دروس في العقيدة – الشيخ عبدالله الدقاق

دروس مقررة — النصوص المتاحة

37 درس مكتوب؛ بقية الدروس في هذه الدورة قد تكون صوتية فقط.

عرض روابط القراءة وWord والخلاصة

متن الدرس الدرس 24

تحميل Word

الدرس 24

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. اللهم صل على محمد وآل محمد. اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا بنور الفهم، اللهم افتح علينا أبواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علمك برحمتك يا أرحم الراحمين.

كان الكلام في الدرس العاشر عن الصفات الفعلية، وقلنا إن الصفات الفعلية هي عبارة عن مفاهيم تنتزع من إضافة شيء إلى شيء؛ كمفهوم الخالقية ومفهوم الرازقية، فبإضافة الخالق إلى المخلوق، وبنسبة الرازق إلى المرزوق، نحصل على صفة الرازقية وصفة الخالقية.

اليوم إن شاء الله نعقب ببيان ملاحظة: إن هذه الإضافة وهذه النسبة وهذه العلاقات لها طرفان: أحد الطرفين هو الخالق والرازق، والطرف الآخر هو المخلوق والمرزوق؛ وبالتالي أحدهما واجب وهو الله عز وجل، والآخر ممكن وهو المخلوق والمرزوق. هذا الممكن بطبيعة الحال محدد بتحديدات الزمن والمكان، فالخالق والرزق يتحدد بزمان ومكان، بخلاف الخالق والرازق الذي هو واجب الوجود منزه عن شوائب الزمانية والمكانية.

وبالتالي، حينما نسب طرف الإضافة وهو المخلوق والمرزوق إلى زمن وإلى مكان، لا يعني ذلك أننا نسب الطرف الآخر للإضافة -وهو ذات الخالق وذات المخلوق- للزمان والمكان؛ فالطرف الأول -وهو ذات الخالق وذات الرازق- منزه عن شوائب عالم الإمكان من زمان ومكان، بينما الطرف الآخر للإضافة وللنسبة وللعلاقة -وهو المخلوق والمرزوق- يحتوي شوائب عالم الإمكان من زمان أو مكان، فالخلق والرزق يكون في زمان معين وفي مكان معين، فالمخلوق والمرزوق يخلق ويرزق في زمن معين وفي مكان معين.

كون المخلوق والمرزوق -هذا الممكن- محدد بحدود زمانية ومكانية، لا يعني أن ذات الخالق وذات الرازق محدد بتلك الحدود الزمانية والمكانية. ومن هنا يعلم أنه بعضهم ماذا قال؟ قال: ما هي صفات الله عز وجل؟ إنه رازق، أنه خالق. قال: والرزق والخلق لا يكون إلا في زمان وإلا في مكان، إذن الخالق والرازق زماني مكاني، فإذن هو جسم؛ لأن من لوازم الجسمية الزمان والمكان. نقول: هذا الاستدلال باطل من أساسه؛ لأن النسبة والعلاقة والإضافة لها طرفان: ذات الخالق وذات المخلوق، ذات الرازق وذات المرزوق، وكون المخلوق والمرزوق زمانياً أو مكانياً لا يستلزم أن يكون ذات الخالق والرازق زمانياً أو مكانياً. واضح؟ ذات واجب الوجود كمالاته لا نهائية، وذات الخالق والمخلوق كمالاته لا نهائية، بينما المخلوق والمرزوق محدد بالحدود الزمانية والمكانية.

وأعتقد إن شاء الله نقرأ هذا المقدار صفحة تسعة وتسعين (99):

