دروس مقررة — النصوص المتاحة
37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 1
دروس في العقيدة – الشيخ عبدالله الدقاق – الدرس الأول
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
إلهي، هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك. إلهي، وألحقني بنور عزك الأبهج، فأكون لك عارفا، وعن سواك منحرفا، ومنك خائفا مراقبا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم. اللهم افتح علينا أبواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علمك، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
مقدمة حول الكتاب وأبوابه
نشرع في كتاب «دروس في العقيدة الإسلامية» لسماحة الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي دام ظله العالي. اليوم إن شاء الله نشرع في الدرس الأول من الجزء الأول. كما تعلمون، هذا الكتاب مقسم إلى ثلاثة أجزاء، وكل جزء من هذه الأجزاء الثلاثة يتكون من عشرين درسا، فالحصيلة تكون ستين درسا لجميع هذه الأجزاء الثلاثة.
في الجزء الأول يتكلم المصنف عن عقيدة التوحيد والعدل، وفي الجزء الثاني يتكلم المصنف عن عقيدة النبوة والإمامة، والجزء الثالث يتكلم المصنف عن عقيدة المعاد. فهذه أصول الدين الخمسة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد يوم القيامة.
أما لماذا جزأها المصنف إلى أجزاء ثلاثة؟ فباعتبار أن الأصول الأساسية والأسئلة المحورية هي ثلاثة: التوحيد، والنبوة، والمعاد يوم القيامة؛ والإمامة هي امتداد لخط النبوة، والعدل هو إحدى الصفات الإلهية لذات الخالق الواحدة. على كل حال، نشرع في الدرس الأول.
مفهوم الدين لغة واصطلاحا
في الدرس الأول يتكلم المصنف عن الدين؛ فما هو الدين؟ وما هو مفهوم الدين؟ من الواضح أن هدف هذا الكتاب الذي ألفه المصنف هو عرض ودراسة العقائد الإسلامية التي عُنونت واصطلح عليها بمصطلح أصول الدين، وقبل أن نتطرق إلى أصول الدين لا بد أن نعرف معنى الدين؛ لأنه كما يقولون في المنطق: لدينا مبادئ تصورية ومبادئ تصديقية.
يعني أولا لا بد أن أتصور وأدرك الشيء، ومن ثم إما أن أؤمن بذلك الشيء أو أكفر به، مثلا: الجنة، النار، الصراط، الميزان، التوحيد، النبوة، الإمامة، المعاد يوم القيامة، العدل؛ هذه المفاهيم في المرتبة الأولى لا بد أن أدركها، أتصورها، تحصل لها صورة ذهنية في ذهني، ومن ثم إما أن أقبلها وأصدق بها أو لا أقبلها ولا أصدق بها. إذاً عندنا مبادئ تصورية ومبادئ تصديقية.
المبادئ التصورية عبارة عن التصورات والإدراكات الحاصلة في الذهن، والمبادئ التصديقية عبارة عن الأحكام التي تستتبع تلك التصورات. إذاً عندنا تصور مجرد عن حكم، وعندنا تصور يستتبعه حكم؛ التصور من دون حكم عبارة عن المبادئ التصورية، وأما التصور والإدراك مع الحكم فعبارة عن المبادئ التصديقية. ويقال في علم المنطق: إن المبادئ التصورية مرحلة البحث فيها متقدمة رتبة على مرحلة البحث عن المبادئ التصديقية. من هنا أولا: لا بد أن نتصور معنى الدين، ثم بعد ذلك نقول: هل نعتقد ونؤمن بهذا الدين، أم لا نعتقد ونكفر بهذا الدين؟ فما هو الدين؟
كلمة «الدين» هي لفظة عربية وكلمة واردة في اللغة العربية، وبالتالي لا بد من البحث عنها أولا في اللغة العربية، وثانيا في الاصطلاح، يعني في اصطلاح علماء العقائد وعلماء الكلام.
الدين في اللغة بمعنى الطاعة والجزاء؛ تقول هكذا: فلان يدين لفلان، يعني فلان يطيع ويقتدي بفلان، فهنا جاءت لفظة الدين بمعنى الطاعة. وأحيانا تقول: كما تدين تدان، يعني كما تجازي تُجازى. إذاً في اللغة العربية ذكرت لفظة الدين بمعنى الطاعة وبمعنى الجزاء.
