دروس مقررة — النصوص المتاحة
37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 12
الدرس 12
بارك الله. صلّوا على محمد وآل الطيبين الطاهرين. اللهم صل على محمد وآل محمد. اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، اللهم افتح علينا أبواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علمك، برحمتك يا أرحم الراحمين.
كان الكلام عن المعرفة الفطرية، وقلنا إن كثيراً من العرفاء والحكماء وأئمة الدين يقولون: معرفة الله فطرية. فما هو المراد بالفطرة؟
قلنا إن الفطرة كلمة عربية يراد بها نوعية الخلقة، والقضايا الفطرية هي تلك القضايا التي تقتضيها وتتطلبها فطرة الإنسان السوي. اليوم إن شاء الله نتكلم عن الخصائص الثلاث التي ذكرها المصنف للأمور الفطرية. قبل أن نذكر هذه الخصائص نضرب مثلاً: الإنسان بمقتضى خلقته وفطرته يميل إلى الزواج من دون أن ينصحه ناصح؛ الإنسان الفطري السليم القويم يميل إلى الزواج. وهكذا في مدعانا: أن الإنسان الفطري الذي بقي على ما تقتضيه خلقته يميل إلى الدين والبحث عن الدين والتدين.
مثال آخر: نجد أن الأسد مثلاً يميل إلى الافتراس من أجل توفير الغذاء والطعام. نجد أن الثعلب يميل إلى المكر والدهاء والحيلة حتى يعيش في وسط تلك الغابة. فلناخذ هذه الأمور مسلّمة وأصولاً موضوعية، نقول: الدين والزواج بالنسبة إلى الإنسان، والمكر بالنسبة إلى نوع الثعلب، والافتراس بالنسبة إلى نوع الأسد. فلنفترض ونسلم جدلاً أن هذه الأمور مما تقتضيها خلْقَة كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة التي ذكرناها: نوع الإنسان، ونوع الأسد، ونوع الثعلب؛ الثعلب مكار، والأسد مفترس شرير، والإنسان يميل إلى الدين ويركن للزواج. لو سلمنا أن هذه الأمور فطرية، فما هي خصائص الأمور الفطرية؟
خصائص الأمور الفطرية
نذكر ثلاث خصائص:
الخصيصة الأولى: أن الأمور الفطرية مشتركة في كل أفراد النوع. الآن كم نوع ذكرنا؟ الإنسان، الأسد، الثعلب. فلو قلنا إن المكر فطري في الثعلب لزم أن يكون كل ثعلب مكاراً ولا بد، وكل إنسان يميل نحو الدين ويركن للزواج، وكل أسد يفترس. إذاً، الأمور الفطرية مشتركة بين كل أفراد النوع الواحد الذي يشترك في حصول وتحقق ذلك الأمر الفطri. واضح إن شاء الله؟
نعم، قد يختلف من فرد إلى فرد في القوة والضعف؛ تجد شخصاً تدينه قوي، وتجد شخصاً تدينه ضعيف. تجد شخصاً يميل للزواج بقوة، وتجد شخصاً يميل للزواج بضعف. لكن الكل يشترك، والكل يميل إلى الزواج وإلى التدين. وهكذا، قد تجد هذا الأسد أشجع من هذا الأسد وأكثر فكساً وأشد افتراساً، لكن كل الأسود تشترك في الافتراس. وقد تجد هذا الثعلب أشد مكراّ من هذا الثعلب، لكنهما يشتركان في تحقيق المكر.
إذاً، الخصيصة الأولى للأمور الفطرية هي أن الأمور الفطرية مشتركة في كل أفراد النوع، موجودة في كل أفراد النوع. نعم، قد تختلف في القوة والضعف، فأصل الوجود متحقق في كل أفراد النوع، وكيفية الوجود مختلفة؛ أصل وجود الميل إلى الزواج والنزوع إلى الزواج موجود في كل إنسان، لكن كيفية وجود هذا الميل تختلف، عند بعض الناس قوية وعند بعض الناس ضعيفة. أصل وجود الافتراس موجود في كل أفراد الأسد، لكن بعض الأفراد شدة الافتراس فيها محكمة وبعض أفراد الأسود الافتراس فيها أقل وطأة. إذن، هذه هي الخصيصة الأولى.
