دروس مقررة — النصوص المتاحة
37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.
عرض روابط القراءة وWord والخلاصة
- الدرس الدرس 1 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 2 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 3 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 4 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 5 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 6 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 7 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 8 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 9 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 10 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 11 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 12 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 13 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 14 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 15 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 16 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 17 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 18 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 19 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 20 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 21 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 22 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 23 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 24 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 25 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 26 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 27 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 28 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 30 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 31 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 32 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 33 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 34 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 35 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 36 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 37 — قراءة المتن · Word كامل
- الدرس الدرس 38 — قراءة المتن · Word كامل
متن الدرس الدرس 18
الدرس 18
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، اللهم افتح علينا أبواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علمك، برحمة أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لا زلنا نتكلم في الدرس الثامن عن صفات الله عز وجل، وقلنا إن واجب الوجود له صفتان: الصفة الأولى هي عدم احتياجه لأي موجود آخر، الصفة الثانية هي عبارة عن احتياج جميع الممكنات إليه. قلنا هاتان الصفتان سوف نفرع عليهما الكثير من الأمور.
ثم تكلمنا عن الصفة الأولى فقط، وقلنا: يتفرع على عدم احتياجه إلى شيء أنه سرمدي، أي أنه أبدي أزدي؛ فلولا لم يكن أبديًا -أي كان مسبوقًا بالعدم- لزم أن يحتاج إلى علة تخرجه من العدم إلى الوجود، ولولا لم يكن أبديًا -أي أنه يزول ويصير إلى العدم- هذا خلاف فرض كون واجب الوجود.
ثم تكلمنا عن الصفة الأخرى من صفات ولوازم واجب الوجود، أنه بسيط وغير مركب، لا بالقوة ولا بالفعل؛ لأنه لو كان مركبًا بالفعل لأحتاج كل جزء من أجزائه إلى الجزء الآخر، وهذا ينافي الصفة الأولى، وهو أنه لا يحتاج إلى شيء أبداً. ولو قلنا إنه مركب بالقوة،لقلنا: إن كل مركب بالقوة قابل للانقسام عقلاً، وكل قابل للانقسام عقلاً قابل لزوال الكل، فواجب الوجود لا يزول ولا يصير إلى العدم؛ لأنه ينافي أبدية واجب الوجود.
ثم قلنا: بما أننا أثبتنا البساطة ونفينا التركيب، فنفينا للتركيب لنفي الجسمية، لأن التركيب من خصائص الأجسام، وبنفينا للجسمية نفينا عنه خصائص الجسم الثلاث: أنه لا يرى بالعين، ولا يدرك بالحواس الأخرى غير العين، والأمر الثالث: أنه ليس له زمان وليس له مكان.
نفي المكان والزمان عن واجب الوجود
أما أنه ليس له زمان وليس له مكان فلأن المكان يحتاج إلى امتداد، والمكان يكون للشيء الذي له حجم وامتداد، وواجب الوجود ليس له حجم وامتداد، إذ الحجم والامتداد يشغل حيزاً من الفراغ، وواجب الوجود لا يشغل حيزاً من الفراغ.
وأما نفي الزمان فتوقفنا بالأمس هنا. المطلب واضح وبسيط، نفي الزمان باعتبار أن الزمان وإن كان متحصلاً لكنه قابل للانقسام بالقوة، مثلاً ساعة واحدة صحيح هي متصلة الدقائق لكنها قابلة للتفصيل: نصف ساعة ونصف ساعة، أو ربع ساعة وربع ساعة وربع ساعة وربع ساعة؛ كما أن قطعة القماش التي ذكرناها بالأمس قابلة للانقسام عقلاً وإن لم تكن منقسمة فعلاً.