لكن يا ترى في الاصطلاح، ماذا يقصدون من كلمة الدين؟ فحينما يورد علماء العقائد لفظة الدين، فما مرادهم بالدين؟
مرادهم بالدين في الاصطلاح -يعني ما اصطلح عليه العلماء- هو: الإيمان بخالق الكون والإنسان، والإيمان أيضا بالتعاليم والأحكام العملية الملائمة لهذا الإيمان. إذاً إيمان بحيثيتين: إيمان بالأسس الفكرية والعقائدية، أي أنك تعتقد بوجود خالق للكون؛ وإيمان آخر: بعد أن تؤمن بهذه الأسس العقائدية، فإن هذه الأسس العقائدية تتطلب جريا عمليا، تتطلب أحكاما لا بد أن تمارسها في واقعك العملي، تتطلب سلوكا معينا. الإيمان بمجموع هذين الأمرين: بخالق الكون والإنسان -هذا أولا-، وبالأحكام العملية والسلوك العملي المترتب على الإيمان بخالق الكون والإنسان -ثانيا-. هذا هو المراد من لفظة الدين. وبالتالي تطلق كلمة «اللادينيين» على الذين لا يؤمنون بالخالق إطلاقا.
أقسام اللادينيين والمتدينين
الذين لا يؤمنون بالخالق على نحوين: النحو الأول والقسم الأول: هم الذين يؤمنون بالصدفة والاتفاق في خلق الظواهر الكونية، فيقولون: إن هذا الكون لم يحصل لعلة أوجبته، وبسبب سببه، وإنما بمحض الصدفة والاتفاق والتصادف تحقق هذا الكون؛ أي أنهم ينكرون قانون العلية من رأس. وما هو مفاد قانون العلية؟ مفاده: لكل معلول علة. هؤلاء أنكروا أن يكون لهذا المعلول -وهو الكون- علة أوجبته، فقالوا: إنه حصلت صدفة، ومن باب الاتفاق تحقق هذا الكون. هذا القسم الأول من اللادينيين.
القسم الثاني، النحو الثاني من اللادينيين: هؤلاء يؤمنون بقانون العلية، يقولون: صحيح، لكل معلول علة، لكنهم أنكروا أن يكون الله هو الخالق لهذا الكون، قالوا هكذا: هذا الكون معلول وعلته التفاعلات المادية والطبيعية، يعني من خلال تفاعلات الأجرام السماوية من نجوم وكواكب وما شاكل ذلك، ونتيجة لهذه التفاعلات تحقق الكون الرحيب.
إذاً، اللادينيون على نحوين وعلى قسمين: القسم الأول: هم من أنكر قانون العلية وقال إن الكون لم يتحقق بسبب علة، وإنما الكون قد تحقق صدفة واتفاقا. القسم الثاني: آمنوا بقانون العلية وقالوا: لكل معلول علة، لكنهم قالوا: إن العلة الواقعية هي التفاعلات المادية والطبيعية.
هذا الآن عرفنا به اللادينيين، فمن هم المتدينون؟ المتدينون هم الذين يؤمنون بخالق الكون، لكن ليس بالضرورة أن يقولوا إن خالق الكون هو الله؛ قد يعتقدون أن الصنم هو الذي خلق الكون، قد يعتقدون أن الشمس هي التي خلقت الكون، قد يعتقدون أن القمر هو الذي خلق الكون. على كل حال، هم يؤمنون بوجود خالق للكون، ليسوا كاللادينيين؛ فاللادينيون قالوا: إما أن الكون حصل صدفة، أو لا، حصل بسبب، وهذا السبب هو التفاعلات الكيماوية والتفاعلات المادية والطبيعية. أما المتدينون فيقولون إن الكون قد تحقق بفعل خالق الكون.