الخصيصة الثانية: الأمور الفطرية ثابتة على امتداد التاريخ؛ يعني منذ الفرد الأول وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. مثلاً حينما تقول إن النزوع للزواج أمر فطرة للإنسان، لا يمكن أن تقول إنه منذ آدم (عليه السلام) إلى أن نوح كانت فطرة الإنسان لا تقتضي الزواج، ومن نوح إلى يومنا هذا تغيرت فطرة الإنسان وأصبحت تقتضي الإقبال على الزواج! كلا، ولفظاً لا. ولا يمكن أن تدعي أن الإنسان الأول لم ينزع إلى الدين، بينما الإنسان الثاني لم ينزع إلى الدين، أو أن جماعة من الثعالب والأسود في فترة زمنية طبيعة خلقتها كانت لا تقتضي المكر والافتراس، والآن أصبحت تقتضي المكر والافتراس. بمجرد افتراض أن هذا الشيء فطري، هذا الدافع فطري، لا بد أن يكون ثابتاً على امتداد التاريخ، منذ أول فرد لهذا النوع وإلى أن ينقرض آخر فرد لهذا النوع، تبقى هذه الفطرة موجودة. واضح؟
ولذلك، فأثر مواجهتك للدين حنيفاً: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. هذا الدين الفطري الذي تقتضيه خلْقَة الإنسان وفطرة الإنسان غير قابل للتحول والتبدل. نعم، قد يمتص، وهذا ما تشير إليه الرواية: ⟦كل مولود يولد على الفطرة، ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه⟧. لكن أصل وجود الدافع الفطري موجود، ولكن قد يكون مغموراً ومضموناً ومدفوناً، وهذا الهدف من بعثة الأنبياء: إنما بعث الله الأنبياء لكي يثيروا في النفوس دفائن العقول؛ يعني العقول تدرك أشياء، لكن هذه المدركات مدفونة، يأتي الأنبياء والمرسلون ويثيروا تلك الأمور المدفونة.
الخصيصة الثالثة: بما أن الأمور الفطرية تقتضيها خلْقَة الإنسان، فهي غير قابلة للتعلم والتعليم. لا يحتاج الثعلب إلى التعليم لكي يكون مكاراً، ولا يحتاج الأسد لتعلم الافتراس لكي يكون مفترساً، ولا يحتاج الإنسان لتعلم الدين أو الزواج لكي يكون متديناً أو متزوجاً. بما أننا افتراضنا أن هذه الأمور فطرية، فهي موجودة متى ما وجدت تلك الفطرة. وتلك الفطرة نعم، ترشيدها تقويمها يحتاج إلى تعلم وتعليم وتربية. دافع ونزوع الإنسان إلى الزواج موجود لا يحتاج إلى تلقين، لكن تقويم هذا الدافع: اختر الزوجة الصالحة، لا تختار الزوجة الطالحة. نزوع الإنسان إلى الدين موجود في كل إنسان لكن يحتاج إلى التقويم: اتبع المنهج الحق، ولا تتبع المنهج الباطل. وجود المكر والافتراس في الثعلب والأسد متحقق لا يحتاج إلى تعلم وتربية، لكن يحتاج إلى تعليم وتربية، هذا الأب للثعلب أو للأسد يرشده: هكذا يففترس، هكذا يكون المكر والتدبير، لكن أصل وجود الافتراس والمكر موجود.