كذلك الزمان، وإن كان متصلاً بالفعل، لكنه قابل للانقسام عقلاً، وبما أنه قابل للانقسام إذاً هو قابل لزوال الكل، كل الزمان قابل للزوال، وبالتالي الموجود الزماني قابل للزوال والفناء، واضح! لأن الموجود الزماني وإن كان غير منقسم بالفعل -مثلاً مدة ساعة متصل، لا يوجد أي فاصل بالفعل- فيوجد اتصال بالفعل؛ وإن كان -إن شاء الله إذا درستم الفلسفة ودراستم بحث الزمان تتضح لكم أن الزمان متصرم، كل دقيقة تنصرم وتنسرم- على كل حال هذا بحث فلسفي دقيق، الآن نحن نعقد هذا المطلب فقط: أن الزمان وإن كان متصلاً بالفعل -طبعا إطلاقا الاتصال عليه نوع مسامحة- نقول هو قابل للانقسام عقلاً، بما أنه قابل للانقسام يعني قابل لزوال الكل، قابل للفناء، فواجب الوجود غير قابل للزوال وغير قابل للفناء. واضح إن شاء الله؟
كيف؟ ما نشاهد وجود مجرد الزمان، نفس الزمان! نفس الزمان إذا عندنا وحدة زمنية مدة عشر ساعات، هذه متصلة أم غير متصلة؟ متصلة، يعني غير منقسمة بالكامل. واضح؟ العقل يقول هي قابلة للتقسيم أم غير قابلة؟ قابلة للتقسيم. بما أنها قابلة للتقسيم، كل قابل للقسمة قابل للزوال. أنت من تجي تقسّم العشر ساعات خمس خمس، ما صارت عشرة، واضح؟ صارت خمس خمس، ما صارت عشر ساعات متصلة، صارت خمس ساعات متصلة خمس ساعات متصلة، فزال كل العشر ساعات، الكل يزول، واضح أم لا؟ المجموع يزول، كما أننا نخطط في القماش في الماديات، قطعة القماش طولها متر غير مقطعة، قابلة للتقطيع أم لا؟ قابلة، قطّعتها عشرين قطعة، تقول هذه القطعة طولها متر، تقول هذه القطعة العشرين طولها... واضح؟ واضح.
وبالتالي نقول: واجب الوجود غير مركب، ما هو دليلنا؟ غير مركب بالقوة، ما هو دليلنا؟ نقول هذه قطعة القماش وإن كانت متصلة بالفعل لكنها قابلة للانقسام بالعقل بحكم العقل، بما أنها قابلة للانقسام قابلة لزوال الكل. وواجب الوجود قلنا أزدي أبدي، أزدي يعني غير مسبوق بالعدم، أبدي يعني إلى الأبد لا ينتهي إلى العدم ولا يصير إلى العدم، يعني واجب الوجود لا يزول لا ينعدم، واضح؟
إذاً، هذا المركب من أجزاء ذي القوة قابل للزوال أم لا؟ قابل للزوال، إذاً لا يصلح أن يكون واجب وجود، هذا بالنسبة إلى المركب.
نأتي الآن إلى الزمن، الزمن إما جزء زمني واضح أو لا؟ فلا يمكن أن يكون واجب الوجود في جزء زمني، لأن الجزء الزمني قابل للزوال أم لا؟ قابل للزوال. قد تقول: لا، مو جزء زمني، كل الزمن، كل الزمن على امتداد الزمن، نقول هذا امتداد الزمن قابل للتقسيم أم لا؟ قابل للتقسيم، مادام الزمن قابل للتقسيم عقلاً وقابل للانقسام إذاً هو قابل للزوال، وواجب الوجود يزول أم لا يزول؟ لا يزول، إذاً لا يصلح أن يكون زمانياً، يعني لا يصلح أن يكون في زمن، ليس له زمان.
لأن الزمان والزماني -يعني ما هو الزماني؟ يعني كل شيء له زمن يزول، كل شيء له زمن يقع بالزوال- لماذا؟ لأن الزمن زائل، فمظروف الزمن أيضاً قابل للزوال، فواجب الوجود لا يمكن أن يكون زمانياً، واضحة الفكرة إن شاء الله؟ بما أن الزمن قابل للزوال، فكل زماني -يعني ما زماني هيئة النسبة، الشيء المنسوب إليه زمن، مثل ما نقول مكان ومكاني، يعني الشيء الموجود في مكان المنسوب إلى مكان، مو تقول هذا مكاني وذاك مكان، فالشيء المنسوب إلى الزمن وإلى المكان قابل للزوال- فلا يقتصر واجب الوجود بالزمن والمكان.