وبالتالي المتدينون على نحوين، والأديان على نحوين: أديان حقة؛ هي التي آمنت بعقائد صحيحة مطابقة للواقع، وأديان باطلة؛ اختلطت معتقداتها وممارساتها وطقوسها الدينية ببعض الانحرافات والأساطير والخرافات. وبالتالي يمكن أن نقسم الأديان إلى قسمين: أديان حقة وأديان باطلة. الدين الحق عبارة عن المبدأ الذي يشتمل على المعتقدات الصحيحة المطابقة للواقع، وفي نظرنا أن المذهب الجعفري هو المذهب الحق، والدين الباطل هو عبارة عن ذلك المبدأ الذي يشتمل على المعتقدات غير الصحيحة غير المطابقة للواقع.
نقرأ هذا المقدار، نطبق العبارة، ثم نكمل البحث: «الدرس الأول: ما هو الدين؟ مفهوم الدين: هدف هذا الكتاب هو عرض ودراسة العقائد الإسلامية التي يصطلح عليها بأصول الدين، ومن هنا كان لزاما علينا أن نوضح وبإيجاز لفظة الدين والألفاظ المناسبة لها. وذلك وكما ذكر في علم المنطق، لأن مرحلة البحث عن المبادئ التصورية، التعريفات -يعني تعريف الدين، ما هو معنى الدين، نريد أن ندرك معنى الدين، أن نتصور مفهوم الدين- متقدمة على مرحلة البحث عن سائر المسائل، متقدمة عن مرحلة البحث عن المبادئ التصديقية: الإيمان أو عدم الإيمان، الاعتقاد أو عدم الاعتقاد، الجزم أو عدم الجزم.
الدين كلمة عربية، ذكرت في اللغة بمعنى الطاعة والجزاء، وأما في الاصطلاح فتعني الإيمان بخالق الكون والإنسان -أولا- وبالتعاليم والأحكام العملية -يعني السلوك- الملائمة لهذا الإيمان، لهذا الإيمان بخالق الكون والإنسان. ومن هنا أطلقت كلمة اللادينيين على أولئك الذين لا يؤمنون بالخالق إطلاقا، أبدا، يعني أبدا لا يؤمنون بالخالق. على نحوين الذين لا يؤمنون بالخالق: أولا: بل يؤمنون بالصدفة والاتفاق في خلق الظواهر الكونية -هذا صنف، القسم الأول. القسم الثاني:- أو أنها -يعني الظواهر الكونية- معلولة لعلة وهي التفاعلات المادية والطبيعية.
أما كلمة المتدينين فتطلق على أولئك الذين يؤمنون بخالق الكون وإن اختلطت معتقداتهم وممارساتهم وطقوسهم الدينية ببعض الانحرافات والخرافات والأساطير. وعلى هذا الأساس تنقسم الأديان التي يؤمن بها البشر إلى الأديان الحقة والأديان الباطلة. والدين الحق عبارة عن المبدأ الذي يشتمل على المعتقدات الصحيحة المطابقة للواقع -أولا، يشتمل على معتقدات، وثانيا:- والتعاليم -يعني ويشتمل على التعاليم- والأحكام التي يدعو إليها، وهي تملك رصيدا كافيا لصحتها واعتبارها، يعني هذه التعاليم صحيحة ومعتبرة، يعني قامت الحجة على اعتبارها وصحتها».
أصول الدين وفروعه
أصول الدين وفروعه: نستطيع أن نشبه الدين بالشجرة، فكما أن الشجرة لها أصل وهو الجذر، ولها فرع وهو الساق والأغصان، ولها ثمرة وهي الفاكهة التي نأكلها، كذلك الدين له أصل وفرع وثمرة. أما أصول الدين التي هي بمثابة الجذر، فلو قُطع الجذر ماتت الشجرة، فكذلك لو عُدمت أصول الدين عُدم الدين.
أصول الدين خمسة، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد يوم القيامة. هذه الأصول الخمسة هي ما يُبحث في علم العقائد أو علم الكلام أو الإلهيات.