«والملاحظة التي لها أهميتها، والتي يجب علينا التأكيد عليها هنا -يعني في الصفات الفعلية- هي أننا حينما نتصور الرابطة بين الله تعالى والموجودات المادية، إذن بين طرفين: الله تعالى، والموجودات المادية، وعلى ضوء الرابطة بينهما تنتزع الصفة الفعلية المعينة لله تعالى، فإن هذه الصفة سوف تتحدد ببعض القيود الزمانية والمكانية بلحاظ تعلق هذه الصفات بالموجودات المادية، مثلاً: صفة الرزقية، صفة المرزوقية، المخلوقية، بلحاظ تعلق هذه الصفة بالموجودات المادية التي تمثل أحد طرفي الإضافة، أحد طرفي الإضافة الموجودات المادية والطرف الآخر واجب الوجود، وإن كانت هذه الصفة -صفة الرزق وصفة الخلق مثلاً- بلحاظ تعلقها بالله تعالى الذي يمثل الطرف الآخر للإضافة منزهة عن مثل هذه القيود والحدود. أي قيود؟ قيود الزمان، قيود المكان. فإن إضافة الرزق إلى الشخص مثلاً إنما تتوفى في ظرف زماني ومكاني معين، يرزق في زمن معين وفي مكان معين، هذا لا يعني أن الخالق والرازق محدد بزمن معين ومكان معين. ولكن هذه القيود والحدود في واقعها متعلقة بذلك الشخص الملتصق، لا بالرازق، والذات الإلهية منزهة عن أية نسبة زمانية ومكانية. وهذه الملاحظة الدقيقة -أي ملاحظة دقيقة هي يعني كون أحد طرفي الإضافة محدداً بحدود زمانية أو مكانية لا يعني أن الطرف الآخر أيضاً محدد بالحدود الزمانية والمكانية- تعتبر المفتاح لمعالجة الكثير من الشبهات التي أثيرت في موضوع معرفة الصفات والأفعال الإلهية، مثلاً تقول: العلم صفة قائمة بين العالم والمعلوم، والمعلوم معلوماتنا تكون في زمن وفي مكان، إذاً علم الله عز وجل مقيد بزمن ومقيد بمكان. الجواب: العالم طرف الإضافة الله عز وجل، ذات العالم وذات المعلوم طرفان، كون ذات المعلوم يكون في زمن معين -لو سلمنا بكلانكم لو سلمنا أن المعلوم ما يكون إلا في زمن معين أو مكان معين- لا يستلزم أن يكون ذات العالم أيضاً موجوداً في زمن معين وفي مكان معين. هذه الملاحظة الدقيقة تعتبر المفتاح لمعالجة الكثير من الشبهات التي أثيرت في موضوع معرفة الصفات والأفعال الإلهية، وأدت إلى الكثير من النزاعات بين العلماء والمفكرين».

بيان الصفات الفعلية

الآن نشرح في بيان الصفات الفعلية؛ فالشيخ (حفظه الله) يذكر ثلاث صفات: الصفة الأولى: صفة الخالقية، الصفة الثانية: صفة الربوبية، والصفة الثالثة: صفة الألوهية. وفي بحث الخالقية يوجد بحث فلسفي دقيق نرجو إن شاء الله أن يلتفت إليه بشكل جيد ودقيق.

صفة الخالقية لها معنيان: معنى عام ومعنى خاص. المعنى العام واضح لديكم ولا يحتاج إلى مزيد بيان، والمعنى الخاص يحتاج إلى بعض الدقة وبعض المقدمات الفلسفية.

المعنى العام مفاده هكذا: نحن قلنا إن الله عز وجل هو العلة الأولى لوجود الممكنات، وبالتالي العلة الأولى -وهي الله عز وجل- يقال لها خالق، وسائر المعلولات الممكنة الوجود يقال لها مخلوقات. فما هو الخالق؟ هو ذات العلة الأولى، ذات العلة الموجدة. وما هو المخلوق؟ ذات المعلول الممكن الموجد من قبل تلك العلة. واضح إن شاء الله؟ إذاً لفظ الخالقية مساو لوجود العلة الأولى، والمخلوق مساو لوجود الممكنات المعلولة الموجودة ببركة تلك العلة الأولى. هذا هو المعنى الأول للخالقية، ومن الواضح أن هذا المعنى يشمل كل الموجودات؛ لأن الموجودات إما واجبة وإما ممكنة، وأما الموجود المستحيل فلا وجود له، فالموجود إما واجب وإما ممكن. الوجودات الواجبة لا وجود لها إلا واحد، وجود واحد وهو الله عز وجل، فقط هو واجب الوجود، وبقية الموجودات ممكنة الوجود؛ فالله العلة الأولى واجب الوجود هو الخالق، وسائر الموجودات الأخرى ممكنة الوجود هي المخلوقات.

هذا هو المعنى العام، لماذا عام؟ لأنه يشمل كل الممكنات، كل الممكنات يقال لها مخلوقات، كل الوجودات ما عدا وجود الله عز وجل، كل الوجودات مخلوقة، والله عز وجل هو الخالق.