وبنفي الزمن نفي عن واجب الوجود الحركة والتحول والتكامل، لأن الحركة لا تتم إلا في زمن فالحركة زمانية اتفقنا؟ التكامل لا يكون إلا في زمن فالتكامل زماني، التحول والتغير لا يكون إلا في زمن فالتكامل والتغير زماني، وكل زماني قابل للزوال لأن نفس الزمن قابل للزوال، كيف لا يكون الزماني قابل للزوال؟ واضح؟
الحركة، التحول، التغير، التكامل يكون في ظرف زمان، إذاً كان أصل الزمن قابل للانقسام عقلاً وبالتالي قابل للزوال، كيف لا يكون الزماني الذي هو مظروف للزمن قابل للزوال؟ واضح إن شاء الله؟
سلب الحركة والسكون وإثبات الثبات
جيد، نحن قلنا إن واجب الوجود ليس بمتحرك، ليس بمتغير ومتحول، ليس بمتكامل، ما هو وما هي الصفة المقابلة؟ نلتفت جيداً إلى المطلب، إلى التغير؟ نقول: ليس بمتغير، إذاً هو ثابت، فنقول: واجب الوجود ثابت وليس بمتغير، واضح؟
أيضاً قلنا: واجب الوجود ليس بمتحرك، إذاً هو ساكن؟ السكون يقابل الحركة. أيضاً قلنا: واجب الوجود ليس بمتكامل، إذاً هو ماذا؟ متكامل وادع... على كل حال نحن من سلب هذه الصفات الثلاث نثبت لواجب الوجود صفة واحدة وهي الثبات، فنقول: واجب الوجود ثابت ليس بمتحرك، ليس بمتغير ومتحول، ليس بمتكامل.
كيف معنى أن المقابل إلى الحركة السكون؟ فإذا سلبنا الحركة لابد أن نسلب أيضاً السكون؟ لابد أن لا نثبت السكون، لأن السكون هو المقابل لماذا؟ للحركة. نقول: التقابل بين الحركة والسكون تقابل الملكة وعدمها، وفي تقابل الملكة وعدمها نشترط القابلية؛ مثل التقابل بين الزواج والعروبة... يكون قابلية الشيء للسبب؛ التقابل بين العمى والبصر لابد أن تكون قابلية الأبصار، لا يصح أن تكون هذا الحجر متزوج وهذا الحجر أعزب، قابلية ما موجود؛ هذا الحجر أعمى وهذا الحجر بصير، قابلية ما موجود؛ لكن يسع يقال هذا الإنسان متزوج فهو ليس أعزب، أو أعزب فهو ليس متزوج، أو أعمى فهو ليس بصير، أو العبد...
إذاً في تقابل الملكة والعدم نشترط القابلية. التقابل بين الحركة والسكون هو عبارة عن تقابل الملكة وعدمها التي نشترط فيها القابلية، وذات واجب الوجود قابلية الحركة والسكون ما موجودة لأنه ثابت، واجب الوجود ثابت وقابلية الحركة وقابلية السكون ما موجودة، إذاً ليس بمتحرك وليس بساكن.
فإذا أشكال عليك مشكل قائلًا: سلمنا بما تقولون إذ قلتم إن الحركة مسلوبة عن واجب الوجود، هل تلتزمون أنه ساكن؟ نقول: لا، نسلم ولا نلتزم، ونقول: إنه ليس بمتحرك وليس بساكن، ولا يلزم رفع النقيضين، إذ التقابل بين الحركة والسكون ليس تقابل النقيضين أو الضدين وإنما هو تقابل الملكة وعدمها الذي يشترط فيهما القابلية، وواجب الوجود قابلية الحركة والسكون ما موجودة لأنه ثابت، فمرادنا من نفي الحركة ونفي التغير ونفي التحول ونفي التكامل إثبات أنه ثابت، فهو ثابت ليس بمتحرك، ثابت ليس بمستكامل، ثابت ليس بمتحول ومتغير. واضح؟
قراءة النص والتنبيه على المطالب
نقرأ هذا المقدار، قال حفظه الله:
(وكذلك لنفسه جسميته واجب الوجود تسلب من واجب الوجود سائر خواص الأجسام، أمثال كون واجب الوجود في مكان أو زمان. لماذا؟ أو لم يعلل المكان ثم الزمان وذلك لأن المكان إنما يتصور للشيء الذي له حجم وامتداد، وواجب الوجود ليس له حجم وامتداد، إذ الحجم والامتداد يشغل حيز من الفراغ وواجب الوجود لا يشغل حيز من الفراغ. وكذلك الآن يعلل لنفي الزمان. وكذلك كل شيء زماني هو قابل للانقسام من حيث الامتداد والعمر الزماني ويعتبر هذا نوعا من الامتداد والتركيب من الأجزاء بالقوة).
