟ كيف كان، أعتقد أن هذه الإشكالية التي طرحها العلامة (قدس سره) في كتبه هي سهو.

الطريق الأساس الفكري لتحصيل البرهان

نعم، الآن نرجع إلى أصل المطلوب: ذكر الماتن (قدس سره) بحثاً أعتقد أنه مر معنا بشكل مفصل فيما سبق من الأبحاث، وقد عنونه بقوله: الطريق الأساس الفكري لتحصيل البرهان.

قد عرفوا أن القضايا لا يمكن أن تكون كلها بديهية كانت معلومة لكل أحد، فلم يكن هناك حاجة إلى الاستدلال، لأن الاستدلال انتقال من المعلوم إلى المجهول، ولو كانت القضايا كلها بديهية لكان الانتقال من معلوم إلى معلوم، ولما وقع لنا جهل بواحدة من القضايا. ولا يمكن أن تكون كلها نظرية، لأن كل قضية نظرية فلا بد أن تثبت بقياس، فتنحل هذه النتيجة التي يراد إثباتها إلى قضيتين، جيد؟ ثم كل قضية إلى قضيتين، فيلزم أن تتكثر القضايا إلى غير نهاية، فيقع التسلسل، والتسلسل باطل على ما سيأتي مفصلاً. إذاً فوجب أن تكون بعض القضايا بديهية وبعضها الآخر نظرياً يرجع إلى البديهيات، وهذا بحث ذكرناه مراراً وتكراراً فلا نحتاج إلى إعادة.

ثم إن القضية البديهية أو البديهيات حقيقة ليست إلا هي عبارة عن الأوليات، وإنما سميت أوليات لأنها تقع في الرتبة الأولى من التعقل، وهي التي يكون المحمول فيها منتزعا من نفس مفهوم موضوعها، بحيث يكون نفس تصور الموضوع موجباً ومستبطناً للمحمول، فكأنه لم يكن هناك قضية وإنما حصل وجود هذه القضية، نمت المعرفة من تصور إلى تصديق بسبب هذه العلاقة، وهي أن نفس تصور معنى النقيضين (ما معنى النقيضين؟ هو أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان) فيكون المحمول مستبطناً في نفس الموضوع، إذ لو لم يكن مستبطناً وكائناً في نفس الموضوع وفي ضمنه، وجب أن يكون هناك واسطة هي التي اقتضت ثبوت المحمول لموضوعه فتنقلب القضية نظرية.

إذاً فالبديهيات هي القضايا الأولية حقيقة، وسميت أولية لأنها تقع في الرتبة الأولى من التعقل، ولأنه يمكن تعقلها حتى بمعزل عن الحس والتجربة، كما إذا رجعت النفس إلى تفسيراتها الداخلية.

والقضيتان الأوليتان الوحيدتان هما: قولنا: النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وقولنا: كل معلول يحتاج إلى علة إلا أنه ما معنى أن يكون معلولا؟ وأن علة ما قد أوجدت؟ فبمجرد أن تفترض كون الشيء معلولاً، تحكم وجداناً ومباشرة بضرورة احتياجه إلى علة، وإلا لم يكن معلولاً. وهكذا.

إذا اتضح ذلك فنقول: إن تحصيل اليقين بالقضية لا يخلو، إما أن يكون واجباً أو ممتنعاً أو ممكناً.

الآن نلتفت، عندما يتردد على مسمعي ذكر قضية ما، فلا يخلو إما أن يكون تصديقي بهذه القضية واجباً أو ممتنعاً أو ممكناً، ولا يخلو الواقع من هذه النسب الثلاث:

ولا يمكن أن يكون تصديقي ممتنعاً، وإلا لوجب أن لا أصدق بها أبداً.