إذاً، الخصيصة الثالثة هي أن الأمور الفطرية بما أنها تقتضيها وتتطلبها طبيعة الأشياء وخِلْقَة الموجودات فهي لا تحتاج إلى تعليم وتعلم لكي تتحقق، نعم، تحتاج إلى تعليم وتعلم وتربية لكي تسترشد، لكي تهتدي، لكي تتقوم، لكي تنمى. فهي بحاجة إلى التربية والتعليم لا في أصل وجودها وإنما من أجل تقويتها، تنميتها، ترشيدها، تقويمها. واضح؟
إلى هنا تبين كم خصيصة عندنا؟ ثلاث خصائص: الخصيصة الأولى للأمور الفطرية هي أن الأمور الفطرية مشتركة في جميع أفراد النوع الواحد. والخصيصة الثانية: أن الأمر الفطري ثابت على مدى التاريخ. والخصيصة الثالثة: أن الأمر الفطري في وجوده لا يحتاج إلى تعليم وتعلم، نعم، يفتقر إلى التعليم والتعلم من أجل النمو والتقوي والاسترشاد.
أقسام الأمور الفطرية في الإنسان
إذا تبين ذلك، نحن الآن تكلمنّا عن مطلق الأمور الفطرية للإنسان والحيوان، نتكلّم عن خصوص الإنسان. ما هي الأمور الفطرية الموجودة في الإنسان؟
يمكن تقسيم الأمور الفطرية الموجودة في الإنسان إلى قسمين:
القسم الأول: مدركات فطرية.
القسم الثاني: ميول ورغائب فطرية.
إذاً، الأمور الفطرية الموجودة في الإنسان على نحوين: إما مدركات فطرية، وإما ميول ورغائب فطرية. المدركات الفطرية مختصة بالجانب النظري، والميول والرغبات مختصة بالجانب السلوكي للإنسان، والإنسان لديه عقائد وآراء وأفكار تحتاج إلى مدركات، ولديه ماذا؟ سلوك وميول ورغائب. فمن المدركات الفطرية للإنسان: وجود الله عز وجل، ولذلك تجد الطفل من أهم الأسئلة التي يسألها والده: من أين أنا جئت؟ وكيف جئت؟ ومن هو الله؟ إدراك الخالق سنخ إدراك فطري موجود في فطرة كل إنسان. واضح؟
وهناك ميول ورغبات فطرية، مثل الرغبة نحو الزواج أو حب التملك. واضح؟ حب الإنسان للتملك ورغبة الإنسان للزواج، ما الذي يمليه عليه؟ دافعه الفطري، بفطرته بغريزته يميل إلى التملك، يميل إلى الزواج. فإذاً الأمور الفطرية الموجودة في الإنسان على نحوين: أما مدركات فطرية، وأما ميول ورغبات فطرية.
نأتي الآن إلى مورد البحث: معرفة الله عز وجل. إن كان الإنسان لديه مدركات عن الخالق بمحض فطرته، سمينا هذه المدركات وهذه المنظومة من الاعتقادات بمعرفة الله الفطرية. وإن كان لدى الإنسان ميل ورغبة ونزوع إلى الله عز وجل، كأن يعبد الله عز وجل، سمي هذا بعبادة الله الفطرية. فالإنسان عنده إدراكات فطرية لله عز وجل، وعنده ميول ورغبات فطرية للنزوع نحو الله عز وجل. المدركات نسميها معرفة الله الفطرية، مثل ذاك الشخص الذي تعلق بالخشبة حينما سقطت، حينما تحطمت السفينة، سأله الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أن لجأ: قد شعرت أن هناك قوة عظيمة تستطيع أن تنقذني فلجأت إليها. تلك القوة التي لجأ إليها فرعون اعترف ظالم حينما غرق في اللحظات الأخيرة قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. لجأ إلى المدرك الفطري. وهناك ميول ورغبات فطرية لعبادة الله عز وجل لعدم معصية الله عز وجل، نطلق عليها عبادة الله الفطرية أو التدين الفطري. واضح إن شاء الله؟