التفت هنا الشيخ حفظه الله لم يقسم الزمن كما بينا، ربما قد يتوهم من شرحنا التقسيم لنفس الزمن، قسم الشيء الزماني وهذا في دقة ولم يقسم الزمن لأن الزمن كما في الفلسفة هو متصرم في الشرع... قسمت الزمن الساعة الأدق لا أن تقسم الزمن، تقسم الشيء الزماني، يعني الشيء الواقع في ظرف الزمان.
لاحظ: كل شيء يكون في زمان، كل شيء يكون في زمان قابل للانقسام. الجدار ألا يكون في زمان؟ قابل للانقسام. والحديد أليس في زمان؟ قابل للانقسام. كل شيء يكون في ظرف الزمان هو زماني، كل ما يكون واقعاً في ظرف الزمان هو زماني. بما أنه زماني، كل شيء زماني قابل للانقسام عقلاً، بمعنى قابل للانقسام عقلاً قابل للزوال، فهذا نوع من التركيب بالقوة. فالشيء وإن كان واحداً بالفعل غير مقسم -الآن هذا بدن الإنسان واحد مو متعدد، فهو بالفعل قطعة واحدة- لكن بما أنه زماني يقع في ظرف الزمان وهو قابل للانقسام عقلاً، واضح.
فلا يصير اشتباه تقسيم نفس الزمن، أنا انقدحت في ذهني وقلت هذا استعد مع بعض المطالب الفلسفية في أن الزمن متصرم. واضح إن شاء الله؟ وعلى فالأداة هو تقسيم الزماني مو الزمن، لا تشتبه. نقول كل زماني مو الزمن، كل زماني قابل للانقسام عقلاً. واضح؟ وبما أن الزمان قابل للانقسام عقلاً فهو قابل للزوال. واضح إن شاء الله؟
نقرأ هذا المقدار، قال:
(وكذلك كل شيء زماني) -ما قال وكذلك الزمن- (كل شيء زماني يعني منسوب إلى الزمان واقع في ظرف زمنين. هذا الشيء الزماني قابل للانقسام من حيث الامتداد والعمر الزماني. ويعتبر هذا نوعا من الامتداد والتركيب من الأجزاء بالقوة. وبذلك نثبت أنه لا يمكن أن نتصور لله تعالى أي مكان أو زمان وأيضا أن كل موجود مكاني أو زماني ليس بواجب الوجود).
إن شاء الله واضح المطلب؟
وأخيراً وبتسلب الزمان من واجب الوجود تسلب من واجب الوجود الحركة والتحول والتكامل، لأن أية حركة أو تحول لا يمكن أن تتم بدون زمان فهي زمانية. واضح؟ الحركة والتحول والتكامل من الأمور الزمانية القابلة للانقسام عقلاً وبالتالي قابلة للزوال. إذاً فهؤلاء الذين أثبتوا لله مكاناً كالعرش -كبعض المذاهب السلفية التي تقول إن الله عز وجل ينزل في كل ليلة جمعة على حمار أسود على ظهر الكعبة، استغفر الله، إلى آخره- أو نسبوا له الحركة والهبوط من السماء، أو اعتقدوا أنه قادر للرؤية بالعين أنه يوم القيامة يشوفونه، أو أنه قادر للتحول والتكامل كما قال هيجل، لم يعرفوا الله حق معرفته.
في الحاشية رقم 24 المحشي يذكر هذه الأقوال ومن تبناها. ولابد من التنبيه أننا بسلب الحركة وبسلب السكون وبسلب التغير والتحول لا نثبت السكون له، لأن التقابل بين الحركة والسكون هو تقابل الملكة وعدمها التي يشترط فيها القابلية.
وبصورة عامة فكل مفهوم يدل على نقص من النقص والتحديد والاحتياج منفي ومسلوب عن الله تعالى، وهذا هو معنى الصفات السلبيّة الإلهية أن كل صفة فيها نقص وإثبات تحديد واحتياج لله هي مسلوبة.
أقسام العلل
العلة الموجدة. نحن قلنا إن لواجب الوجود صفاتان: الصفة الأولى عدم احتياجه إلى شيء، فرعنا عليها الأزلية، الأبدية، عدم الرؤية بالعين، عدم الجسمية، عدم التركيب، عدم الإدراك بالحواس، عدم التحول، عدم الحركة، عدم التغير، عدم الزمان، عدم المكان، كل هذا ببركة الخصيصة الأولى.