وفروع الدين عشرة، وهي: الصلاة، والصوم، والزكاة، والخمس، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل البيت، والتبري من أعداء أهل البيت، والجهاد... على كل حال، أصول فروع الدين العشرة هي ماذا؟ أيضا الحج، لعله نسيت الحج. هذه فروع الدين العشرة وهي: الصلاة، والصوم، والزكاة، والخمس، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل البيت، والتبري من أعداء أهل البيت. هذه فروع الدين العشرة تبحث في علم الأحكام، في علم الفقه، في الرسائل العملية وفي الكتب الفقهية، وهذه بمثابة الساق والفرع. وعندنا أيضا ثمار الدين، وثمرة الدين ما هي؟ قال صلى الله عليه وآله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
على كل حال، إذاً، الدين يتألف من قسمين رئيسيين، وهما أصول الدين، وتمثل أصول الدين العقيدة، هذه العقائد التي تمثل الأساس والقاعدة للدين. القسم الثاني: التعاليم العملية، الأحكام العملية الملائمة لذلك الأساس. وبالتالي يسمى قسم العقائد بأصول الدين، ويسمى قسم الأحكام العملية بفروع الدين.
نقرأ هذا المقدار ثم نطبق، ثم نواصل البحث: «أصول الدين وفروعه: يظهر جليا من هذا التوضيح الذي ذكرناه للمعنى المصطلح لكلمة الدين أن الدين يتألف من قسمين رئيسيين: أولا: العقيدة أو العقائد التي تمثل الأساس والقاعدة للدين. ثانيا: التعاليم والأحكام العملية الملائمة لذلك الأساس أو الأسس العقائدية والمنبثقة في واقعها من تلك الأسس العقائدية. هنا حينما قال: "أو الأسس العقائدية"، يعني يريد الملائمة لذلك الأساس، ما هو؟ يعني العقائد أصول الدين، أو الأسس العقائدية يعني أو الملائمة للأسس العقائدية. ومن هنا كان من المناسب أن يسمى قسم العقائد من الدين بالأصول، وقسم الأحكام العملية بالفروع. الأصول يدرس في العقائد وعلم الكلام، الفروع يدرس في علم الفقه. كما استخدم علماء المسلمين هذين المصطلحين في مجال العقائد والأحكام الإسلامية».
المفهوم الكلي والمفهوم الجزئي
الرؤية الكونية والأيديولوجية: هذان مصطلحان قد استُخدما وأُريد بهما عدة معان، لكننا نقتصر على المعنى الذي ذكره المصنف. وقبل أن نتطرق إلى هذين المصطلحين، نقدم بمقدمة منطقية: قد درسنا في علم المنطق أن المفهوم ينقسم إلى قسمين: مفهوم كلي ومفهوم جزئي.
المفهوم الكلي مثل: إنسان، والمفهوم الجزئي مثل: هذا الإنسان. المفهوم الكلي مثل: حيوان، أسد، فرس، وردة، إلى آخره؛ والمفهوم الجزئي مثل: هذه الوردة، هذا الأسد، هذا الفرس، هذا الحيوان. ما الفارق بينهما؟
المفهوم الكلي هو المفهوم العام الذي لا يمتنع صدقه على كثيرين، يمكن أن يصدق على كثيرين؛ مثلا: إنسان يصدق عليّ وعليك وعلى فلان وعلى فلان. أسد يصدق على الأسد الموجود في إيران، والأسد الموجود في البحرين، والأسد الموجود في العراق، والأسد الموجود في مختلف البقاع. مثلا: حيوان، مفهوم حيوان يصدق على أي حيوان من الحيوانات. مفهوم وردة أو زهرة يصدق على كل وردة وزهرة في هذه الدنيا. فالمفهوم الذي لا يمتنع صدقه على كثيرين، لا يمتنع انطباقه على كثيرين، يقال له: مفهوم كلي، مفهوم عام.
وفي مقابله المفهوم الجزئي، مفهوم خاص: المفهوم الذي يمتنع صدقه على كثيرين، يمتنع صدقه على أكثر من مصداق واحد. مثلا: هذا الإنسان، وأنا أشير إلى إنسان موجود أمامي؛ هذا المعنى الموجود في ذهني لهذا الإنسان الواقف أمامي لا ينطبق على أي إنسان آخر. هذه الوردة، وأنا قد قطفت هذه الوردة من بيتنا مثلا؛ مفهوم هذه الوردة لا ينطبق على أي وردة من ورود هذه الدنيا. مفهوم هذا الأسد، وأنت في حديقة الحيوان تشير إلى أسد مخصوص معين. مفهوم هذا الحيوان، وأنت تشير إلى النمر الموجود في باحة تلك الحديقة، حديقة الحيوانات. هذا مفهوم جزئي يمتنع أن يصدق على أكثر من مصداق واحد، يمتنع أن ينطبق على كثيرين.