ولذلك، قد تذهبون في التبليغ وغيره إلى بعض المناطق التي لا يوجد فيها مبلغون، وربما المستوى الثقافي جداً ضعيف وجدّاً باهت، لكن الناس بقوا على سجيتهم وعلى مقتضى فطرتهم ولم يتلوثوا بشوائب الدنيا، تجد هؤلاء ربما يكونون أشد تديناً ممن درس سنين، والسر في ذلك أن معرفة الله الفطرة لم تتلوث والتدين الفطري وعبادة الله الفطرية لم تتغير في أنفسها ولله. واضح إن شاء الله؟
البعد الديني بين النفس والفطرة
ثم الشيخ حفظه الله يعقب ويقول: نحن ذكرنا فيما سبق رأياً لبعض علماء النفس، وبعض المحللين النفسانيين قالوا إن الإنسان لديه أربعة أبعاد، أربعة أبعاد نفسية كامنة في نفس الإنسان: البعد الأول: حب الاستطلاع. البعد الثاني: الشعور بالخير. البعد الثالث: الشعور بالجمال. والبعد الرابع: الشعور الديني. واستدلوا على ذلك بمسير التاريخ الإنساني، قالوا: وجدت جماعات بلا علوم ولا فنون ولا ثقافة، ولكن ما وجدت جماعات بلا دين، مما يعني أن الشعور النفسي، أن الشعور الديني كامن في أعماق النفس الإنسانية يمثل بُعداً من أبعاد نفس الإنسان.
الشيخنا يعقب يقول: نحن هنا لا ندعي أن الشعور الديني من مقتضيات النفس الإنسانية فقط وبُعد من أبعاد النفس فقط، نحن ندعي أن الدين من مقتضيات فطرة الإنسان وخِلْقَة الإنسان. الله عز وجل خلق الإنسان وجعل هذه الخلقة من شأنها ومن مقتضياتها ومن متطلباتها النزوع نحو الدين. هذا المعنى أعمق من ذلك المعنى؛ وهم ماذا يقولون؟ نفس الإنسان تقتضي النزوع نحو الدين. هنا نحن ندعي لا، ليس النفس فقط، الإنسان أصلا عُجن وخُلِق وفُطِر على النزوع نحو الدين. فالنزوع نحو الدين لا يمثل دافعاً من دوافع النفس فقط، وإنما دافع من دوافع الفطرة، لكنه دافع في منطقة اللاشعور، دافع غير شعوري غير وعيي. هذا الدافع قد ينطمر بفعل البيئة، كما لو عاش الإنسان في بيئة شعورية بيئة ملحدة، وقد يسترشد ويتقوى وتنمو إذا عاش في بيئة موحدة وبيئة مسلمة.
فكما أن معرفة الله الفطرية غير شعورية أيضاً، التدين وعبادة الله الفطرية غير شعورية؛ يعني المدركات الفطرية للإله غير شعورية، والسلوك والرغبات نحو ذلك الإله أيضاً غير شعورية. فكما أن الإنسان يحتاج إلى الدرس والتدريس لكي ينمي فكرته ويقوي مدركاته لله عز وجل، يحتاج إلى السير والسلوك لكي يقوي ميوله ورغباته وعبادته لله عز وجل. حاجته إلى التعليم والتعلم من أجل تقوية المدركات وتقوية السلوك لا يعني أن نفس المدركات ونفس السلوك غير موجود؛ أصل وجود مدرك لله عز وجل للخالق، أصل وجود نزوح لعبادة الخالق موجود، ولكنه يحتاج إلى ماذا؟ إلى تقوية، يحتاج إلى استرشاد. واضح الفكرة إن شاء الله؟ لأن نفس هذه المدركات في منطقة اللاشعور، فأي شيء غير شعوري، نفس هذه الميول والرغبات غير شعورية تحتاج إلى من يقويها، ولذلك أحياناً تجد الإنسان الغريزي أو الإنسان غير الموفق يميل إلى العزلة وخلْوَة نفسه أو يشعر بتعطش روحي، يشعر أن هناك قوة لا بد أن يركع إليها.