نحن الآن ناتي إلى الخصيصة الثانية، قلنا إن جميع الممكنات محتاجة ومفتقرة إلى واجب الوجود. (تباركت تستغني، تعاليت تستغني، ويفتقر إليك لبيك). لأنه علة العلل ومسبب الأسباب، والعلة الأولى والعلة المطلقة، وكل الأشياء مفتقرة ومحتاجة إليه. من هنا لابد أن نبحث عن هذه العلة الموجدة.
وبما أننا نبحث عن العلة الموجدة لابد أن نقدم مقدمة ببيان معنى العلة وأقسام العلة. معنى العلة قد تقدم، وهو توقف شيء على شيء على نحو يكون هناك نوع من الاحتراق، الاحتراق يتوقف على النار والاحتراق محتاج أيضاً إلى النار فهو علة، النار علة للاحتراق، واضح؟ هذا هو المراد من العلة. العلة توقف شيء على شيئين بنحو يكون هناك احتياج. فمطلق الاحتراق الذي يؤدي إلى التوقف هذا يحقق لي، واضح إن شاء الله؟
بالتالي العلل قسموها إلى عدة تقسيمات. ذكرت هذه التقسيمات في كتب الفلسفة بشكل مفصل، ومن أراد التوسع عليه بالرجوع إلى (بداية الحكمة) أو (نهاية الحكمة) أو كتاب (المنهج الجديد في تعليم الفلسفة) للشيخ مصباح حفظه الله. هنا الشيخ ذكر بعض التقسيمات:
من هذه التقسيمات: العلة إما منحصرة وإما بديلة.
العلة المنحصرة يعني المعلول لا يتحقق إلا بهذه العلة، بحيث إذا عدمت هذه العلة لا يتحقق هذا المعلول. وعندنا علة بديلة مثل علة النار للحرارة، هل هي علة منحصرة أم علة بديلة؟ علة بديلة؛ لأن الحرارة قد تحصل بسبب النار، قد تحصل بسبب الشمس، قد تحصل بسبب الكهرباء، قد تحصل بسبب كذا، فإذاً المعلول وهو الحرارة يمكن أن تكون له عدة علل، عدة بدائل، حينئذ نقول: النار علة بديلة للحرارة. النار علة بديلة للحرارة، الكهرباء علة بديلة للحرارة، واضح؟ لكن بعض العلل بعض المعاليل لها علة واحدة هي التي تحققها، كسائر الموجودات علتها منحصرة بالله عز وجل، لا توجد إلا بوجود الله. الله عز وجل علة منحصرة للموجودات وليس علة بديلة، واضح أم لا؟ ليس له شريك بحيث أما هذا يخلق أو أما هذا يخلق، واضح إن شاء الله.
تقسيم ثان للعلل: نقول إن العلل إما علل حقيقية وإما علل معدة.
العلل الحقيقية هي تلك العلل التي تلازم المعلول دائماً، بخلاف العلل المعدة؛ مثلًا البذرة، هذه البذرة يمكن أن تصبح شجرة، لكن متى تصبح شجرة؟ إذا جاء المزارع وحرث الأرض ووضع فيها البذر، فالمزارع علة لنمو الشجرة. لكن الشجرة في نموها هل تحتاج إلى المزارع دائماً؟ ربما يموت المزارع وتنمو الشجرة! فنقول: المزارع، التراب، الماء، السماء، كلها علل معدة وليست علل حقيقية.
يعني ماذا ليست علل حقيقية؟ يعني الشجرة في وجودها لا تحتاج -من الحدوث إلى البقاء، من البداية إلى النهاية- لا تحتاج إلى هذه العلل، هذه العلل شروط؛ وجود التراب الصالح، الماء الصالح، السماد، المزارعة هي شروط لإعداد نمو الشجر، لإعداد الشجرة، فيقال لها شروط معدة، علل معدة، واضح؟
عندنا علل حقيقية، زين شنو العلل الحقيقية؟ أنت الآن هل أنت تذهب إلى السوق، تتولد في نفسك صورة ذهنية أم لا؟ تتولد إرادة أم لا؟ التجئ حدوث هذه الإرادة من نفسك وبقاء هذه الصورة رهن ببقائها، إذا زلت أنت زلت من الوجود، تفقد الصورة الذهنية تفقد الإرادة. إذاً إرادة الإنسان والصورة الذهنية للإنسان حدوثها ينتقل إلى نفس الإنسان، بقاؤها أيضاً ينتقل إلى نفس الإنسان، واضح أم لا؟ ولذلك يمكن أن تزور، يمكن لنفس الإنسان أن تعرض... أردت أن أذهب إلى السوق، ثم بعد ذلك عدلت، أريد أن أذهب إلى المسجد، واضح إن شاء الله.