ولا يمكن أن يكون واجباً، وإلا لوجب أن يحصل التصديق حتى من دون فهم مفردات القضية، لأن الواجب عندما ينوجد تنوجد جميع معلولاته، فلو كان التصديق واجب الوجود بمجرد وجود القضية فيكفي حينئذ أن تذكر القضية أنت حتى يحصل عندي تصديق حتى من دون فهم مفرداتها، فلا يمكن أن يكون التصديق والإيمان والاعتراف والإذعان واليقين بالقضية أمراً واجباً، ويكفي في ذلك أنه لا يحصل التصديق عندي مباشرة، والمعلول لا يتخلف عن علته.

ولا يمكن أن يكون ممتنعاً، ويكفي في بيان ذلك أنني أصدق فيما بعد.

فلا بد أن يكون التصديق بالقضية ممكنًا، وإذا كان التصديق بالقضية ممكناً وجب أن يكون هناك علة توجب هذا التصديق، لأن الممكن دائماً يحتاج إلى علة توجده.

أقسام علة التصديق بالقضية

وهذه العلة لا يخلو، إما أن تكون داخلية (أي في نفس القضية، يعني كائنة كامنة في أطراف القضية)، وإما أن تكون علة التصديق بالقضية أمراً خارجاً عن نفس القضية.

أما العلة الداخلية، فهي كون القضية من الأوليات، أن يكون تصور الطرفين كافياً للإذعان بالقضية، كما في قولنا مثلاً: النقيضان لا يجتمعان، فإن اليقين والتصديق بهذه القضية له سبب لأن اليقين بالقضية ليس واجباً ولا ممتنعاً، وسببه هو أن المحمول منتزع من نفس تصور موضوعه، أو فقل لأن تصور الطرفين كافٍ لإذعان النفس، فيقال إن علة التصديق بهذه القضية علة داخلية.

وأما إذا كانت العلة خارجية، فهذا على نحوين، لأن هذه العلة الخارجية التي توجب التصديق بالقضية لا يخلو: أما أن تكون حساً ظاهرياً أو باطنيًّا، أو أن تكون شيئاً آخر غير الحس الظاهري أو الباطن.

1. أما أن تكون العلة الخارجية حساً ظاهرياً أو باطنيًّا، فكالتجريبيات والوجدانيات. الآن مثلاً تقول: التفاح حامض، أو هذه التفاحة حامضة؛ الآن تصديقك بهذه القضية لم يأتِ من مجرد تصور الطرفين فليس وليد علة داخلية، وإنما هو رهن أمر خارجي خارج عن نفس تصور الموضوع وتصور المحمول، وهو أن تعمل حواسك الظاهرة فتتذوق هذه التفاحة فتستشعر الحموضة تحكم عليها بذلك، فهذه القضية التي يوجب الإذعان والتصديق بها العلة الخارجية وهي إعمال الحس الظاهر.

وتارة ثانية تكون العلة الخارجية حساً باطناً، يعني الوجدان والشعور النفساني، كما تقول: أنا جائع؛ الذي يورث التصديق بهذه القضية ليس تصور نفس الموضوع، وليس كلما تصورت الجوع فقد حصل لك الجوع فعلاً، بل لابد أن تتصور الموضوع وتتصور المحمول ولابد أن ترجع إلى حسك الباطن، جيد؟ فتستشعر الجوع فعلاً فتصدق بهذه القضية. هذا إذا كانت العلة الخارجية حساً ظاهراً أو باطناً.

2. وأما إذا لم تكن العلة الخارجية حساً ظاهراً أو باطناً، فالعلة الخارجية حينئذ هي عبارة عن الحد الأوسط، كما يقال: هذه الحديدة ارتفعت حرارتها، وكل حديدة ارتفعت حرارتها تتمدد، إذاً هذه الحديدة تتمدد.