إذاً، المفهوم على نحوين: إما مفهوم ينطبق على كثيرين وهو المفهوم الكلي، المفهوم العام؛ وإما مفهوم يمتنع أن ينطبق على كثيرين، وهو المفهوم الجزئي، المفهوم الخاص. هذه مقدمة لا بد أن تكون واضحة ولا بد أن تكون في الحسبان.
تحديد الرؤية الكونية والأيديولوجية
إذا اتضحت هذه المقدمة، نقول: ماذا نعني في الاصطلاح بمصطلح الرؤية الكونية؟ وماذا نعني وماذا نقصد بـالأيديولوجية؟
أولا: الرؤية الكونية، ما هو معناها؟ الرؤية الكونية هكذا نعرفها: عبارة عن مجموعة من المعتقدات والنظرات الكونية الكلية المتناسقة حول الكون والإنسان، وحول الوجود بصورة عامة. إذاً، الرؤية الكونية أولا: معتقدات، إذاً تشمل جانبا عقائديا، جانبا إيمانياً، جانبا قلبياً. ثانيا: هذه المعتقدات الكونية عامة، كلية؛ فإذاً الرؤية الكونية لا تشمل النظرة الجزئية التي لا تنطبق على كثيرين، وإنما الرؤية الكونية هي عبارة عن النظرة الشمولية، النظرة العامة، النظرة الكلية. والقيد الثالث: يوجد بينها تناسق وانسجام ووئام. إذاً الرؤية الكونية فيها قيود ثلاثة: أولا: معتقدات ونظرات كونية، يعني للكون. ثانيا: كلية، يعني عامة وليست جزئية. ثالثا: متناسقة وليست مبعثرة وغير منتظمة.
هذه الآراء تدور حول أولا: الكون، هذا الكون كيف خُلق؟ كيف تحقق وتأسس؟ ثانيا: حول الإنسان، وثالثا: حول مطلق الوجود. لأنه في علم الفلسفة يقولون: عندنا وجود خاص ووجود عام؛ أحيانا ندرس الوجود بصورة عامة ومطلقة، وأحيانا ندرس الوجود بصورة خاصة. دراسة الوجود بصورة خاصة، يعني ندرس خصوص وجود الله عز وجل: هل الله موجود أم غير موجود؟ نحن ندرس خصوص وجود الله عز وجل. وأحيانا ندرس مطلق الوجود، يعني هل يوجد شيء موجود أم لا يوجد؟ وما هو معنى الوجود؟ مطلق الوجود؛ يعني وجودي ووجودك ووجود فلان، ووجود الكرسي، ووجود الطاولة، ووجود الإنسانية، ووجود الجنة، ووجود النار، ووجود الله عز وجل. إذاً أحيانا ندرس الوجود بصورة عامة، وأحيانا ندرس الوجود بصورة خاصة. الرؤية الكونية تدرس الوجود بصورة عامة.
إذاً، ما هي الرؤية الكونية؟ الرؤية الكونية: هي عبارة عن مجموعة من المعتقدات والنظرات الكونية المتناسقة حول الكون والإنسان، بل وحول الوجود بصورة عامة. هذا تمام الكلام بالنسبة إلى الرؤية الكونية؛ إذاً هي لا تشمل المعتقدات الجزئية والمعتقدات الخاصة، بل تشمل المعتقدات الشمولية والعامة.