يوجد معنى آخر، معنى خاص للخلق يفرق بين الخلق وبين الإبداع؛ فيقول يوجد عندنا خلق ويوجد عندنا إبداع، فالإيجاد على نحوين: إما إيجاد على نحو الخلق وإما إيجاد على نحو الإبداع، إما إيجاد خلقي وإما إيجاد إبداعي. ما الفرق بينهما؟

قبل أن نفرق بينهما نقدم مقدمة فلسفية. المقدمة فلسفية مفادها هكذا: في علم الفلسفة يقال إن الموجودات -مثل الموجودات الجسمانية- لها مادة ولها صورة. فما هو المراد من المادة؟ وما هو المراد من الصورة؟ المادة على نحو أيضاً: مادة أولى ومادة ثانية. فما هو المراد من المادة الأولى؟ وما هو المراد من المادة الثانية؟

نضرب مثالاً لتوضيح المطلب: الإنسان ممَّا يتكون؟ في البداية نطفة، ثم من بعد النطفة مضغة، ثم من بعد المضغة علقة، ثم من بعد العلقة عظم، ثم من بعد العظم إنسان، ثم من بعد الإنسان قد يصبح رماداً في التراب يذوب ويصبح رماداً تذروه الرياح. وهكذا البذرة كانت في ثمرة، ثم هذه البذرة وقعت في الأرض، ثم هذه البذرة أصبحت برعم، ثم هذه البذرة أصبحت شجيرة، ثم هذه الشجرة أصبحت يابسة، ثم هذا اليابس أصبح خشباً، ثم هذا الخشب أصبح رماداً بفعل حرق النار لذلك الخشب.

يقولون: توجد حقيقة مشتركة بين هذه الصور المختلفة؟ هل يوجد شيء مشترك بين المضغة والنطفة والعلقة والإنسان والرماد أم لا؟ وهل يوجد شيء مشترك بين البذرة والبرعم والشجيرة والشجرة والخشب والرماد أم لا؟

يقولون: توجد مادة أولى، هذه المادة مشتركة بين جميع هذه الصور والأشكال، هذه المادة مشتركة هي موجودة في النطفة، وهي موجودة في العلقة، وهي موجودة في ماذا؟ في المضغة، وهي موجودة في الإنسان، وهي موجودة في الرماد. وليس المراد من المادة في هذا المثال عبارة عن المادة التي نصطلح عليها بمعنى جسم؛ لا، ليس المراد من المادة هنا الجسم، المراد من المادة القابلية، الاستعداد، القابلية المحضة. فيقولون المادة لا فعلية لها، قابلية محضة، استعداد محض. ويقولون حيثية المادة هي الفقدان.

كيف الفقدان؟ البذرة إذا هي فعلاً بذرة، فاقدة للبرعمية لو غير فاقدة؟ فاقدة للبرعم. فإذا هي برعم، فاقدة للشجيرية أم غير فاقدة؟ فاقدة للشجر. وإذا هي شجيرة، فاقدة للشجرية أم لا؟ فاقدة. وإذا هي شجرة، فاقدة للخشبية أم لا؟ فاقدة. وإذا هي خشب وحطاب، فاقدة للرمادية أم لا فقر؟ فاقدة. فيقولون حيثية المادة حيثية فقدان.

والتفتوا، عندنا مادة وعندنا صورة. وليس المراد من الصورة الشكل الخارجي، المراد من الصورة هي الصورة النوعية، يعني العلاقة المضغية النطفية الإنسانية الرمادية -مو المراد ذات الإنسان شكل الإنسان، وليس المراد شكل النطفة الخارجي أو شكل العلاقة في الخارج أو شكل الرماد في الخارج لا لا لا لا- عبارة عن الصورة الذهنية لنوع الإنسان، الصورة الذهنية لنوع العلاقة. مثل ما تقول الناطقية، أنت تريد الناطقية يعني النطق الموجود في الخارج لو تريد من الناطقية هي عبارة عن الصورة النوعية للناطقية التي هي فصل للإنسان؟ تريد الصورة النوعية التي تمثل فصل للإنسان تفصل الإنسان عن الحيوان بكلمة ناطق. فالمراد من الصورة ليس هو الشكل الخارجي، وإنما المفهوم الذهني الذي يعبر عن الصورة النوعية؛ لأن كل نوع له صورة معينة يفرزها الذهن عن بقية الصور.