التفت، الذي أورث التصديق بهذه القضية كون المحمول منتزعا من نفس مفهوم الموضوع ليس العلة الداخلية يعني، ولا الحواس، لأن الحواس، التفت، لست أنا الذي أقمت التجربة ولا أحسست بحرارتها ولا شعرت بوجود حرارة، أخبرت عن وجود حرارة فحكمت بالتمدد، فليس الذي أخبرني وأطلعني على التمدد هو إحساسي بالحرارة، وإنما سماعي، وصل إلى ذهني أن حديدة ما قد ارتفعت حرارتها فحكمت بالتمدد. فهنا ليس الذي يوصل إلى اليقين والإذعان بالقضية لا العلة الداخلية ولا الحواس، وإنما الذي أوصل إلى ذلك هو الحد الأوسط.

خلاصة هذا البحث، خلاصة ما يريده الماتن (قدس سره): أن مورد البرهان وذلك المورد الأخير التي تكون العلة علة التصديق بالقضية علة خارجية وهي ليست حساً لا ظاهراً ولا باطناً، فالقضايا التي ترتهن في التصديق بها إلى المحسوسات لا تكون قضايا برهانية، والقضايا الأولية لا تكون قضايا برهانية أيضاً، لا لأنها ليست يقيناً بل لأنه ليس فيها انتقال واستدلال وليس فيها حد أوسط.

هذا تمام الكلام في هذا المطلب تقريباً، نقرأ ما ذكره، قال (قدس سره):

«عند العقلاء قضيتان أوليتان لا يشك فيهما إلا مكابر أو مريض العقل. أما المكابر فهو الذي عرف واقع هاتين القضيتين وعرف اصابتهما للواقع ولكنه يريد أن يكابر لكي يفر من اللوازم التي سوف تترتب عليه، واضح. أو مريض العقل، وهو الذي يتصور القضية بطريقة على غير وجهها، طيب، لأنهما أساس كل تفكير، واضح. هو لا يمكنه يلتفت، الآن ما هي القضية الأولية؟ النقيضان لا يجتمعان. الآن الذي يريد أن يحاججك في هذه القضية، لا، ما معنى أنه يريد أن يحاججك في القضية؟ يريد أن ينفي لك هذه القضية، يريد أن يكذبها وأنت تقول النقيضان لا يجتمعان، ما معنى أن يكذب القضية؟ أن يقول إن النقيضين يجتمعان؟ نقول: نفس هذا التكذيب مصحح لكلامي، لأنه إذا أراد أن يكذبك بأن يدعي أن النقيضين يجتمعان، إذاً فكلامي وكلامه فكلامي وكلامه نقيضان فهما يجتمعان في الصدق، فلا زال كلامي وهو أن النقيضين لا يجتمعان لا زال كلاما صادقاً، فهذه القضية لا يمكن تكذيبها حتى الذي يكذبها يريد أن يعتمد في رتبة سابقة عليها، يعني يعتمد يحاول أن يكذبها معتمدا عليها في رتبة سابقة، واضح أنه مصادرة على المنكر، لأن الذي يريد أن يثبت أن النقيضين يجتمعان، التفت، إما أنه يريد أن يثبت أن النقيضين يجتمعان مع الاعتراف بأنهما لا يجتمعان، وحينئذ لا يكون لكلامه أي أثر عليه، إذاً فهو لا يريد أن يكذب شيئاً. وإما أن يريد أن يكذب أن أن يدعي أن النقيضين يجتمعان، التفت، حتى يضعها مكان مكان كلامه بأنهما لا يجتمعان، إذاً فقد افترض في رتبة سابقة أن كلامي وكلامه لا يمكن أن يجتمع، فقد اعتمد على امتناع اجتماع النقيضين ليثبت إمكان اجتماعهما، فاستدلالهما أول الأمر يكون عقيماً. هذا من جهة. ومن جهة ثانية كلما أردت أن تنفي هذه القضية وجدت أنك تثبتها من حيث لا تدري. طيب».