ما هو معنى الأيديولوجية؟ الأيديولوجية لها معنيان: معنى خاص ومعنى عام. ما هو المعنى الخاص؟ المعنى الخاص للأيديولوجية: أنها عبارة عن مجموعة من الآراء الكلية المتناسقة حول سلوك الإنسان وأفعاله. إذاً هنا أيضا توجد ثلاثة قيود: الأيديولوجية تتضمن سلوكا، بينما الرؤية الكونية تتضمن معتقدا، فهذا القيد الأول. القيد الثاني: لكن هذا السلوك، هذه الآراء التي تميز وتحدد السلوك، هي آراء كلية عامة وليست خاصة جزئية. والقيد الثالث: هذه الآراء منسجمة، متناسقة فيما بينها ومتوائمة.
إذاً تشترك الرؤية الكونية مع الأيديولوجية في قيدين: قيد الكلية وقيد التناسق، ويفترقان في أن الرؤية الكونية جنبة عقائدية فكرية قلبية، وأن الأيديولوجية جنبة سلوكية عملية. واضح إن شاء الله؟
أحيانا الأيديولوجية تُستعمل بمعنى الأطروحة، ولا شك أن الأطروحة تتضمن أسسا فكرية وعقائدية، وتتضمن أيضا سلوكا عمليا على وفق تلك الأسس الفكرية والعقائدية. إذاً، الأيديولوجية قد تطلق أحيانا بمعنى يعم ويشمل الرؤية الكونية، ويشمل أيضا الأيديولوجية بالمعنى الخاص. إذاً، الأيديولوجية بالمعنى العام بمعنى الأطروحة، بمعنى يعم ويشمل الرؤية الكونية والأيديولوجية بشكل خاص. وما هو معنى الأيديولوجية بشكل خاص؟ الأيديولوجية بشكل خاص يقصد بها: مجموعة من الآراء: أولا: كلية، ثانيا: متناسقة، ثالثا: تدور حول سلوك الإنسان وأفعال الإنسان.
تقسيم الرؤية الكونية: إلهية ومادية
وبالتالي الرؤية الكونية على نحوين: الرؤية الكونية إما إلهية وإما مادية؛ لأن هذه المنظومة من العقائد والأفكار حول الكون والإنسان والوجود، إما أنها تؤمن بعالم وراء الطبيعة، عالم الميتافيزيقيا، عالم الغيب، عالم يغيب عنا وخفي علينا، عالم ما وراء هذه الطبيعة التي نعيش فيها؛ فإن آمنت سميت رؤية كونية إلهية، يعني تؤمن بوجود إله، هذا الإله في عالم الغيب، هذا الإله هو الذي هيأ هذا الكون وسخر هذا الكون.
وأحيانا هذه الرؤية الكونية -يعني النظرة إلى الكون- لا تؤمن بوجود إله، لا تؤمن بعالم الغيب، لا تؤمن بعالم وراء الطبيعة، لا تؤمن بالميتافيزيقيا؛ فهذه الرؤية يقال لها: رؤية كونية مادية، رؤية كونية إلحادية.
وبالتالي، الذي يتبنى الرؤية الكونية المادية يطلق عليه قديما: الطبيعي، أو الدهري، أو الزنديق؛ لأنهم يقولون: «إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر» [الجاثية: 24]. ولذلك يطلق عليه طبيعي، دهري، زنديق، ملحد، وفي عصرنا يطلق عليه مادي. والمادية لها مذاهب عديدة في عصرنا، أشهرها: المادية الديالكتيكية التي تمثل الأساس الفكري والبعد الفلسفي للماركسية. إن شاء الله سيأتي في الدروس القادمة مزيد توضيح للماركسية وللشيوعية وللمادية الديالكتيكية، ونشرحها بشكل مفصل.
على كل حال، إذاً، تبين أن مجال الرؤية الكونية لا يتحدد ولا ينحصر بحدود المعتقدات الدينية؛ لأن كلمة الرؤية الكونية تشمل المعتقدات الدينية وتشمل المعتقدات الإلحادية والمادية أيضا. وبالتالي أيضا كلمة الأيديولوجية لا تختص بخصوص السلوك الديني والممارسة العملية الدينية، بل إنها تشمل أيضا التعاليم والأحكام العملية للرؤية الكونية المادية والإلحادية.