فيقولون: الجسم كل جسم يتركب من مادة ومن صورة. يقولون حيثية المادة حيثية القوة والقابلية والاستعداد والفقدان، وحيثية الصورة حيثية الفعل والتحقق. فإذاً النطفة والعلقة والمضغة والإنسان والرماد هذه الأمور الخمسة تشترك في مادة واحدة يقال لها المادة الأولى أو الهيولى الأولى. هذه المادة موجودة، لكن موجودة بالقوة، بالقابلية، بالاستعداد. متى تخرج من حيز القوة إلى الفعلية؟ تخرج ببركة الصورة النوعية. فيقولون المادة هي بالقوة الفعلية للعلاقية، المادة هي بالقوة والاستعداد الفعلية للمضغية، المادة هي بالقوة ولكن الصورة النوعية صورة الإنسانية، المادة موجودة بالقوة ولكن الصورة الموجودة صورة الرمادية. فإذاً المادة دائماً قوة بمحض، قوة محضة. هذه المادة الأولى.

المادة الأولى هي عبارة عن الاستعداد، لو ما النطفة لها قابلية أن تصير علقة ما صارت علقة، ليش النطفة صارت علقة ما صارت جدار؟ لأن النطفة فيها استعداد وقابلية أن تكون علقة. والعلاقة لماذا أصبحت مضغة ولم تصبح حجرة؟ لأن المضغة لها قابلية أن تكون علقة وهكذا. وهذه العلاقة والمضغة لماذا أصبحت إنساناً ولم تصبح قمراً؟ لأن فيها قابلية واستعداد. ولماذا الإنسان أصبح رماداً؟ لأن فيه قابلية أن يكون رماداً واستعداداً أن يكون رماداً. وهكذا هذه البذرة لماذا أصبحت برعم؟ لماذا لم تصبح حديداً؟ لأن البذرة فيها قابلية واستعداد أن تكون برعم. والبرعم لماذا أصبح شجيرة ولم يصبح زجاجاً؟ لأن فيه قابلية. فحيثية القابلية والاستعداد المحض يقال له مادة أولى، هيولى أولى. واضح؟

والمادة دائماً -المادة الأولى- قوة محضة لا فعلية لها، الفعلية لحيثية الصورة. الموجود بالفعل مو المادة، المادة بالقوة، الموجود صورة العلاقة، صورة المضغية -مو تقول صورة الإنسان، عندما تقول صورة الإنسان قد تتوهم أنني أنا شكل الإنسان الخارج أو شكل المضغة الخارج، لا لا لا لا- العلاقاتية يعني الصورة الذهنية التي ينتزعها الذهن للعلاقة، الصورة الذهنية التي ينتزعها الذهن للإنسانية وهي الحيوانية الناطقية، الصورة النوعية للإنسان الحيوانية الناطقية.

الموجود بالفعل هو الصورة، وليس المراد من الصورة هو الشكل الخارجي الموجود، المراد من الصورة عبارة عن الصورة الذهنية. وليس المراد من المادة المادة الموجودة في الخارج اللي هي الجسم، لا؛ المراد من المادة هو عبارة عن الهيولى الأولى أو القوة المحضة، الاستعداد المادة. إن شاء الله واضح المطلب.

إذاً، عندنا مادة أولى في قبال الصورة. وعندنا مادة ثانية، بعد عندنا مادة ثالثة ورابعة وخامسة. يقولون المراد من المادة الثانية -يعني ما ليست بأولى، المادة إما أولى أو ثانية، ثانية يعني ليست مادة أولى، ليست هي تلك القوة المحضة- مجموع المادة الأولى والصورة يشكلان الجسم، كل جسم من الأجسام جسمي وجسمك له مادة قابلية أن يكون إنسان وله صورة نوعية صورة الإنسانية. وهكذا النبات له مادة هيولى أولى وله صورة النباتية الشهيرة، مجموع المادة الأولى والصورة النوعية مجموعهم شيء يشكل؟ يشكل الجسم، يشكل جسم النبات، يشكل جسم الإنسان، جسم النطفة، جسم العلقة؛ هكذا يقال له مادة ثانية.