نقرأ هذا المقدار، قال:
«ومن هنا يمكن أن نلاحظ ثلاث مميزات للأمور الفطرية. بالامس أخذنا تعريف الفطرة وتعريف الأمور الفطرية، اليوم نأخذ خصائص الأمور الفطرية:
الخصيصة الأولى: أن الأمور الفطرية لكل نوع من الموجودات مشتركة في أفراد ذلك النوع كلها؛ فمثلا الزواج فطري لنوع الإنسان، الافتراس فطري لنوع الأسد، فالزواج والافتراس موجود في كل فرد من أفراد الإنسان أي الزواج، والافتراس موجود في كل فرد من أفراد الأسد وإن اختلفت كيفية وجودها في الأفراد ضعفا وشدة؛ فبعض أفراد الإنسان ميله للزواج قوي والبعض الآخر ضعيف، بعض أفراد الأسد قد يكون شديد الافتراس بعض أفراد الأسد ضعيف الافتراس - ولذلك شنو الأسد، من الذي يفترس عادة؟ الأسد أم اللبوة زوجة الأسد؟ اللبوة هي التي تذهب للاصطياد وأما الأسد فكسول ينتظر الطعام.
الأمر الثاني: الأمور الفطرية ثابتة دائما على امتداد التاريخ؛ يعني شلون ثابتة على امتداد التاريخ؟ يعني لا يمكن لفطرة موجودة -مثلا فطرة الإنسان- أن يكون لها اقتضاء معين في مرحلة زمنية -يعني منذ آدم إلى مثلا إبراهيم فطرة الإنسان تقتضي الميل للزواج- بينما لها اقتضاء آخر في مرحلة زمنية أخرى من إبراهيم (عليه السلام) إلى يومنا هذا الإنسان يميل للزواج ولا يميل.. حينما نقول الزواج فطري للإنسان يعني على امتداد التاريخ فطرته واحدة، منذ أن خلق الله آدم (عليه السلام) إلى يومنا هذا يميل للزواج.
الخصيصة الثالثة: الأمور الفطرية بما أنها فطرية وتقتضيها خلقة الموجود -قال: لذلك لكونها فطرية- لا تحتاج في وجودها -كيف في وجودها؟ مهم- إلى التعليم والتعلم في وجود، في التحقق بما أنها فطرية موجودة مع الفطرة مع الخلقة؛ الدين والميل للزواج وجد مع خلقة ومع وجود الإنسان فلا يحتاج في وجود هذا النزوع إلى تعليم وتعلم. نعم، تنمية هذا الدفع، تنمية الرغبة للزواج، تنمية الميل نحو الدين يحتاج إلى تعليم وتعلم. فالأمور الفطرية لا تحتاج في وجودها إلى التعليم والتعلم، وإن احتجت الأمور الفطرية إلى التربية والتعليم في ماذا؟ في تقويتها وتنميتها بعد التسليم بأصل وجودها أو في توجيهها وهدايتها.
ويمكن تقسيم الأمور الفطرية في خصوص الإنسان إلى مجموعتين -نحن تكلمنا عن الأمور الفطرية بشكل عام، نتكلم عن الأمور الفطرية بشكل خاص في الإنسان- إما مدركات فطرية وإما ميول:
المدركات الفطرية: التي يمتلكها كل إنسان من دون حاجة إلى تعلم، كإدراك وجود الله عز وجل هي مدرك من المدركات الفطرية، كإدراك عدل الله عز وجل أن هذا الإله عادل مدرك فطري.
أما الميول والرغبات الفطرية: التي تقتضيها خلقة كل فرد مثل الرغبة نحو الزواج، حب التملك رغبة فطرية ميل فطري.