نقرأ هذا المقدار: «الرؤية الكونية والأيديولوجية: إن ألفاظ الرؤية الكونية والأيديولوجية استعملت في معان متقاربة، ومن معاني الرؤية الكونية أنها عبارة عن مجموعة من المعتقدات والنظرات الكونية -المفروض يأتي بقيد هنا: "الكلية"، للأسف الشديد الشيخ هنا لم يأت بهذا القيد، لكن بعد ذلك سيعقب- المتناسقة حول الكون والإنسان، بل وحول الوجود بصورة عامة. ومن معاني الأيديولوجية أنها عبارة عن مجموعة من الآراء الكلية المتناسقة حول سلوك الإنسان وأفعاله.
وعلى ضوء هذين المعنيين يمكن أن يعتبر النظام العقائدي والأصولي لكل دين -يعني أصوله من أصول الدين- هو رؤيته الشاملة، يعني رؤيته الكونية العامة، ونظام أحكام -يعني ويمكن أن يعتبر نظام أحكام- هذا الدين، الأحكام العملية الكلية أيديولوجيته، يعني أيديولوجية هذا الدين. وبذلك يمكن تطبيقهما على أصول الدين وفروعه.
ولكن يلزم التأكيد على أن مصطلح الأيديولوجية لا يشمل الأحكام الجزئية، بل هو مختص بالأحكام الكلية والعامة التي تنطبق على كثيرين، كما أن مصطلح الرؤية الكونية لا يشمل المعتقدات الجزئية، بل يختص بالأحكام الكلية والعامة -هنا لاحظ، هذا قرينة على ما ذكره هناك؛ هناك عندما عرّف الرؤية الكونية قال: "مجموعة من المعتقدات والنظرات الكونية المتناسقة حول الكون والإنسان، بل وحول الوجود بصورة عامة"، ولم يذكر قيد الكلية، ذكر القيد هناك مهم، لكنه هنا عقب، قال: "كما أن مصطلح الرؤية الكونية لا يشمل المعتقدات الجزئية"، فلا بد أن تكون هذه المعتقدات كلية-.
والملاحظة الأخرى هي أن الأيديولوجية -الآن تكلم عن الأيديولوجية بالمعنى الخاص، الآن يذكر الأيديولوجية بالمعنى العام- والملاحظة الأخرى هي أن الأيديولوجية تستخدم أحيانا في معنى عام بحيث يشمل الرؤية الكونية.
الرؤية الكونية الإلهية والمادية: نلاحظ بين الناس الكثير من أنواع الرؤى الكونية، ولكن يمكن تقسيمها جميعا على أساس الإيمان بما وراء الطبيعة -يعني عالم الغيب، الذي يصطلح عليه في بعض الكتب عالم الميتافيزيقيا- وإنكاره -يعني وإنكار ما وراء الطبيعة، هذه الطبيعة التي نعيش فيها، الأرض- إلى قسمين جامعين: أولا: الرؤية الكونية الإلهية، ثانيا: الرؤية الكونية المادية.
وكان يطلق في الأزمنة السابقة -أيام النبي، أيام الإمام الصادق- على من يتبنى الرؤية الكونية المادية اسم: الطبيعي -يؤمن بالطبيعة، وما وراء الطبيعة لا يؤمن به-، الدهري -إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر-، وأحيانا الزنديق والملحد، وأما في عصرنا فيطلق عليه المادي. وللمادية مذاهب واتجاهات عديدة، أشهرها في عصرنا: المادية الديالكتيكية -من ديالكتيك- التي تمثل البعد الفلسفي -يعني الأساس الفكري- للماركسية.
واتضح مما سبق أيضا أن مجال الرؤية الكونية لا يتحدد بحدود المعتقدات الدينية؛ لأن كلمة الرؤية الكونية شاملة للمعتقدات الإلحادية والمادية، كما أن كلمة الأيديولوجية لا تختص بالأحكام والتعاليم الدينية فحسب -يعني فقط-، بل تشمل أيضا الأحكام والتعاليم الإلحادية، المادية، غير الإلهية».
نكتفي بهذا المقدار، وإن شاء الله «الأديان السماوية وأصولها»، هذا المقطع من هذا الدرس يأتي عليه الكلام في الدرس اللاحق إن شاء الله. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