فالمراد من المادة الثانية الجسم الذي تحقق ببركة القوة المحضة التي هي المادة الأولى والصورة النوعية. إذاً عندنا مادة أولى ومادة ثانية. المادة الأولى هي عبارة عن حيثية القوة المحضة، الاستعداد المحض، القابلية المحضة، يعبر عنه بالهيولى الأولى، هذه دائماً بالقوة، لا وجود له إلا بالقوة. إذا ضمت هذه القوة والاستعداد والقابلية إلى الصورة النوعية تحقق الجسم بالفعل: إذا ضمت هيولى الإنسان إلى الإنسان، هيولى النطفة إلى النطفة، هيولى العلقة إلى العلقة، هيولى البذرة إلى البذرية؛ ليتحقق جسم النطفة، جسم البذرة، جسم الإنسان، جسم الحيوان، جسم الرماد، ويقال له المادة الثانية.

واضح إن شاء الله؟ مصورين المطلب؟

إذاً عندنا مادة أولى هي عبارة عن القوة المحضة، وعندنا مادة ثانية هي عبارة عن الجسم الذي له مادة أولى وصورة نوعية. واضح إن شاء الله جيد.

إذا عرفنا المادة الأولى وعرفنا المادة الثانية، نأتي إلى تقسيم الموجودات؛ يقولون الموجودات إما مادية وإما مجردة عن المادة. الموجودات المادية مثل الإنسان، الموجودات المجردة مثل الملائكة التي يقال لها العقل، العقل هو الملاك مجرد عن المادة ليس بمادة. مثل الله عز وجل، الله عز وجل موجود مجرد غير مادي. واضح؟ هذا المقدار كافي. تحقيق البيان في معنى الوجود المادي والوجود المجرد وأنه في ذاته مادي أم في فعله مادي، في ذاته مجرد في فعله مجرد، هذا يحتاج إلى بحث فلسفي قد يخرجنا عن محل بحثنا.

إذا تنقحت هذه الصورة، تحققت هذه المقدمة: أن الموجودات إما مجردة أو مادية، والمادية إما عبارة عن المادة الأولى أو مادة ثانية. التفتوا جيداً: يقولون إيجاد الموجود المجرد -مثل إيجاد الملاك وإيجاد المادة الأولى الهيولى الأولى- لا يقال له خلق، لا يقال: الله خلق الموجود المجرد وهو الملاك، وخلق المادة الأولى؛ نعم، يقال له إبداع، إبداع لأنه إيجاد من العدم، إيجاد من العدم، هو الذي أوجد القابلية والقوة بعد أن لم تكن موجودة، أوجد الهيولى الأولى بعد أن لم تكن موجودة. إن شاء الله، فيقال لإيجاد المادة الأولى والهيولى الأولى، أو إيجاد وجود غير مادي وجود مجرد، يقال له إبداع، فيقال: الله عز وجل أبدع وجود الملاك وأبدع وجود المادة الأولى، أبدع وجود الهيولى. فالإبداع يطلق على إيجاد شيء: الأمر الأول الوجود والموجود المجرد عن المادة، ثانياً إيجاد خصوص المادة الأولى والهيولى الأولى يعني إيجاد نفس القابلية. من الذي أوجد قابلية النطفة أن تكون علقة؟ وأوجد قابلية العلقة أن تكون مضغة؟ من الذي أبدع هذا الاستعداد؟ الله عز وجل.

بينما الخلق يقال للمادة الثانية، يعني تحويل الجسم الذي كانت له مادة؛ لأنه تبين إنه إما أن تكون لدينا مادة أولى قابلية محضة، وإما عندنا مادة تتحول إلى مادة أخرى. الآن النطفة مادة أم غير مادة؟ مادة مكونة من المادة الأولى ومن صورة النطفة، تحولت إلى جسم علقته إلى جسم العلقة. العلقة جسم لو مو جسم؟ مادة لو مو مادة؟ تحولت إلى مضغة. المضغة جسم، تحولت إلى إنسان، الإنسان جسم، يتحول إلى رماد. فعندما تقول للإنسان مادة تحولت عن مادة، مادة الإنسان وجدت من مادة العلقة، من مادة المضغة، مادة المضغة وجدت من مادة العلقة، مادة العلقة وجدت من مادة النطفة. واضح.