ومن هنا، فإذا ثبت أن لكل فرد نوعاً من معرفة الله لا يحتاج معه مع هذا النوع من معرفة الله إلى التعلم أمكن أن نسميه معرفة الله الفطرية. وإذا هذه بالنسبة إلى المدركات، الآن إلى الميول: وإذا ثبت وجود نوع من الميل إلى الله وإلى عبادة الله في كل إنسان أمكن أن نسميه عبادة الله الفطرية أو التدين الفطري.
وقد أشرنا في الدرس الثاني إلى أن كثيراً من المفكرين اعتبروا التدين والميل إلى الله هو الدين من ماذا؟ اعتبار البعد: حب الاستطلاع البعد الأول، الشعور بالخير البعد الثاني، الشعور بالجمال البعد الثالث، والشعور الديني البعد الرابع. فجعلوا الشعور الديني بعداً من أبعاد نفس الإنسان. الشيخ يترقب يقول: نحن لا ندعي أن التدين بعد من أبعاد النفس فحسب، إن التدين مما تقتضيه وتتطلبه فطرة الإنسان. فمعرفة الله أولاً، وعبادة الله ثانياً، كل منهما تقتضيه فطرة الإنسان، لكن هذا الاقتضاء يعيش في عالم اللاشعور، لكي يخرج من عالم اللاشعور يحتاج إلى إيقاظ، يحتاج إلى تربية، يحتاج إلى تعليم. ولذلك لا تشكل تقل: هذا الشيوعي أو الماركسي وغيرهما ينكر وجود الله، نقول هذه الفطرة قد تنسد [غير واضح] هاهنا في غير موضعها، تحتاج إلى بيئة وتربية تنمي هذه الفطرة.
ونحن نضيف هنا، نحن نضيف على ما ذكروه، قالوا: الشعور الديني من أبعاد النفس. نحن نضيف إضافة أخرى: إن معرفة الله قد اعتبرت أيضاً ليست من أبعاد النفس فقط، وإنما من مقتضيات ودواعي ومتطلبات الفطرة الإنسانية. ولكن كما لا يكون الدافع الفطري لعبادة الله من الدوافع الشعورية -يعني هذا الميل والسلوك نحو الله هذا فطري لكن لا شعوري- كذلك الدافع الفطري لمعرفته، أيضاً معرفة غير شعورية. عبادة الله تحتاج إلى تنمية، معرفة الله أيضاً تحتاج إلى تنبيه، لكن روح المعرفة وروح التعبد أصل وجود المعرفة وأصل التعبد موجود في فطرة الإنسان.
قال: كذلك الدافع الفطري لمعرفته أيضاً معرفة غير شعورية -المفروض يسوي فاصلة وهذا السطر يدمجها، ما يخلي بداية السطر: معرفة معرفة غير شعورية- بحيث تغني الأفراد العاديين عن البحث العقلي حول معرفة الله. فلما تقول: معرفة الله فطرية تقل: مادام معرفة الله فطرية، إذاً لا نحتاج إلى إقامة البحوث العقلية على وجود الله، مادام أن الناس كلها تدرك الله بفطرتها فلماذا نقيم هذه البحوث العقلية والفلسفية على وجود الله؟
نقول: صحيح معرفة الله فطرية لكن في عالم اللاشعور، لكي تخرجها من عالم اللاشعور إلى عالم الشعور، لكي توقظ وتوقظ هذه الفطرة، لا بد من ممارسة البحوث العقلية، ولذلك إنما بعث الله الأنبياء لكي يثيروا في الناس دفائن العقول؛ يعني العقول لها مدركات لكنها مدفونة، تحتاج إلى من يثير ذلك الركام والتراب المتراكم على تلك المدركات العقلية.
قال: كذلك الدافع الفطري لمعرفة الله أيضاً معرفة غير شعورية بحيث تغني الأفراد العاديين عن البحث العقلي حول معرفة الله، إن شاء الله واضحة العبارة.