قال: «لأنهما أساس كل تفكير ولم يتم اختراع ولا استنباط ولا برهان بدونهما، حتى الاعتقاد بوجود خالق الكائنات وصفاته مرتكز عليهما، وهما:

1. أن كل ممكن لا بد له من علة في وجوده، ويعبر عن هذه البديهة أيضاً بقولهم: استحالة وجود ممكن بلا علة (الأولى في مقام التعبير أن يقال حتى تكون قضية أولية: استحالة وجود المعلول من دون علته، حتى يكون المحمول منتزعا من نفس مفهوم الموضوع). طيب، بعدين نبين كيف الممكن يلازم المعلولية. طيب.

2. كل معلول يجب وجوده عند وجود علته، ويعبر عنها أيضاً بقول: استحالة تخلف المعلول عن العلة.

ولما كان اليقين بالقضية، الآن شوف عندما تجد قضية أمامك لا تجد أن مجرد سماعها يوجب التصديق، لأنك لا تصدق دائماً مباشرة، ولا أن التصديق بها ممتنع لأنك يصدق فيما بعد، إذاً فهو ممكن، وتطبيقا للقاعدة الأولى وهو أن كل ممكن يحتاج إلى علة، إذاً فلا بد من علة هي التي تورث التصديق بالقضية».

قال: «ولما كان اليقين بالقضية من الحوادث الممكنة، فلا بد له من علة موجبة لوجوده بناء على البديهة الأولى. وهذه العلة قد تكون من الداخل وقد تكون من الخارج.

الأول: أن تكون من الداخل، ومعنى ذلك أن نفس تصور أجزاء القضية (يعني طرفي النسبة) علة للحكم والعلم بالنسبة. كقولنا: الكل أعظم من الجزء. وقولنا: النقيضان لا يجتمعان. والبديهتان اللتان مر ذكرهما في صدر البحث أيضاً من هذا الباب. يعني البديهتان اللي هو احتياج المعلول إلى علة واجتماع النقيضين... اه هو لم يذكر اجتماع النقيضين، كل ممكن لا بد له من علة فيوجدوه وكل معلول يحتاج إلى... كيف كان؟ قال عرفنا أنه هو الصحيح، فإن نفس تصور الممكن والعلة كاف للحكم باستحالة وجود الممكن، يعني تصور الموضوع كاف لاستنباط الحكم لأن الحكم مستبطن في نفس مفهوم الموضوع، منتزع من نفس تصور الموضوع. ونفس تصور العلة والمعلول كاف للحكم باستحالة تخلفه عن علته، لأنه ما معنى أن يكون الشيء علة؟ يعني هو الذي سبب الشيء. وما معنى أن يكون الشيء مسبباً؟ أن له سبباً وإلا لم يسم مسبباً. ولذا تسمى هذه القضايا بالأولية كما تقدم في بابها، لأنها أسبق من كل قضية لدى العقل، ولأجل هذا قالوا إن القضايا الأوليات هي العمدة في مبادئ البرهان.

الثاني: أن تكون العلة من الخارج. وهذه العلة الخارجة على نحوين: أن تكون إحدى الحواس الظاهرة أو الباطنة وذلك في المشاهدات والمتواترات، والمتواترات أيضاً أنت سمعت من فلان ومن فلان ومن فلان. طيب. وقضاياها من الجزئيات كما عرفنا، فإن العقل هو الذي يدرك أن هذه النار حارة أو كموجوده.

يعني هناك نزاع قديم أن في في يعني عند بعض المناطق كان يقال هكذا أن الحواس تدرك الجزئيات والعقل هو الذي يدرك الكليات، والصحيح أن العقل هو الذي يدرك الكليات والجزئيات، غاية ما في الأمر أنه عندما يدرك الجزئيات يدركها بواسطة الحواس، وإلا نفس الحس بما هو حس ليس آلة دراكة، لا يتصف بالإدراك لأن الإدراك من صفات المجردات على ما يأتي في الفلسفة وليس من صفات الأمور المادية، هذه الطاولة لا تدرك، المادية لا تدرك الإدراكية من صفات المجردات، تمام؟ فالعقل هو الذي يدرك الجزئي وهو الذي يدرك الكلي، غاية ما في الأمر أنه يدرك الجزئيات بتوسط الحس ويدرك العقل الكليات لا بتوسط الحس، يستقل عن الحس لينتزع المفاهيم الكلية.