إذاً العلة الحقيقية هي العلة الموجودة دائماً مع المعلول، لا ينفك المعلول عن علته بحيث إذا عدمت العلة لابد أن يعدم المعلول، بخلاف العلة المعدة هي بمثابة الشرط الذي يُعد المعلول ثم يزول، واضح أو لا؟
الآن الأب بالنسبة إلى الابن: علة حقيقية أم علة معدة؟ علة معدة. ولذلك قد يموت الأب والطفل الجنين في بطن أمه. فالأب بالنسبة إلى الابن والمزارع بالنسبة إلى الشجرة إنما هما من سنخ العلل المعدة. لكن نفس الإنسان وعلتها لتوليد الإرادة، توليد نفس الإنسان للصورة الذهنية، الحقيقية، يعني لا يمكن أن ينفك المعلول وهو الصورة الذهنية عن العلة وهي نفس الإنسان، واضح إن شاء الله.
العلة البديلة واضح إن شاء الله.
عندنا علة... طبعا العلل أيضاً يقسمونها تقسيمات كثيرة. من هذه التقسيمات يقسمون العلل إلى أربع علل: علة فاعلية، علة مادية، علة صورية، علة غائية.
نضرب مثالاً بسيطاً ذكره الشيخ المظفر -مُلتزم لما ذكره الشيخ المظفر، وإن كانت خلاصتهم عندهم معنى أدق-: مثلاً الكرسي، إليه علة مادية وهو التكون من الخشب، وإليه علة صورية وهو شكل الكرسي، وإليه علة فاعلية وهو النجار، وإليه علة غائية وهو الجلوس، واضح إن شاء الله.
وهكذا مثلاً الطاولة لها علة فاعلية وهو النجار، علة مادية وهو الخشب، علة صورية وهو شكل طاولة، وعلة غائية وهو الغاية من صنع هذه الطاولة وهي الكتابة.
وهكذا الولد له علة فاعلية وهو الأب، وله علة مادية تكون من لحم وعظم، وله علة صورية وهو شكله، وله علة غائية وهو أن يعمر ديار الله عز وجل وعبادة الله عز وجل، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
على كل حال هذا التصوير في المنطق ذكر الشيخ المظفر في الجزء الثالث، وإلا الفلاسفة خصوص العلة الصورية والعلة المادية لهما تصوير أدق، تصويره إنتاجي... إلى كلام لا نريد أن نعقد المطلب، واضح. يختلف لهذا التصوير لا قبل هذا التصوير.
كل من العلة الفاعلية وبقية العلل يقسمونهما أيضاً إلى أقسام. العلة الفاعلية يقسمونها إلى ثمانية أقسام؛ صدر المتألهين ذكر للعلة الفاعلية ستة أقسام، وصاحب المنظومة ذكر للعلة الفاعلية ثمانية أقسام، كلها مذكورة في كتاب بداية الحكمة: الفاعل بالقس، الفاعل بالجبر، الفاعل بالرضا، الفاعل... واحد من أقسام الفاعل، العلة الفاعلية، هو الاعل بالتجلي، الفاعل بالتجلي.
الفاعل بالتجلي
هذا الفاعل بالتجلي يصدق على الله عز وجل. هذا الفاعل بالتجلي معنى أعمق وأدق مما ذكرناه من العلة المنحصرة والعلة البديلة، ومن ما ذكرناه من أن العلة حقيقية وعلة ماذا؟ معدة. الفاعل بالتجلي يا مولانا هي عبارة عن أن المعلول لا يستقل أبداً، لا يستقل أبداً عن علته؛ مثل ما ذكرنا، الصورة الذهنية، الصورة الذهنية ما هي علتها؟ أنفس... أنفس فصورة ذهنية يدور وجودها مدار وجود النفس. والنفس حينما تخلق الصورة الذهنية لديها إرادة أم لا؟ لديها إرادة، وتعلم بالمعلول أم لا؟ تعلم بالمعلول. هذا هو الفاعل بالتجلي.