قال: ولكن يلزم أن لا نغفل عن هذه الملاحظة. ماذا يريد أن يقول؟ يقول: كل إنسان لديه معرفة شهودية، كل إنسان لديه استشعار لوجود الله عز وجل، استحضار للذات الإلهية، كل إنسان فهو بنسبة ضئيلة تعيش في عالم اللاشعور يدرك وجود الله عز وجل، لكن يحتاج إلى ممارسة البحوث العقلية والفلسفية لكي يقوي ويحكم ذلك الشعور.
واضح المثال المعهود المعروف؟ يقولون إنه في بعض البلدان جاءت موجة شيوعية وأن الناس تعيش في فقر مققع، وكان من يستلمون زمام الأمور من الشيوعية ولديهم الأموال، قالوا: من يصبح شيوعياً نعطيه الأموال، أما من لا يزال يعتقد بهذه الخرافة والأفيون وهذا الدين نحرمه من المال. بعض الفقراء ماذا عملوا؟ قال بعضهم: الله، راحوا وقالوا: الله ما موجود نحن شيوعيين، عقد لهم وماتوا. في الأثناء انقطعت الكهرباء، ما إن عادت الكهرباء وإذا بهم يقولون: اللهم صل على محمد وآل محمد. فقال أرباب المؤتمر: نجحنا، نحن جئنا بكذا وعملنا هذا الموت من أجل ماذا؟ على كل حال، تكلمت فطرة الناس التي كانت تعيش في عالم اللاشعور.
قال: ولكن يلزم أن لا نغفل عن هذه الملاحظة، بما أنه توجد في كل فرد درجة وإن كانت ضئيلة من المعرفة الحضور الفطرية لهذا الإيمان، لذلك يمكن لكل أحد مع يسير من التأمل والاستدلال أن يؤمن بوجود الله، ولذلك إذا تدور يعني إلى البساتين أو إلى الأنهار أو تعيش في عالم الحيوان تسبح لا شعورياً: سبحان الخالق الباعث المبدع المصور، هناك تقول: ﴿وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ﴾، ويحاول بالتدريج هذا الإنسان العادي تنمية معرفته الشهودية اللاشعورية وتقويتها تدريجياً ليوصلها إلى مراحل شعورية.
والحاصل النتيجة: إن معرفة الله الفطرية تعني أن قلب الإنسان يعرف الله، وأن في عمق روحه توجد إمكانيات وجذور المعرفة الشعورية بالله.
قرأت قصة ذلك الشاب الذي جاء غضبان إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ⟦كيف أصبحت؟⟧ قال: أصبحت كأنّي أنظر إلى أهل الجنة وهم فيها منعّمون، وكأنّي أنظر إلى أهل النار وهم فيها يعذّبون، وكأنّي.. وقد قضى، وأن القيامة قد قامت.. وهو شاب يافع. فقال (صلى الله عليه وآله): ⟦هذا شاب نور الله قلبه بالإيمان⟧. ثم قال: يا رسول الله، لي طلب. قال: ⟦تفضل⟧. قال: ادع لي بالشهادة، ادع الله أن يرزقنا الشهادة. فدعا له رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستشهد معه في بعض الغزوات.
إن معرفة الله الفطرية تعني أن قلب الإنسان يعرف الله، وأن في عمق روحه توجد إمكانيات وجذور المعرفة الشعورية بالله. هذه البذور تصلح للنمو والاجتهاد والتقوي، ولكن هذه الإمكانيات الفطرية للأفراد العاديين ليست بتلك القوة التي تغنيهم تماماً عن التفكير والتأمل والاستدلال العقلي، فلا بد من تحقيق الاستدلال العقلي لكي تنمى وتقوى تلك الرغبات.»
الدرس السادس يأتي عليه الكلام إن بقينا حياة، وصلى الله على محمد وآله الكرام.