فإن العقل هو الذي يدرك أن هذه النار حارة أو مكة موجودة، ولكن إدراكه لهذه الأشياء ليس ابتداءً بمجرد تصور الطرفين ولا بتوسط مقدمات عقلية، وإنما بتوسط إحدى الحواس، وهي جنوده التي يستعين بها في إدراك المشاهدات ونحوها، فإنه يدرك الطعم بالذوق، واللون بالبصر، والصوت بالسمع، وهكذا، ثم يدرك بقوة أخرى بأن ما له، هذا اللون الأصفر مثلاً له هذا الطعم الحامض.

وقول الحكماء إن العقل لا يدرك الجزئيات فإن غرضهم أنه لا يدرك الجزئيات بنفسه (الحكماء يعني الفلاسفة) أنه لا يدرك الجزئيات بنفسه بدون استعمال آلة إدراكية، هي آلة للإدراك ولكن ليست قوة دراكة، وإلا فليس المدرك للكليات والجزئيات إلا القوة العاقلة، ولا يمكن أن يكون للسمع والبصر ونحوهما وجود وإدراك مع قطع النظر عنها (يعني مع القوة الإدراكية، مع القوة العاقلة). غير أن إدراك القوة العاقلة للمحسوسات لا يحتاج إلى أكثر من استعمال آلة الإدراك المختصة في ذلك المحسوس، ويختص إدراك القوة العاقلة بتوسط الآلة في خصوص الجزئيات، لأن الحس ليش؟ لأنه هذا الحس لا يطال أمراً كلياً، لأنه لا وجود للكليات في الخارج، الحواس إنما تقع على المواد الخارج الموجودة في الخارج، والخارج موطن الجزئيات وليس موطناً للكليات، موطن مصاديق الجزئيات، تمام؟ وليس موطن الكليات، ولذلك وبتوسط الحس لا تدرك كلياً، تدرك جزئياً. العاقل يجمع تلك الجزئيات ثم ينتزع منها جامعاً فيحكم عليه. طيب.

وإذا أراد، عفواً، لأن الحس بانفراده لا يفيد رأياً كلياً، لأن حكمه مخصوص بزمان الإحساس فقط، وإذا أراد أن يتجاوز الإدراك إلى الأمور الكلية فلا بد أن يستعين بمقدمات عقلية وقياسات منطقية ليسترشد منها الرأي الكلي على ما عرفناه. المشاهدات وكذلك المتواترات تصلح لأن تكون مبادئ يقتنص منها التصورات الكلية والتصديقات العامة، بل لولا تتبع المشاهدات لم نحصل على كثير من المفاهيم الكلية والآراء العلمية، ولذا قيل أيضاً: من فقد حساً فقد فقد علماً. وتفصيل هذه الأبحاث يحتاج إلى سعة من القول لا يساعد عليه هذا الكتاب، نعم هو يحتاج إلى نظرية المعرفة إلى علم سابق على المنطق حقيقة.

اثنين قال: أن تكون العلة الخارجية هي القياس المنطقي، وهذا القياس على قسمين:

القسم الأول: أن يكون حاضراً لدى العقل لا يحتاج إلى إعمال فكر، كما في قولنا: الكل أعظم من الجزء؛ نفس تصور معنى الكل لا يستبطن منه اعظم عظمته على الجزء، نعم يوجد قياس خفي وهو أن الكل عبارة عن الجزء مع زيادة، والجزء عبارة عن الكل من دون تلك الزيادة، ولكن هذا القياس الخفي يكون حاضراً ولو بصورة غير واعية في الذهن، ولذلك أنت وإن كان يوجد حد أوسط حقيقة ولكنك لا تجد نفسك محتاجاً إلى البرهان، هذا ليس مورد برهان.