أولاً: لديه إرادة قبل أن يخلق المعلول، وثانياً: لديه علم أيضاً بالمعلول. هذا يقال له الفاعل بالتجلي.
من نقول: تجلى الله عز وجل... ما يقال العالم محضرة الله فلا تحصل لها في محضره، من نقول إن العالم موطن تجلي الله عز وجل، يعني مو موطن يعني حدد في مكان، لا! يعني الله عز وجل كانت لديه إرادة لتحقيق العالم، وكان يعلم أيضاً بالعالم قبل أن يحققه، تماماً كالنفس، لكن أرقى. إذ النفس يسمونها فاعل بالتجلي وواجب الوجود أيضاً يسمونه فاعل بالتجلي، حتى النفس يسمى فاعل بالتجلي، لكن الله الفاعل بالتجلي أعمق وأدق معنى الفاعل بالتجلي للصورة الذهنية. لماذا؟ لأن الصورة الذهنية ممكنة أم واجبة؟ والنفس الإنسانية التي هي فاعل ممكنة أم واجبة؟ ممكنة، فإذاً هي مقيدة بحدود عالم الإمكان، بينما واجب الوجود غير مقيد بشوائب عالم الإمكان، فحينما يتجلى ويخلق المخلوقات لا يكون محدوداً بنواقص عالم الإمكان، وإنما يتجلى بكمالات عالم الوجود، واضح؟
إذا اتضح هذا نحن ذكرنا نقطتين: الله عز وجل علة لكل الممكنات وليس معلولاً لأي شيء. التفت إلى هاتين النقطتين: واجب الوجود علة وليس معلولاً، ليس معلولاً لكل شيء وهو علة لكل شيء.
حينما نقول واجب الوجود علة لكل الممكنات، ما هو المراد من العلة؟ هل المراد العلة المعدة؟ العلة المنحصرة؟ العلة البديلة؟ المراد معنى أعمق. حينما نقول واجب الوجود علة للممكنات مرادنا من العلة هنا أنه خصوص الفاعل بالتجلي من أقسام العلة الفاعلية هي المعنى الأعم.
لكن حينما نقول واجب الوجود ليس معلول لشيء، ننفي عن مطلق العلة، يعني لا إلى علة منحصرة ولا إلى علة بديلة، لا إلى علة حقيقية ولا إلى علة معدة. وهكذا العلل يقسمونها إلى علة تامة وعلة ناقصة: العلة التامة ما توفرت فيها الأمور الثلاثة: المقتضي والشرط وانعدام المانع، لكن بقية الأجزاء مثل المقتضي يقال له علة ناقصة، أو خصوص الشرط يقال له علة ناقصة.
نحن نقول: واجب الوجود ليس له علة، يعني ليس له علة لا تامة ولا ناقصة، لا منحصرة ولا بديلة، لا حقيقية ولا معدة، لا فاعل بالتجلي ولا علة فاعلية ولا علة غائية ولا علة صورية ولا علة مادية؛ فحينما ننفي العلة عن واجب الوجود ننفي عنه مطلق العلة.
لكن حينما نثبت له العلية -مو ننفي نسبة العلية- لا، حينما نقول واجب الوجود علة للممكنات يعني مو علة بمعنى علة معدة، تعالى الله عن ذلك! لأن من نقول علة يعني عبارة عن كونه الفاعل بالتجلي وبتجلي للممكنات خلق الممكنات. يعني ماذا فاعل بالتجلي؟ يعني كان يريد، وحينما كان يريد كان يعلم بالمعلول، فالمعلول صدر بإرادته وعلمه بما كان يريد، واضح لو لا؟
أحياناً المعلول يصدر من دون إرادة مثل شنو؟ المعدة تهضم لو لا؟ المعدة علة والمضمون معلول، لكن ماذا؟ بلا علم، واضح لو لا؟
يقسمون العلل الفاعلية: فاعل بالجبر، فاعل بالقس، فاعل بالرضا، فاعل فاعل إلى أن يأتون إلى قسم الفاعل بالتجلي.
أهم المطالب قد أخذناها، إن شاء الله غدا نطبق العبارة، نلخص ما ذكرناه ونطبق العبارة، ثم ننطلق إلى مميزات العلل الموجدة فيأتي عليها الكلام.
وصلى الله على محمد وآله الكرام.