إذا أوجد شيء وكانت له مادة سابقة هذا يقال له خلق، تقول: الله خلق من النطفة علقة، ومن العلقة مضغة، وخلق من المضغة إنسان. فالشيء الذي تحول من مادة إلى مادة تحويل الشيء من مادة إلى مادة يقال له خلق، بينما إيجاد أصل المادة الأولى يقال له إبداع. واضح إن شاء الله.

فإذاً على هذا المعنى الثاني يكون معنى الخلق خاص مو عام. لاحظ المعنى الأول ما هو المراد من الخالق؟ العلة الأولى. ما هو المراد من المخلوق؟ الممكنات الموجودة، وبالتالي الله العلة الأولى خالق، خالق للوجود المجرد، خالق للوجود الجسماني، خالق للمادة الأولى وخالق للمادة الثانية، فيكون معنى الخالق عاماً وشاملًا لكل الموجودات: جسمانية، مادية، مجردة عن المادة، مادة أولى، مادة ثانية.

بينما على المعنى الثاني إيجاد الموجود المجرد أو إيجاد المادة الأولى لا يقال له خلق، لا تقول: الله خلق الملاك، أو الله خلق الهيولى الأولى، تقول: الله أبدع وجود الملاك، الله أبدع وجود المادة الأولى، وأما الخلق فيقال للمادة الثانية، يقال للأجسام التي كانت متحولة عن مادة وتحولت من مادة إلى مادة. واضح إن شاء الله، هذا المطلب فيه دقة فلسفية، وربما الشخص إذا قرأه يتبين أن المطلب واضح لكن فيه نوع من الدقة، يلتفت إليه جيداً وإن شاء الله إذا درستم فلسفة سيكون هذا المطلب أوضح.

الخالقية الآن يتكلم عن المعنى العام للخالقية ثم يتكلم عن المعنى الخاص. هذا المعنى العام يشمل الإبداع ويشمل الخلق بالمعنى الخاص. هنا الآن معنى الخالقية له مصداقان: المصداق الأول: الإبداع، المصداق الثاني: الخلق بالمعنى الخاص. واضح إن شاء الله.

بعد إثبات واجب الوجود وأن واجب الوجود هو العلة الأولى لوجود الموجودات الممكنة، وبملاحظة أن جميع الموجودات الممكنة محتاجة في وجودها إلى الله، تنتزع من ذلك -يعني من احتياج الممكنات إلى وجود الله- صفة الخالقية لواجب الوجود والمخلوقية للممكنة، ومفهوم الخالق الذي يتوصل إليه من خلال هذه العلاقة الوجودية بين الخالق والمخلوق مساو للعلة الموجدة. ما هو المراد من الخالق؟ تقول: هي العلة الموجدة. ما هو المراد من المخلوق؟ تقول: المعلولات الممكنة. فصار معنى الخالق معنى عاماً يشمل إيجاد كل الموجود الممكن. واضح؟

قال: وكل الموجودات الممكنة المحتاجة التي تمثل طرف الإضافة كلها متصفة بصفة المخلوقية، بينما على المعنى الثاني مو كل الموجودات متصفة بصفة المخلوقية؛ الموجودات المجردة ما تتصف بصفة المخلوقية، المادة لها المادة الأولى ما تتصف بصفة المخلوقية تقول المادة الأولى مبدعة. واضح؟ على كل حال هذا اصطلاح، ولا مشاححة في الاصطلاح، الشيخ يركز على الاصطلاحات حتى إذا أتيت إلى بعض الكتب تميز بين هذه الاصطلاحات المختلفة. هذا تمام الكلام في تعريف الخالقية بالمعنى العام.

نأتي إلى تعريف الخالقية بالمعنى الخاص. قال: ولكن أحياناً يتصور للفظة الخلق معنى أكثر محدودية وخصوصية، حيث تعتبر الموجودات التي وجدت من مادة سابقة فحسب -يعني فقط- هي التي تعتبر طرفاً للإضافة، يعني هي تعتبر مخلوقات. وفي مقابل ذلك -يعني وفي مقابل مفهوم المخلوقية، مفهوم الخلق- مفهوم الإبداع، حيث يستخدم في الموجودات -يعني يستخدم أيضاً الإبداع في الموجودات- التي لم تسبق بمادة سابقة كالمجردات؛ إذا هو مجرد عن المادة، بعد سبق بمادة؟ لم تسبق بمادة، واضح أصلاً هو غير مادي كيف تكون مسبوق بمادة؟ والمادة الأولى التي هي الهيولى الأولى، المادة الأولى هي عبارة عن القوة والاستعداد المحض، القابلية المحضة غير مسبوقة بمادة، ولذلك سموها مادة أولى؛ لأن الشيء قبل أن يكون فعلياً يكون بالقوة، واضح، هذه القوة بعد ماكو مادة سابقة عليها، قوة سابقة عليها، واضح إن شاء الله المطلب. صعب!