قال: أن يكون حاضراً لدى العقل، يعني أن يكون القياس حاضراً لدى العقل لا يحتاج إلى إعمال فكر، مثل الفطريات قلنا هي قضايا قياساتها معها، تحضر معها ولو بصورة غير واعية، فلا بد أن يكون معلوله وهو اليقين بالنتيجة حاضراً أيضاً ضروري الثبوت، لأن العلة عندما تنوجد ينوجد معلولها وعلة التصديق هو هذا القياس وهو دائماً حاضر، فاليقين دائماً حاضر، فلا تحتاج إلى البحث فلا تحتاج إلى البرهان، وهذا شأن المجربات والحدسيات. الآن مثل، التفت، مثل عندما تأتي وتجري استقراءً تحكم بقاعدة كلية: بالله تالله والله إن كل تمساح فهو يحرك فكه. نقول: هذا يوجد لأنه يوجد قياس حاضر دائماً مع ذلك التتبع، وهي تلك المبادئ بحسب النظرة الأرسطية، تلك المبادئ التي تتمم الاستقراء.

طيب، قال: وهذا شأن المجربات والحدسيات والفطريات التي هي من أقسام البديهيات، إذ قلنا سابقاً إن المجربات والحدسيات تعتمد على قياس خفي حاضر لدى الذهن، لو كان هذا الأمر اتفاقياً لما تكرر ولكنه تكرر فلا يكون اتفاقياً. وإنما سميت ضرورية لضرورة اليقين بها بسبب حضور علتها لدى العقل بلا كسب.

وإلى هنا انتهى بنا القول إلى استقصاء جميع البديهيات الست التي هي أساس البراهين وركيزة كل تفكير ورأس المال العلمي لتاجر العلوم، وإلى استقصاء أسباب اليقين بها: فالأوليات علة يقينها من الداخل، والمشاهدات والمتواترات علة علتها من الخارج وهي الآلة الحاسة، والثلاث الباقية علتها من الخارج أيضاً وليست هي إلا القياس الحاضر دائما يحضر معها.

القسم الثاني: أن لا يكون القياس حاضراً لدى العقل، فلا بد للحصول على اليقين من السعي لاستحضاره بالفكر والكسب العلمي، بالفكر يعني بإجراء العملية الذاهبة والدائرة والعائدة، وذلك بالرجوع إلى البديهيات، وهذا هو موضع الحاجة إلى البرهان، فإذا حضر هذا القياس انتظم البرهان إما على طريق اللم أو الإن، فاستحضار علة اليقين غير الحاضرة هو الكسب وهو المحتاج إلى النظر والفكر والذي يدعو إلى هذا الاستحضار البديهة الأولى المذكورة في صدر البحث وهي استحالة وجود الممكن بلا علة، وإذا حضرت العلة انتظم البرهان كما قلنا أي حصل أن يحصل اليقين بالنتيجة، وذلك بناءً على البديهة الثانية وهي استحالة تخلف المعلول عن علته».

فاتضح من جميع ما ذكرناه كيف نحتاج إلى البرهان، واتضح سر الحاجة إليه وأنه يرتكز أساسه على هاتين البديهيتين اللتين هما الطريق الأساس الفكري لتحصيل كل برهان. البرهان اللمي مطلق وغير مطلق يأتي إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع
الملف 079استماع
الملف 080استماع
الملف 081استماع
الملف 082استماع
الملف 083استماع
الملف 084استماع
الملف 085استماع
الملف 086استماع
الملف 087استماع
الملف 088استماع
الملف 089استماع
الملف 090استماع
الملف 091استماع
الملف 092استماع
الملف 093استماع
الملف 094استماع
الملف 095استماع
الملف 096استماع
الملف 097استماع
الملف 098استماع
الملف 099استماع
الملف 100استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.