وعلى هذا الأساس يقسم الإيجاد إلى قسمين: الخلق والإبداع، يعني إيجاد خلقي وإيجاد إبداعي. الإيجاد الإبداعي هو للموجودات المجردة وللمادة الأولى، والإيجاد الخلقي هو عبارة عن إيجاد المادة الثانية أو إيجاد الموجود الذي كان مسبوقاً بمادة، أو إيجاد المخلوق الذي وجد من مادة سابقة. واضح.

وخلاصة المطلب بأسلوب سلس ويسير: الموجود إما كان مسبوقاً بمادة أم لم يسبق بمادة. الموجود الذي يسبق بمادة إيجاده يقال له خلق، الموجود الذي لم يسبق إيجاده بمادة يقال له إبداع. واضح.

ثم الشيخ يعقب بتعقيب لطيف ظريف، يقول: إيجاد الله للمخلوقات يختلف عن إيجادنا لمخلوقاتنا، وذلك لأنه يوجد فرق بين عملية الخلق والمخلوق عندنا. عملية الخلق تحتاج إلى حركة، عمل، ثم تنتج العمل؛ ففرق بين أعمالنا وأفعالنا ونتيجة أعمالنا وأفعالنا. ففعلنا في الخارج له وجود أم ليس له وجود؟ له وجود، ونتيجة فعلنا في الخارج أيضاً لها وجود، مثلاً: هذا الصانع يصنع من الطين ومن الفخار يصنع آنية، يحتاج إلى بذل جهد، إلى فعل، عمل. هذا العمل في الخارج هل هو عين المزهريّة التي أوجدها هذا الصانع للفخار؟ لا، فعل الصانع له عين خارجي يختلف عن معين نتيجة صنعه وفعله؛ نتيجة صنعه هو المزهريّة، أما صنعه وعمله تلك الجهود التي قام بها من أجل تحقيق المزهريّة. هذا المعنى غير متصور للزوجة... تتي... الكلام يأتي عليها الكلام غداً إن شاء الله إن بقينا أحراراً، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

📁 اختر درساً للتشغيل
00:00 00:00
🔊
⏸ جاهز
عنوان صوت
الملف 001استماع
الملف 002استماع
الملف 003استماع
الملف 004استماع
الملف 005استماع
الملف 006استماع
الملف 007استماع
الملف 008استماع
الملف 009استماع
الملف 010استماع
الملف 011استماع
الملف 012استماع
الملف 013استماع
الملف 014استماع
الملف 015استماع
الملف 016استماع
الملف 017استماع
الملف 018استماع
الملف 019استماع
الملف 020استماع
الملف 021استماع
الملف 022استماع
الملف 023استماع
الملف 024استماع
الملف 025استماع
الملف 026استماع
الملف 027استماع
الملف 028استماع
الملف 029استماع
الملف 030استماع
الملف 031استماع
الملف 032استماع
الملف 033استماع
الملف 034استماع
الملف 035استماع
الملف 036استماع
الملف 037استماع
الملف 038استماع
الملف 039استماع
الملف 040استماع
الملف 041استماع
الملف 042استماع
الملف 043استماع
الملف 044استماع
الملف 045استماع
الملف 046استماع
الملف 047استماع
الملف 048استماع
الملف 049استماع
الملف 050استماع
الملف 051استماع
الملف 052استماع
الملف 053استماع
الملف 054استماع
الملف 055استماع
الملف 056استماع
الملف 057استماع
الملف 058استماع
الملف 059استماع
الملف 060استماع
الملف 061استماع
الملف 062استماع
الملف 063استماع
الملف 064استماع
الملف 065استماع
الملف 066استماع
الملف 067استماع
الملف 068استماع
الملف 069استماع
الملف 070استماع
الملف 071استماع
الملف 072استماع
الملف 073استماع
الملف 074استماع
الملف 075استماع
الملف 076استماع
الملف 077استماع
الملف 078استماع

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.